المؤلفات » مقالات إيمانية صراع الحق مع الباطل


 

 

 

 

 

 

 

 


 

الصِّرَاعُ

بَيْنَ

الحَقِّ وَالبَاطِلِ

 

 

 

 

الشيخ محمد أشكناني

 

الطبعة الأولى

1430 هـ  ـ 2009 م

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


 

- 2 -

 

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ

اللَّهُمَّ كُنْ لِوَلِيِّكَ الحُجَّةِ ابْنِ الحَسَنِ صَلَوَاتُكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آبَائِهِ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ وَفِي كُلِّ سَاعَةِ وَلِيًّا وَحَافِظًا وَقَائِدًا وَنَاصِرًا وَدَلِيلاً وَعَيْنًا حَتَّى تُسْكِنَهُ أَرْضَكَ طَوْعًا وَتُمَتِّعَهُ فِيهَا طَوِيلاً

بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ

اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ

 

 

 

 

 

 

- 3 -

 

موقع ديوانية الشيخ محمد أشكناني :

 

www.alashkanani.com

 

عنوان المراسلة :

محمد حسين أشكناني

بيان ـ ص . ب 66691

دولة الكويت 43757

 

Mohammad H. Ashkanani

 

BAYANP.O.BOX 66691

 

 STATE OF KUWAIT  43757

 

البريد الإلكتروني للمؤلف :

mohashk14@hotmail.com

 

البريد الإلكتروني للديوانية ولجانها :

mail@alashkanani.com

 

 

- 4 -

 

 

 

الصراع بين الحق والباطل

القسم الأول (1)

 

    الحمد لله ربّ العالمين وصلّى الله على سيّدنا أبي القاسم محمّد وآله الطّيّبين الطّاهرين .

    يقول الله تعالى في كتابه الكريم : ﴿ وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ  وَزَهَقَ الْبَاطِلُ  إِنَّ  الْبَاطِلَ  كَانَ  زَهُوقًا (2) .

    بمناسبة الأحداث التي تجري في بلاد المسلمين سوف يكون حديثي عن الصراع بين الحق والباطل ، والحديث سوف يبيّن الأطر العامة للتفكير في مثل هذه المواضيع لا فقط أن نتكلم عن المصداق الموجود اليوم وننسى أن ما يحدث اليوم هو في واقعه يقع ضمـن سلسلة طويلة ممتدّة مـن زمان أبينا آدم عليه السلام وتأتي

6  . . . . . . . . . . . . . . الصراع بين الحق والباطل ـــ القسـم الأول

 

إلى زماننا وتستمر إلى زمان الإمام المهدي عجل الله فرجه ، وما يحدث اليوم هو مصداق من مصاديق هذه السلسلة في الصراع بين الحق والباطل .

    في الأحداث التي تجري على المسلمين المفروض أن لا يكون التفاعل تفاعلا عاطفيّا فقط وتكون نتيجة فورة عاطفيّة وتنتهي ، بل لا بدّ من معرفة الحق والباطل ليكون الشخص مع الحق دائما وضدّ الباطل دائما ، ولا يكون الأمر أمرا عاطفيّا فقط كمن يشاهد فيلما هنديا حزينا يتأثر وينتهي التأثر العاطفي بعد نهاية الفيلم ، فالصراع بين الحق والباطل صراع مستمر دائم .

    وعلى مر التاريخ كان يوجد صراع مستمرّ بين الحق والباطل ، وهذا الصراع مستمر إلى ظهور الإمام المهدي عجل الله فرجه حيث ينتصر الحق على الباطل انتصارا أخيرا ، يقول تعالى :

 

    ﴿ وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ (1) .

 

    بدأ الصراع بين إبليس وأبينا آدم عليه السلام ، وسيستمرّ إبليس في حربه على الحق بتجييش أتباعه من الكافرين والفاسقين والمنافقين ، يقول القرآن الكريم حكاية عن إبليس :

الصراع بين الحق والباطل ـــ القسـم الأول . . . . . . . . . . . . . .  7

 

    ﴿ قَالَ  رَبِّ  بِمَآ  أَغْوَيْتَنِي  لأُزَيِّنَنَّ  لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (1) .

 

    إن دور إبليس هو أنه يزيّن للناس ويحاول أن يغويهم ، ثم كان الصراع بين قابيل وهابيل ، يقول تعالى :

 

    ﴿ فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (2) .

 

    ثم كان الصراع بين باقي الأنبياء والطغاة الموجودين في زمانهم إلى أن وصل إلى موسى عليه السلام وفرعون ، وفي كل زمان يوجد موسى وفرعون بل فراعنة ، هؤلاء الفراعنة المتعدّدون هم الذين يجابهون الحق بكل قواهم .

 

﴿ وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوَءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ وَفِي ذَلِكُم بَلاء مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ (3) .

 

    وسـيرة فرعـون أنه يسوم المؤمنين سوء العذاب ، يذبّح أبناءهم

8  . . . . . . . . . . . . . . الصراع بين الحق والباطل ـــ القسـم الأول

 

ويبقي نساءهم حيّات ، ولكن الآن يقتلون النساء .

    فإذا كان يوجد في كل زمان موسى وفرعون فتكليف المؤمن أن يميّز من هو موسى عصره ومن هم فراعنة زمانه ، وموسى عليه السلام يمثّل الحق ، وفرعون رمز للباطل ، وعلى المؤمن أن ينتبه إلى أن فرعون الزمان قد يغلّف نفسه بشعارات الحق ، فيطلق على نفسه عنوان " المؤمن " أو " المجاهد " أو " الوطني " وغير ذلك من الألقاب ، وفرعون الزمان يُطْلِق على موسى الزمان عناوين من قبيل " المجنون " أو " الشاعر " أو " الكاهن " أو " الخائن " وغير ذلك من الكلمات والمصطلحات .

    والصراع مستمرّ إلى يومنا هذا حيث يحشد الباطل حشوده مـن الكفـار والمنـافقين ويحاربـون المسلمين والمؤمنين بمختلف الطرق ، بالقتل والتشريد والإرهاب وهدم المساجد ودور العبادة والمساكن والإبادة والمقابر الجماعية إلى غير ذلك من الوسائل التي تكون من مصاديق سوء العذاب ، ولكن لا بدّ أن نعلم أن انتصار الباطل على الحق انتصار مؤقّت مهما طال الزمن ، ولكن المهم من ينتصر بالأخير ، ويقال إن للباطل جولة وللحق دولة ، ومهما انتصر الباطل فإنه يمثل جولة واحدة في هذا الصراع ، ولكن في النهاية ستكون هناك دولة للحق .

الصراع بين الحق والباطل ـــ القسـم الأول . . . . . . . . . . . . . .  9

 

    روي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال : " صولة الباطل ساعة ، وصولة الحقّ إلى السّاعة " (1) .

 

    إن صولة الباطل عبارة عن ساعة في عمر الزمن ، ولكن دولة الحقّ باقية إلى قيام الساعة لأن الإمام المهدي عجل الله فرجه سيظهر ويقضي على الباطل بمختلف مصاديقه .

 

    راجع التاريخ لترى أن الجبابرة والظالمين قد انتهوا وبقيت سيرة الصالحين ، وصار الظالمون عبارة عن أحاديث ، يقال كان يوجد شخص اسمه فرعون في زمان موسى عليه السلام ، وكان يوجد هتلر ، وكان يوجد فلان وفلان ، ولكن بقيت أسماء الأنبياء والأوصياء والشهداء والصالحين ، اسأل نفسك :

 

   أين فرعون ؟ أين نمرود ؟ أين هامان ؟ أين قارون ؟ أين السامري ؟ أين أبو جهل ؟ أين أبو لهب ؟

    لقد لحقتهم اللعنات من الناس إلى يوم الدين ، يقول تعالى :

 

   ﴿ وَظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (2) .

10 . . . . . . . . . . . . . . الصراع بين الحق والباطل ـــ القسـم الأول

 

    الآن في العالم توجد سيرة الصالحين ، كلمة لا إله إلا الله محمد رسول الله موجودة في كل بقاع العالم ، وكلمة الظالمين انتهت ، وبقيت سيرة الصالحين من الأنبياء والأوصياء عليهم السلام ، بقي اسم النبي صلى الله عليه وآله وذهبت أسماء أعدائه من الكفار والمشركين ، وبقي اسم أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب عليه السلام وذهبت أسماء أعدائه أدراج الرياح ، وبقي اسم سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء عليها السلام ، وبقي اسم الحسن والحسين والتسعة المعصومين من ولد الحسين عليهم السلام ، وبقي اسم الشهيد السعيد آية الله العظمى السيد محمد باقر الصدر قدس سره وسوف يذهب اسم عدوّه في مزبلة التاريخ ، وبقي اسم الإمام الخميني قدس سره شامخا يزوره الملايين وذهـب اسـم الشـاه إلى غير رجعة ودفن ذليلا في غير بلده ، وهكذا راجع أسماء الصالحين ، وفي مقابلهم أعداء الدين ، تجد أن أعداءهم صاروا أحاديث ومزّقهم الله كلّ ممزق ، لم يبق لهم إلا ذكر بسيط لهم حيث يقال كان فلان موجودا ، وبقيت أسماء الصالحين منارا للناس في العالم .

    ومن المؤسف أن الباطل يجد له أعوانا يساعدونه في الظلم ، وفـي زمـانـنـا نـرى أن تـأيـيــد الـظـلـم تـأيـيـد عـالـمي إمـا عـلـنـا وإمـا

الصراع بين الحق والباطل ـــ القسـم الأول . . . . . . . . . . . . . . 11

 

بالسكوت ، نرى انتشار الظلم في كل بقاع العالم مع أنه في نفس الوقت نجد أن كلمة التوحيد أيضا مرتفعة في كل أرجاء العالم ، ما يحدث الآن هو مصداق للرواية التي تقول بأن الإمام المهدي عجل الله فرجه الشريف " يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا " (1) .

 

     هذا الأمل الذي يبقى في قلوب المؤمنين ، الأرض الآن مملوءة بالظلم والجور ، وما تشاهدونه في الفضائيات من أخبار شاهدة على انتشار الظلم في العالم لا فقط في منطقتنا ، فالظلم واقع على المسلم وعلى غير المسلم ، فهل يوجد للمؤمنين دور تجاه ما يحدث اليوم في العالم أو ليس لهم دور ؟

 

    إن من أسباب النصر أن المؤمنين يتمسّكون بدينهم ويعرفون تكليفهم فيقومون بهذا التكليف ، فأولا لا بدّ أن يتمسّك المؤمنون بدينهم ، وقبل هذا لا بدّ أن يعرفوا دينهم ، لذلك تأتي الروايات التي تقول : " طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة " (2) .

 

    انطـلاقـة المـؤمـن ـــ حـتى ينتصـر ـــ تكـون مـن التمسّـك بدينـه ،

12 . . . . . . . . . . . . . . الصراع بين الحق والباطل ـــ القسـم الأول

 

والتمسّك بالدين يفرض على المؤمن أن يكون عارفا بدينه لا أنه يؤمن بشيء مجهول له ، فإذا صار عند المؤمنين العلم الكافي فإنهم يستطيعون أن يشخّصوا تكليفهم ، وبعد تشخيص التكليف يقومون بأداء هذا التكليف .

    إن مساندة المؤمنين المجابهين للعدو تكون بمختلف الطرق ، بالدعم المعنوي والمادي لأنهم المتصدّون ، فهم يجاهدون بأنفسهم وأرواحهم وأهليهم ، وباقي المؤمنين لا بدّ أن يجاهدوا بأموالهم ، والجهاد بالمال لا يكون بمقدار لا يؤثر على الشخص وعلى نفس الإنسان ، الجهاد بالمال معناه دفع مقدار يشعر الشخص بثقله على نفسه بحيث يشعر بالمجاهدة ، ويتدخّل الشيطان لمنعه من دفع هذا المال ، وهو يقاوم الشيطان ويدفع المال ، ويصعد من درجة إيمانية إلى درجة إيمانية أعلى ، وإذا لم يشعر المؤمن بالمجاهدة حينما يدفع المال فمعنى ذلك أن المقدار المدفوع قليل لا يؤثر في صعوده إلى الله تعالى .

    مثلا من يريد أن يسافر في هذه السنة هل يستطيع أن يلغي سفرته ويوجّه أمواله لدعم المجاهدين في سبيل الله حتى يساهم في الدفاع عن الدين ويشعر بثقل هذا المال على نفسه ويعيش المجاهدة ؟

الصراع بين الحق والباطل ـــ القسـم الأول . . . . . . . . . . . . . . 13

 

    إن السفر بحدّ ذاته فيه شعور بلذّة وسعادة في النفس ، ولكن في المقابل هذا المقدار الذي يدفعه في السفر هل يستطيع أن يوجّهه إلى دعم المجاهدين على أن يشعر بالسعادة أكثر من سعادته في السفر ؟

 

    إذا فعل المؤمن هذا ـــ أي أن يلغي سفرته ويدفع هذا المال للمجاهدين ـــ فإن هذا يدلّ على شدة اهتمامه بنصرة دينه ونصرة المؤمنين لا أن يتفاعل مع الأحداث ببرود أو بفورة عاطفية تزول بعد مدة قصيرة أو أنه يتبرّع بمبلغ زهيد من المال وانتهى دوره ويشعر براحة الضمير ، وفي مقابل هذا المبلغ الزّهيد يدفع آلاف الدنانير في السفر إلى البلدان المعادية للإسلام ، فهو يدفع دينارا للمجاهدين ، وفي مقابل الدينار يدفع ألف دينار أثناء سفره إلى بلد معادي للمسلمين ، فإن كان الدينار يشتري رصاصة للمجاهدين ، فإنه بالألف دينار يساهم في شراء قنبلة لقتل المسلمين ، فما قيمة الرصاصة في مقابل القنبلة والقذيفة ؟!!

 

    في رواية عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال : " من أصبح لا يهتم بأمور المسلمين فليس بمسلم " (1) .

14 . . . . . . . . . . . . . . الصراع بين الحق والباطل ـــ القسـم الأول

 

    " أصبح " معناه أنه من أول ما يستيقظ من النوم في الصباح يعيش هذا الهمّ ، وهذا الاهتمام مستمرّ يوميا لا أنه في لحظة وينتهى الأمر ، المجاهدون الآن لهم أكثر من عشرين سنة وهم يقاتلون العدو فلماذا الآن شعر المؤمنون بأهمية التبرع ؟

 

    الجهاد مستمرّ ويحتاج إلى دعم مستمرّ ، الذي يتبرع الآن لماذا يحتاج إلى دافع خارجي حتى يتبرّع ؟

 

    لا بد أن توضع الصناديق في المساجد والحسينيات حتى يأتي هذا المؤمن ويتبرّع بمقدار من المال ، لماذا لا يكون عند المؤمن دافع ذاتي من أجل أن يبحث هو في كيفية توصيل التبرّعات لدعم هؤلاء المجاهدين ؟

 

    المؤمن الذي يكون عنده دافع ذاتي لدعم المجاهدين يحمل همّ هؤلاء المجاهدين ، هل المؤمن يشعر بهم وأنهم في مواجهة العدو ؟

 

    هذا المجاهد الذي يظل في حفرة لعدة أيام لا يتحرك من هذه الحفرة ، هـل تعيـش هـذا الشعور النفسي الذي يعيشه هذا المجاهد أو أن الشخص يتبرع بعشرين دينارا وحياته تكون حياة طبيعية كما كان يعيش قبل وقوع هذه الأحداث ولا يعيش التأذّي النفسي ؟

الصراع بين الحق والباطل ـــ القسـم الأول . . . . . . . . . . . . . . 15

 

    التبرع بالمال لا بدّ أن يكون منطلقا من نفس الإنسان ومن قلبه ، الهمّ اليومي لا ينتهي في لحظات ، هذا الهمّ والاهتمام لا بدّ أن يعيشه المؤمن طوال حياته إلى ظهور الحجة عجل الله فرجه حتى يكون المؤمن من أعوانه وأنصاره حقيقة وهو في عصر الغيبة الكبرى ، هذا الهمّ لا بدّ أن يستمر إلى يوم انتصار الحق على الباطل والذي سيكون بظهور الحجة عليه السلام حتى يكون الشخص من أنصاره حقّا ومن أعوانه حقّا قبل يوم الظهور ، هذا الدّعم لا بد أن يكون مستمرّا ، ولا بدّ من تفكير المؤمن بالتبرّع الشهري حتى يكون مصداقا للرواية السابقة لأن المجاهدين مستمرّون في جهادهم لا فقط أنه يدفع الآن عشرة دنانير ويشعر أن المهمّة انتهت ، وهذا الهمّ ينتهي عنده .

    إن الهمّ الأول في عصر الغيبة الكبرى هو أن إمامه عليه السلام غائب وأنه لا بدّ أن يكون من أنصاره في هذا العصر ، والمؤمن هو الذي يمهّد للظهور ، وما دام أن الإمام عليه السلام لم يظهر لحدّ الآن فمعنى ذلك أن المؤمنين مقصّرون ، لو كان كل المؤمنين متمسكين بدينهم ويعرفون تكليفهم ويقومون بهذا التكليف لظهر الإمام عليه السلام ، فالتقصير منّا نحن ، هذا الجيش الـصـغـير الآن الـذي يـقـاتـل الـعـدو صـورة مـصـغّـرة لأنـصـار وجـيـش

16 . . . . . . . . . . . . . . الصراع بين الحق والباطل ـــ القسـم الأول

 

الإمام المهدي عليه السلام ، كيف يكون شعور المؤمن تجاه هذا الجيش ؟

    نحن نعيش في أماكن مكيّفة ، وقلت لبعض المؤمنين أن يجرّب حينما يخرج من العمل متّجها إلى البيت أن يغلق المكيّف في السيارة ، هل تستطيع أن تتحمّل هذه النصف ساعة وتكون في وضعك الطبيعي بحيث ترجع إلى البيت ولا تصرخ على زوجتك وأولادك ؟

    هذه النصف ساعة جرّب أن تتحمّلها ، والمجاهدون اليوم يقاتلون أكثر من عشرين سنة في تلك الجبهة ، أو أنك تستطيع أن تعيش خلال اليوم على قبضة من التمر وتكتفي بها .

    إذا كنت تريد أن تمهّد نفسك للظهور فلا بدّ أن تعاني قبل الظهور ، هذه المعاناة النفسية مطلوبة من الإنسان المؤمن حتى يكون متهيّئا للظهور ، وهكذا يعيش الإنسان الإيمان الحقيقي حتى لا يكون الدين لعقا على ألسنتنا نحوطه ما درّت معايشنا ، فإذا محّصنا بالبلاء قل الديّانون والمؤمنون الحقيقيّون (1) .

الصراع بين الحق والباطل ـــ القسـم الأول . . . . . . . . . . . . . . 17

 

    مـا يحدث الآن هـو اختبار للمؤمن ليرى أنه مؤمن حقيقي أو لا ، وأن الدافع عنده دافع ذاتيّ لدعم المجاهدين أو أنه يحتاج دائما إلى من يذكّره بالظلم الواقع على المؤمنين وهو ضمنهم ، كيف لا يشعر الإنسان بالظلم الواقع عليه ؟!

    هذا الظلم موجود على المؤمنين منذ وفاة النبي صلى الله عليه وآله ، وسيستمر إلى أن يظهر الله الحق على يد الإمام المهدي عجل الله فرجه .

    أكتفي بهذا المقدار وإن شاء الله أكمل في الأسبوع القادم حتى تكون عندنا الخلفيّة الفكرية في تشخيص الباطل ومعرفة الحق حتى نكون دائما مع الحق ضدّ الباطل .

    اللهم كن لوليّك الحجة بن الحسن صلواتك عليه وعلى آبائه في هذه الساعة وفي كل ساعة وليّا وحافظا وقائدا وناصرا ودليلا وعينا حتى تسكنه أرضك طوعا وتمتّعه فيها طويلا ، اللهم انصر الإسلام وأهله ، واخذل الكفر والنفاق وأهله ، اللهم اجعلنا من أعوانه وأنصاره قبل ظهوره حتى نكون في جيشه بعد ظهوره .

    والحمد لله ربّ العالمين وصلّى الله على سيّدنا أبي القاسم محمّد وآله الطّيّبين الطّاهرين .

 

 

 

الصراع بين الحق والباطل

القسم الثاني (1)

 

    الحمد لله ربّ العالمين وصلّى الله على سيّدنا أبي القاسم محمّد وآله الطّيّبين الطّاهرين .

    يقول الله تعالى في كتابه الكريم : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَّهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (2) .

    في الأسبوع الماضي كان الكلام عن الأُطُرِ الفكريّة العامة للصّراع بين الحق والباطل حتى يمكننا التفكير تفكيرا صحيحا فيما يجري من أحداث على المسلمين في مقابل أعداء الدين .

الصراع بين الحق والباطل ـــ القسـم الثاني . . . . . . . . . . . . .  19

 

    خلاصة ما قلته في الأسبوع الماضي أن المفروض فيما يجري من أحداث أن لا يكون التّأثّر تأثّرا عاطفيّا مؤقّتا لأن الصّراع بين الحق والباطل صراع مستمر إلى ظهور الحجة عجل الله فرجه ، وأن انتصار الباطل انتصار مؤقّت ، وفي النهاية سينتصر الحق على الباطل ، وهذا هو الأمل الذي يعيشه المؤمنون مهما فعل المبطلون ، وقلت إن من أسباب النصر أن المؤمنين يقومون بتكليفهم المطلوب منهم ، وأن مسـاندة المؤمنين المجابهين للعـدو تكون بمختلف الطرق ، فهم يجاهدون بأنفسهم ، وباقي المؤمنين يجاهدون بأموالهم ، والجهاد بالمال معناه أن المؤمن يدفع مقدارا يشعر بثقله على نفسه بحيث يشعر بالمجاهدة ، هذا الشعور بالمجاهدة ينقل المؤمن من درجة إيمانية إلى درجة إيمانية أعلى ، وقلت أيضا إن من يريد السفر في هذه السنة يلغي سفرته ـــ وأعلم أن هذا صعب على النفس ـــ ويوجّه أمواله لدعم المجاهدين ومساعدة المحتاجين هناك ، وأن الدّافع عند المؤمن لا بدّ أن يكون دافعا ذاتيا في كل فعل يقوم به ومنه دعم المجاهدين بحيث لا يحتاج دائما إلى دافع خارجي لتذكيره بالخيرات التي يمكن أن يقوم بها ، والمؤمن لا بدّ أن ينطلق انطلاقا ذاتيا في أداء تكليفه وفي الأعمال التي يؤدّيها ، هذا ما قلته في الأسبوع الماضي .

20 . . . . . . . . . . . . .  الصراع بين الحق والباطل ـــ القسـم الثاني

 

تكملة الموضوع :

    إن محاربة العدو تكون بمختلف الطرق المتاحة ، ذكرت عدم السفر إلى بلدانهم لأن السفر إلى البلد المعادي للإسلام يساهم في تقويته ، ومن الطرق أيضا مقاطعة البضائع التي يصنعونها وأخذ البدائل الموجودة في السوق ، وهذا لا يحتاج إلى دافع خارجي ، بل إن المؤمن الحقيقي يحمل هذا الشعور تجاه عدوه بدافع ذاتي ولا يساهم بتقوية أعداء الدين ، وأستغرب أنه كيف يعتبر بعض المؤمنين هذه الدولة من الدول المعادية للإسلام بل هي الشيطان الأكبر ، ومع ذلك يشترون بضائع هذه الدولة ويساهمون في تقوية العدو وقتل المسلمين ثم يبكون على قتل المسلمين !

ألا يساهم شراء بضائعهم في تقويتهم ؟

    من هذه البضائع السيارات والأجهزة الكهربائية والمشروبات الغازية والألبسة ، وخاصة مع وجود البدائل في السوق ، كيف يستطيع الشخص أن يكون من أنصار الإمام المهدي عجل الله فرجه وهو لا يمكن له الاستغناء عن المشروبات الغازية أو ركوب سيارة من صناعتهم أو شراء الألبسة التي يصنعونها أو أكل الطعام من المحلات والمطاعم التي هي ملك لهم ؟

الصراع بين الحق والباطل ـــ القسـم الثاني . . . . . . . . . . . . .  21

 

هل الشعارات هي التي تسقط العدو ؟

    لنقل من الآن إلى الصباح : " الموت لهم " ، ماذا تنتج الشعارات بدون عمل ؟

    لنبدأ من الآن بأخذ العهد على أنفسنا بمقاطعة بضائعهم وعدم شرائها ، وهذا تكليف على جميع المؤمنين والمؤمنات ، وسترون النتائج خلال مدة قصيرة جدّا ، لو أن المؤمنين قاطعوا هذه البضائع منذ اليوم الذي أصدر فيه الإمام الخميني قدس سره حكمه بمقاطعة بضائعهم قبل عشرين سنة تقريبا لرأينا النتائج اليوم ، لماذا لا يلتزم المؤمنون بما يصدره مراجع الدين ؟ لماذا هذا التساهل في هذا الأمر ؟!

    إن أهم شيء عند الدول المعادية للإسلام هو الناحية الاقتصادية ، وهذه الدولة قائمة على الشركات ، لو استطعنا أن نضعف هذه الشركات فتأكّدوا أن هذه الدولة تزول ، بدل أن ندفع الآن تبرعات بقيمة عشرة دنانير أو عشرين دينارا قاطعوا البضائع ، وسنرى النتائج على هذه الدولة وعلى الدول الأخرى التي تعادي الإسلام والمسلمين ، وخذوا هذا الأمر بجدّيّة .

    كنت أدعو إلى مقاطعة البضائع منذ فترة فأحد الإخوة المؤمنين كان يملـك سيـارة مـن تلـك الدولـة ، بمجـرّد مـا سمع هذه

22 . . . . . . . . . . . . .  الصراع بين الحق والباطل ـــ القسـم الثاني

 

الكلمة ذهب وباع سيارته واشترى سيارة أخرى ، هذه حالة إيمانية موجودة عند هذا المؤمن ، فحينما يركب هذه السيارة من الدولة المعادية للإسلام لا بدّ أن يكون عنده شعور داخلي بأن هذه البضاعة من هذه الدولة المعادية ، المفروض أن لا يغريك السعر ، لا بدّ أن يكون عندنا هذا الشعور حتى نستطيع أن نحاربهم كما يحاربوننا لا أنه فقط نطلق الشعارات ، والشعارات لا تنتج أي شيء ، بل لا بدّ من العمل المقارن لهذه الشعارات .

    إن المؤمن لا بدّ أن يعرف تكليفه الشرعي في أي حدث يحدث وفي كل عمل يريد أن يُقْدِمَ عليه ، وعندنا خمسة أحكام ، بل هناك جانب أعلى من الأحكام الخمسة ، وهو الجانب الأخلاقي ، وهناك جانب أعلى ، وهو الجانب العقائدي ، فعقائد الإنسان أولا ثم علم الأخلاق ثم الأحكام الفقهية ، وتركيزنا الآن على الأحكام الفقهية فقط ولا ننظر إلى حركة الإنسان الباطنية القلبية حينما يقوم بأي عمل ، والمؤمن إذا لم يعرف تكليفه الشرعي فعليه أن يرجع إلى العلماء ليبيّنوا له تكليفه لا أن العاطفة والكلمات تجرّه من عمل إلى آخر ، إذا كان هناك إعلام وإعلان بمحاربة العدو هو يتشجّع ، وإذا بعد مدّة من الزمن انتهى الإعلان هو يفتر ويبرد ، المفـروض أن حرقـة القلب تكون موجودة عند المؤمن ، هذا

الصراع بين الحق والباطل ـــ القسـم الثاني . . . . . . . . . . . . .  23

 

العدو مستمر في محاربة المسلمين ، والمفروض أنه بنفس المقدار الإنسان المؤمن لا يفتر في محاربته لأعداء الدين ، ولا يعتمد على الدافع الخارجي ، فإذا كان يوجد إعلان للتبرّع تبرّع بمبلغ من المال ، وإذا لم يَدْعُ أحد إلى شيء هو أيضا لا يسعى في إيصال المال إلى المستحقّين ، المفروض أن قضية الجهاد ومساندة المجاهدين مستمرّة في قلب المؤمن ، هم يجاهدون بأنفسهم ، وأنت يوجد عليك تكليف تجاههم ، هم باعوا الدنيا وما فيها ، والمؤمن عليه أن يتبرّع بمقدار شهري حتى يعيش حالة المجاهدة ، الإنسان عندما يدفع دينارا لا يشعر بشيء ، نعم كلما زاد المبلغ صار عنده شعور أكبر بالمجاهدة ، هذه المجاهدة هي التي تُصَعِّد الإنسان من درجة إيمانية إلى درجة إيمانية أعلى .

وما معنى تكليفه ؟

    تكليفه معناه ماذا يريد منه الله عز وجل ؟ هل يريد منه الفعل أو الترك ؟ هل الفعل أفضل أو الترك أفضل ؟ وإذا وجد فعلان فأيهما أفضل ويكون المقدَّم على الفعل الآخر ؟

    قد تقول : وما تأثيري أنا لوحدي إذا قاطعت لأن الناس لا يقاطعون ؟

    الجـواب عـلى ذلـك أن المـؤمـن يـقـوم بتكليـفـه الشّـرعي المطلـوب

24 . . . . . . . . . . . . .  الصراع بين الحق والباطل ـــ القسـم الثاني

 

منه حتى لو كان لوحده ، ولا يهمّه أن يقوم باقي الناس بتكليفهم أو لا يقومون ، هو يصلّي حتى لو لم يصلّ أحد من الناس ، وليس من مسؤوليتك أنهم يقومون بتكليفهم أو لا يقومون ، مثلا لو كان في إحدى المجتمعات الغربيّة وهو المسلم الوحيد فإنه يصلي ، وليس من الحجج الشرعية أنه لا يقوم بتكليفه لأن الناس لا يقومون بتكليفهم ، هو عليه تكليف بمقاطعة البضائع ولا شأن له بالناس ، هو يقوم بهذا التكليف ولو كان لوحده ، هو إذا قام بتكليفه ولم يقم الناس بتكليفهم فإنه يصير أمة لوحده كما كان سيدنا إبراهيم عليه السلام أمة لوحده ، يقول تعالى :

 

   ﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (1) .

 

   كان إبراهيم عليه السلام لوحده عابدا لله في ذلك الزمان ، والله عز وجل اعتبره أمّة ، اعتبره كأنه مجموعة من الناس ، والإنسان يوم القيامة يُحْشَر فردا ، هناك لا تستطيع أن تقول بأن الناس لم يقوموا بتكليفهم وأنا معهم لم أقم بتكليفي ، كما يقال إن الحشر مع الناس عيد ، وفي رواية يقول الإمام عليه السلام : " وهل الحشر إلى جهنم عيد ؟ " .

الصراع بين الحق والباطل ـــ القسـم الثاني . . . . . . . . . . . . .  25

 

    المؤمن حينما يقوم بتكليفه لا ينظر إلى النتيجة الخارجية المترتّبة عليه ، ليس من المهم أن يكون القيام بتكليفك له نتيجة خارجية ويكون له تأثير خارجي ، المهم هو التأثير الداخلي القلبي الباطني الروحي ، هذا هو المهم ، أنت حينما تقوم بتكليفك تكون قد تقدّمت إلى الله خطوة ، لنفرض أن جميع الناس يتأخرون ولا يتقدّمون إلى الله عز وجل ، أنت تقدّم لوحدك ، إذا كان الناس لا يقومون بتكليفهم أنت قم بتكليفك ، وحينما تقوم بالعمل النتيجة الخارجية قد تتحقّق وقد لا تتحقّق والعمل يكون قربة لله تعالى ، والمؤمن ليس مسؤولا عن تحقيق النتيجة الخارجية لأن تحقّق النتيجة الخارجية لها عوامل كثيرة ، هو أحد هذه العوامل ، والعوامل الأخرى ليست بيده ، ومن العوامل أن باقي المؤمنين يقومون بتكليفهم ، وهو غير محاسب على النتيجة الخارجية وغير محاسب على عدم قيام المؤمنين بتكليفهم ، المهم أن يقوم هو بتكليفه ، مثل الإنسان الذي يدعو ، حينما يدعو يقوم بعبادة ، قد يتحقق الدعاء خارجا ، فيستجيب الله للدعاء ويحققّه خارجا ، وقد لا تتحقق النتيجة الخارجية ، المهم أن تقوم بعبادة الدعاء ، ثواب الدعاء محفوظ لك ، ويوم القيامة تحصل على ثواب الدعاء وإن لم تتحـقّـق النتـيجـة الخارجـيـة في الدنـيـا ، العمـل بنفسـه يكـون

26 . . . . . . . . . . . . .  الصراع بين الحق والباطل ـــ القسـم الثاني

 

قربة لله تعالى حتى لو لم تتحقق النتيجة الخارجية ، وهذه النقطـة لا بـدّ أن نلتفـت إليهـا حينـما نـؤدّي تكاليفنـا الشرعيـة حيـث نؤدّيـها دون النظر إلى أن الأمر الخارجي يتحقّق أو لا يتحقّق .

 

    في نصرة الحق المهم أنت أين تكون ؟ وما هي درجة إيمانك ؟ وهل تصعد إلى درجة إيمانية أعلى أو لا ؟

 

    قد يفوز الآخرون ويدخلون الجنة وتكون أنت الخاسر ، من المهم أن ينتصر الحقّ ، ولكن الأهم أن تكون أنت ممّن ينصر الحقّ ، نعم نتمنى أن ينتصر الحقّ ، ولكن هل انتصر الحقّ بي ؟ هل أنا نصرت الحقّ أو لا ؟ هل الله عز وجل انتصر بي وكنت واسطة في نصرة الحقّ ؟

 

    نعم الحقّ سينتصر ، وهناك دائرة أنصار الإمام المهدي عجل الله فرجه الشريف ، ودائرة أخرى هي ضدّ المهدي عليه السلام ، والإنسان يختار بنفسه في أي دائرة يكون ، والمهم أن الإنسان يكون من أنصار الحقّ .

 

    في رواية عن الإمام الباقر عليه السلام قال : " قل : اللهم أوْسِـعْ عَلَيَّ في رزقي ، وامْـدُدْ لي في عمري ، واغْفِرْ لي ذنبي ، واجعلني

الصراع بين الحق والباطل ـــ القسـم الثاني . . . . . . . . . . . . .  27

 

ممن تنتصر به لدينك ، ولا تستبدل بي غيري " (1) .

    فالمؤمن حينما يدعو لا يدعو فقط أن ينتصر الحق ، بل يدعو أن يكون هو من أنصار الحق ، وإذا لم يكن هناك أنصار للحق فإن الله يستبدل بهم قوما غيرهم لينصروا الحق ، وهذا من السنن الإلهية ، فإذا لم يوجد أنصار للحق فالله يوجِد أنصارا للحق ويستبدل بهم غيرهم ، ويسمى بـ " قانون الاستبدال " ، وهو من السّنن الإلهيّة في الكون .

 

يقول تعالى :

 

  ﴿ إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (2) .

 

  ﴿ وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ (3) .

 

    إن البعض يسأل عن الفتوى من المراجع حفظهم الله بخصوص التّبرّع للمجاهدين أو مقاطعة البضائع أو عدم السفر إلى الـبـلـدان الـمعـاديـة لـلـدين ، فالجـواب أنـه في بعـض القضايـا لا

28 . . . . . . . . . . . . .  الصراع بين الحق والباطل ـــ القسـم الثاني

 

تحتاج إلى فتوى خاصة ، هناك قواعد عامة بأيدينا لا نحتاج فيها إلى فتوى المرجع في تحديد المصداق ، والمؤمن دوره أن يحدّد المصاديق ، من هذه القواعد العامة الدّفاع عن بيضة الإسلام ، والدفاع عن المؤمنين ، ومحاربة أعداء الدين ، كلها عناوين عامة يفتي بها الفقهاء ويعمل بها المؤمن في مثل هذه الأحداث ، والمؤمن يحدّد المصاديق ، ولا يحتاج إلى فتوى خاصة في تحديد المصاديق لأن المصاديق لا تنتهي .

    ولنفرض أنـه لا توجـد فتـوى مكتـوبة بالوجـوب في مصداق معيّن ، ولكن هذا لا يعني أن الوجوب غير موجود ، على أقل التقادير الاستحباب موجود ، يوجد استحباب في مساعدة المؤمنين المحتاجين بشكل عام ، ولا يكون بحثنا عن الفتوى للتهرّب من المسؤولية .

    مثلا أحد المؤمنين كان يسأل عن الفتوى بوجوب مقاطعة البضائع ، فسألته هل هم أعداء للدين ؟

    فأجاب نعم ، فقلت بأنك قد أجبت عن سؤالك ، وجوابك هو الفتوى التي تبحث عنها لأن المرجع يعطيك القاعدة العامة ، وأنت تحـدّد المصـاديق ، والقاعدة العامة هي وجوب محاربة أعداء الدين ، وكل مؤمن يحدّد المصاديق التي تكون لهذا المفهوم العام .

الصراع بين الحق والباطل ـــ القسـم الثاني . . . . . . . . . . . . .  29

 

    أريد أن أتحدّث عن نقطة ذكرتها سابقا ، وهي أن يلغي المؤمن سفرته ويدفع المال للمجاهدين ، البعض يقول مثلا زيارة الإمام عليه السلام أيضا عمل مستحب ، فلماذا ألغي سفرتي وأترك المستحب وأدفع المال للمجاهدين ؟

 

    هذا السؤال سأجيب عليه ليلتفت الإخوة المؤمنين إلى كيفية تقييم الأعمال وكيفية اختيار الأعمال ، وهذا يفيدهم في مسيرهم إلى الله تعالى .

 

    كيف يختار المؤمن الأعمال التي تساهم أكثر في مسيره باتجاه الله تعالى ويستطيع التقرب إلى الله أكثر باختيار عمل معيّن وترك عمـل آخـر ؟

 

    ما هي القاعدة والمقياس الذي على أساسه يختار المؤمن العمل الأول ولا يختار العمل الثاني ؟

 

    نعم النفس قد ترغب إلى عمل معيّن ، فيرى أن زيارة الإمام عليه السلام عمل مستحب أو أن العمرة في رجب عمل مستحب ، ولكن هل هذا العمل مقدَّم أو دعم المجاهدين ومساعدة المؤمنين المحتاجين يكون مقدَّما ؟

 

    أي الأعمال هي التي تقدَّم ؟

30 . . . . . . . . . . . . .  الصراع بين الحق والباطل ـــ القسـم الثاني

 

   وكيف يستطيع المؤمن أن يختار الأعمال التي تساهم في حركته باتجاه الله عز وجل ؟

    هذا ما سيتم ذكره في الأسبوع القادم .

    والحمد لله ربّ العالمين وصلّى الله على سيّدنا أبي القاسم محمّد وآله الطّيّبين الطّاهرين .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الصراع بين الحق والباطل

القسم الثالث (1)

 

    الحمد لله ربّ العالمين وصلّى الله على سيّدنا أبي القاسم محمّد وآله الطّيّبين الطّاهرين .

    يقول الله تعالى في كتابه الكريم : ﴿ إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (2) .

    بمناسبة الأحداث التي تجري على بلاد المسلمين كان الحديث عـن الـصـراع بـين الحـق والـبـاطـل ، قـلـت في الأسـبـوع الـماضي بـأن

32 . . . . . . . . . . . . .  الصراع بين الحق والباطل ـــ القسـم الثالث

 

محاربة العدو تكون بمختلف الطرق ، منها عدم السفر إلى بلدانهم ، ومنها مقاطعة البضائع التي يصنعونها ، وهذا الأمر لا بدّ أن يؤخذ بجدّيّة وأن تكون هناك دعوة بين المؤمنين لمقاطعة البضائع وخاصة المتصدّين .

    بعض الإخوة المتصدّين قد تكون عنده سيارة من إحدى دول العدو وفي نفس الوقت يدعو إلى مقاطعة بضائعهم ، هذه الدّعوة لن يكون لها صدى ، فأولا لا بدّ أن يقاطع الشخص البضائع ، وبعد ذلك يستطيع أن يدعو إلى مقاطعة بضائعهم سواء السيارات أم المشروبات الغازية أم الأكل من مطاعمهم أم الشركات التي تبيع القهوة المخلوطة بدماء المسلمين إلى آخر هذه الشركات المعروفة .

    ولا بدّ أن نحمل هذا الأمر على محمل الجدّ لا أن تكون عندنا فورة عاطفية لفترة بسيطة ثم تنتهي ونرجع إلى وضعنا المعتاد ، لا بـدّ أن تكـون هذه الحالة مستمرة إلى ظهور الحجة عجل الله فرجه ، وهذا تكليف على جميع المسلمين حتى لا يشاركوا ويساهموا بقتل المسلمين .

    والمؤمن لا بدّ أن يعرف تكليفه الشرعي في كل ما يحدث من حـوادث ، والتكليـف الشـرعي لا يكـون في القلـب فقـط نتيجة عاطفة

الصراع بين الحق والباطل ـــ القسـم الثالث . . . . . . . . . . . . .  33

 

مؤقّتة وتنتهي ، بل لا بد من تحويل هذه العاطفة القلبية إلى عمل حتى يكون المؤمن مؤمنا حقيقيا ، وبدون اتخاذ الموقف العملي والاقتصار على الشعارات والمسيرات والمظاهرات فإنه لا يمكن هزيمة العدو ، ولا تكون عندنا نتيجة إذا لم تتحول الشعارات إلى عمل ، ولا يكون الشخص مؤمنا حقيقيا إلا بتحويل الشعارات إلى عمل ، وحينما كانت هذه المسيرات موجودة انظروا كم من السيارات الموجودة كانت من تلك الدولة التي تحارب المسلمين ، هؤلاء الأشخاص يأتون إلى مظاهرة ضد هذه الدولة وفي نفس الوقت يشترون ويركبون السيارات التي تصنعها تلك الدولة ، وهذا تناقض في الفعل .

    الإنسان حينما يأتي إلى مكان من أجل هدف معيّن ثم يقوم بعمل مناقض لهذا الهدف ، هذا تناقض في موقفه ، ويقال إن العاقل لا ينقض الغرض الذي يأتي من أجله ، لا بدّ أن نلتفت إلى أن لا نعيش في حياتنا نوعا من التناقض .

    كم مـن المؤمنـين لا يستطيعـون الاستغناء عن المشروبات الغازيّة ، ترى في الفواتح والعزاء وفي الحسينيات هذه المشروبات الغازية توزّع على المعزّين ، والمؤمنون يشربون وكأنه لم يكونوا قبل لحظات في المسيرة ضد هذه الدولة .

34 . . . . . . . . . . . . .  الصراع بين الحق والباطل ـــ القسـم الثالث

 

    سئل أمير المؤمنين عليه السلام عن الإيمان فقال : " الإيمان معرفة بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالأركان " (1) .

 

    إن الإيمان له ثلاثة أركان : أولا المعرفة القلبية ، وهناك شعارات نطلقها باللسان ، ولكن الأهم هو العمل بالواجبات ، بمعرفة التكليف أولا ثم العمل بهذا التكليف ، فإذا شخّصنا أن هذه الدولة من الدول المعادية للإسلام فلا بدّ أن يكون عندنا موقف عملي ضدّ هذه الدولة ، لو أن المؤمنين قاموا بتكليفهم قبل عشرين سنة حينما دعا الإمام الخميني رضوان الله تعالى عليه إلى مقاطعة بضائعهم لكنّا نرى الآن النتيجة ، ولكن ـــ للأسف ـــ المؤمنون لم يقوموا بتكليفهم ، نعم لهم حسابهم بينهم وبين الله عز وجل ، والآن لنبدأ حتى يقطف المؤمنون ثمار هذه المقاطعة بعد عشر سنوات لا أن تكون الأوضاع كما هي الآن ، وإذا حدّدنا التكليف فلا بدّ أن نطبّق هذا التكليف ، لنترك الرغبات الشخصية والإغراءات التي تقدّمها الشركات ، مقاومة الرغبات الشخصية نجعلها قربة لله تعالى ، بهذه الطريقة يصعد المؤمن في درجات الإيمان .

الصراع بين الحق والباطل ـــ القسـم الثالث . . . . . . . . . . . . .  35

 

    وصلنا في الأسبوع الماضي إلى هذه النقطة ، وهي أن يلغي المؤمنون سفرهم ويدفعوا المال للمجاهدين ولقضاء حوائج المحتاجين ، أحد العلماء السوريّين اتصل بي وقال إنه يوجد في سوريا الآن مائة وعشرون ألف مهاجر لبناني ، من يتكفّل بهم ؟

 

    إن المؤمن للمؤمن كالجسد الواحد كما في رواية (1) ، لا بدّ أن يقوم المؤمنون بحاجات هؤلاء المؤمنين المهاجرين ، تصوّر لو أنه كنا في أيام الأزمة ولم يكن عندنا معاش شهري حينما كنّا في الخارج ، حينذاك كنّا نلوم المؤمنين الآخرين ونقول بأنهم لماذا لا يساعدوننا ؟

    اجعل نفسك في مكان هذا المؤمن الذي فقد كل ما يملك ، خرج بعضهم بملابسه التي يرتديها فقط ، دور المؤمنين أن يتكاتفوا ، المؤمن يحمل همّ أخيه المؤمن ويعيله حينما يخرج من بيته ولا يملك شيئا ، ونحن والحمد لله نعيش في هذا الجو المكيّف وأمـورنـا مـاشـيـة والإسـراف عـلى أكـمـل وجـه ، ومـع ذلـك لا نـشـعـر

36 . . . . . . . . . . . . .  الصراع بين الحق والباطل ـــ القسـم الثالث

 

بهؤلاء ، المفروض أن تقلّل الطعام ، وجزء من المعاش الشهري تبعثه إليهم لا أن الإنسان يعيش بوضعه الاعتيادي مع وجود الوضع الحرج للمؤمنين المهاجرين هناك .

    البعض يقول مثلا إن زيارة الإمام عليه السلام أو الذهاب إلى العمرة عمل مستحب ، فلماذا ألغي سفرتي وأترك المستحب وأدفع المال للمجاهدين والمحتاجين ؟

    قلت في الأسبوع الماضي بأن هذا السؤال سأجيب عليه ليلتفت الإخوة المؤمنون إلى كيفية تقييم الأعمال ، كيف يختار المؤمن الأعمال التي تساهم أكثر في مسيره باتجاه الله تعالى ويستطيع التقرّب إلى الله أكثر باختيار عمل معين وترك عمل آخر ؟

    نحتاج إلى مقياس يكون بيد المؤمن حتى لا تكون أعماله عشوائية بل لا بدّ قبل أن يُقْدِم على أيّ عمل أن يعرف لماذا يقدّم هذا العمل ويؤخّر العمل الآخر ؟

    إن الواجبات الشرعية لا بدّ أن يأتي بها المؤمن ، ولا يقصد من الواجبات الأعمال العباديّة المخصوصة ، فالصلاة واجبة والصيام واجب ، ولكن الواجبات في الإسلام ليست هذه فقط ، نعم هذه عبادات فردية ، وأحيانا قد تكون بصورة جماعية كصلاة الجماعـة ، وهـنـاك واجبـات أخـرى لا يذكـرها الفقهـاء في رسائلهـم

الصراع بين الحق والباطل ـــ القسـم الثالث . . . . . . . . . . . . .  37

 

العملية ، وهي الخاصة بالقضايا الاجتماعية ، كتبنا الفقهية كتب ناقصة ، القضايا الاجتماعية والقضايا السياسية والقضايا الاقتصادية لا تتناولها المسائل في الرسالة العملية بتفصيلاتها ، وهذه تحتاج إلى كتابات من الفقهاء حتى يعرف المؤمن واجباته الاجتماعية لا أن يعرف فقط العبادات الفردية الخاصة .

    الإنسان المؤمن كيف يختار بين المستحبات وإن كانت كل المستحبات تحرّك المؤمن إلى الله عز وجل ؟ وكيف يختار منها ما يحرّكه أسرع إلى رضا الله تعالى ؟

    لا بد أن نلتفت إلى أن العمل لا يكون مستحبا إلا بنيّة التقرّب إلى الله تعالى ، بدون نيّة التقرّب العمل الخارجي عمل مباح ، وأنت بقلبك تستطيع أن تحوّل هذا العمل المباح إلى مستحب حينما تكون النّيّة خالصة لله تعالى ولا تريد من وراء هذا العمل أي شيء آخر إلا الله فقط ، هكذا يكون العمل مستحبا .

    المؤمن يريد أن يختار من بين المستحبات وتكون نيته خالصة لله تعالى ولا يريد أي شيء إلا الحصول على رضا الله ، رغباته الشخصية يركنها على طرف ، إذا دخلت الرغبة الشخصية مع نيّة التّقرّب فإن هذا العمل لا يكون خالصا لله ، تكون فيه نيّة التّقرّب إلى الله ونـيّـة التّـقـرّب إلى النفـس ، في هـذه الحالـة يكـون الإنسـان

38 . . . . . . . . . . . . .  الصراع بين الحق والباطل ـــ القسـم الثالث

 

مشركا في هذا العمل ، هذا لا بدّ أن نلتفت إليه .

 

    كذلك المباحات ، كيف يختار الإنسان من بين المباحات ليكون المباح محرّكا له باتجاه الله تعالى وليقترب بها إلى الله ؟

 

    فالمؤمن يعمل ببعض المباحات قربة لله تعالى ، ويترك بعض المباحات قربة لله تعالى ، فالمؤمن تكون اختياراته من الأعمال على أسـاس رضـا الله عـز وجـل وإن كانت هناك حرّيّة في المباحات ، ولكن المباحات يوجّهها المؤمن إلى الله ، فبعض المباحات يفعلها قربة إلى الله تعالى ، وبعض المباحات يتركها قربة إلى الله تعالى .

 

    إذن : هذه النقطة مهمّة جدّا ، وهي أن الإنسان كيف يختار الأعمال التي يستطيع أن يتقرّب بها إلى الله تعالى ، وهذا شيء مهمّ حتى لا تكون أعمال المؤمن على أساس رغباته الشخصية ، وعلى أساس العشوائية في العمل ، وهذه النّقطة تعطينا الإطار الفكريّ العامّ والخلفيّة الفكريّة العامّة للاختيار بين الأعمال المختلفة ، والأحداث التي تجري اليوم على المسلمين مصداق من مصاديق كيفيّة الاختيار بين الأعمال ، فهل يختار الزيارة أو دعم المجاهدين ؟ هل يختار العمرة أو قضاء حوائج المحتاجين ؟

الصراع بين الحق والباطل ـــ القسـم الثالث . . . . . . . . . . . . .  39

 

    يحتاج المؤمن إلى مقياس ومعيار حتى يمكن له أن يختار بين الأعمال المختلفة ، قد تختلف المصاديق عبر الزمان والمكان ، ولكن هذا المقياس يظل بيد المؤمن حتى يعرف كيف يختار بين الأعمال المختلفة .

 

    أبدأ بذكر بعض الروايات ثم أدخل في ذكر المسألة إجمالا وبشكل مختصر ، وتفصيل هذا الموضوع يحتاج إلى مجال آخر :

 

    عن ابن أبي عمير رفعه إلى أحدهم عليهم السلام أنه قال : " بعضكم أكثر صلاة من بعض ، وبعضكم أكثر حجّا من بعض ، وبعضكم أكثر صدقة من بعض ، وبعضكم أكثر صياما من بعض ، وأفضلكم أفضلكم معرفة " (1) .

 

    إن المعرفة مقدَّمة على الأعمال ، العلم الذي يحتاجه المؤمن في التحرّك أفضل من العمل الخارجي ، والعمل الخارجي بحدّ ذاته لا يحرّك الإنسان المؤمن إلا أن يعرف كيف يستفيد من هذه الأعمال ، الأعمال عبارة عن وسائل حركة للتقرّب إلى الله عز وجل ، والإنسان الذي لا يعرف كيف يستعمل السيارة فإنه لا يـسـتـطـيـع الـوصـول إلى المكـان الـذي يـريــد الـوصـول إلـيـه ، كـذلـك

40 . . . . . . . . . . . . .  الصراع بين الحق والباطل ـــ القسـم الثالث

 

العبادات والأعمال لا بدّ أن يعرف المؤمن كيف يأتي بها لتحرّكه إلى الله تعالى ، فالإنسان الجاهل بالقيادة لا يستطيع قيادة السيارة ، كذلك الإنسان الذي لا توجد عنده معرفة في كيفيّة الاستفادة من هذه الوسائل للتحرّك إلى الله عز وجل لا يمكن أن يستفيد من الصلاة التي هي عبارة عن وسيلة لمعراج المؤمن (1) أي وسيلة للوصول إلى الله تعالى ، وهذه الصلاة هي التي ﴿ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ (2) ، ولا بدّ أن نصل إلى هذه النتيجة ، والصيام هدفه ﴿ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (3) .

 

    وإذا لم يعرف المؤمن كيفية الاستفادة من الصيام للوصول إلى التقوى فإنه يدخل في شهر رمضان ويخرج منه وصيامه لا يكون مقبولا عند الله تعالى ، نعم هناك أعمال كثيرة يقوم بها خلال شهر رمضان ، ولكن إذا لم يعرف كيفيّة الاستفادة من هذه الأعمال تأكّدوا أن أوضاع المؤمنين تظلّ كما هي الآن ، والمؤمنون يـدخـلـون في هـذه المـواسـم مـن الحـج إلى الـصّيـام إلى شهـر محـرّم

الصراع بين الحق والباطل ـــ القسـم الثالث . . . . . . . . . . . . .  41

 

وأوضاعهم تظلّ كما هي هي لا تتغيّر ، ولا تتغيّر لأننا لا نعرف كيفيّة الاستفادة من هذه الأعمال المختلفة ، المؤمن يدخل إلى الحسينية ويخرج ، نعم سمع بعض الكلمات وذرف بعض الدّموع وانتهت المسألة ، وبمجرّد ما يخرج من باب الحسينية ترى أنه يضحك مع صاحبه ، ويضحك لأنه كان عنده تأثر عاطفي مؤقّت ، وهذا التأثر العاطفي المؤقّت لم يتحوّل إلى برنامج عمل عنده ، فظلّ في الحسينية فترة وذرف الدموع وانتهت القضية وانتهى الموسم ، والأثر انتهى عنده مع أن الأثر لا بدّ أن يكون مستمرا إلى ظهور الحجة عجل الله تعالى فرجه الشريف ، مهما قرأنا دعاء الفرج فإن هذا الدعاء لا يمكن أن يتحقّق إلا بعد أن نغيّر أنفسنا ، والله تعالى يقول :

 

    ﴿ إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ (1) .

 

    وأوضاع المؤمنين ثابتة رتيبة لا تتغيّر وإلا كيف يمكن لدولة فيها عدة ملايين أن يتغلّبوا على مليار مسلم ؟

 

    هذا معناه أن المسلمين ضعفاء مع أنهم يدخلون في كثير من العبـادات ، ولكنهـم لا يستفيـدون منهـا حتى التبرّع الآن وحتى هذا

42 . . . . . . . . . . . . .  الصراع بين الحق والباطل ـــ القسـم الثالث

 

الحزن القلبي على أوضاع المسلمين في لبنان وفي الأماكن الأخرى في العالم هو تأثّر لحظي يزول بعد فترة قليلة ، ولا يزول حينما يتحوّل هذا التأثر العاطفي إلى برنامج عمل للإنسان المؤمن ، كل مؤمن على حدة لا بد أن تتغيّر أوضاعه ويستمر هذا التغيّر ، وإذا لم يستمر يرجع بعد فترة إلى وضعه السابق الذي كان عليه قبل هذه الأحداث ، ونظلّ على وضعنا الثابت الرتيب ، وإذا ظللنا على هذا الوضع فإننا لا نستطيع أن ننتصر على أعداء الدين ولا نستطيع أن نشخّص تكليفنا ، والإنسان مسؤول عن تكليفه يوم القيامة ، ولا يظن أنه إذا كانت أوضاعه ثابتة فإنه ليس مسؤولا يوم القيامة ، فهناك حساب على كل مؤمن مؤمن ، ويحشر الإنسـان فـردا يـوم القيامـة ويحاسـب على الأعمال التي قام بها .

 

    النتيجة : أفضل المؤمنين أفضلهم معرفة ، والعلم مطلوب قبل العمل .

 

    وعن أبي عبدالله عليه السلام قال : " . . . إن المؤمنين بعضهم أفضل من بعض ، وبعضهم أكثر صلاة من بعض ، وبعضهم أنفذ بصيرة من بعض ، وهي الدرجات " (1) .

الصراع بين الحق والباطل ـــ القسـم الثالث . . . . . . . . . . . . .  43

 

    وهذه هي الدرجات المختلفة التي يستطيع أن يصل إليها المؤمنون ، وقوله عليه السلام : " وبعضهم أنفذ بصيرة " ، المراد بالبصيرة البصر القلبي الروحي ، فالإنسان له عينان في رأسه البدني الجسدي ، وكذلك له عينان في روحه (1) ، والروح لها البصيرة حينما تريد أن تقدم على الأعمال فتعرف كيف توازن بين الأعمال وكيف تختار الأعمال ، وهذه البصيرة تنتج حينما يكون عند الإنسان العلم والمعرفة ، وعلى أساس العلم يستطيع أن يختار بين الأعمال .

    إن المؤمنين يتفاوتون في درجاتهم في الجانب النظري العلمي ، وقوله عليه السلام : " بعضكم أكثر صلاة من بعض ، وبعضكم أكثر حجّا من بعض ، وبعضكم أكثر صدقة من بعض ، وبعضكم أكثر صياما من بعض " ؛ إشارة إلى تفاوت المؤمنين في درجاتهم في الجانب العملي ، فدرجات المؤمنين مختلفة في الجانب العلمي وفي الـجانـب الـعمـلي ، والإنـسـان لا بــدّ أن يـصـل إلى الحـدّ الأقـصى في

44 . . . . . . . . . . . . .  الصراع بين الحق والباطل ـــ القسـم الثالث

 

الجانب العلمي كما هو المعصوم عليه السلام ، ولا بدّ أن يصل إلى الحدّ الأقصى في الجانب العملي ، والجانب العملي يصل إليه المعصوم ويصل إليه المؤمنون أيضا ، والإنسان المؤمن من ناحية عملية يستطيع أن يصل إلى درجة العصمة حينما يؤدي كل الواجبات ويترك كل المحرّمات ، نعم من ناحية قلبيّة لا يستطيع أن يصل إلى درجة العصمة لأن هناك جذورا وأمراضا نفسيّة روحيّة قلبيّة عند جميع الناس إلا المعصوم عليه السلام ، فالمعصوم لا يوجد عنده أي مرض قلبي روحي نفسي .

    إن الأفضل بين المؤمنين هو من يكون أفضل من ناحية علمية ، وهو من يكون أكثر معرفة ، ولكن بشرط أن يكون العلم مؤدّيا إلى العمل ، فالأكثر علما لا بدّ أن يكون أكثر عملا ، المعلومات الموجودة في الذهن إذا لم تتحوّل إلى عمل لا قيمة لها ، قيمة العلم بقيمة العمل ، الإنسان حينما يقوم بالأعمال إذا حقّق نسبة 10 % من المعلومات الموجودة في ذهنه معناه ذلك أن المعلومات الموجودة عنده هي بنسبة 10 % فقط ، ونسبة 90 % من هذه المعلومات لا قيمة لها عند الله عز وجل ، بل على العكس تكون هـذه المعلومـات حجّـة عليه يوم القيامة لأنه يملك معلومات لم يعمل بها .

الصراع بين الحق والباطل ـــ القسـم الثالث . . . . . . . . . . . . .  45

 

وقوله عليه السلام : " وهي الدرجات " ؛ إشارة إلى الدرجات في قوله تعالى :

 

    ﴿ هُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ اللّهِ واللّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (1) .

 

   تلاحظون أن الموضوع يحتاج إلى ربطه بوضعنا الحالي ، وقلت إن هذه مقدمة حتى نصل إلى موضوعنا لأنه قد يسأل شخص : هذا الموضوع إلى أين سيصل ؟

 

    هدفنا الوصول إلى معرفة مقياس اختيار الأعمال ، وأذكر الروايات التي تبيّن اختلاف المؤمنين في الأعمال ، وهذا الاختلاف على أي أساس يكون لا فقط أن الرواية تريد أن تقول إن المؤمنين مختلفون في الأعمال ؟

    بل لا بد أن نسأل : لماذا هذا الاختلاف بين المؤمنين في الأعمال التي يؤدّونها ؟

    هذا السؤال أريد أن أجيب عليه حتى يتبيّن : لماذا يكون بعض المؤمنين أفضل من بعض ؟

    إن درجات الإيمان مختلفة ، ويحاول المؤمن الصّعود من درجة إلـى أخـرى ، فـيـخـتـار مـن الأعـمـال الـتي تـسـاهـم فـي صـعـوده فـي

46 . . . . . . . . . . . . .  الصراع بين الحق والباطل ـــ القسـم الثالث

 

الدرجات ، يأخذ الوسائل التي تساهم في صعوده من درجة إلى أخرى ، لا فقط أن المؤمن يتبرّع بالمال للمجاهدين ، ولكن التبرّع لا بدّ أن يُحْدِث عنده حركة قلبيّة ، العمل الخارجي إذا لم يُحْدِث عند الإنسان حركة قلبيّة فإن العمل الخارجي لا يمكن الاستفادة منه ، وإذا أحدث عنده حركة قلبيّة يصعد الإنسان من درجة إلى أخرى حتى يكون هذا العمل مثمرا للإنسان في يوم القيامة ، وهذا الصعود من درجة إلى أخرى يحتاج إلى صعوبة ومجاهدة كمن يصعد السّلّم فإنه يحتاج إلى بذل جهد ، إذا أراد أن ينتقل على السّلّم من الدرجة الأولى إلى الدرجة الثانية فإنه يحتاج إلى جهد بسيط ، وإذا أراد أن يقفز من الدرجة الأولى إلى الدرجة الرابعة فإنه يحتاج إلى جهد عضلي أكبر ، كذلك بدون مجاهدة النفس من المستحيل أن يصعد المؤمن في الدرجات المعنويّة الإيمانيّة ، فإذا لم تشعر بصعوبة ومجاهدة فإن العمل الذي تؤدّيه لا ينقلك من الدرجة الأدنى إلى الدرجة الأعلى كمن يصعد السّلّم ، ونرى في الروايات اختلاف المؤمنين في الأعمال ، والمفروض أن اختلاف الأعمال واختيارها لا يكون على أساس من العشوائية وبدون مقياس أو على أساس الرّغبات الشّخصيّة ، هل الإنسان يريد أن يقوم بالعمل الذي فيه رضا الله أو يختار الأعمال التي تتناسب مع

الصراع بين الحق والباطل ـــ القسـم الثالث . . . . . . . . . . . . .  47

 

رغباته الشخصية وإن كان عملا واجبا أو مستحبا من ناحية خارجية ؟

    قد يختار الواجب الخارجي والمستحب الخارجي على أساس ما تشتهي النفس وما ترغب إليه النفس .

   البعض يستفيد أكثر من الصلاة في الحركة إلى الله ، وبعضهم يستفيد من الصيام أكثر في التقرب إلى الله ، والبعض يستفيد من الحج أكثر ، والبعض يستفيد من الصدقات أكثر ، وهكذا لا بدّ أن يعرف المؤمن الأعمال التي تساهم أكثر في حركته وانتقاله من الدرجة الأدنى إلى الدرجة الأعلى ، وهذا يحتاج إلى معرفة مسبقة ، فالمؤمن لا بدّ أن يكون عنده علم في كيفيّة اختيار الأعمال التي تساهم في حركته بشكل أسرع .

    كما أن الإنسان الذي يريد أن يشتري سيارة يكون نظره إلى سيارة معيّنة ، ويختار سيارة معيّنة لأنه يعلم أن هذه السيارة لها مواصفات معيّنة ، كذلك المؤمن حينما يريد أن يختار العمل فإنه يختار العمل الذي يكون فيه مجاهدة أكبر ، ويستطيع أن يعرف العمل الذي يكون فيه مجاهدة أكبر لأن عنده علما ومعرفة مسبقة بالأعمال التي تساهم في حركته وصعوده في درجات الإيمان درجة بعـد درجـة ، ويحتاج إلى المجاهدة للانتقال من درجة إلى أخرى ،

48 . . . . . . . . . . . . .  الصراع بين الحق والباطل ـــ القسـم الثالث

 

والعمل الذي يساهم في حركته أكثر لا بدّ أن يكون فيه مجاهدة أكبر ، والعمل لا بدّ أن يكون على أساس العلم لأن العلم هو الذي يعطي المؤمن البصيرة في معرفة أي الأعمال يُقَدِّم وأيها يُؤَخِّر .

    والحمد لله ربّ العالمين وصلّى الله على سيّدنا أبي القاسم محمّد وآله الطّيّبين الطّاهرين .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الصراع بين الحق والباطل

القسم الرابع (1)

 

    الحمد لله ربّ العالمين وصلّى الله على سيّدنا أبي القاسم محمّد وآله الطّيّبين الطّاهرين .

    يقول الله تعالى في كتابه الكريم : ﴿ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُو اللّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (2) .

    ما زال الحديث في صراع الحق والباطل ، انتهت الجولة في الصراع بين الحق والباطل ، ولكن لم ينتهِ الصراع بينهما ، فالصراع بينهما مستمر إلى ظهور الحجة عجل الله فرجه ، ولا يظن المؤمن أن المشكلة انتهت وانتهى دوره ، بل دوره مستمرّ في هـذا الصراع في عصر الغيبة الكبرى إلى وقت الظهور حينما ينتهي

50 . . . . . . . . . . . . .  الصراع بين الحق والباطل ـــ القسـم الرابع

 

الصراع بانتصار الحق على الباطل انتصارا أبديّا ، فلا ننسى هذه النقطة وهي أن الصراع مستمرّ وأن دورنا مستمرّ في هذا الصراع الدّائم بين الحق والباطل ، والمفروض بعد انتهاء هذه الجولة أن لا نرجع إلى حياتنا الروتينية التي كنّا عليها قبل هذه الجولة ، بل لا بدّ أن نعيش حالة الاستنفار ما دام العدو موجودا ويحاول النّيل من المسلمين والقضاء على الإسلام مهما كانت صورة العدو ، فعدونا الرئيسي هو الشيطان الأكبر وأعداؤنا الفرعيّون هم أتباعه من الشياطين الصغار ، ولا ننسى أنه في مناسك الحج يوجد رمي الجمرات الثلاث التي ترمز إلى شياطين الجن والإنس بل قل شياطين الإنس والجن ، هذه مقدّمة ونرجع إلى موضوعنا .

   وصلنا إلى كيفيّة تقييم الأعمال التي يريد أن يأتي بها المؤمن ، كيف يختار المؤمن عملا معينا ويترك عملا آخر ؟

   قلت بأن المؤمنين على درجات إيمانية مختلفة في الجانب العلمي وفي الجانب العملي ، ولكن أفضل المؤمنين هو أفضلهم علما ومعرفة كما في رواية قرأتها في الأسبوع الماضي ؛ لأنه بالعلم يصعد المؤمن في الدرجات ، ويقصد بالعلم العلم الذي يعمل به المؤمن لا المعلومات المخزونة في ذهنه ، فقيمة العلم بقيمة العمل المترتّب عليـه .

الصراع بين الحق والباطل ـــ القسـم الرابع . . . . . . . . . . . . .  51

 

    يقول الله تعالى : ﴿ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (1) .

 

    أي يرفع الله الذين آمنوا درجة ، ويرفع الذين أوتوا العلم درجات ، فالإنسان المؤمن يصعد درجة ، ولكن بواسطة العلم يستطيع أن يصعد الدرجات ، وهذا هو العلم الذي يترتّب عليه العمل ، فالمطلوب من المؤمن العمل ، ولكن العمل المشروط بالعلم لا العمل المترتّب على الجهل .

    إن الإنسان الذي يعمل على أساس الجهل يتخبّط في عمله ولا يستطيع أن يأتي بالعمل بالكيفية الصحيحة ، وهناك نماذج ، مثلا شخص كان يصلي سنوات طويلة ، والآن يسأل أنني كنت أقوم بالصلاة بالكيفية التالية فهل صلاتي صحيحة أو لا ، فبعض الأجوبة تأتي بأن صلاتك باطلة ، فطوال عشرين سنة مثلا هذا المؤمن يصلي ، ولكن تبيّن أن صلواته كلها باطلة .

    أحد الأبناء الأعزّاء سأل ليلة البارحة أنه كان يغتسل مع أنه لم يكن مجنبا ولا عنده أيّ سبب من أسباب الغسل ، فهو يريد أن يتـنظّـف ولكـنـه يـنـوي الغـسـل أيضـا ، وهـو يصـلي عـلى أسـاس هـذا

52 . . . . . . . . . . . . .  الصراع بين الحق والباطل ـــ القسـم الرابع

 

الغسل الذي لا يغني عن الوضوء لمدة سنتين أو ثلاث ، وكان الجواب أنه يعيد هذه الصلوات لأنه صلاها بلا طهارة .

 

    وهكذا الإنسان الذي لا يتعلّم من الممكن أن يأتي يوم القيامة ويجد أن صحيفة أعماله خالية لأنه لم يتعلّم الكيفيّة الصحيحة لأداء الأعمال ، فيكتشف أن أعماله باطلة ، وإذا لم تكن صحيحة فحتما لا تكون مقبولة لأن الله عز وجل يريد من المؤمن أن يأتي بالعمل بكيفيّة مخصوصة لا أن يأتي بالعبادة على أي وجه كان .

 

    والآية السابقة بعد ذلك تربط بين العلم والعمل وتذكر بأن الله خبير بما تعملون ، فالمطلوب هو العمل ، ولكن على أساس العلم ؛ لأن المؤمن لا يمكن أن يعمل على أساس الجهل ، فمن يعمل على أساس الجهل يتخبّط في عمله ولا يمكن أن يأتي بالعمل على وجهه الصحيح .

 

    روي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال : " العلم مقرون بالعمـل ، فمـن علـم عمل ، والعلم يهتف بالعمل ، فإن أجابه وإلا ارتحل عنه " (1) .

 

    والـمـعـنى أن الـعـلـم يـدعـو إلى الـعمـل ويـؤدي إلى الـعمـل ، فـإن

الصراع بين الحق والباطل ـــ القسـم الرابع . . . . . . . . . . . . .  53

 

أجاب العملُ العلمَ فهو المطلوب ، وإن لم يُجِبِ العملُ العلمَ فإن العلمَ يرتحل أي يذهب ولا قيمة له ، فكأنه غير موجود ، فالمعلومات الذّهنيّة إذا لم تتحوّل إلى عمل فإن وجودها كعدمها ، لنفرض أن شخصا يحفظ كل مسائل الرسالة العملية ولكنه لا يعمل بها فإن حفظ الرسالة العملية كمعلومات لا قيمة له لأن المطلوب من الرسالة العملية أن يأتي الإنسان بالأعمال التي تترتّب على هذه المعلومات .

    قلت إن درجات الإيمان مختلفة ، ويحاول المؤمن الصعود من درجة إيمانية إلى درجة إيمانية أعلى ، والصعود يحتاج إلى مجاهدة وبذل جهد وجهاد النفس ، فيختار من الأعمال ما يساهم في صعوده في الدرجات ، وبدون مجاهدة النفس من المستحيل أن يصعد المؤمن في الدرجات ، فإذا كان لا يشعر بصعوبة حين أداء العمل فمن المستحيل أن يستطيع الإنسان الصعود ، واختلاف الأعمال واختيارها لا بدّ أن يكون على أساس مقياس وهو المجاهدة لا على أساس الرغبة الشخصية ، وإذا أراد الإنسان أن يكون إنسانا إلهيّا فلا بدّ أن يرى ماذا يريد الله عز وجل منه ، فيأتي بالعمل دون النظر إلى أنه يرغب في أداء هذا العمل لوجود مصلحـة شخصيّـة لـه ، نعم هنـاك خيط رفيع بين الأمرين ، ترغب

54 . . . . . . . . . . . . .  الصراع بين الحق والباطل ـــ القسـم الرابع

 

إلى ما يرغب إليه الله عز وجل ، وتبتعد عما يريد الله منك أن تبتعد عنه ، هذا هو المؤمن ، لا تنظر إلى رغباتك الشخصية وأنك تحب هذا العمل لوجود فائدة شخصية ، نعم تحب هذا العمل لأن الله عز وجل يريد منك أن تأتي بهذا العمل ، فتأتي به دون النظر إلى المصالح الشخصية المترتّبة على هذا العمل حتى تؤدي العمل بنيّة خالصة لله عز وجل .

    إن دور المؤمن أن يشخّص الأعمال التي تساهم في حركته أكثر وفي صعوده في الدرجات ، وهذه الأعمال تكون مقترنة بجهاد النفس ، وفي الروايات حينما تقول بأن بعض المؤمنين أكثرهم صلاة أو صياما أو حجّا لا يكون الاختيار والاختلاف على أساس الرغبة الشخصية ، بل الأكثريّة لعمل يأتي من أن المؤمن يشخّص أن أداءه للنوافل ـــ مثلا ـــ هو الذي يساهم في صعوده في الدرجات أو أن الصيام هو الذي يساهم في انتقاله من درجة إلى درجة أعلى أو أن الصدقة هي التي تساهم في حركته في الدرجات ، فلا بدّ من تشخيص المؤمن للأعمال التي تساهم في حركته أكثر وصعوده في الدرجات الإيمانية .

    وكيف يستطيع المؤمن أن يشخّص أيّ الأعمال تساهم في حركته أكثر ؟

الصراع بين الحق والباطل ـــ القسـم الرابع . . . . . . . . . . . . .  55

 

    هنا يحتاج إلى العلم ، الإنسان بدون علم ومعرفة لا يمكنه أن يتحرّك تحرّكا صحيحا إلى الله عز وجل ، لا بدّ أن يرجع إلى القرآن الكريم والسنة الشريفة ليعرف أيّ الأعمال أفضل من الأعمال الأخرى .

    قد يكون بنظره يرى ـــ مثلا ـــ أن ثواب صلاة الجماعة ثواب عظيم ، وأن الاستماع إلى خطبة الجمعة أقلّ ثوابا من صلاة الجماعة ، ولكن العكس صحيح ، ونرى بعض المؤمنين يصلّون صلاة الظهر ويخرجون من المسجد ولا ينتظرون لاستماع الخطبة أو لصلاة العصر ، الاستماع لهذه الكلمات التي تعطي الإنسان بصيرة في تحرّكه ثوابه أكثر من ثواب صلاة الجماعة ومن الحج ومن باقي الأعمال العبادية ، وسوف أذكر لكم بعض الروايات التي تبيّن الفرق بين الأعمال .

    نحن لدينا مقاييس خاطئة في تقييم الأعمال ، فلا بدّ أن يكون تقييمنا من خلال القرآن الكريم والسنة الشريفة ، فالمؤمن يحتاج إلى العلم والمعرفة حتى يستطيع أن يشخّص الأعمال التي تساهم في حركته إلى الله عز وجل ، وبدون العلم سوف يتخبّط في حركته ، فتارة يتكامل ، وتارة أخرى يتسافل ، يأتي يوم القيامة ويرى بـأنـه ليـس كـما كان يتصـوّر ، هـو كان يظـن أنـه في الدرجـات

56 . . . . . . . . . . . . .  الصراع بين الحق والباطل ـــ القسـم الرابع

 

الإيمانية العليا ، ولكن يتبيّن له أن كثيرا من الأعمال التي كان يؤدّيها كانت أعمالا باطلة وأن اختياره للأعمال لم يكن على أساس صحيح وعلى أساس ما يريده الله عز وجل ، فيكتشف أنه قد تسافل وهو لم يشعر بذلك ، فيحسب أنه يحسن صنعا ، ويتبيّن أنه كان مخطئا ، فبالعلم يستطيع أن يشخّص هذه الأعمال لأن العلم هو الذي يعطي المؤمن بصيرة في معرفة أيّ الأعمال يُقَدِّم وأيّها يُؤَخِّر ، ولنجعل هذا المقياس بأيدينا ، وهو احتياج المؤمن إلى العلم حتى يستطيع أن يشخّص الأعمال التي تساهم في حركته إلى الله عز وجل .

    نأتي الآن إلى المقارنة بين بعض الأعمال ليكون التطبيق عمليّا ولا نقتصر على الناحية النظرية :

    هل السفر إلى دولة معادية للإسلام تساهم في حركة المؤمن أو التبرّع بالمال للمجاهدين والمحتاجين ؟

الجواب :

   بالبديهة التبرّع بالمال للمجاهدين فيه حركة لأن فيه مجاهدة ، والسفر إلى هذه الدول المعادية للإسلام والسفر بشكل عام لا يوجد فيه إلا ترويح للنفس ولا يُنْتِج حركة عند المؤمن ، ولا يسـتفيـد الـمؤمـن أخـرويّـا إذا كان يسـافـر مـن أجـل السـفـر فقـط ،

الصراع بين الحق والباطل ـــ القسـم الرابع . . . . . . . . . . . . .  57

 

يشعر بمتعة خلال أسبوعين أو شهر ويصرف مئات أو آلاف الدنانير ثم يرجع إلى البلد ، ما هي الفائدة الأخرويّة التي اكتسبها من هذا السفر ؟

    لا توجـد أي فائـدة أخرويّة لأنه لم يشعر بالمجاهدة حتى يصعد ، بالمقابل لو أن هذا المال يتبرّع به للمجاهدين والمحتاجين لاكتسب حركة نفسية وجهادا للنفس لأن الشيطان سوف يتدخل ويقول له لا تدفع هذا المال للمجاهدين والمحتاجين بل اجعله لنفسك ، ففيه مجاهدة ، وطالما أنه يوجد فيه مجاهدة فمعنى ذلك أنه سيصعد في الدرجات الإيمانية .

    وقد يكون السفر إلى هذه الدول سببا في تراجع المؤمن وتسافله في حركته ، مثلا من يكون في سفر طويل قد يترك بعض الصلوات ، مثلا بعض الأشخاص إذا كان في الطائرة يخجل أن يصلي مع أن الصلاة واجبة ، تركه للصلاة متعمدا وقوله أقضي فيما بعد معناه أنه متهاون في أداء الواجب ، هذا التّهاون يؤدّي إلى التسافل في الدرجات الإيمانية ، وقد ينظر نظرات محرّمة إلى نسائهم هناك أو يتناول طعاما محرّما من أطعمتهم ، هذه كلّها تساهم في تسافل الإنسان في الدرجات الإيمانية ، لا فقط أن الإنسـان يقف في حركته بل من الممكن أن يتسافل في حركته وينـزل

58 . . . . . . . . . . . . .  الصراع بين الحق والباطل ـــ القسـم الرابع

 

في درجاته بدلا من أن يصعد في الدرجات ، ودرجة الإنسان في الجنة مترتّبة على درجته الإيمانية في الدنيا ، فالإنسان بنفسه يحدّد أيّ درجة يريد في الآخرة ، درجات الجنة مترتّبة على حركتك في الدنيا ، في الدنيا تصل إلى درجة إيمانية معيّنة ، وفي الآخرة تحصل على الدرجة المقابلة للدرجة الدنيوية ، الدنيا والآخرة وجهان لعملة واحدة ، هنا تعمل ، وهناك تحصد ، العمل الذي تؤدّيه في الدنيا ثمرته ونتاجه تحصل عليه في الآخرة .

    نأتي الآن للمقارنة بين زيارة الإمام الرضا عليه السلام أو الذهاب إلى العمرة وبين التبرّع للمجاهدين والمحتاجين ، أيهما تختار ؟

    البعض يقول أختار الزيارة والعمرة كما هو الآن حاصل ، والبعض القليل قد يقول هذا المال أتبرّع به لدعم المجاهدين والمحتاجين ، أيهما فيه مجاهدة أكثر ؟

    حتما التبرّع للمجاهدين والمحتاجين فيه مجاهدة نفسية أكبر لأن الشيطان يأتي للإنسان ويقول له لا تتبرّع ، السفر فيه راحة للنفس ومتعة للقلب ، والتبرع فيه مجاهدة ، فأيهما يُقَدِّم المؤمن ؟

    نعم زيارة الإمام الرضا عليه السلام أمر مستحب ، والذّهاب إلى العمـرة أمر مستحب ، ولكن حينما يرى الإنسان أن محتاجا لا

الصراع بين الحق والباطل ـــ القسـم الرابع . . . . . . . . . . . . .  59

 

يوجد عنده سكن ولا مأكل فالدّين أيهما يقدّم ؟

    الدّين يقدّم دعم المحتاج لأن الزيارة ـــ وإن كانت زيارة للإمام الرضا عليه السلام ـــ فيها ترويح للنفس أيضا ، والمؤمن عادة يختار الزيارة أو العمرة ، وهذا ما يكون على أساس العادة أو على أساس التّركيز على هذه الأعمال العبادية الفردية ولأنها تذكر كثيرا في الأحاديث ولا يُتَطَرَّق إلى المواضيع الاجتماعية التي يكون تركها مضرّا في حركة المؤمن إلى الله عز وجل ، ويظن المؤمن أن العمرة أو الزيارة أفضل من بعض الأعمال الاجتماعية ، ولكن لا بدّ لنا أن نعرف أن بعض الأعمال التي يكون لها جنبة اجتماعية تكون مقدّمة على الأعمال الفردية ، وسوف أذكر لكم بعض الأمثلة من الروايات .

    مثلا تجد مؤمنا يذهب إلى الحج سنويا ، ولكنه في نفس الوقت يكون مقاطعا لأحد أرحامه مع أن صلة الرحم واجبة والحج مستحب ، فهو يركز على الحج والعمرة ويغفل عن صلة الرحم ، فلماذا يصرّ على المستحب ويترك الواجب ؟

    وهذا التركيز يكون على الحج لأنه كثيرا ما يذكر أن الحج مستحب وأن للحج ثوابا عظيما ، ولا يتم التركيز على صلة الأرحـام ، فيعتـاد المؤمـن على عمل معيّن وقد يترك في نفس الوقت

60 . . . . . . . . . . . . .  الصراع بين الحق والباطل ـــ القسـم الرابع

 

عملا آخر واجبا ، وقد يرتكب في نفس الوقت بعض المعاصي والمحرمات ، ويتوهم أن هذا العمل أكثر ثوابا من العمل الآخر .

   مثل هذا الإنسان لا يوجد له اتجاه واحد ، حينما تقول :

 

    ﴿ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (1) .

    معناه أن اتجاهك يكون إلى الله عز وجل فقط ، هذا الاتجاه الواحد هو المطلوب من الإنسان المؤمن حتى تكون أعماله على أساس وجهة الله عز وجل لا أنه تارة يكون على أساس ما يريده الله تعالى وتارة أخرى على أساس ما يريد هو حسب مشتهياته ورغباته الشخصية .

    ترون أن القضايا الاجتماعية لا يوجد لها باب في الرسالة العملية ، نعم يوجد كتاب العبادات وكتاب المعاملات ، ولكن بعض القضايا الاجتماعية لا يركّز عليها في الرسالة العملية ، يتمّ التركيز على الأعمال العبادية الفردية فقط مثل الصلاة والصيام والحج والعمرة والزيارة ، والقضايا الاجتماعية مهملة عادة ، والنـاس لا يـسألـون عـن المسـائـل الاجتماعيـة التي يريـدون أن يأتـوا

الصراع بين الحق والباطل ـــ القسـم الرابع . . . . . . . . . . . . .  61

 

بها مع أن القضايا الاجتماعية لها أحكام شرعية أيضا ، نعم إذا أرسل استفتاءً إلى المرجع يأتيه الجواب ، ولكن التفصيل كما في باب الصلاة ـــ مثلا ـــ ليس موجودا في القضايا الاجتماعية ، فيغفل المؤمن ويظن أن الأعمال العبادية الاجتماعية ليست بتلك القيمة كما هي العبادات الفردية مع أنه في الروايات نجد أن قضاء حاجة المؤمن أو إطعامه أو كسوته له ثواب أكثر من بعض العبادات الفردية ، وسوف أقرأ لكم بعض هذه الروايات ، والروايات تبيّن أيّ الأعمال هي الأهم ، فحينما يتزاحم عملان أيهما نُقَدِّم ؟

 

    الروايات تبيّن الأعمال الأوْلَى بالتّقديم حينما يتزاحم عملان ، فالأهمّ يُقَدَّم على المهمّ ، ولنأخذ بعض الأمثلة :

 

    سئل الإمام الرضا عليه السلام : ما حقّ المؤمن على المؤمن ؟ فقال : " . . . ومن قضى لمؤمن حاجة كان أفضل من صيامه واعتكافه في المسجد الحرام . . . " (1) .

 

    نرى في هذه الرواية أن قضاء حاجة المؤمن أفضل من الصيام والاعتكاف في المسجـد الحرام ، ولكن الآن يتمّ التركيز على العمرة

62 . . . . . . . . . . . . .  الصراع بين الحق والباطل ـــ القسـم الرابع

 

والزيارة ، وقضاء حوائج المؤمنين مهمل ، وبعض الفقراء موجودون في بلدنا ، وبعض الأولاد منهم أمّيّون لا يذهبون إلى المدارس لأنهم لا يملكون القسط الشهري ، إذا كنت بالخيار بين أن تذهب إلى العمرة وبين أن تقضي حاجة المؤمن أيهما تختار ؟

 

    عادة يختار المؤمنون الذهاب إلى العمرة مع أن قضاء حاجة هذا المؤمن ثوابه أكثر من ذهابك إلى العمرة ، ولكن لأن النفس ترغب للعمرة والتبرّع للمحتاج فيه جهاد للنفس فالإنسان بطبيعته يختار العمل السهل ويترك العمل الذي فيه مجاهدة مع أن العمل الذي فيه مجاهدة هو الذي يساهم في صعود الإنسان في الدرجات الإيمانية .

 

    وعن الإمام الحسن عليه السلام قال : " . . . المشي في حاجة المؤمـن حـتى يقضيهـا خـيـر مـن اعتـكاف شـهـريـن متتـابعـين في المسـجـد الحرام بصيامها " . ثم قال أبو الحسن الماضي عليه السلام : " ومن اعتكاف الدهر " (1) .

 

    الإنسان لو يعتكف طوال حياته في المسجد الحرام لا يحصل على ثـواب قـضـاء حـاجـة المؤمـن ، والمؤمنـون اليـوم يختـارون العمـل

الصراع بين الحق والباطل ـــ القسـم الرابع . . . . . . . . . . . . .  63

 

السهل على النفس ويتركون قضاء حوائج المؤمنين .

    وعن أمير المؤمنين عليه السلام قال : . . . فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول : " صلاح ذات البين أفضل من عامة الصلاة والصيام ، . . . " (1) .

    إن الإصلاح بين المؤمنين المختلفين أفضل وأكثر ثوابا من نوافل الصلاة والصيام المستحب إذا صلى النوافل وصام طوال حياته ، الآن كم من المؤمنين تعرف أن بينهم خلافا ومع ذلك لا تسعى في الإصلاح بينهم مع أنه أكثر ثوابا من عامة الصلاة والصيام ؟

    الآن المؤمنون يتجهون للصيام في شهر رجب ويهملون قضاء حوائج المؤمنين أو الإصلاح بين المختلفين منهم لأنه حسب تصورهم أن العمل العبادي الفردي هو المقدَّم على باقي الأعمال .

    وروي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : " . . والصدقة أفضل من الصيام . . " (2) .

    وعن أبي عبدالله عليه السلام قال : " صدقة درهم أفضل من صيام يوم " (3) .

64 . . . . . . . . . . . . .  الصراع بين الحق والباطل ـــ القسـم الرابع

 

    إن الصدقة القليلة أفضل من صيام يوم يمتد لعدة ساعات .

    وعن أبي عبدالله عليه السلام قال : " قضاء حاجة المؤمن خير من حملان ألف فرس في سبيل الله عز وجل ، وعتق ألف نسمة " .

    وقال عليه السلام : " ما من مؤمن يمشي لأخيه في حاجة إلا كتب الله له بكل خطوة حسنة ، وحطّ بها عنه سيئة ، ورفع له بها درجة ، وما من مؤمن يفرّج عن أخيه المؤمن كربة إلا فرّج الله عنه كربة من كرب الآخرة ، وما من مؤمن يعين مظلوما إلا كان ذلك أفضل من صيام شهر واعتكافه في المسجد الحرام " (1) .

    هذه مجموعة من الروايات التي تساعد المؤمن على تشخيص أيّ الأعمال تساهم في حركته وصعوده في الدرجات الإيمانية باتجاه الله تعالى .

    والحمد لله ربّ العالمين وصلّى الله على سيّدنا أبي القاسم محمّد وآله الطّيّبين الطّاهرين .

 

 

 

 

 

 

الصراع بين الحق والباطل

القسم الخامس (1)

 

    الحمد لله ربّ العالمين وصلّى الله على سيّدنا أبي القاسم محمّد وآله الطّيّبين الطّاهرين .

 

    يقول الله تعالى في كتابه الكريم : ﴿ إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلآئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرَّعْبَ فَاضْرِبُواْ فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ (2) .

 

    قلت إن الصراع بين الحق والباطل صراع مستمرّ إلى ظهور الإمام المهدي عجل الله فرجه ، ولا بدّ أن نعيش حالة الاستنفار الدائم طالما أن أعداء الدين متربّصون بالإسلام والمسلمين .

66 . . . . . . . . . . . .  الصراع بين الحق والباطل ـــ القسـم الخامس

 

    وتوجد دائرتان : دائرة أنصار الإمام عليه السلام ، ودائرة أعداء الإمام عليه السلام ، ولا توجد دائرة ثالثة للحياد بين الحق والباطل ، والشخص بنفسه يختار أن يكون في دائرة الأنصار أو خارج دائرة الأنصار ، وإذا اختار دائرة الأنصار فلا بد أن يجسّد هذه الدائرة في نفسه تجسيدا عمليّا لا قوليّا فقط ، فلا يقول فقط : " اللهم اجعلني من أنصاره " ؛ ويكتفي ، بل لا بدّ أن يحوّل هذا القول إلى عمل ، فأنصار الإمام عليه السلام عاملون لا عالمون فقط ، نعم علم وعمـل حتى يكون ضمـن دائـرة أنصـار الإمام المهدي عجـل الله فرجه ، فوجوده في دائرة الأنصار يتطلب منه عملا لا قولا فقط .

    قلت في الأسبوع الماضي إن المؤمن يحاول الصعود من درجة إيمانية إلى درجة أعلى ، وبدون جهاد النفس لا يمكن للمؤمن أن يصعد في الدرجات ، وعلى المؤمن أن يختار الأعمال التي توجد فيها مجاهدة أكبر لأنها تساهم أكثر في صعوده ، وكيف يمكن له أن يعرف الأعمال التي تساهم في صعوده ؟

    إن الأعمال التي تساهم أكثر في حركة المؤمن نرجع في معرفتها إلى القرآن الكريم والروايات الشريفة لأنهما يبيّنان الأعـمـال التي يكـون ثـوابهـا أكـثـر أو عقـابهـا أكـبـر ، وبالمقـارنـة بين

الصراع بين الحق والباطل ـــ القسـم الخامس . . . . . . . . . . . .  67

 

هذه الأعمال يستطيع أن يحدّد الأولويّات في اختيار الأعمال التي تساهم في حركته أكثر ، والعمل الذي يكون ثوابه أكثر تكون المجاهدة فيها أكبر .

    قرأت بعض الروايات التي بيّنت ثواب بعض الأعمال كقضاء حاجة المؤمن وأنه أكثر ثوابا من الصيام والاعتكاف في المسجد الحرام ، والإصلاح بين المؤمنين المختلفين ثوابه أكبر من عامة الصلاة والصيام المستحبّة التي يؤدّيها الإنسان خلال حياته كلّها ، والصدقة أفضل من الصيام .

    هذه هي المقارنات بين الأعمال المختلفة حتى إذا كان هناك تزاحم بين عملين يعرف أيهما يُقَدِّم ، مثلا لو كان الجو حارّا وهو يريد أن يصوم وفي النهار يُطْلَب منه أن يسعى للإصلاح بين شخصين مختلفين أيهما يختار : الصيام مع وجوده في البيت أو الإفطار والسعي في الإصلاح بين المؤمنين ؟

    النفس عادة تتوق إلى الصيام مع أنه حسب المقاييس الشرعية الإصلاح بين المؤمنين المختلفين ثوابه أكثر من الصيام في حال التزاحم بينهما ، فلا بدّ أن نعرف هذه المقارنات بين الأعمال حتى يعرف المؤمن حينما يريد أن يؤدّي عملا على أي أساس يختار الأعمال التي يريد أن يؤديها .

68 . . . . . . . . . . . .  الصراع بين الحق والباطل ـــ القسـم الخامس

 

    هذا خلاصة ما قلته في الأسبوع الماضي ، نأتي الآن لتكملة الموضوع ، ونأتي للتطبيق ، فأسأل :

 

    هل كل زيارة يقوم بها المؤمن إلى المشاهد المشرفة وكل عمرة تكون مقبولة بدون شروط أو أن لقبول الأعمال شروطا معينة ؟

الجواب :

    من المعلوم أن ليس كل زيارة وكل عمرة وحج مستحبين تكون مقبولة عند الله عز وجل لأن لقبول الزيارة والعمرة شروطا أذكرها في موضوع آخر ، ولعلّ في فرصة أخرى أتحدّث عن شروط قبول الأعمال بتفصيلاتها ، ومنها شروط قبول الزيارة ، فالمؤمن حينما يريد أن يذهب لزيارة المعصوم عليه السلام ما هي الشروط التي لا بدّ أن يوفّرها قبل الذهاب وأثناء وجوده في الحرم الشريف وبعد رجوعه من الزيارة ؟

    هذه الشروط إذا توفّرت فإن الزيارة تكون مقبولة من الله عز وجل ، فليس كل من يذهب إلى زيارة المعصوم عليه السلام تكون زيارته مقبولة ، فهو إذا أراد أن تكون زيارته مقبولة فعليه أن يوفّر شروط قبول الزيارة .

    قلت هل التبرّع بمال السفر للمقاومين أو المحتاجين فيه مجاهدة أكبر أو الزيارة والعمرة ؟

الصراع بين الحق والباطل ـــ القسـم الخامس . . . . . . . . . . . .  69

 

    التبرّع بالمال للمحتاجين فيه مجاهدة أكبر لأنه لا يوجد فيه مردود دنيوي للشخص ، فمتعة السفر لا يحصل عليها حينما يتبرّع بالمال خاصة إذا كان التبرّع بالخفاء بحيث لا يعلم به أحد ، بل يحصل على متعة أخرى إذا كان في درجة إيمانية عالية ، وهي سعادة الروح ، فالروح تعيش السعادة عندما يختار الشخص العمل الذي فيه مجاهدة لأن الروح تصعد من درجة إيمانية إلى درجة أعلى ، ولكن لغفلة الإنسان لا يشعر بهذه السعادة الروحيّة ، فالإنسان طالما أن هدفه فقط هذا الجسد ويكون بحثه عن اللّذّة الجسديّة فإنه يغفل عن السعادة الروحيّة ، ولكن كلما صعد الإنسان في الدرجات الإيمانية فإنه يشعر بسعادة الروح ، ويُقَدِّم سعادة الروح على لذّة البدن ، وهذه الدرجة الإيمانية تنعكس يوم القيامة إلى راحة في عالم البرزخ ودرجة في الجنة ، فالسعادة الروحية لها مردود في البرزخ والقيامة .

    إن الشخص الذي يختار السفر إلى زيارة الإمام الرضا عليه السلام هل يختاره على أساس أنه يرغب في السفر أو على أساس أنه يرغب إلى زيارة إمامه فقط لأن فيه تقربا إلى الله عز وجل ؟

    والفرق بين الأمرين بمقدار شعرة ، الإنسان تارة يشعر بالسعادة في السفر فيذهب إلى زيارة المعصوم عليه السلام ، وتارة

70 . . . . . . . . . . . .  الصراع بين الحق والباطل ـــ القسـم الخامس

 

أخـرى تكون زيارتـه إلى إمامه عليه السلام لأن هذا العمل مستحب ، فيرغب في زيارة الإمام عليه السلام لأن الله عز وجل يحب زيارة المؤمن للمعصوم عليه السلام .

وأسأل هنا :

    هل مساعدة مؤمن محتاج أولى أو زيارة الإمام عليه السلام عند التّزاحم بين العملين ؟

    هـل دعم المجاهدين وإعانة المحتاجين تقدّم أو العمرة المستحبة ؟

    في حالة التعارض بين واجب ومستحبّ أيهما يُقَدَّم ؟

    حتما نقدّم الواجب .

    وفي حالة التعارض بين المستحب والمستحب الأكثر ثوابا أيهما يُقَدَّم ؟

    نقدم الأهم على المهم ، فنقدّم المستحب الأكثر ثوابا ، وهنا يحتاج المؤمن إلى معرفة المقارنات بين الأعمال ليعرف أيّ العملين هو الأكثر ثوابا ، فيقدّم العمل الأكثر ثوابا على الأقل ثوابا إذا حصل التزاحم بينهما .

    لو كان الإمام عليه السلام حيّا وأردت زيارته وكان يوجد مؤمنون لا يحصلون على طعامهم هل تعتقد أن الإمام عليه السلام

الصراع بين الحق والباطل ـــ القسـم الخامس . . . . . . . . . . . .  71

 

يريد منك زيارته أو إطعام الجائع ؟

    وإذا أردت أن تذهب إلى العمرة أو الحج المستحبين هل هما مقدَّمان أو إطعام الجائع وكسوة العريان ودعم المجاهدين ؟

    ألا تريد أن ينتصر دينك وقد خرج الإيمان كلُّه أمام الكفر والشرك والنفاق كلِّه كما هو الآن وضعنا الحالي ؟

    هؤلاء الثلة من المؤمنين لو أنهم هُزِمُوا ـــ لا سمح الله ـــ معناه هزيمة دينك ، أترضى بهزيمة دينك وقد كنت قادرا على نصرته لو وجّهت مالك الوجهة المطلوبة كما هو تكليفك ؟

    لنفرض أن كل المؤمنين يتّجهون إلى السفر بتبرير أنه مباح ويتركون مساندة المجاهدين ألا ينهزم هؤلاء المؤمنين وينهزم هذا الدين ؟

    لمجرد أن العمل مباح لا يعني أن المؤمن يأتي به ، لا بدّ أن يرى أن هذا العمل المباح هل يتزاحم مع عمل آخر واجب أو مستحب ، فيقدّم العمل الآخر .

    إن المشكلة أن الشخص يظن أنه لو لم يتبرّع هو فإن الآخرين يتبرّعون ، ويكفي تبرّعهم ، وهذه النظرة خاطئة لأنهم يكسبون الثواب وهذا المؤمن لا يكسب الثواب ، بل يكتسب صفة نفسية سيئة وهي عدم المبالاة لما يحدث للدين وللمؤمنين ، فتكليف المؤمن

72 . . . . . . . . . . . .  الصراع بين الحق والباطل ـــ القسـم الخامس

 

أن يسعى للحصول على الثواب ، ولا يكتفي بأن غيره من المؤمنين يؤدّون العمل .

 

    مثلا إذا حدثت فوضى في المسجد ليس فقط إمام الجماعة هو المسؤول عما يحدث ، كل المصلين مسؤولون عن التصدّي للفوضى ، لا بد أن يلتفتوا أن عليهم تكليفا ، إذا حدثت مشكلة معيّنة لا يقول كل شخص إنه لا دخل له في حلّ هذه المشكلة ، على كل مؤمن تكليف أن يسعى لحل المشكلة ، نعم تتفاوت المسؤولية من المأموم إلى الإمام ، مسؤولية إمام الجماعة تكون أكبر ، ولكن هذا لا يعني انتفاء مسؤوليّة الناس في حلّ المشاكل التي تحدث في المجتمع ، فتخلّي الناس عن مسؤوليتهم تجاه حلّ المشاكل تعتبر نظرة خاطئة منهم ، وتدريجيا إذا كان الشخص عنده هذه الحالة فإنه يصل إلى حالة نفسيّة هي عدم المبالاة ، فأيّ مشكلة تحدث يقول بأنه ليس من شغلي ، فلا يبالي بما يحدث لهذا الدين وبما يحدث للمؤمنين والمسلمين ، فيصير من مصاديق " من أصبح لا يهتم بأمور المسلمين فليس بمسلم " (1) .

 

    وهـذه الحالـة تدريجيّة إلى أن يصل إلى مرحلة اللامبالاة ، ولا

الصراع بين الحق والباطل ـــ القسـم الخامس . . . . . . . . . . . .  73

 

يهمّه أن يكون هناك صراع بين الحق والباطل أو أن تحصل حروب بين المؤمنين والكافرين ، وهذه الحالة ليست صحية عند الإنسان المؤمن ، بدل أن يصعد في الدرجات بواسطة المبالاة يتسافل بواسطة اللامبالاة .

    إذا كان السفر على أساس الرغبة الشخصية لأنه يشعر بالمتعة في السفر لأن هوايته السفر كما هو عند بعض الناس فهذا الاختيار يكون على أساس هوى النفس ورغبتها ، وإذا كان على أساس أن فيه قربة لله تعالى فلماذا يكون وجود بعض النساء في السوق أكثر من وجودهن في الحرم ؟!

    وكيف تكون هذه الزيارة قربة لله ويكون وقت السوق أكثر من وقت الحرم ؟!

    والرجال كذلك وجودهم في الأماكن السياحية أكثر من وجودهم في الحرم ، وإذا كان الرجل يسافر للزيارة لأن زوجته ترغب بذلك ألا يكون سفره قربة لزوجته لا قربة لله تعالى ولا زيارة للإمام عليه السلام ولا زيارة بيت الله الحرام وقبر النبي صلى الله عليه وآله ؟!

    قد يقول بلسانه قربة لله ، ولكن لو يراجع نفسه يرى أن نيّته الحقيقية هي إسكات زوجته والتقرّب إليها ، هذه أمثلة ، ويجب أن

74 . . . . . . . . . . . .  الصراع بين الحق والباطل ـــ القسـم الخامس

 

نلتفت إلى هذه الأشياء الصغيرة التي قد تؤثر في نيّة الإنسان وهو غير ملتفت ، يتوهّم أنه قربة لله ، ولكن لو راجع نيّته يجد أن نيته ليست خالصة لله ، فهناك أشياء أخرى تكون داخلة مع هذه النية ، فيوجد شرك في النية ، ومع وجود الشرك في النية لا يكون خالصا في نيته لله تعالى حينما يؤدّي هذا العمل .

    نعم هناك من يسافر يريد حقا زيارة إمامه عليه السلام لأنه يحب إمامه ، ودليل ذلك أنه يكون مطيعا لإمامه عليه السلام في أوامره ونواهيه قبل أن يذهب لزيارته .

    مثل هذا تكون نفسيّته مهيّأة لزيارة المعصوم عليه السلام ، فيكون مطيعا للإمام عليه السلام قبل زيارته ، وهذا شرط من شروط قبول الزيارة ، كيف يزور الإمام عليه السلام من يكون عاصيا له أو لا يهتم بأمور المسلمين ؟

    ألا يخاف أنه إذا سلم على الإمام عليه السلام يقول الإمام عليه السلام له : " لا سلام عليك " ؟

    الإمام عليه السلام يقول للمطيع : " وعليكم السلام " ، والإمام عليه السلام يعرف هذا الزائر ، يعرف الإمام عليه السلام أنه عاصي ولا يريد أن يتوب ، ويعرف عليه السلام أن هـذا الزائـر في نيّتـه أنـه إذا رجـع إلى بلـده أن يستمر على معصيته

الصراع بين الحق والباطل ـــ القسـم الخامس . . . . . . . . . . . .  75

 

أيّا كانت المعصية ، فالذي يرتكب المعاصي وينوي أن يستمر بالمعاصي هل تكون زيارته مقبولة ؟!

    من شروط قبول الزيارة أن الشخص يكون مطيعا للإمام عليه السلام ، ويذهب بهذه النّفسيّة التي يكون فيها الطاعة ، وأيضا حينما يكون في الحرم الشريف نيّته أن يستمر بالطاعات ، هذا الإنسان تكون زيارته مقبولة ، أما الإنسان العاصي والذي ينوي أن يستمر في المعصية هذا لا تكون زيارته مقبولة عند الله عز وجل لأنه حينما يذهب إلى الزيارة لا تكون نيّته خالصة لله تعالى .

    إن من يزور الإمام عليه السلام هو الروح لا البدن ، والروح العاصية تكون سوداء أو فيها شيء من السواد ، لكن الإنسان المطيع تكون روحه بيضاء منيرة صافية ، والإمام عليه السلام يرى هذه الروح ويعرف حالتها ، والزائر لا بدّ أن يحرص على طهارة روحه ، فروح المؤمن هي التي تزور الإمام عليه السلام ، وقد يكون المؤمن في بلده ويزور إمامه عليه السلام من بعد فَتُقْبَل زيارته .

    أحد العلماء ـــ وأظن أنه الشيخ الطوسي رضوان الله عليه ـــ كان موجودا في النجف الأشرف وكان مشغولا بالعلم والتأليف والتدريـس ، وفتـرة لـم يَزُرْ أمـير المؤمـنين عليه السلام فصعد على

76 . . . . . . . . . . . .  الصراع بين الحق والباطل ـــ القسـم الخامس

 

سطح بـيته وقال : " السّلام عليك يا سيّدي ومولاي " ، فجاءه الجواب : " وعليك السلام " .

    هذا هو المؤمن الذي يزور الإمام عليه السلام حتى لو كان من بُعْد ، والإمام عليه السلام يردّ عليه الجواب لأن الإمام عليه السلام يعلم أن عدم زيارة الشيخ الطوسي له في حرمه لوجود مشاغل تشغله ، وهذا العالم رأى أن طلبه للعلم وكتاباته أهم من زيارة المعصوم عليه السلام في الحرم الشريف ، فكان يزوره من بُعْد ، وقدّم الأهمّ على المهمّ ، وطلب العلم أهمّ من الذّهاب إلى الزيارة ، وطلب العلم ثوابه أكثر من ثواب الزيارة وأكثر من ثواب الحج والعمرة المستحبّين ، وهذه هي المقارنة بين الأعمال حتى يختار الإنسان العمل الأهمّ حينما يريد أن يقدم على عمل معين ، فلا بـدّ أن يعـرف ثواب كل عمل ، وثواب العلم معروف لا أنه خافي ، فكم من الناس يطلبون العلم ؟

    ثلّة قليلة من الناس يطلبون العلم مع أن طالب العلم يستغفر له حيتان الماء وطيور السماء وتفرش الملائكة أجنحتها له ، هذا ثوابه العظيم ، والآن كم من المؤمنين يطلبون العلم لا نقول على نحو التخصّص ليكون مجتهدا بل حتى لو كان على نحو الهواية بأن يعرف معالم دينه ؟

الصراع بين الحق والباطل ـــ القسـم الخامس . . . . . . . . . . . .  77

 

    إذن : حتى يكون العمل مقبولا عند الله لا بد أن يكون الإنسان مخلصا في نيّته تماما ، ولا يكون عنده شرك في النية ، ولا يُدْخِل مع هذه النية شيئا آخر ، العمل الخالص لوجه الله هو الذي يكون مقبولا عند الله عز وجل ، ولا يرغب في عمله شيئا آخر إلا الله تعالى ، في هذه الحالة يكون العمل مقبولا ، أما إذا أشرك في هذا العمل فإنه لا يكون مقبولا ، فالإخلاص في النية شيء مطلوب لا بدّ أن يلتفت إليه المؤمن .

    ومن المستغرب أنه في الوقت الذي كان المجاهدون يحاربون هذا العدوّ المحتل كان بعض الناس يسافرون هو وزوجته وأولاده ويشعر بالمتعة واللذة وهناك آلاف من المؤمنين قد فقدوا بيوتهم ، ولا يوجد عندهم طعام يأكلونه ، ولا يمكنهم توفير ضروريات المعيشة ، كيف يكون الإنسان مؤمنا ولا يشعر بهؤلاء المؤمنين ؟

    والمناظر تُعْرَض في الفضائيّات ، وقد تمّ تقدير البيوت المدمّرة بمائة وخمسين ألف بيت ، وآلاف المؤمنين يسكنون في الخيام الصغيرة ، كيف يمكن للّذي يدّعي الإيمان أن يسافر وهو يرى هذا الوضع الرهيب ؟!

    الإيمان الموجود عند الإنسان ما هو دوره ؟

    الإنسـان إذا كان لا يُفَعِّـل الإيمـان في هـذه الأحداث والابتلاءات

78 . . . . . . . . . . . .  الصراع بين الحق والباطل ـــ القسـم الخامس

 

فمتى يظهر إيمان الإنسان ؟

    ليقـوم الإنسـان بقياس نفسه ليرى أنه في أي درجة إيمانية الآن ، هل هو في الدرجة الإيمانية السفلى أو العليا ؟

    قد يكون من مصاديق من أصبح لا يهتم بأمور المسلمين فليس بمسلم واقعا ، وهذا الذي لا يهتم بأمور المسلمين من الممكن أن يحشر يوم القيامة وهو غير مسلم لأنه لم يهتم بأمور المسلمين ، نعم الآن إسلامه إسلام ظاهري وإيمانه إيمان ظاهري ، ولكن يوم القيامة الله عز وجل لا يتعامل مع الإنسان على أساس الإيمان الظاهري ، يحشر الإنسان هناك على واقعه ، وفي الرواية عندنا بهذا المعنى كم من الناس يكونون مؤمنين في الدنيا ويحشرون يوم القيامة كفارا ، الإنسان لا بدّ أن ينظر إلى واقعه وحقيقته .

    الاهتمام بأمور المسلمين له جانب نظري وجانب عملي ، والجانب العملي يكون ناتجا من الجانب النظري إذا كان الجانب النظري راسخا مستقرّا في قلب الإنسان ، إذا كانت عنده هذه الصفة فإنه يهتم من ناحية عملية بأمور المسلمين .

    هنـاك بعض المؤمنين يقولون إنهم خلال هذه الأحداث ما كانـوا يستطيعـون الأكل والنّـوم ، وكانوا يبكون بشـكل مسـتمرّ حينما

الصراع بين الحق والباطل ـــ القسـم الخامس . . . . . . . . . . . .  79

 

يرون هذه المناظر المفجعة للقلب ، وأثناء تناولهم الطعام إذا عرضت الفضائيّات الصور كانت نفسه لا ترغب بالطعام .

 

    كم من المؤمنين صارت عنده هذه الحالة وهي أنه خلال الأحداث كان يعيش هذا الشعور ؟

 

    وهذا الشعور لا بدّ أن يكون مستمرّا لا أنه خلال هذه الأحداث فقط ثم ينتهي ، هذه الحالة لا بدّ أن تستمر ويعيش الآن حالة الاستنفار لأن الحرب لم تنته ، نعم الجولة انتهت ، ولكن الصراع مستمر بين الحق والباطل ، وجهاد النفس مطلوب من الإنسان حتى يصعد في الدرجات الإيمانية ، ولا بدّ أن يعرف المقارنات بين الأعمال المختلفة ليقدّم عملا على آخر .

 

    وإذا لم ينتج الجانب العملي فمعنى ذلك أن الجانب النظري غير موجود أصلا ، فبقدر تأثّر الإنسان بالحدث يتحرّك عمليا ، كيف لا يتأثّر الإنسان بما يرى من صور القتل والدّمار وتشريد المؤمنين والمهاجرين إلى الدول المجاورة ؟!

 

    لو كان هذا الشخص المهاجر من أرحامك ماذا تقدّم له مع أن رباط الأخوّة الإيمانية أهم من رباط الرحم لأن المؤمنين إخوة كما يقول القرآن الكريم ؟

80 . . . . . . . . . . . .  الصراع بين الحق والباطل ـــ القسـم الخامس

 

    إذن : جهاد النفس مطلوب للصعود من درجة إيمانية إلى درجة أعلى ، وبدون المجاهدة لا يمكن الصعود في الدرجات ، واختيار الأعمال يكون على أساس المجاهدة ، فالأعمال التي فيها مجاهدة أكثر يختارها المؤمن ليصعد في الدرجات ، فإذا خُيِّرَ المؤمن بين زيارة الإمام عليه السلام أو العمرة وبين التبرّع بالمال للمجاهدين ، أي العملين فيه مجاهدة للنفس أكثر ؟

    حتما التبرّع للمجاهدين ، فيختار المؤمن هذا العمل لأنه يسبّب له حركة أكثر باتجاه الله تعالى لأنه يقربه إلى الله تعالى أكثر ، وإذا أراد أن يزور الإمام عليه السلام أو يذهب إلى العمرة فليفعل ذلك ، ولكن ليتبرّع بنفس المقدار من المال لدعم المجاهدين حتى يشعر بتلك المجاهدة ، ويستفيد من الزيارة والعمرة ومن دعم المجاهدين في نفس الوقت .

    يقول الله تعالى : ﴿ لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ (1) .

 

    من أجل نيل البرّ لا بدّ أن ينفق المؤمن مما يحبّ ، والسّفر مما تحبّـه النفـس ، والراحـة والدّعـة ترغب إليها النفس ، فالمؤمن

الصراع بين الحق والباطل ـــ القسـم الخامس . . . . . . . . . . . .  81

 

ينفق مما يحب لأنه يسبب حركة له لأن فيه مجاهدة وجهادا للنفس ، وجهاد النفس مطلوب للصعود في الدرجات الإيمانية (1) .

    والحمد لله ربّ العالمين وصلّى الله على سيّدنا أبي القاسم محمّد وآله الطّيّبين الطّاهرين .

 

 

_______________________________________________________

(1) بعض الروايات :

جامع السعادات لمحمد مهدي النراقي ج 2 ص 117 : عن النبي صلى الله عليه وآله : " من أطعم ثلاثة نفر من المسلمين أطعمه الله من ثلاث جنان في ملكوت السماوات : الفردوس ، وجنة عدن ، وطوبى شجرة تخرج في جنة عدن غرسها ربنا بيده " .

عن الإمام الصادق عليه السلام : " من أشبع مؤمنا وجبت له الجنة " .

عن الإمام الصادق عليه السلام : " من أطعم مؤمنا حتى يشبعه لم يدر أحد من خلق الله ما له من الأجر في الآخرة ، لا ملك مقرب ولا نبي مرسل ، إلا الله رب العالمين " .

جامع السعادات ج 2 ص 118 : عن النبي صلى الله عليه وآله : " من أحب الأعمال إلى الله تعالى : إشباع جوعة المؤمن وتنفيس كربته وقضاء دينه " .

عن النبي صلى الله عليه وآله : " من أطعم الطعام أخاه المؤمن حتى يشبعه ، وسقاه حتى يرويه ، بعّده الله من النار سبع خنادق ، ما بين كل خندقين مسيرة خمسمائة عام " .

82 . . . . . . . . . . . .  الصراع بين الحق والباطل ـــ القسـم الخامس

 

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

_______________________________________________________

بحار الأنوار ج 66 ص 382 ح 43 : عن ابن أبي يعفور قال : قال أبو عبدالله عليه السلام : " ثلاث لا يطيقهن الناس : الصفح عن الناس ، ومواساة الأخ أخاه في ماله ، وذكر الله كثيرا " .

بحار الأنوار ج 66 ص 382 ح 44 : عن أبي قلابة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : " . . . ومن خرج من بيته يطلب علما شيّعه سبعون ألف ملك يستغفرون له . . . ومن أعطى درهما في سبيل الله كتب الله له سبعمائة حسنة ، ومن أماط عن طريق المسلمين ما يؤذيهم كتب الله له أجر قراءة أربع مائة آية كل حرف منها بعشر حسنات ، ومن لقي عشرة من المسلمين فسلّم عليهم كتب الله له عتق رقبة ، ومن أطعم مؤمنا لقمة أطعمه الله من ثمار الجنة ، ومن سقاه شربة من ماء سقاه الله من الرحيق المختوم ، ومن كساه ثوبا كساه الله من الإستبرق والحرير وصلى عليه الملائكة ما بقي في ذلك الثوب سلك " .

بحار الأنوار ج 71 ص 382 ح 90 : عن ابن علوان عن جعفر عن أبيه عليهما السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : " من أطعم مؤمنا من جوع أطعمه الله من ثمار الجنة ، ومن سقاه من ظمأ سقاه الله من الرحيق المختوم ، ومن كساه ثوبا لم يزل في ضمان الله عز وجل ما دام على ذلك المؤمن من ذلك الثوب هدبة أو سلك ، والله لقضاء حاجة المؤمن خير من صيام شهر واعتكافه " . ( الهدبة : خمل الثوب وطرّته ) .

بحار الأنوار ج 72 ص 20 ح 17 : عن إبراهيم بن عمر اليماني عن أبي عبدالله عليـه السلام قال : " ما من مؤمن يعين مؤمنا مظلوما إلا كان أفضل

الصراع بين الحق والباطل ـــ القسـم الخامس . . . . . . . . . . . .  83

 

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

_______________________________________________________

من صيام شهر واعتكافه في المسجد الحرام ، وما من مؤمن ينصر أخاه وهو يقدر على نصرته إلا نصره الله في الدنيا والآخرة ، وما من مؤمن يخذل أخاه وهو يقدر على نصرته إلا خذله في الدنيا والآخرة " .

بحار الأنوار ج 71 ص 232 : سئل الإمام الرضا عليه السلام : ما حق المؤمن على المؤمن ؟ فقال : " إن من حق المؤمن على المؤمن المودة له في صدره ، والمواساة له في ماله ، والنصرة له على من ظلمه ، وإن كان فيء للمسلمين وكان غائبا أخذ له بنصيبه ، وإذا مات فالزيارة إلى قبره ، ولا يظلمـه ولا يغشه ولا يخونه ولا يخذله ولا يغتابه ولا يكذبه ، ولا يقول له أفّ ، فإذا قال له أفّ ؛ فليس بينهما ولاية ، وإذا قال له أنت عدوي ؛ فقد كفّر أحدهما صاحبه ، وإذا اتهمه انماث الإيمان في قلبه كما ينماث الملح في الماء ، ومن أطعم مؤمنا كان أفضل من عتق رقبة ، ومن سقى مؤمنا من ظمأ سقاه الله من الرحيق المختوم ، ومن كسى مؤمنا من عري كساه الله من سندس وحرير الجنة ، ومن أقرض مؤمنا قرضا يريد به وجه الله عز وجل حسب له ذلك بحساب الصدقة حتى يؤدّيه إليه ، ومن فرّج عن مؤمن كربة من كرب الدنيا فرج الله عنه كربة من كرب الآخرة ، ومن قضى لمؤمن حاجة كان أفضل من صيامه واعتكافه في المسجد الحرام ، وإنما المؤمن بمنزلة الساق من الجسد ، وإن أبا جعفر الباقر عليه السلام استقبل الكعبة وقال : الحمد لله الذي كرّمك وشرّفك وعظّمك ، وجعلك مثابة للناس وأمنا ، والله لحرمة المؤمن أعظم حرمة منك ، ولقد دخل عليه رجل من أهل الجبل فسلم عليه ، فقال له عند الوداع : أوصني . فقال : أوصيك بتقوى الله وبرّ أخيك

84 . . . . . . . . . . . .  الصراع بين الحق والباطل ـــ القسـم الخامس

 

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

_______________________________________________________

المؤمن ، فأحبب له ما تحبّ لنفسك ، وإن سألك فأعطه ، وإن كفّ عنك فاعرض عليه ، لا تمله فإنه لا يملّك ، وكن له عضدا ، فإن وجد عليك فلا تفارقه حتى تسلّ سخيمته ، فإن غاب فاحفظه في غيبته ، وإن شهد فاكنفه ، واعضده ، وزره وأكرمه ، والطف به ، فإنه منك وأنت منه ، وفطرك لأخيك المؤمن وإدخال السرور عليه أفضل من الصيام وأعظم أجرا " .

بحار الأنوار ج 71 ص 235 : نصر بن قابوس قال : قلت لأبي الحسن الماضي عليه السلام بلغني عن أبيك [ الحسين ] أنه أتاه آت فاستعان به عليه السلام على حاجة ، فذكر له أنه معتكف ، فأتى الحسن عليه السلام فذكر له ذلك فقال : " أما علم أن المشي في حاجة المؤمن حتى يقضيها خير من اعتكاف شهرين متتابعين في المسجد الحرام بصيامها ؟ " . ثم قال أبو الحسن عليه السلام : " ومن اعتكاف الدهر " .

بحـار الأنوار ج 71 ص 311 ح 67 : قـال الإمـام الصادق عليه السلام : " المؤمن أخو المؤمن وعينه ودليله ، لا يخونه ولا يخذله " .

وقال عليه السلام : " المؤمن بركة على المؤمن " .

وقال عليه السلام : " ما من مؤمن يدخل بيته مؤمنين فيطعمهما شبعهما إلا كان ذلك أفضل من عتق نسمة ، وما من مؤمن يقرض مؤمنا يلتمس به وجه الله إلا حسب الله له أجره بحساب الصدقة ، وما من مؤمن يمشي لأخيه في حاجة إلا كتب الله له بكل خطوة حسنة ، وحط عنه سيئة ، ورفع له بها درجة ، وزيد بعد ذلك عشر حسنات ، وشفع في عشر حاجات ، وما من مؤمـن يدعـو لأخيـه بظهر الغيب إلا وكل الله به ملكا يقول : ولك مثل

الصراع بين الحق والباطل ـــ القسـم الخامس . . . . . . . . . . . .  85

 

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

_______________________________________________________

ذلك ، وما من مؤمن يفرّج عن أخيه كربة إلا فرّج الله عنه كربه من كرب الآخرة ، وما من مؤمن يعين مؤمنا مظلوما إلا كان له أفضل من صيام شهر واعتكافه في المسجد الحرام ، وما من مؤمن ينصر أخاه [ وهو يقدر على نصرته ] إلا نصره الله في الدنيا والآخرة " .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الصراع بين الحق والباطل

القسم السادس (1)

أنصار الباطل في العصر الحديث

القسم الأول

 

    الحمد لله ربّ العالمين وصلّى الله على سيّدنا أبي القاسم محمّد وآله الطّيّبين الطّاهرين .

    يقول الله تعالى في كتابه الكريم : ﴿ قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاء إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُوْلِي الأَبْصَارِ (2) .

    مـا زال الحـديـث في الـصـراع بين الـحـق والباطـل ، أتكلـم اليـوم

الصراع بين الحق والباطل ـــ القسـم السادس . . . . . . . . . . . .  87

 

عن أنصار الباطل في العصر الحديث حتى نستطيع أن نشخّص هؤلاء فنعرف أن الحق مع من ، وأن الباطل مع من .

    أنصار الباطل في العصر الحديث هم امتداد لأنصار الباطل في العصور السابقة ، ولكن اختلف الأشخاص والرّموز الذين يمثّلون الباطل ، وقلنا إن الصراع بين الحق والباطل مستمر إلى ظهور الحجة عجل الله فرجه الشريف ، ولكن يختلف الأشخاص الذين يمثّلون الحق والأشخاص الذين يمثّلون الباطل ، ولكن الصراع مستمر بينهما ، والحق واضح وبيّن لمن يريد أن يصل إلى الحق ، والباطل لا يقدِّم نفسه للناس على أنه باطل ، بل يقدِّم نفسه على أنه الحق ، فيحمل شعارات الحق ليخدع الناس ويُمَوِّه عليهم ، والبعض ينخدع بهؤلاء لأنه لا يفكّر ، ولو فكّر الإنسان واستعمل عقله لوصل إلى الحق وإلى من يمثِّل الحق في زمانه ولعرف كيف يميّز الحق من الباطل .

    وفي زماننا يتمثل الباطل بعدة فرق ، منهم :

الفرقة الأولى : المسيح الدّجّال :

    هو عبارة عن خط يدّعي المسيحية ، ولكنه في الواقع مخادع محارب للمسيح عليه السلام وينصر الصهيونية ويدافع عن اليهود الصهاينـة بمختلـف الطّـرق ، بإمـدادهم بالسّـلاح والمـال وغيرهما ،

88 . . . . . . . . . . . .  الصراع بين الحق والباطل ـــ القسـم السادس

 

ويقف أمام تطبيق القوانين الدولية عن طريق الفيتو ، وعلى رأسه الشيطان الأكبر وأذنابه ممن يدّعون المسيحية .

    ودورنا هو محاربتهم بمختلف الطرق ، منها كما ذكرت في الأسابيع الماضية عدم السفر إلى تلك البلدان إلا للمضطرّ ، ومقاطعة بضائعهم ليضعف اقتصادهم ، وغير ذلك ، ونركّز على مقاطعة البضائع ، إذا كان الإنسان مؤمنا حقيقيا فلا بدّ أن يشخّص العدوّ ويحاربه بمختلف الطرق لا أن يشتري بضائعهم ويقوّي هؤلاء بماله ، يمدّهم بالمال وهم يحاربون المسلمين بأموال المسلمين .

    والدّجّالون عبر التاريخ كثيرون ، وله شيعة في كل زمان ينصرون الباطل دائما ، وهذا الخط كان يضادّ أهل الحق في زمانهم على مر التاريخ ، وفي كل زمان كان يوجد من يدعي المسيحيّة ـــ بعد زمان عيسى عليه السلام ـــ ويحارب الحق وأهل الحق ، وفي آخر الزمان هو خط يمثّله شخص كذّاب ينسب نفسه إلى المسيحية والمسيحية منه براء ، ويخرج المسيح عليه السلام ويقضي على هذا الرمز الذي يمثّل المسيح الدجال بقيادة الإمام المهدي عجل الله فرجه الشريف .

    وسـوف نـأخـذ شـيـئـا إجـمـالـيّـا عـن الـمـسـيـح الـدجـال ، وأؤجّــل

الصراع بين الحق والباطل ـــ القسـم السادس . . . . . . . . . . . .  89

 

الموضوع إلى مناسبة أخرى للبحث عنه تفصيلا مع ذكر الروايات الواردة عنه ، ومناقشتها وتحليل هذه الروايات لنعرف مميزات هذا الخط الذي يمثل المسيح الدجال .

 

    لنقرأ بعض الروايات الدالة عليه والتي تذكر بعض مواصفات المسيح الدجال وتحذرنا منه ، ومناقشة هذه الأوصاف نتركها إلى مناسبات أخرى :

 

    عن رسول الله صلى الله عليه وآله : " إذا تشهّد أحدكم فليستعذ من أربع : من عذاب النار ، وعذاب القبر ، وفتنة المحيا والممات ، وفتنة المسيح الدجال ، ثم يدعو لنفسه بما بدا له " (1) .

 

    إذا تشهد المسلم وقرأ الشهادتين يستعيذ من فتنة المسيح الدجال لأن هذا الأمر من الأمور المهمّة جدّا ، ففي الدين حينما يتم التركيز على شيء معيّن ويتكرّر هذا التركيز معنى ذلك أن المسلمين سوف يبتلون بهذه الفتنة ، لذلك يتم التركيز عليها في الروايات .

 

    قال الإمام الحسن بن علي عليهما السلام فيما ناظر به ملك الروم : " كان عمر عيسى عليه السلام في الدنيا ثلاثة وثلاثين سنة ،

90 . . . . . . . . . . . .  الصراع بين الحق والباطل ـــ القسـم السادس

 

ثم رفعه الله إلى السماء ، ويهبط إلى الأرض بدمشق ، وهو الذي يقتل الدجال " (1) .

 

    في هذه الرواية نرى أن عيسى عليه السلام هو الذي يقتل الدجال .

 

    عن الإمام الصادق عليه السلام قال : " . . . آخرهم القائم الذي يقوم بعد غيبته فيقتل الدجال ، ويطهّر الأرض من كل جور وظلم " (2) .

 

    في الرواية السابقة نرى أن الذي يقتل الدجال هو المسيح عليه السلام ، وفي هذه الرواية نرى أن الإمام المهدي عليه السلام هو الذي يقتل الدجال ويقضي على خطّه ، فكيف يتم الجمع بين الروايتين ؟

 

    يتم الجمع بين الروايتين بأن عيسى عليه السلام هو الذي يقتل الدجال ، ولكن بأمر من الإمام المهدي عليه السلام حيث يكون عيسى عليه السلام تحت قيادة الإمام المهدي عليه السلام .

 

    وهـذا كـمـا نـقـول فتـح القائـد المدينـة ، القائـد بنفسـه لـم يفتـح

الصراع بين الحق والباطل ـــ القسـم السادس . . . . . . . . . . . .  91

 

المدينة ، وفي الواقع الجنود هم الذين فتحوا المدينة ، ولكن بقيادة هذا القائد ، فيصح أن ننسب فتح المدينة إلى القائد لأنه هو الآمر والمتسبِّب به ، وهذا الاستعمال استعمال لغوي صحيح .

 

    عن حذيفة بن اليمان الذي كان صاحب سرّ النبي صلى الله عليـه وآلـه وكان يـعـرف أسـمـاء المـنافقـين في ذاك الوقـت قـال : من أراد منكم أن يقاتل شيعة الدجال فليقاتل أهل الناكثين وأهل النهروان (1) .

 

    وهكذا يتبيّن أن أنصار الدجال يتغيّرون عبر الزمان والمكان ، ولهم رموز في كل عصر ، وهم يمثّلون أنصار الباطل ، وفي زمان أمير المؤمنين عليه السلام كانوا هم الناكثين الذين نكثوا العهد ، وكذلك الخوارج الذين قاتلوا أمير المؤمنين عليه السلام .

 

    ونقرأ هذه الرواية التي تبين بعض صفات المسيح الدجال ، وستستغربون من بعض الصفات ، وتفصيل هذه الصفات وشرحها أتركها في مناسبات أخرى حتى أبيّن ما ترمز إليه هذه الصفات التي وردت عن المسيح الدجال .

 

    عـن أمـيـر المؤمنـين عليـه السـلام : " ألا إن الدّجّـال . . . عينـه

92 . . . . . . . . . . . .  الصراع بين الحق والباطل ـــ القسـم السادس

 

اليمنى ممسوحة والأخرى في جبهته ( وهذه صفة غريبة مما تدل على أنه ليس شخصا بل خطا يمثل الباطل وله رموز ، ولا بدّ أن نعرف أن العين الممسوحة إلى ماذا ترمز ، والعين في الجبهة ماذا تعني ) تضيئ كأنها كوكب الصبح ، فيها علقة كأنها ممزوجة بالدم ، بين عينيه مكتوب ( كافر ) يقرؤه كل كاتب وأمّيّ ( معنى ذلك أنها ليست كتابة ألفاظ وحروف ، فالباطل واضح لمن يريد أن يعرف الباطل ) ، يخوض البحار ، وتسير معه الشمس ، بين يديه جبل من دخان ، وخلفه جبل أبيض يرى الناس أنه طعام ، يخرج في قحط شديد ، تحته حمار أقمر ( أي أبيض ) خطوة حماره ميل ، تطوى له الأرض منهلا منهلا ، ولا يمرّ بماء إلا غار إلى يوم القيامة ، ينادي بأعلى صوتـه يسمـع ما بين الخافقين من الجن والإنس والشياطين يقول : إلي أوليائي أنا الذي خلق فسوّى ، وقدّر فهدى ، أنا ربّكم الأعلى ( وترون الآن أن الشيطان الأكبر يدّعي أن كل أمور الأرض بيده ، ولا يستطيع أحد أن يقف في وجهه ) ، وكذب عدو الله إنه الأعور يُطْعَمُ الطعام ويمشي في الأسواق ، وإن ربكم عز وجل ليس بأعور ، ولا يطعم ولا يمشي ولا يزول تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا ، ألا وإن أكـثـر أشـياعـه يومئـذ أولاد الزّنـا وأصحـاب الطّيالسـة الخضـر ( أي الـيهـود الـصهاينـة ، وتـرون أنـهـم يلبـسـون القبّـعـات الـسّـود أو

الصراع بين الحق والباطل ـــ القسـم السادس . . . . . . . . . . . .  93

 

قبّعات صغيرة على رؤوسهم ، وهو رمز المتديّن فيهم ، والمتديّن في عرفهم هو الإرهابي الذي يقتل النساء والأطفال والأبرياء ) ، يقتله الله عز وجل بالشام على عقبة تعرف بعقبة أفيق لثلاث ساعات من يوم الجمعة على يدي من يصلي المسيح عيسى بن مريم خلفه ، ألا إن بعد ذلك الطّامّة الكبرى ( أي أنه حتى بعد قتله لا تنتهي المشاكل ، فهناك حروب بعد مقتله إلى أن يستتبّ الأمر للإمام المهدي عجل الله فرجـه ويستطيـع أن ينشر العدل بعد ذلك في كل أرجاء الأرض ) " (1) .

    إذن : الفرقة الأولى التي تكون من أنصار الباطل في العصر الحديث هم المسيح الدجال وأتباعه ، ومن يمثله الآن هو الشيطان الأكبر وأذنابه ممن يدّعون المسيحية .

 

الفرقة الثانية : اليهود الصهاينة :

    الذين كانوا يقتلون الأنبياء عليهم السلام كما يقول القرآن الكريـم (2) ، وحـاربـوا رسـول الله صلـى الله عليـه وآلـه ، والآن هـم

94 . . . . . . . . . . . .  الصراع بين الحق والباطل ـــ القسـم السادس

 

أساس المشاكل في العالم ، ولا بدّ من التّفرقة بين اليهود الصّهاينة واليهود غير الصّهاينة ، فهناك مجموعة من اليهود في العالم ضدّ ما ترتكبه دولة الصّهاينة من أعمال ، ولليهود أعوان من الذين يدّعون المسيحية والذين يمثّلون خطّ المسيح الدّجّال .

    يقول القرآن الكريم عن الذين يستغلّون اسم اليهوديّة والمسيحيّة لتحقيق مآربهم :

  ﴿ لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ (1) .

    هم أعداء لنا ، ولا بدّ أن ننظر إليهم كأعداء .

﴿ وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ (2) .

    كون المسلمين على الوضع الحالي لا يرضيهم ، فهم يعملون على تحويل المسلمين إلى اليهودية أو النصرانية حتى يرضوا .

    ﴿ يَا أَهْـلَ الْكِـتَـابِ لِمَ تَلْبِـسُـونَ  الْحَــقَّ  بِالْبَـاطِـلِ وَتَـكْتُـمُـونَ  الْـحَـقَّ

الصراع بين الحق والباطل ـــ القسـم السادس . . . . . . . . . . . .  95

 

وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ (1) .

    حينما يحاربون الحق هم يعرفون أنهم على الباطل .

سؤال : ماذا يقول القرآن الكريم عن مصيرهم ؟

الجواب :

مصيرهم هو :

    ﴿ هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لأوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ (2) .

    هم الآن يسعون إلى خراب بيوتهم بأيديهم ، والإمام المهدي عجل الله فرجه الشريف سوف يظهر ويقضي عليهم لأنهم سيحاربون الحق ، وهذا هو مصيرهم في الدنيا .

﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (3) .

96 . . . . . . . . . . . .  الصراع بين الحق والباطل ـــ القسـم السادس

 

    وهذا هو مصيرهم في الآخرة .

سؤال : ما هو دور المسلمين تجاههم ؟

الجواب :

    لا بدّ أن نشخّص دورنا تجاههم حتى نعرف وضعنا في هذا الصراع ، وأقرأ الآيات الواردة بدون تفصيل ، وأترك التفصيل إلى مناسبات أخرى .

دور المسلمين تجاههم هو كما يقول القرآن الكريم :

    ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ  بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (1) .

    الذي يتولّى اليهود والنصارى في الدنيا يحسب عليهم ويحشر يوم القيامة معهم ، والذي يتولاّهم يكون من الظالمين لأنه يشاركهم فيما يفعلون من الظلم .

   ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءكُم مِّنَ الْحَقِّ . . . تُسِرُّونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنتُمْ وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (2) .

الصراع بين الحق والباطل ـــ القسـم السادس . . . . . . . . . . . .  97

 

    الذي يبادلهم المحبّة يكون إنسانا ضالا ، والضّالّ مصيره يوم القيامة معروف .

    ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُاْ الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ (1) .

    إذن : الفرقة الثانية من أنصار الباطل في العصر الحديث هم اليهود الصّهاينة .

 

الفرقة الثالثة : خوارج العصر :

    هم الذين يكفّرون المسلمين ويقتلونهم بغير وجه حق ، ويتوهّمون أنهم هم الحق فقط وفقط ، ويظنّون أنهم سيحصلون على الجنّة بذلك ، وشعارهم " هبّت هبوب الجنّة " ، كما كان الخوارج في زمان أمير المؤمنين عليه السلام ، والذين كانوا يقتلون الرجال ويبقرون بطون النساء ويستخرجون الأجنّة من أرحامهن ، ويفعلون ذلك بمحبّي أمير المؤمنين عليه السلام ، وخوارج هذا العصر يسيرون على نفس المنهاج ويقتلون لا فقط أتباع أهل البيت عليهم السلام بل حتى المسلمين الذين لا يوافقونهم على آرائهم ، وعلمـاؤهم يصـدرون الفتـاوى بجواز قتل المسلمين وعدم مساعدتهم

98 . . . . . . . . . . . .  الصراع بين الحق والباطل ـــ القسـم السادس

 

وعدم الدعاء لهم بالنصر في مقابل أعداء الدين ، ومن الغريب أنك تجد أن الصهاينة يقتلون المسلمين من جهة ، وترى خوارج العصر يقتلون المسلمين من جهة أخرى ، وكأن كلمة الفريقين قد اتّفقت على قتل المسلمين وخاصة أتباع أهل البيت عليهم السلام ، ألا تشمّون رائحة الاتّفاق بينهم على ذلك ؟!

 

    يقول النبي صلى الله عليه وآله في الخوارج : " سيكون في أمّتي فرقة يحسنون القول ، ويسيؤون الفعل ، يدعون إلى كتاب الله وليسوا منه في شيء ، يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم ، يمرقون من الدين كما يمرق السّهم من الرّمية ، لا يرجعون إليه حتى يرتدّ على فوقه ، هم شرّ الخلق والخليقة " (1) .

 

    هذه الصفات كانت موجودة في زمان أمير المؤمنين عليه السلام ، وتوجد أيضا في زماننا في خوارج هذا العصر .

 

    عن زيد بن وهب الجهني أنه كان في الجيش الذين كانوا مع علي رضي الله عنه الذين ساروا إلى الخوارج فقال علي رضي الله عنه : أيها الناس إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يـقـول : " يـخرج قـوم مـن أمّـتـي يـقـرؤون الـقـرآن لـيـس قـراءتـكـم إلـى

الصراع بين الحق والباطل ـــ القسـم السادس . . . . . . . . . . . .  99

 

قراءتهم بشيء ، ولا صلاتكم إلى صلاتهم بشيء ، ولا صيامكم إلى صيامهم بشيء ، يقرؤون القرآن يحسبون أنه لهم وهو عليهم ، لا يجاوز قراءتهم تراقيهم ، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية . . . " (1) .

    عن شريك بن شهاب قال : كنت أتمنى أن ألقى رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أسأله عن الخوارج ، فلقيت أبا برزة في يوم عيد في نفر من أصحابه ، فقلت له : هل سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الخوارج . فقال : نعم ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم بأذني ورأيته بعيني ، أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمال فقسّمه ، فأعطى من عن يمينه ومن عن شماله ولم يعط من وراءه شيئا ، فقام رجل من ورائه فقال : يا محمد ! ما عدلت في القمسة . رجل أسود مطموم الشعر عليه ثوبان أبيضان ، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم غضبا شديدا وقال : " والله لا تجدون بعدي رجلا هو أعدل مني " . ثم قال : " يخرج في آخر الزمان قوم كأن هذا منهم ، يقـرؤون الـقـرآن لا يـجـاوز تراقيهـم ، يمـرقـون مـن الإسـلام كمـا يمـرق السهـم مـن الرمّية ، سيماهم التّحليق ، لا يزالون يخرجون حتى يخرج

100 . . . . . . . . . . .  الصراع بين الحق والباطل ـــ القسـم السادس

 

آخرهم مع المسيح الدجال ، فإذا لقيتموهم فاقتلوهم ، هم شرّ الخلق والخليقة " (1) .

    عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وآله وهو يشير إلى رأس الخوارج : " إن من ضئضئ هذا قوما يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم ، يمرقون من الإسلام مروق السهم من الرّمية ، يقتلون أهل الاسلام ، ويدعون أهل الأوثان ، لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد " (2) .

    وطبّق الآن هم يقتلون أهل الإسلام ويتركون ولا يتعرّضون لأهل الأوثان ، والإحصائية التي وردت من العراق أنهم قتلوا من جنود الاحتلال 2500 شخص ، وقتلوا من المسلمين 80 ألف شخص خلال نفس الفترة الزمنية ، فهل هم يقاتلون الاحتلال أو يحاربون المسلمين ؟!

    قال ابن الكواء لأمير المؤمنين عليه السلام : من الأخسرون أعمالا الذين ضلّ سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعـا ؟ قـال : " كـفرة أهـل الكتـاب ، فـإن أولاهـم كانوا في

الصراع بين الحق والباطل ـــ القسـم السادس . . . . . . . . . . .  101

 

حقّ فابتدعوا في دينهم فأشركوا بربّهم وهم يجتهدون في العبادة يحسبون أنهم على شيء ، فهم الأخسرون أعمالا الذين ضلّ سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا " . ثم رفع صوته وقال : " وما أهل النهروان غدا منهم ببعيد " (1) .

 

    قيل لأمير المؤمنين عليه السلام : هلا مِلْتَ يا أمير المؤمنين على هؤلاء فأفنيتهم ؟ فقال : " إنهم لا يفنون إنهم لفي أصلاب الرجال وأرحام النساء إلى يوم القيامة " (2) .

 

    وقد جاؤوا في زماننا ، وهؤلاء هم نسلهم في هذا الزمان ، وهم التكفيريّون الذين يمثّلون خوارج هذا العصر .

 

    روي في بحار الأنوار أن الخوارج في أول ما انصرفت عن رايات علي عليه السلام تهدّد الناس قتلا ( وهم يفعلون الآن نفس الشيء ) قال : فأتت طائفة منهم على النهر إلى جنب قرية فخـرج منها رجل مذعورا آخذا بثيابه فأدركوه فقالوا له : أرعبناك ؟ قال : أجل . فقالوا : قد عرفناك أنت عبدالله ابن خـبّـاب بـن الأرت صاحـب رسـول الله صلى الله عليـه وآلـه . قـال :

102 . . . . . . . . . . .  الصراع بين الحق والباطل ـــ القسـم السادس

 

نعم . قالوا : فما سمعت من أبيك يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وآله . قال : فحدّثهم أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال . . . أو قال : " إن طائفة تمرق من الدين كما يمرق السهم من الرّمية يقرؤون القرآن صلاتهم أكثر من صلاتكم . . ." . فضربوا رأسه فسال دمه في النهر ثم دعوا بجارية له حبلى فبقروا عما في بطنها (1) .

    وهذا ما يفعلونه اليوم وهو قتل الرجال والنساء والأطفال ، ولا يفرّقون بينهم ، فهم يكفّرون ويقتلون ، وما دخلوا قرية إلا أفسدوا فيها ونشروا التّفرق والطّائفيّة بين المسلمين ، ومهّدوا الطريق لأعداء الدين ، فبدل أن يوجّهوا أسلحتهم إلى صدور أعداء الدين نرى أنهم يقتلون المسلمين سنة وشيعة .

    إذن : ذكـرنا ثـلاث فـرق مـن أنصـار الباطل في العصر الحديث ، وهم : المسيح الدجال ، واليهود الصهاينة ، وخوارج العصر ، وتأتي الفرق الباقية إن شاء الله تعالى .

    والحمد لله ربّ العالمين وصلّى الله على سيّدنا أبي القاسم محمّد وآله الطّيّبين الطّاهرين .

 

 

 

الصراع بين الحق والباطل

القسم السابع (1)

أنصار الباطل في العصر الحديث

القسم الثاني

 

    الحمد لله ربّ العالمين وصلّى الله على سيّدنا أبي القاسم محمّد وآله الطّيّبين الطّاهرين .

 

    قلنا إن أنصار الباطل في العصر الحديث هم :

الفرقة الأولى : المسيح الدجال :

    وهي فرقة تدّعي المسيحية ولكنها في الواقع تحارب المسيحية وتخدع العالم وتحاول السيطرة على العالم ، وهو خطّ يمثله رموز وأشخـاص ، وهـذا الخـطّ في زماننـا الحاضـر يمثّله الشيطان الأكبر

104 . . . . . . . . . . . .  الصراع بين الحق والباطل ـــ القسـم السابع

 

وأذنابه من الدول الغربية التي تساند الشيطان الأكبر في قضاياه ، وقرأنا بعض الروايات ، وقلنا إن تفصيل الرموز الموجودة في هذه الروايات نحاول أن نبيّنها في الأسابيع القادمة .

وأقرأ لكم روايات أخرى :

    قال النبي صلى الله عليه وآله لأصحابه : " أيها الناس ! ما بعث الله نبيّا إلا وقد أنذر قومه الدجال ، وإن الله عز وجل قد أخّره إلى يومكم هذا ، فمهما تشابه عليكم من أمره فان ربّكم ليس بأعور ، إنه يخرج على حمار عرض ما بين أذنيه ميل ( يتصوّر أن الحمار عملاق ، ولكن ليس هذا هو المعنى ، قد يفهم منه أن وسائل النقل الموجودة عنده سيكون له هذا الامتداد ، وفي رواية أخرى أن رجله في المشرق ورجله الأخرى في المغرب ، وهذا كناية عن السيطرة على العالم ، فهو يستطيع أن يمتدّ ويصل إلى جميع أنحاء العالم ) ، يخرج ومعه جنة ونار ( الذي يقف في وجهه يواجه بشدّة ، وتصدر القرارات الدولية ضدّه ، والذي يقف معه يعيش في بحبوحة ) ، وجبل من خبز ونهر من ماء ، أكثر أتباعه اليهود والنساء والأعراب ، يدخل آفاق الأرض كلها إلا مكة ولابّتيها ، والمدينة ولابّتيها " (1) .

الصراع بين الحق والباطل ـــ القسـم السابع . . . . . . . . . . . .  105

 

    عن جابر بن عبدالله أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يخرج الدجال في خفقة من الدين ( أي ضعف في الدين ، وهذا واضح في زماننا الحاضر ) ، وإدبار من العلم ، . . . وله حمار يركبه عرض ما بين أذنيه أربعون ذراعا ، فيقول للناس أنا ربكم ، وهو أعور وإن ربكم ليس بأعور ، مكتوب بين عينيه كافر ك ف ر مهجّاة ، يقرؤه كل مؤمن كاتب وغير كاتب ، يرد كل ماء ومنهل إلا المدينة ومكة حرّمهما الله عليه ، وقامت الملائكة بأبوابها ، ومعه جبال من خبز ، والناس في جهد إلا من تبعه ( من يقف ضدّه يواجه مواجهة عنيفة ) ، ومعه نهران أنا أعلم بهما منه ، نهر يقول الجنة ونهر يقول النار ، فمن أدخل الذي يسميه الجنة فهو النار ( ظاهره جنة ولكن باطنه نار ) ومن أدخل الذي يسميه النار فهو الجنة ( هو يطـرح مقاييس خاطئة ، فهو يطرح أن من يكون معه يعيش في جنة ، ولكن في الواقع هو مستغَلّ لأن ثروات الدولة التي تقف معه تُنْهَب ) " . قال : " ويبعث الله معه شياطين تكلم الناس ، ومعه فتنة عظيمة ، يأمر السماء فتمطر فيما يرى الناس ( الآن المطر الصناعي معروف أو يغدق بالخيرات على من يكون معه ) ، ويقتل نفسا ثم يحييها فيما يرى الناس ، لا يسلّط على غيرها من الناس ، ويقـول : يـا أيها الناس ! هل يفعل مثـل هـذا إلا الربّ عـزّ وجـلّ ؟ " .

106 . . . . . . . . . . . .  الصراع بين الحق والباطل ـــ القسـم السابع

 

قال : " فيفرّ المسلمون إلى جبل الدّخان بالشام ، فيأتيهم فيحاصرهم فيشتدّ حصارهم ويجهدهم جهدا شديدا ( بلاد الشام يشمل سوريا وفلسطين ولبنان والأردن ، والآن يوجد حصار على المسلمين هناك ) ، ثم ينـزل عيسى بن مريم فينادي من السحر فيقول : يا أيها الناس ما يمنعكم أن تخرجوا إلى الكذّاب الخبيث . فيقولون : هذا رجل جنّيّ . فينطلقون فإذا هم بعيسى بن مريم صلى الله عليه وسلم ، فتقام الصلاة ، فيقال له : تقدم يا روح الله ! فيقول : ليتقدّم إمامكم فليصلّ بكم ( وهو الإمام المهدي عجل الله فرجه ) . فإذا صلّى صلاة الصبح خرجوا إليه " . قال : " فحين يرى الكذّاب ( أي حين يرى المسيح عليه السلام هذا الكذّاب وهو الدّجّال ) ينماث ( أي الدّجّال ) كما ينماث الملح في الماء ، فيمشي إليه فيقتله ، حتى أن الشجرة والحجر ينادي : يا روح الله ! هذا يهودي . فلا يترك ممن كان يتبعه أحدا إلا قتله " (1) .

    المسيح عليه السلام يخرج ليقتل هذا الشخص الكذاب ، والإمام المهدي عليه السلام يقتل هذا الكذاب ، والجمع بين الـروايـات يقـتـضي أن المسـيـح عليـه السـلام يقتـله بأمـر مـن الإمـام

الصراع بين الحق والباطل ـــ القسـم السابع . . . . . . . . . . . .  107

 

المهدي عجل الله فرجه لأن المسيح عليه السلام يكون تحت قيادة الإمام المهدي عليه السلام ويصلي المسيح عليه السلام خلف الإمام المهدي عليه السلام .

 

الفرقة الثانية : اليهود الصهاينة :

    والآن دورهم في العالم واضح ، وقرأنا بعض الآيات القرآنية عنهم ، ونضيف إليها آيات أخرى عنهم وعن أهل الكتاب الصهاينة :

 

    ﴿ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الأَدُبَارَ ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُواْ إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنْ اللّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ وَبَآؤُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَيَقْتُلُونَ الأَنبِيَاء بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ (1) .

 

    ﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ . . . كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا (2) .

108 . . . . . . . . . . . .  الصراع بين الحق والباطل ـــ القسـم السابع

 

    ﴿ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّىَ تُقِيمُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (1) .

 

    ﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِن زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (2) .

 

    ﴿ وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ (3) .

 

الفرقة الثالثة : خوارج العصر :

    وهم التكفيريّون ، ودورهم هو قتل المسلمين بدل ما يكونون في مواجهة الأعداء ، وحسب الإحصائية الموجودة في العراق أنهم خلال هذه الفترة قتلوا 2500 جندي من جنود الاحتلال ، وقتلوا 80 ألـفـا مـن مـسـلـمـي الـعـراق ، وانـظـر إلى الفـرق في العـدد ، هـم

الصراع بين الحق والباطل ـــ القسـم السابع . . . . . . . . . . . .  109

 

يدّعون أنهم في قتال مع المحتل ، ولكنهم يوجّهون أسلحتهم إلى صدور المسلمين ، لو أن هذه العمليات التفجيرية كانت موجّهة إلى العدو في فلسطين المحتلة لكانت فلسطين متحرّرة منذ زمن بعيد .

 

    وأكمل الآن باقي الفرق من أنصار الباطل في العصر الحديث :

الفرقة الرابعة : المنافقون :

    منافقو هذه الأمة ، وهم عملاء أعداء الدين ، ودورهم هو تثبيط الأمة الإسلامية عن مقاتلة أعداء الأمة بل يساهمون في القبض على من يريد محاربة الأعداء ، ودورهم كما كان في الماضي هو الادّعاء بأنهم ضمن الأمة الإسلامية ولكنهم يحاربون المسلمين بكل الأساليب الملتوية الخدّاعة ، ويساعدهم المنتفعون ، وينخدع بهم السّذّج من الأمّة ، ولا يطرحون أنفسهم بأنهم من الباطل بل يرفعون شعارات الحق ، يطلقون على أنفسهم ألقابا مثل المؤمن أو المجاهد أو المقاتل في سبيل الله حتى يظهروا بأنهم يمثلون الحق لأن الذي يكون على باطل لا يقول بأنه على باطل بل يظهر نفسه أنه من أنصار الحق ليخدع السّذّج من المسلمين .

 

    ونقرأ بعض الآيات القرآنية عن المنافقين ، ولعل التّفاصيل تكون في بعض المناسبات الأخرى :

110 . . . . . . . . . . . .  الصراع بين الحق والباطل ـــ القسـم السابع

 

    ﴿ إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (1) .

    ﴿ الْمُنَافِقُـونَ وَالْمُنَافِقَـاتُ   بَعْـضُهُم مِّـن بَعْـضٍ يَأْمُـرُونَ بِالْمُنـكَرِ وَيَنْهَـوْنَ عَـنِ الْمَـعْرُوفِ وَيَقْبِضُـونَ  أَيْدِيَـهُمْ نَسُـواْ اللّهَ  فَنَسِـيَهُمْ  إِنَّ  الْمُنَافِقِينَ  هُمُ  الْفَاسِقُونَ (2) .

 

ومصير المنافقين هو :

    ﴿ إِنَّ اللّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا (3) .

    الكافرون الذين يحاربون الإسلام ، والمنافقون الذين ينصرون الكافرين هذا هو مصيرهم يوم القيامة ، ويطمئنّ المؤمن أنه إذا كان هذا هو المصير فليفعلوا ما يفعلون ، وما دام أن الحجة عجل الله فرجه سيظهر فليقتلوا من يقتلون ، ويقال إن من يضحك أخيرا هو المهم ، ودور الإمام عجل الله فرجه هو القضاء على هؤلاء الكافرين والمنافقين .

سؤال : ما هو دور المسلمين تجاه هؤلاء المنافقين ؟

الصراع بين الحق والباطل ـــ القسـم السابع . . . . . . . . . . . .  111

 

الجواب :

    دور المسلمين تجاه المنافقين هو :

    ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ  اللَّهَ  وَلا  تُطِعِ  الْكَافِرِينَ  وَالْمُنَافِقِينَ  إِنَّ  اللَّهَ  كَانَ  عَلِيمًا حَكِيمًا (1) .

    دور المسلمين هو عدم طاعة الكافرين والمنافقين وعدم السير في ركبهم وعدم أخذ منهاجهم .

 

    ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (2) .

    دور المسلمين أيضا مجاهدتهم بمختلف الطرق ، كعدم السفر إلى بلدانهم إلا للضرورة ، ومقاطعة بضائعهم ، والمقاطعة لا بدّ أن نركّز عليها ، وننشر بين المسلمين والمؤمنين مسألة مقاطعة البضائع التي تأتي من أعداء الدين ، لا بدّ أن نحاربهم بالطرق المختلفة ، مثلا المشروبات الغازية لا بدّ من مقاطعتها ، المساجد والحسينيات والفواتح ومجالس العزاء يجب أن تقاطع المشروبات ، وبالطبـع هـذا أمـر بسيـط ، كذلك السيارات والأجهزة الكهربائية ،

112 . . . . . . . . . . . .  الصراع بين الحق والباطل ـــ القسـم السابع

 

ولا ننخدع بأن هذه السيارة رخيصة الثمن ، فلو دفعت ثمنا أكبر لشراء سيارة أخرى اعتبر هذا الثمن جهادا في سبيل الله بمحاربتهم .

    عن أمير المؤمنين عليه السلام : كنا جلوسا عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو نائم ورأسه في حجري ، فتذاكرنا الدجال فاستيقظ النبي صلى الله عليه وآله محمرّا وجهه ، فقال : " لغير الدجال أخْوَف عليكم من الدجال ( هناك خطر أكبر من الدجال ، فالدجال واضح أنه يحارب المسلمين ، ولكن المشكلة في المنافقين لأنهم يحاربون الدين باسم الدين ) ، الأئمّة المضِلّون ، وسفك دماء عترتي من بعدي ، أنا حرب لمن حاربهم وسلم لمن سالمهم " (1) .

    هناك خطر على الأمة الإسلامية أكبر من الدجال ، وهم أمراء الضلال وحكام الجور لأنهم يحاربون المسلمين باسم الإسلام ، ويظهرون بصورة الإسلام ، ولكنهم في الواقع يحاربون الدين الإسلامي .

 

الفرقة الخامسة : وعّاظ السّلاطين وعلماء السوء :

    هـؤلاء الذين يصدرون الفتاوى لصالح المنافقين لتبرير أعمالهم

الصراع بين الحق والباطل ـــ القسـم السابع . . . . . . . . . . . .  113

 

وإثارة الفتن بين المسلمين وتثبيط الأمة باسم الدين ، والمنافقون يكون لهم حاشية من هؤلاء الوعّاظ الذين يتلقّون الأوامر من هؤلاء الحكام ، وتجد أن كل حاكم من الحكام عنده لجنة دينية ولجنة إصدار الفتاوى التي تتناسب مع أهواء الحاكم ومزاجه ، وهم يبرّرون أعمال المنافقين ، وهناك نماذج في التاريخ لمثل هؤلاء الوعّاظ الذين يجيّرون الدين لما يريده الظلمة المنافقون .

يقول الله تعالى :

 

    ﴿ قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِّلْمُجْرِمِينَ (1) .

 

     ويروي التاريخ عن غياث بن إبراهيم النخعي الكوفي أنه دخل على الخليفة المسمّى بالمهدي ، وكان الخليفة يحب الحمام ويلعب به ، فإذا قدّامه حمام ، فقيل له : حدّث أمير المؤمنين . فقال : حدثنا فلان عن فلان عن فلان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا سبق إلا في نصل أو خفّ أو حافر أو جناح ( والجناح إضافة من عنده ) . فأمر له المهدي ببدرة ( البدرة هي كيس فيه ألف أو عشرة آلاف درهم أو سبعة آلاف دينار ) ، فلما قام قال الخليفـة : أشهـد عـلى قـفـاك أنـه قفـا كـذّاب عـلى رسـول الله صلى

114 . . . . . . . . . . . .  الصراع بين الحق والباطل ـــ القسـم السابع

 

الله عليه وسلم ( والخليفة يعلم أن هذا كذّاب ، ولكن مع ذلك يأمر له بهدية ) . ثم قال الخليفة : أنا حملته على ذلك . ثم أمر بذبح الحمام ، ورفض ما كان فيه (1) .

    أحيانا تصير عند بعض الخلفاء لحظة يتذكّرون فيها الحق ، وأحيانا يبكون على المنابر إذا ذكر الإمام الحسين عليه السلام ، نعم البعض منهم يمثّل ، ولكن البعض منهم تأخذه العاطفة أحيانا فيقول كلمة الحق .

    ونقرأ في هذا الصدد حديثا للإمام علي بن الحسين عليه السلام ) مع أحد الأشخاص الذي كان رجلا عالما إلا أنه كان يتعاطف ويتعاون مع الجهاز الأموي ولا سيما مع هشام ابن عبدالملك ، يحذّره الإمام عليه السلام في حديثه هذا من إعانة الظالمين والركون إليهم ، . . . وقد جاء فيه : " أوليس بدعائهم إيّاك حين دعوك جعلوك قطبا أداروا بك رحى مظالمهم ( فهو قطب لأنه يصدر الفتاوى ) ، وجسرا يعبرون عليك إلى بلاياهم ، سلّما إلى ضلالتهم ، داعيا إلى عينهم سالكا سبيلهم ، يُدْخِلون بك الشكّ على العلمـاء ، ويقتـادون بك قلـوب الجهّـال إليهم ، فمـا أقـلّ مـا أعطـوك في

الصراع بين الحق والباطل ـــ القسـم السابع . . . . . . . . . . . .  115

 

قـدر مـا أخذوا منك ، وما أيسر ما عمروا لك في جنب ما خربوا عليك ، فانظر لنفسك فإنه لا ينظر إليها غيرك ، وحاسبها حساب رجل مسؤول " (1) .

 

الفرقة السادسة : أصحاب الأقلام والفضائيّات المأجورة :

    الفضائيات دورها أن تخلط العسل بالسّم وتشوّه الحقائق ، نعم تذكر حقيقة من الحقائق ولكن تجعل معها شيئا آخر ، وتقلب الحق باطلا والباطل حقا ، ويساهم بعضها في تثبيط همّة الأمّة وكسر عزيمتها بتسليط الضّوء على الأمور التافهة وتقليل أهميّة الأمور المهمّة ، وبعض الفضائيات تخصّصها بثّ الأغاني الخليعة والأفلام الهابطة وأخبار المطربين والممثّلين فقط ، وتجد برامج خاصة عن أخبارهم ، وكذلك في الجرائد والمجلات ينشرون أخبار الممثّلين والمطربين ، وكثير من الناس يقرؤون هذه الأخبار وكأن هؤلاء مهمّون أو لهم قيمة ، والمفروض أن لا نتابع أخبارهم ، وإذا نقرأ أخبارهم فمن باب أن نعرفهم لا حبّا فيهم ، وبعضها تساهم في تـأجـيـج الطّـائفيّـة وهـدم الـوحـدة بـين المسـلمـين وإثـارة المسـلمين

116 . . . . . . . . . . . .  الصراع بين الحق والباطل ـــ القسـم السابع

 

بعضهم على بعض بعنوان البحث العلمي !! وتختار من الباحثين الإسلاميين !! من يساهم في ذلك ، وهذا الباحث الإسلامي عندما يتكلم ترى أنه لا توجد عنده بحوث .

    وبعض الفضائيّات في أيام الحرب كانت تسلّط الضوء على الدمار الذي حدث في لبنان ، وتركّز على هذا الدمار ، ولا يذكرون أخبار المجاهدين أو يذكرونها ضمن شريط الأخبار أو يذكرونها بعبارة مقتضبة ولا يركّزون عليها ولا يحلّلونها ولا يقابلون أحدا ليحلّل انتصارات المجاهدين ، وكأنها رسالة إلى الشعوب الإسلامية والعربية بأن لا تقوموا في وجه العدوّ المحتل ، وإذا قمتم في وجوههم فإنه يصيبكم ما أصاب لبنان ، ولا يذكرون ما يحدث من هزائم نفسيّة في المجتمع الصهيوني ، وترى أنه لا توجد مقابلات مع الناس في المجتمع الصهيوني ، ويقولون بأنهم قاموا بإحصائية داخل الأراضي المحتلّة وكانت النتيجة أن الشعب الإسرائيلي كان يؤيّد جيشه ، مجرد خبر ولا يعرضون أي مقابلة مع أي أحد ، وهدفهم هو تثبيط همّة الأمّة وبيان قوّة الجيش الإسرائيلي وأنهم قادرون على تدمير البلدان مع أن الجيش الإسرائيلي جيش جبان لا يدخل في المواجهة المباشرة مع المقاومة الإسلاميّـة وإنمـا يستعمـل الصواريخ مـن بعيـد ويقتل الأبرياء العزّل

الصراع بين الحق والباطل ـــ القسـم السابع . . . . . . . . . . . .  117

 

ويهدم البيوت على سكانها من المدنيين ، ولو كانت عندهم الشجاعة لنـزلوا إلى ساحة المعركة ، وبمجرّد ما كانوا ينـزلون إلى ساحة المعركة كنتم ترون أنهم يهربون كالفئران ، وبعضهم كانوا يهربـون مـن الدبّابات ، وأتت إليهم الأوامر بأن يهربوا مع دبّاباتهم ، وتلاحظون الهزيمة النفسية التي حصلت عندهم ، والفضائيات لم تكن تنقل هذا الخبر ولا تركّز عليه ، تركّز فقط على آثار الدمار في لبنان .

النتيجـة :

    هذه هي الفرق السّتّة من المسيح الدجال ، واليهود الصهاينة ، وخوارج العصر ، والمنافقين ، ووعّاظ السّلاطين وعلماء السّوء ، وأصحاب الأقلام والفضائيّات المأجورة ، هؤلاء يمثّلون أنصار الباطل في العصر الحديث ، ولا بد أن نركّز عليها حتى نشخّص من هم الأعداء الذين يحاربون الإسلام ، ونتعامل معهم بحذر ، ولا بدّ أن نحاربهم كما يحاربوننا بمختلف الطرق المتاحة ، قد يكون حمل السلاح غير ممكن ، ولكن يمكن عن طريق كتابة مقالـة ، أو توعيـة الأمة بأعدائها حتى لا ينخدعوا بالشيطان الأكبر ، لحدّ الآن البعض منخدع بهم ، ما زالوا يكرّرون القول بأنهـم حـرّروا البلاد ، ولكن هم تسبّبوا بالاحتلال ، وبعد ذلك أتوا

118 . . . . . . . . . . . .  الصراع بين الحق والباطل ـــ القسـم السابع

 

للتّحرير ، فهم يأتون بالحرب ثم يأتون بالسلام ، هم يدمّرون البلدان ثم يأتون لإعمارها ، هم يدمّرون وهم يعمّرون ، والمفروض أن لا ننخدع بهم .

    وسوف نتناول في الأسابيع القادمة موضوع المسيح الدجال بشكل أكثر تفصيلا لنبيّن الروايات الواردة فيه وما يمكن أن نفهمه من هذه الروايات .

    والحمد لله ربّ العالمين وصلّى الله على سيّدنا أبي القاسم محمّد وآله الطّيّبين الطّاهرين .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الصراع بين الحق والباطل

القسم الثامن (1)

المسيح الدّجّال (2)

القسم الأول

 

    الحمد لله ربّ العالمين وصلّى الله على سيّدنا أبي القاسم محمّد وآله الطّيّبين الطّاهرين .

    قبل ظهور الإمام المهدي عجل الله فرجه توجد عدة علامات ، هذه العلامات تعتبر منبِّهة للمؤمن على قرب الظهور وأنه في الـطـريــق المـوصــل لـلـظـهـور وأن الـظـهـور واقـع لا مـحـالـة ، كـمـا أن

120 . . . . . . . . . . . .  الصراع بين الحق والباطل ـــ القسـم الثامن

 

العلامات على الطريق تدلّ الإنسان على قرب وصوله إلى المدينة التي يريد أن يذهب إليها ، كذلك علامات الظهور تدلك على قرب ظهور إمامك عليه السلام ، ودور المؤمن أن يستعدّ للظهور حتى يكون من أنصاره وأعوانه والمؤيّدين له والمقاتلين معه ، ويقوم المؤمن بالتمهيد لظهوره عجل الله فرجه ، وهذا التمهيد يشمل الاستعداد وتمهيد النفس ، وكذلك أيضا يشمل تمهيد الأرضيّة العامّة للظهور بدءا من بيتك وعائلتك ثم مجتمعك ثم المجتمع العالمي .

    إذن : علامات الظهور تعطي الإنسان المؤمن تنبيها على قرب الظهور ، ودوره أن يكون مستعدّا ، فَيُعِدّ نفسه وأسرته وأولاده ومجتمعه ثم المجتمع العالمي ، وهذا هو دور الإنسان المؤمن في عصر الغيبة الكبرى .

    وهكذا نرى أن مهمة المؤمن قبل الظهور ليست مهمة هيّنة سهلة بسيطة ، فالمؤمن لا يعيش لنفسه فقط أو لبيته الصّغير المكوّن من زوجته وأولاده فقط ، بل على عاتقه مهمّة عالميّة لأنه يكون مشاركا في تأسيس الدّولة العالميّة التي يسعى إليها الإمام المهدي عليه السلام ، وهذه الدولة العالمية هي حلم الأنبياء والأوصيـاء عليهـم الـسـلام ، والإمـام عجـل الله فرجـه ينتظـر قيـام

الصراع بين الحق والباطل ـــ القسـم الثامن . . . . . . . . . . . .  121

 

المؤمنين بدورهم تمهيدا لظهوره ، وإذا لم يظهر الإمام المهدي عليه السلام فمعنى ذلك أن المؤمنين لم يقوموا بالدور المطلوب منهم ، وأن هناك تقصيرا من بعضهم أو من أكثرهم ، نعم قد يقوم بعض المؤمنين بما هو مطلوب منهم ، ولكن قيام البعض بدورهم لا يسقط التكليف عن باقي المؤمنين ، وقيام البعض القليل بدورهم لا يؤدي إلى ظهور الإمام عليه السلام ، بل لا بدّ أن يقوم جميع المؤمنين بدورهم أو على أقل التقادير أكثر المؤمنين ، فالمطلوب من المؤمن في عصر الغيبة الكبرى أن يقوم بدوره المطلوب منه ، وهناك دور مهم يقوم على عاتقه ، وهذا الدور إذا لم يقم به المؤمنون فإن الإمام عليه السلام سوف يتأخر ظهوره كما هو حاصل الآن ، لو أن المؤمنين قبل مائة سنة مثلا قاموا بدورهم لكانوا قد مهّدوا الأرضية لظهور الإمام المهدي عليه السلام .

    نأتي إلى هذه العلامة القريبة لظهور الإمام عليه السلام ، وهو الدجال ، والروايات التي تتحدّث عن الدجال فيها كثير من الرموز ، ونحتاج إلى تأويل كل رمز من هذه الرموز ليتم فهم الروايات ، وأحاول هنا تحليل بعض هذه الرموز وما يناسبها من تأويل ، ويتم البحث ضمن النقاط التالية :

122 . . . . . . . . . . . .  الصراع بين الحق والباطل ـــ القسـم الثامن

 

النقطة الأولى : المسلمون والدّجّال :

 أقرأ بعض الروايات عن الدجال :

    عن حذيفة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لأنا أعلم بما مع الدّجّال منه ، معه نهران يجريان ، أحدهما رأي العين ماء أبيض ، والآخر رأي العين نار تأجّج ، فإمّا أدركنّ أحد فليأت النهر الذي يراه نارا وليغمض ثم ليطأطئ رأسه فيشرب منه فإنه ماء بارد ، وإن الدّجّال ممسوح العين عليها ظفرة غليظة مكتوب بين عينيه كافر يقرؤه كل مؤمن كاتب وغير كاتب " (1) .

    هذه رواية من الروايات التي نحتاج إلى فكّ رموزها الموجودة فيها لنفهم معناها .

    عن النواس بن سمعان قال ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الدجال . . . : " إنه خارج خلة بين الشأم والعراق ، فعاث يمينا وعاث شمالا ، يا عباد الله فاثبتوا . . . فيأتي على القوم فيدعوهم فيؤمنون به ويستجيبون له ، فيأمر السماء فتمطر ، والأرض فتنبت ، فتروح عليهم سارحتهم ( أي أغنامهم ) أطول ما كانت ذرّا وأسبغه ضروعا وأمدّه خواصر ، ثم يأتي القوم فيدعوهم فيردّون عليه قـولـه فينصـرف عنهـم ، فـيصـبحون ممحّلـين لـيـس بأيديـهـم شـيء مـن

الصراع بين الحق والباطل ـــ القسـم الثامن . . . . . . . . . . . .  123

 

أموالهم ، ويمرّ بالخربة فيقول لها أخرجي كنوزك ، فتتبعه كنوزها كيعاسيب النحل . . . " (1) .

   وهذه أيضا رواية غريبة .

 

    عـن أنـس بـن مـالك قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : " يجيء الدجال حتى ينـزل في ناحية المدينة ثم ترجف المدينة ثلاث رجفات فيخرج إليه كل كافر ومنافق " (2) .

 

    عن أمير المؤمنين عليه السلام قال : " ألا إن الدجال . . . عينـه اليمـنى ممسوحة والأخرى في جبهته تضيء كأنها كوكب الصبح ، فيها علقة كأنها ممزوجة بالدّم ، بين عينيه مكتوب " كافر " يقرؤه كل كاتب وأمّيّ ، يخوض البحار ، وتسير معه الشمس ، بين يديه جبل من دخان ، وخلفه جبل أبيض يرى الناس أنه طعام ، يخرج في قحط شديد ، تحته حمار أقمر ( أي أبيض ) خطوة حماره ميل ، تطوى له الأرض منهلا منهلا ، ولا يمرّ بماء إلا غار إلى يوم القيامة ، ينادي بأعلى صوتـه يسمـع ما بين الخافقين من الجن والإنس والشياطين يقول : إليّ أوليائي أنا الذي خلق فسوّى وقدّر فهدى أنا ربّكم الأعلى . وكـذب عـدو الله إنـه الأعـور يُطْعَـمُ الطعـام ، ويمـشي في الأسـواق ، وإن

124 . . . . . . . . . . . .  الصراع بين الحق والباطل ـــ القسـم الثامن

 

ربكم عز وجل ليس بأعور ، ولا يطعم ولا يمشي ولا يزول تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ، ألا وإن أكثر أشياعه يومئذ أولاد الزنا وأصحاب الطّيالسة الخضر ، يقتله الله عز وجل بالشام على عقبة تعرف بعقبة أفيق لثلاث ساعات من يوم الجمعة ، على يدي من يصلي المسيح عيسى بن مريم خلفه ، ألا إن بعد ذلك الطّامّة الكبرى " (1) .

    وتبدأ بعد ذلك المشاكل الكبيرة التي لا تنتهي .

    هذه بعض الروايات ، وهناك كثير من الروايات ، فيها رموز كثيرة تحتاج إلى تأويل وبيان ، وسوف أطرح بعض الرموز الموجودة في هذه الروايات .

    إن الدجال ليس شخصا معيّنا سيظهر في آخر الزمان ، وإنما هـو رمـز عـن حضارة لها فلسفة وعقيدة معادية للإسلام والمسلمين ، وهذه الحضارة هي الحضارة المادية الغربية المعاصرة التي استطاعت أن تغزو المجتمع الإسلامي فكريّا وعسكريّا بما لها من قوّة وسلطة وهيمنة ، وأسمعت ما بين الشرق والغرب عن طريق وسائل الإعلام الحديثة ، فجمعت أتباعها وأشياعها وأولياءها ، وهؤلاء هم كل من اغترّ بهذه الحضارة الغربيّة فآمن بهـا واعتنـق المذاهـب المنحرفـة ورفـض الإسـلام كدين يصلح لإدارة

الصراع بين الحق والباطل ـــ القسـم الثامن . . . . . . . . . . . .  125

 

البشرية سواء كانوا مسلمين أم غير مسلمين بالأصل ، فأخذوا يطبّلون للحضار الغربية المادية ويزمّرون لها ويمجّدون فيها ويمدحونها وكأنها الحلّ الأمثل لمشاكل البشرية ، ولكن هيهات هيهات فهذه الحضارة المادية كالسراب الذي لا واقع له ، وأتباعها سوف يدركون ذلك ولكن بعد فوات الأوان .

 

    وهذه الحضارة المادية أمدّت عملاءها وأتباعها بالمال الوفير والقوة والسلطة ، ويشير إلى ذلك من الرواية قوله صلى الله عليه وآله : " فتروح عليهم سارحتهم ( أي أغنامهم ) أطول ما كانت ذرّا وأسبغه ضروعا وأمدّه خواصر " .

 

    واستعمال كلمة " الأغنام " كناية عن المال والملك ، واستعمالها يتناسب مع ذاك الزمان ، ومن يكون تابعا وعميلا لهم أغنامه تكون سمينة ، ومعنى ذلك أنهم يحصلون على الملك .

    ويشير إلى ذلك أيضا قوله صلى الله عليه وآله : " وإن من فتنته أن يمرّ بالحيّ فيصدّقونه فيأمر السماء أن تمطر فتمطر ويأمر الأرض أن تنبت فتنبت حتى تروح مواشيهم من يومهم ذلك أسمن ما كانت وأعظمه وأمدّه خواصر وأدرّه ضروعا " (1) .

126 . . . . . . . . . . . .  الصراع بين الحق والباطل ـــ القسـم الثامن

 

    فكلمة " الأغنام " ترمز إلى المال الوفير الذي يحصل عليه من يصدّق الحضارة الغربية ويكون تابعا لها وعميلا لها ، فكل من يسير في ركب الغربيين ويتعاون معهم ويصير عميلا لهم فإنهم يزوّدونه بالمال والسلطة والقوّة والهيمنة .

 

    وأما المعارضون لهذه الحضارة المادية فإنهم يعيشون في ضنك من العيش ، كما يشير إليه قوله صلى الله عليه وآله : " ثم يأتي القوم فيدعوهم فيردّون عليه قوله فينصرف عنهم فيصبحون ممحّلين ليس بأيديهم شيء من أموالهم " .

 

    كذلك قوله صلى الله عليه وآله : " وإن من فتنته أن يمرّ بالحيّ فيكذّبونه فلا تبقى لهم سائمة إلا هلكت " (1) .

 

    أي لا يبقى لهم شيء من مواشيهم ، وهذا رمز عن أنهم يعيشون الصعوبات ، وكل من يقف في وجه الغربيين الماديين ويعارضهم ـــ كما تشاهدون الآن ـــ فإنه يتعرض للمقاطعة الاقتصادية والانقلابات العسكرية والقلاقل الداخلية والاغتيالات والتصفية الجسدية .

 

    قولـه صلى الله عليه وآله : " يجيء الدجال حتى ينـزل في ناحية

الصراع بين الحق والباطل ـــ القسـم الثامن . . . . . . . . . . . .  127

 

المدينة " .

    الدجال هو ممثّل هذه الحضارة المادية ، ولا يقصد من المدينة المدينة المنورة بل المقصود أي مدينة من المدن ، ويقصد من ناحية المدينة جهة في المدينة كمبنى مثل السفارة مثلا ، وهذه الحضارة تدخل عن طريق السفارات ، وتعرفون أن السفارات الغربية هي أوكار للتجسس وتدبير المؤامرات في الدول .

    ثم تقول الرواية : " وترجف المدينة ثلاث رجفات " ، وهذا كناية عن ثلاث مصاعب وابتلاءات ومحن تكون من تدبير هذه السفارة التي تمثل الحضارة الغربية ، فتمر هذه المصاعب على الناس في المدينة التي ينـزل فيها الدجال .

    ثم تقول الرواية : " فيخرج إليه كل كافر ومنافق " ، وهم كل من يفشل في التمحيص والابتلاء الذي مرّ على هذه المدينة .

    قول الدّجّال : " أنا ربّكم الأعلى " ، معناه أن الحضارة المادية ستعزل البشر عن المصدر الإلهي ، وتعلن أنها قادمة لإنقاذ البشرية بولايتها وفكرها وأطروحاتها وقوانينها بدلا عن القوانين الإلهية ، وهذا معناه ادعاؤها للربوبية وأنها مالكة لشؤون الناس وقادرة على إدارة أمورهم من دون الحاجة إلى الله عز وجل ، وهـذا مـا نـراه الآن واضحـا في الشيطان الأكبر حيـث يـرى أن بيـده

128 . . . . . . . . . . . .  الصراع بين الحق والباطل ـــ القسـم الثامن

 

إدارة كل شؤون العالم ، وأن أي دولة تقف في وجهه فإنها تُحارَب بمختلف الطرق ، فهذه الحضارة الغربية تعتبر نفسها أنها مالكة لشؤون الناس ، لذلك تقول أنا ربكم الأعلى .

    قول الدّجّال : " إِلَيَّ أوليائي " ، معناه دعوة أتباعه ومؤيّديه من أطراف الأرض ليتمّ تثقيفهم على الفكر الغربي المادي وتربيتهم على الأخلاقيّات والسلوك الغربي القائم على الفساد والانحراف من شرب الخمر والمخدّرات والزّنا والشّذوذ من اللّواط والسّحاق حتى وصل الأمر إلى الفعل بالحيوانات بعد أن ملّوا من البشر ، وهكذا يربطونهم بهذه الأمور بحيث يدعون إلى الفساد والانحراف في المجتمع الإسلامي ، ويحاول أتباع الدّجّال ممن يدّعون الإسلام نشر الفساد بين المسلمين قولا وفعلا عن طريق وسائل الإعلام أو إقامة أوكار الزّنا أو أماكن لشرب الخمر .

    قوله صلى الله عليه وآله : " وإن أكثر أشياعه يومئذ أولاد الزّنا وأصحاب الطّيالسة الخضر " .

    أصحاب الطيالسة الخضر قد يقال بأنهم خصوص اليهود ، تلاحظون أنهم يلبسون القبعة السوداء مع الشعر الطويل ، وقد يطلق الأخضر على اللون الأسود ، ولكن يمكن توسعة المفهوم لأهل الأمـوال والسّيطـرة الاجتماعيّة الذين يمثّلون الطبقة البرجوازيّة في

الصراع بين الحق والباطل ـــ القسـم الثامن . . . . . . . . . . . .  129

 

المجتمع الإسلامي ، وأصحاب الأموال يكونون تابعين للدجال وللحضارة المادية .

    ويقصد بأولاد الزّنا إما الذين انقطعوا عن آبائهم من ناحية عقيديّة وفكريّة ، وصاروا أولادا للفكر الغربي المادي والعقيدة الغربية ، فصاروا بمنـزلة أولادهم ، وإما أنهم نتاج العلاقات المحرّمة شرعا ، وترون أنه في الفكر الغربي لا يعترفون بعقد الزواج ، فيمكن للشخص أن يكوّن أسرة بدون زواج ، فيعيش الرجـل مـع المرأة تحـت سقـف واحد بدون زواج وينتج منهما الأولاد ، وهؤلاء الأولاد يكونون لقمة سائغة للدجال حيث يصيرون من أتباعه ، وخاصة في المستقبل حيث يكثر أولاد الزنا بل ويعترف بهم ويعطون مكانة اجتماعية ومناصب مرموقة ويتعامل معهم كالأولاد الشرعيين ، ففكرة الدجال مستمرة إلى وقت ظهور المهدي عجل الله فرجه لأنها تشمل كل حضارة مادية لا فقط الحضارة الغربية المعاصرة ، والدجال سيقتله المهدي عجل الله فرجه بمساعدة المسيح عليه السلام لأنهما سيقضيان على كل حضارة مادية ظالمة وعلى كل مظهر من مظاهرها لأن الحضارات المادية تنشر الفساد والظلم والانحراف فقط ، ولا يمكن أن تنشر العدل وإن كـانـت تـدّعـي ذلـك بعنـاويـن خـلابـة كالدّيمقراطيّـة أو الـنّـظـام

130 . . . . . . . . . . . .  الصراع بين الحق والباطل ـــ القسـم الثامن

 

الدولي الجديد أو الشرق الأوسط الجديد أو مكافحة الإرهاب وغير ذلك من العناوين .

    الإمام المهدي عليه السلام سوف ينشر العدل الحقيقي في العالم ، ستعيش البشرية قمّة السّعادة في دولته العالمية لأن كل شخص سوف يأخذ حقّه ، ولا يوجد اعتداء على حقوق الآخرين دون أن يستطيع المظلوم أن يأخذ بحقّه من الظالم .

    إذن : هذه الروايات الكثيرة الموجودة عن الدجال فيها رموز كثيرة نحتاج إلى فكّها كما فعلنا في بعض هذه الرموز ، وأكمل الموضوع إن شاء الله تعالى في الديوانية الأسبوعية حتى نحلّ بقيّة الرموز الموجودة في مثل هذه الروايات .

    والحمد لله ربّ العالمين وصلّى الله على سيّدنا أبي القاسم محمّد وآله الطّيّبين الطّاهرين .

 

 

 

 

 

 

 

 

الصراع بين الحق والباطل

القسم التاسع (1)

المسيح الدجال

القسم الثاني

 

    الحمد لله ربّ العالمين وصلّى الله على سيّدنا أبي القاسم محمّد وآله الطّيّبين الطّاهرين .

    قلنا إن المؤمن في عصر الغيبة الكبرى عليه مهمّة عالميّة لا فقط أنه يهتم بعائلته بل لا بد أن يهتمّ بالمجتمع العالمي لأنه يريد أن يمهّد لظهور الإمام المهدي عجل الله فرجه ، ولا بدّ أن يلتفت المؤمن إلى هذا الأمر حتى إذا أراد أن يتحرّك يكون أمام عينيه أنه على عاتقه دور مهمّ لا أنه يفكّر فقط بمجتمعه الصغير ضمن العائلة الصغيرة المكوّنة من الزوجة والأولاد .

132 . . . . . . . . . . . .  الصراع بين الحق والباطل ـــ القسـم التاسع

 

    وقرأت بعض الروايات عن الدجال ، والروايات فيها كثير من الرموز ، هذه الرموز تحتاج إلى فكّ ، وحاولنا قدر الإمكان أن نفكّ بعض هذه الرموز .

    وخلاصة الكلام أن الدجال ليس شخصا معيّنا ، وإنما هو اتّجاه وخطّ ، نعم هناك ممثّلون لهذا الخط ، والآن هذا الاتجاه تمثّله الحضارة الغربية المادية ، هذه الحضارة التي لها عقيدة معيّنة وتعادي الإسلام والمسلمين ، واستطاعت أن تغزو المجتمع الإسلامي فكريّا وعسكريّا وثقافيّا ، وقرأنا بعض الروايات التي يوجد فيها بعض الرموز ، منها مثلا أن الدجال يجيء حتى ينـزل في ناحية المدينة ، وقلنا إنه يكون على شكل سفارة مثلا ، والسفارات الآن دورها دور التجسس وتدبير المؤمرات ، وترجف المدينة ثلاث رجفات بمعنى أن هناك ثلاث مصاعب ومحن أمام المجتمع الذي يكون فيه الدجال ، وتتمة الرواية أنه يخرج إليه كل كافر ومنافق فاشل في التمحيص والاختبار من هذه المحن والمصاعب .

    قول الدّجّال : " أنا ربّكم الأعلى " ، لا يقول ذلك بلسانه وإنما بلسان حاله ، الشيطان الأكبر يدّعي أن مجاري الأمور في العالم بيده وأنه الذي يدير العالم ولا يستطيع أحد أن يقف في وجهه .

الصراع بين الحق والباطل ـــ القسـم التاسع . . . . . . . . . . . .  133

 

    قول الدّجّال : " إِلَيَّ أوليائي " ، يدعو أتباعه وأولياءه في العالم حتى يتمّ تثقيفهم على الفكر الغربي ، وفي الرواية أن أكثر أتباعه يومئذ أولاد الزّنا وأصحاب الطّيالسة الخضر ، وقلنا إن أولاد الزّنا هم الذين انفصلوا عن آبائهم فكريّا وعقيديّا ، وصاروا أولادا لغيرهم من ناحية عقيديّة وفكريّة ، أو أنهم حقيقة أولاد زنا طالما أنه في الغرب الآن يمكن للرجل والمرأة أن يعيشا تحت سقف واحد من دون زواج وينتجون الأولاد ، وهؤلاء الأولاد هم الذين يكونون من أنصار الدجال ، وأصحاب الطيالسة الخضر إما أنهم خصوص اليهود باعتبار القبعات السود التي يلبسونها وإما أنهم أهل الأموال والسيطرة الاجتماعية الذين يمثلون الطبقة البرجوازيّة في المجتمع الإسلامي ، وهؤلاء يكونون من أتباع الدجال .

 

    نأتي إلى بعض الروايات الأخرى ونأخذ منها الرموز الموجودة فيها ، منها :

    قوله صلى الله عليه وسلم : " وإن فتنة الدجال أن يأمر السماء أن تمطر فتمطر ، ويأمر الأرض أن تنبت فتنبت ، وإن من فتنته أن يمرّ بالحيّ فيكذّبونه فلا تبقى لهم سائمة إلا هلكت ، وإن من فتنته أن يمرّ بالحي فيصدّقونه فيأمر السماء أن تمطر فتمطر ويأمر الأرض أن تنبـت فتنبـت حـتى تروح مواشيهم مـن يومهـم ذلـك أسمن ما كانت

134 . . . . . . . . . . . .  الصراع بين الحق والباطل ـــ القسـم التاسع

 

وأعظمه وأمدّه خواصر وأدرّه ضروعا ، وإنه لا يبقى شيء من الأرض إلا وطئه وظهر عليه إلا مكة والمدينة لا يأتيهما من نقب من أنقابها إلا لقته الملائكة بالسّيوف صلتة حتى ينـزل عند الظريب ( أي الجبل الصغير ) الأحمر عند منقطع السبحة ، فترجف المدينة بأهلها ثلاث رجفات ، فلا يبقى منافق ولا منافقة إلا خرج إليه ، فتنفي الخبث منها كما ينفي الكير خبث الحديد ، ويدعى ذلك اليوم يوم الخلاص . . . فبينما إمامهم قد تقدّم يصلّي بهم صلاة الصبح إذ نزل عليهم عيسى بن مريم الصبح ، فرجع ذلك الإمام ينكص يمشي القهقرى ليتقدّم عيسى ، فيضع عيسى يده بين كتفيه ثم يقول له : تقدم فَصَلَّ فإنها لك أقيمت ، فيصلّي بهم إمامهم ، فإذا انصرف قال عيسى : افتحوا الباب . فيفتحون ووراءه الدجال معه سبعون ألف يهودي كلهم ذو سيف محلّى وساج ، فإذا نظر إليه الدجال ذاب كما يذوب الملح في الماء وينطلق هاربا ويقول عيسى عليه السلام إن لي فيك ضربة لن تسبقني بها ، فيدركه عند باب اللّدّ الشرقي فيقتله ، فيهزم الله اليهود ، فلا يبقى شيء مما خلق الله عز وجل يتواقى به اليهودي إلا أنطق الله ذلك الشيء لا حجر ولا شجر ولا حائط ولا دابّة إلا الغرقدة فإنها من شجرهم ، لا ينطق إلا قال : يا عبد الله المسلم ! هذا يهودي فتعال اقتله . . . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فـيكـون عـيـسى بـن مـريـم عـلـيـه الـسـلام في أمّـتي حـكـمـا عــدلا وإمـامـا

الصراع بين الحق والباطل ـــ القسـم التاسع . . . . . . . . . . . .  135

 

مقسطا ، يدقّ الصليب ويقتل الخنــزير ويضع الجزية ويترك الصّدقة ، فلا تسعى على شاة ولا بعير ، وترفع الشحناء والتباغض ، وتنـزع حمة كل ذات حمة حتى يدخل الوليد يده في الحيّة فلا تضرّه ، وتغرّ الوليدة الأسد فلا يضرّها ، ويكون الذئب في الغنم كأنه كلبها ، وتملا الأرض من السلم كما يملا الإناء من الماء ، وتكون الكلمة واحدة فلا يعبد إلا الله ، وتضع الحرب أوزارها ، وتسلب قريش ملكها ، وتكون الأرض كفاثور ( أي طشت من ذهب أو فضة ) الفضّة تنبت نباتها بعهد آدم حتى يجتمع النّفر على القطف من العنب فيشبعهم ، ويجتمع النّفر على الرّمّانة فتشبعهم ، ويكون الثور بكذا وكذا من المال ، ويكون الفـرس بالدريهمـات " . قالوا : يـا رسول الله ! وما يرخص الفرس ؟ قال : " لا تركب لحرب أبدا " . قيل : فما يغلي الثور ؟ قال : " تحرث الأرض كلها ، وإن قبل خروج الدجال ثلاث سنوات شداد ، يصيب الناس فيها جوع شديد ، يأمر الله السماء السنة الأولى أن تحبس ثلث مطرها ويأمر الأرض فتحبس ثلث نباتها ، ثم يأمر السماء في السنة الثانية فتحبس ثلثي مطرها ويأمر الأرض فتحبس ثلثي نباتها ، ثم يأمر الله السماء في السنة الثالثة فتحبس مطرها كله فلا تقطر قطرة ويأمر الأرض فتحبس نباتها فلا تنبت خضـراء فـلا يبـقى ذات ظلـف إلا هلكت إلا ما شاء الله تعالى " . قيل : كيف يعيش الناس في ذلك الزمان ؟ قال : " التهليل والتكبير

136 . . . . . . . . . . . .  الصراع بين الحق والباطل ـــ القسـم التاسع

 

والتسبيح والتحميد ويجري ذلك عليهم مجرى الطعام " (1) .

 

    قوله صلى الله عليه وآله : " وإنه لا يبقى شيء من الأرض إلا وطأه وظهر عليه " .

 

    يشير إلى انتشار الفكر الغربي المادي في كل أرجاء الأرض ، فكل دولة في العالم تعترف بالقوانين الغربية كمصدر من مصادر التشريع ، ويقصد بالفكر الغربي الفكر الرأسمالي والفكر الشيوعي ، وكلاهما معاد للإسلام ، وكلاهما يمثلان الدجال بأوضح صورة ، ولكن الباقي إلى ظهور الحجة عليه السلام هو الذي يدعي المسيحية ، لذلك يسمى في الروايات بالمسيح الدجال ، والفكر الشيوعي فنى وانمحى ولم يبق له أثر إلا أثرا قليلا ، والمسيح الدجال هو الذي يدّعي المسيحية ، ومن خلال ادّعائه المسيحية يحاول أن يسيطر على العالم بممارسة أساليب الدّجل والخداع والمكر حتى يحقّق مآربه .

 

    قوله صلى الله عليه وآله : " إلا مكة والمدينة " ، مكة والمدينة هما رمز إلى أن الفكر الإلهي الذي انطلق من مكة والمدينة لا ينحـرف بتأثيـر الفكـر الغـربي ، ولا يقصـد هنا خصوص المكان لأن

الصراع بين الحق والباطل ـــ القسـم التاسع . . . . . . . . . . . .  137

 

الفكر الغربي داخل اليوم إلى هذين المكانين ، ولكن هذا يرمز إلى أن من يأخذ الفكر المتمثّل بمكة والمدينة يكون غير قابل للانحراف والتأثّر بالفكر الغربي ، ومكة والمدينة مدينتان صغيرتان بالنسبة إلى العالم ، وهذا يدلّ على أن الحقّ محفوظ عند قلّة من الناس ، ونسبة أهل الحق إلى الناس كنسبة مكة والمدينة إلى مدن العالم ، فأهل الباطل وأنصاره والمنحرفون كثيرون ، ولكن أهل الحقّ والمخلصون يكونون قلّة ، وأهل الحقّ القليلون نجحوا في الابتلاءات والتّمحيص ، واستطاعوا أن يحافظوا على الحقّ الموجود عندهم ، وصار عندهم مناعة من التأثّر بالفكر الغربي المنحرف والإعجاب بهذا الفكر ، وهذا هو معنى منع الدجال عن مكة والمدينة بواسطة ملائكة بسيوف لأن العقيدة الإسلامية تكفي لحماية الإنسان من الانحراف ، وكون الملائكة على كل نقب معناه أن المؤمن الذي يعتقد بالإسلام يعرف أن كل مشكلة لها حلّ في دينه ، وأن الدّين يطرح حلا لكل مشكلة من المشاكل التي تطرح في العالم حتى المسائل المستحدثة .

    والدجال طويل العمر لأن عمره يبدأ من زمن النبي صلى الله عليه وآله حيث بدأ أثر المنافقين في تقوية هذا الخط ، فالمنافقون في عهـد النبي صلى الله عليه وآلـه هـم نواة الدجال وأساسه لأنهم

138 . . . . . . . . . . . .  الصراع بين الحق والباطل ـــ القسـم التاسع

 

هدموا الإسلام وحرّفوه عن طريقه ، فانحسر الحكم الإسلامي مما مهّد الطريق لسيطرة الفكر المادي على العالم ، فالآن هذه الحضارة المادية الغربية هي نتاج للمنافقين الذين كانوا في عهد النبي صلى الله عليه وآلـه ، والمنافقون كانوا يظهرون ما لا يبطنون ، وهذا هو الدّجل والخداع ، فكانوا بذرة الفكر المادي المخادع الذي يظهر خلاف ما يبطن ، فيدعو إلى العدل والمساواة وحقوق الإنسان والديمقراطية ومكافحة الإرهاب مع أنه يسعى إلى استعباد البشر ونشر التفرقة والطائفية والطبقية بين الناس ، يعطي عناوين خلابة ، ولكن حقيقة هو يسعى للسيطرة على العالم واستعباد البشر ونهب خيرات الأرض من دول العالم ، لذلك فالمادية تدّعي أنها صاحبة رسالة وأن لها السّلطة والولاية على البشر وأنها تفهم أكثر من باقي الناس ، ولكن واقعها عكس مدّعاها ، فتدّعي كثيرا من الأشياء ، وكثير من الناس ينخدعون بهذه الادّعاءات ، وفي الواقع لا تسعى إلى ما تدّعي به .

    وفي الروايات أن الدجال له ماء ونار ، وأن ماءه في الحقيقة هو النار ، وأن ناره في الحقيقة هي الماء ، فهو معه مثال وشكل وصورة الجنة والنار ، ولكن هما في الواقع عكس ذلك ، وإليكم هذه الرواية :

الصراع بين الحق والباطل ـــ القسـم التاسع . . . . . . . . . . . .  139

 

    عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ألا أحدثكم حديثا عن الدجال ما حدّث به نبي قومه ، إنه أعور وإنه يجيء معه بمثال الجنة والنار ، فالتي يقول إنها الجنة هي النار ، وإني أنذركم كما أنذر به نوح قومه " (1) .

 

    والإنذار ليس فقط من عهد النبي صلى الله عليه وآله ، بل حتى قبل عهده صلى الله عليه وآلـه .

 

    يقول النبي صلى الله عليه وآلـه : " فمن أدرك ذلك فليقع في الذي يراه نارا فإنه ماء عذب " .

 

    سيأتي بصورة النار ، ولكن في الواقع هو ماء وجنة ، وبالعكس سيأتي بصورة الجنة ، ولكن في الواقع هذه الجنة عبارة عن نار ، وماء الدجال يرمز إلى المصالح الشخصية والإغراءات المادية لمن تبعه وتعاون معه وصار عميلا له ، فالذي يتعاون معهم سيحصل على أموال كثيرة وسلطة وهيمنة وقوة ، وفي واقعه هو نار لأن هذا سينقلب على صاحبه يوم القيامة ، وناره عبارة عن المصاعب التي يواجهها الفرد إذا وقف في وجه الحضارة المادية ، منها الحصار الاقـتـصـادي والـمقـاطـعـة الاقـتـصـاديـة ، وتـلـك الـمصـالـح الـدّنـيـويّـة

140 . . . . . . . . . . . .  الصراع بين الحق والباطل ـــ القسـم التاسع

 

والإغراءات المادية هي النار والظلم الحقيقي ، وهذه المصاعب هي الماء العذب والعدل الحقيقي لأن الذي يقف في وجه الدجال يحصل على ثواب من الله عز وجل ، نعم في الدنيا هي مصاعب ، ولكن في الآخرة هي جنة .

 

    ويحذّر النبي صلى الله عليه وآله من الانخداع بماء الدجال وظاهر الحضارة وبهرجتها وزينتها ، يقول النبي صلى الله عليه وآله : " فأما الذي يراه الناس ماء فنار تحرق ، وأما الذي يراه الناس نارا فماء بارد عذب " .

 

    فالماء والنار رمزان وليسا ماء ونارا حقيقة لأنه لا يمكن نسبة المعاجز إلى أهل الباطل .

 

    وبعض الناس الذين إذا وقعوا في النار يجدونه ماء ، وأما أكثر الناس فإنهم حينما يقعون في ماء الدجال وبهارج المادية لا يجدون إلا اللّذّة والمصالح الشّخصيّة ، وهؤلاء ينخدعون بالحضارة الغربية ويظنون أن حلول جميع المشاكل بأيدي الغرب ، وحينما يقعون في المصاعب والابتلاءات فإنهم لا يجدون إلا الضّيق والتّعب والملل ، ولا يسعون للنّجاح في هذه الابتلاءات ، وإذا لم ينجح فهذا يدلّ على أنه معهم وتابع لهم .

الصراع بين الحق والباطل ـــ القسـم التاسع . . . . . . . . . . . .  141

 

    ومن الرموز في الرواية أن الدجال أعور ، ومعنى أن الدجال أعور هو أن الحضارة المادية تنظر إلى الكون بعين واحدة حيث تنظر إلى المادة دون الخُلُق وإلى الجسد دون الروح ، والإنسان مكوّن من روح وجسد ، وترون الآن أن التركيز العالمي كله على الجسد ، كالاهتمام بالقوام والجمال وعمليات التجميل والرشاقة والأصناف المختلفة من الطعام ، التركيز على الجسد والغفلة عن الروح ، ومعنى ذلك أن الحضارة المادية الغربية تنظر إلى الأشياء بعين واحـدة ، وتركز على جانب واحد من الإنسان الذي له جانبان : روح وجسد ، ولكن الولاية الحقيقية تكون لمن ينظر إلى الكون بعينين سليمتين ، فينظر إلى الروح والجسد معا ، ويعطي كلّ جانب حقّه ، لذلك يقول النبي صلى الله عليه وآله : " وإن ربكم ليس بأعور " .

    قال جابر بن عبدالله : سمعت النبي صلى الله عليه وآله يقول : " ما من كافر يدرك الدجال الا آمن به ، وان مات ولم يدركه آمن به في قبره ( ينتقل حتى إلى عالم البرزخ ، الكافر الذي يدرك الدجال يؤمن به ، وإذا لم يدرك الدجال سوف يؤمن به في عالم البرزخ ) ، وما من مؤمن يدرك الدجال إلا كفر به ، وإن مات قبـل أن يدركـه كـفر بـه في قبره ، وإن بـين عـيني الدجـال مكتـوب كافـر

142 . . . . . . . . . . . .  الصراع بين الحق والباطل ـــ القسـم التاسع

 

يعرفه كل مؤمن " (1) .

 

    وفي رواية أخرى : " مكتوب بين عينيه كافر ك ف ر مهجاة يقرؤه كل مؤمن كاتب وغير كاتب " .

 

    حتى المؤمن الأمي يستطيع أن يقرأ ما هو مكتوب بين عيني الدجال ، والدجال كافر لأنه مادي لا يعترف بوجود خالق لهذا الكون ويحارب الأديان وإن كان يدّعي أن له دينا وهو المسيحية ، يدّعي الدين وفي الواقع ليس له دين ، وهو يستغل اسم الدين ليحقّق مآربه ويخدع أتباعه .

 

    وما هو مكتوب بين عينيه ليس من قبيل الألفاظ والكلمات ، فالمؤمـن يرى هـذه الكتابـة ببصيرتـه وإن كان أمّـيا لا يقرأ ولا يكتب ، فالمؤمن يعتقد بوجود خالق للكون ، ويرى أن الدجال منكر لوجود الخالق ، فالمؤمن يعرف أن الدجال الأعور كافر منافق ، ويعرف المؤمن ذلك لأنه يملك الميزان الإلهي لتقييم الناس ، والإنسان الذي يكون بيده المقياس الإلهي يستطيع أن يعرف أن هذا كافر وأن ذاك مؤمن وأن هذا ليس بمؤمن ، وأما غير المؤمـنـين فـلا يمكـنـهـم قـراءة هـذه الكتـابـة المعـنـويّـة وإن كانـوا مـن

الصراع بين الحق والباطل ـــ القسـم التاسع . . . . . . . . . . . .  143

 

أصحاب الشهادات العالية في العلوم المختلفة أو كانوا على درجة عالية من الثقافة لأنهم كافرون مثل الدجال ويكونون في خط الدجال ، فلا يرون من يكون مثلهم في عقيدتهم كافرا منافقا .

 

    عن هشام بن عامر : . . . سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " ما بين خلق آدم إلى قيام الساعة خلق أكبر من الدجال " (1) .

 

    أي ليس من زمان أبينا آدم عليه السلام إلى يوم القيامة خلقٌ أكبر من الدجال ، الدجال يمثّل الخطر الحقيقي على الناس لأنه يأتي بصورة مخادعة ، ولا يظهر على حقيقته أمام الناس ، نعم يعرفه المؤمنون ، ولكن الناس بشكل عام لا يستطيعون أن يعرفوا أنه كافر .

 

    عن هشام بن عامر الأنصاري قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : " ما بين خلق آدم إلى أن تقوم الساعة فتنة أكبر من فتنة الدجال " (2) .

 

    أي ليـس من زمان أبينا آدم عليه السلام إلى يوم القيامة فتنةٌ

144 . . . . . . . . . . . .  الصراع بين الحق والباطل ـــ القسـم التاسع

 

أكبر من الدجال .

 

    عن هشام بن عامر : . . . وإنى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " ما بين خلق آدم إلى قيام الساعة أمر أكبر من الدجال " (1) .

 

    أي ليس من زمان أبينا آدم عليه السلام إلى يوم القيامة أمرٌ أكبر من الدجال .

 

    عن هشام بن عامر : . . . وسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " والله ما بين خلق آدم إلى قيام الساعة أمر أعظم من الدجال " (2) .

 

    أي ليس من زمان أبينا آدم عليه السلام إلى يوم القيامة أمرٌ أعظم من الدجال .

 

    عن المغيرة بن شعبة قال : ما سأل أحد النبي صلى الله عليه وسلـم عن الدجال أكثر مما سألت . قال صلى الله عليه وسلم : " وما ينصبك منه أنه لا يضرّك " . قال : قلت : يا رسول الله ! إنـهـم يـقولـون إن مـعـه الطعـام والأنهـار ( أي هـو يـأتي بالخيـرات ،

الصراع بين الحق والباطل ـــ القسـم التاسع . . . . . . . . . . . .  145

 

فالحكومة التي تكون معه يغدق عليها بالخيرات ) . قال : " هو أهون على الله من ذلك " (1) .

 

    نعم يأتي بالطعام والأنهار ، ولكن هو على الله هيّن أي ليس له قيمة .

 

    وقد حذّر النبي صلى الله عليه وآله أمّته من الدجال واستعاذ من فتنته حتى يأخذ المسلمون حذرهم من النفاق والانحراف والمادية على طول التاريخ ، بل كل الأنبياء عليهم السلام حذّروا أقوامهم من فتنة الدجال لأن هذه الفتنة مستمرة من زمن أبينا آدم عليه السلام إلى قيام الساعة  ، فالباطل وأهل الباطل مستمرّون من ذلك الوقت إلى يوم القيامة ، وفي كل زمان يوجد ممثل واحد أو ممثّلون متعدّدون لهذا الخط ، وكذلك هناك ممثّل أو ممثّلون لخط الحق ، ففي كل زمان يوجد موسى وفرعون .

 

    عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ما من نبي إلا وقد أنذر أمّته الأعور الكذّاب ، ألا وإنه أعور ، وإن الله تبارك وتعالى ليس بأعور ، مكتوب بين عينيه كافر يقرؤه كل مؤمن " (2) .

146 . . . . . . . . . . . .  الصراع بين الحق والباطل ـــ القسـم التاسع

 

    عن جابر بن عبدالله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أنا أختم ألف نبي أو أكثر ، وإنه ليس من نبيّ بعث إلى قوم إلا ينذر قومه الدجال ، وإنه قد بيّن لي ما لم يبيّن لأحد ، وإنه أعور ، وإن ربكم ليس بأعور " (1) .

 

    عن أبي عبيدة بن الجرّاح قال : سمعت رسول الله صلى الله عليـه وسلّـم يـقـول : " لم يكن نبي بعد نوح إلا وقد أنذر قومه الدجال ، وإني أنذركموه " . فوصفه لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " لعلّه سيدركه بعض من رآني أو سمع كلامي " ( هو خطّ مستمرّ ، وما حدث من أحداث بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله كان يمثّله ممثّلون للدجال ، فبعض من كان مع النبي صـلى الله عليـه وآلـه سـوف ينخـدع بخط الدجال ويسقط في الفتنة ويكون ممثّلا للدجال ) . قالوا : يا رسول الله فكيف قلوبنا يومئذ ؟ قال : " مثلها ـــ يعني اليوم ـــ أو خيرا " (2) .

 

    عن أبي أمامة الباهلي قال : خطبنا رسول الله صلى الله عليـه وآلـه يومـا ، فكان أكثر خطبته ذكر الدجال يحدثنا عنه حتى

الصراع بين الحق والباطل ـــ القسـم التاسع . . . . . . . . . . . .  147

 

فرغ من خطبته ، فكان فيما قال لنا يومئذ : " إن الله تعالى لم يبعث نبيّا إلا حذّر أمّته الدجال ، وإني آخر الأنبياء وأنتم آخر الأمم ، وهو خارج فيكم لا محالة ، فإن يخرج وأنا بين أظهركم فأنا حجيج كل مسلم ، وإن يخرج فيكم بعدي فكل امرئ حجيج نفسه ، والله خليفتي على كل مسلم ، إنه يخرج من خلّة بين العراق والشام ، فعاث يمينا وعاث شمالا ، يا عباد الله فاثبتوا ، فإنه يبدأ فيقول أنا نبي ، ولا نبي بعدي ثم يثني حتى يقول أنا ربكم ، وإنكم لم تروا ربكم حتى تموتوا وإنه مكتوب بين عينيه كافر يقرؤه كل مؤمن ، فمن لقيه منكم فليتفل في وجهه وليقرأ بفواتح سورة أصحاب الكهف . . . " (1) .

    هناك تحذير لفتنة الدجال ، والنبي صلى الله عليه وآله يركّز على هذه الفتنة ، وهناك تركيز على هذه الفتنة إلى ما قبل ظهور الحجة عجل الله فرجه ؛ لأن المادية الموجودة قبل الظهور هي أكبر فتنة من كل الماديات السابقة والأطروحات الباطلة التي كانت موجودة في زمن الأنبياء عليهم السلام لأن بيدها اليوم القوة والمخترعات الحديثة ، والناس ينخدعون بهذه المخترعات ، ويملكون الأسلحة الفتّاكة والقنابل الذّكيّة والذّرّيّة والهيدروجينيّة والنّيوتـرونـيّـة بـشكل لـم يعهـد لـه مثـيـل في التـاريـخ ، ومـهـمـا بـلـغـت

148 . . . . . . . . . . . .  الصراع بين الحق والباطل ـــ القسـم التاسع

 

المدنيّات السابقة فإنها لم تبلغ ما بلغته المدنيّة المعاصرة من قوّة ، وقـد تبلغ المدنيّة الغربيّة أكثر ممّا بلغته اليوم من مخترعات غريبة .

    والتعبير بكلمة " أمر أكبر " أو " أمر أعظم " دالّ على أن الدجال ليس رجلا ، وإنما هو اتّجاه وخطّ أعظم من باقي الاتّجاهات والخطوط التي مرّت في التاريخ ، والمادية المعاصرة تشكل خطرا على خط الهدى الذي يمثله كل الأنبياء والأئمة والصالحين على مر التاريخ ، ولكنها حقيرة أمام الحقّ والعدل ، فهي " أهون على الله من ذلك " مهما كانت قويّة وبيدها السلطة والقوّة ، فهي ليست حقيقة لا تزول وواقعا لا يفنى ، وسيأتي يوم ينتهي هذا الخطّ الغربي كما انتهى الخطّ الشيوعي ، وقد سمح الله عزّ وجل بوجودها لأنها ضمن التخطيط الإلهي والابتلاء الرباني والاختبار والتمحيص الذي يقع على الناس لتمييز الطيب من الخبيث والمؤمن من غير المؤمن ، وسوف تزول المادية عند الظهور وتطبيق العدل في كل أرجاء الأرض كما زالت الحضارات المادية الأخرى .

    والحمد لله ربّ العالمين وصلّى الله على سيّدنا أبي القاسم محمّد وآله الطّيّبين الطّاهرين .

 

 

 

الصراع بين الحق والباطل

القسم العاشر (1)

المسيح الدجال

القسم الثالث

 

    الحمد لله ربّ العالمين وصلّى الله على سيّدنا أبي القاسم محمّد وآله الطّيّبين الطّاهرين .

    كان الحديث عن الصراع بين الحق والباطل ، ووصلنا إلى المسيح الدجال ، وقرأنا بعض الروايات عن المسيح الدجال وحاولنا تأويل بعض الرموز الواردة فيها ، وكانت النقطة الأولى عن الدجال والمسلمين ، وقلنا إن المسيح الدجال عبارة عن خط واتجاه وحضارة مادية تدّعي المسيحية وتحارب الإسلام ، نكمل الموضوع في هذه الليلة .

150 . . . . . . . . . . . . الصراع بين الحق والباطل ـــ القسـم العاشر

 

    من قوة المسيح الدجال وسلطته أنه يكون له تسلط على السماء والأرض وهو السيطرة على الطبيعة كما هو الواضح الآن في الحضارة الغربية .

 

    عن النبي صلى الله عليه وسلم : " وإن فتنة الدجال أن يأمر السماء أن تمطر فتمطر ، ويأمر الأرض أن تنبت فتنبت " (1) .

 

    والمطر الصناعي الآن معروف عند الغرب ، وهذا يشكّل سيطرة على السماء ، وكذلك الأبحاث التي تجرى على النباتات لزيادة الإنتاج ، وينقلون في الجرائد أنهم أنتجوا في الغرب مثلا طماطم بحجم القرع ، وهذا يشكّل سيطرة على الأرض ، وليس بالضرورة أن يقولوا بألسنتهم للسماء أن تمطر فتمطر أو يقولوا للأرض أن تنبت فتنبت ، بل بلسان الحال .

 

    وفي كل ذلك الفتنة للناس ، الآن الاختراعات الكثيرة الموجودة في الغرب وهذا الإنتاج الصناعي في النواحي الإلكترونيّة سوف تجعل أمام الناس فتنة وتمحيص ، فكم من أبناء المسلمين اغترّوا بالحضارة الغربية لوجود المدنية والمخترعات عندهم ، فهم يعتقـدون أن الفكـر الغـربي هــو الـذي أنتـج هــذه المخترعـات ، وأنـه

الصراع بين الحق والباطل ـــ القسـم العاشر . . . . . . . . . . . . 151

 

لولا أن الفكر الغربي فكر صحيح لما أنتج هذه المخترعات ، وهذا من أكبر الأوهام التي يعيشها هؤلاء ، فهم يقبلون الفكر الغربي على عِلاَّتِـهِ بما فيـه مـن فساد أخلاقي وانحراف في القيم والمبادئ ، ولكن لا بدّ من الالتفات إلى أنه لا توجد علاقة ملازمة بين التقدّم في الآلات والمخترعات والتقدّم العقائدي والفكري والأخلاقي ، فقد يكون المجتمع متقدّما من ناحية المدنيّة ، ولكنه متأخّر من ناحية الحضارة والأخلاق ، كما هو الحال الآن في الغرب ، فهم متقدّمون من الناحية المدنيّة بما فيها من مخترعات وآلات ووسائل إنتاج ، ولكنهم متأخّرون من الناحية الحضاريّة بما فيها من أخلاق وقيم ومبادئ ، فلا بدّ من التفرقة بين المدنيّة والحضارة ، فالمدنيّة تعكس الناحية المادّيّة للمجتمع ، والحضارة تعكس الناحية المعنويّة والأخلاقيّة للمجتمع ، ولا يوجد تلازم بينهما ، ولا توجـد علاقة بينهما لا علاقة طرديّة ولا علاقة عكسيّة ، بل لكل منهما عوامل خاصة تختلف عن عوامل الأخرى .

    طبعا هذا لا يعني أنه لا توجد نواحي إيجابيّة في الغرب وأن الأخلاق منعدمة تماما ، مثلا النّظام والترتيب الموجود عندهم أمر حسن ، وكل إنسان يحصل على حقّه عن طريق القانون ، والقضايا الإيجابية لا بـدّ أن يأخـذ بهـا المسلمـون ويستفيدوا منهـا ،

152 . . . . . . . . . . . . الصراع بين الحق والباطل ـــ القسـم العاشر

 

مثلا المسلمون من ناحية النظام لا يوجد عندهم نظام حتى في الصّفّ عندما يشترون الخبز ، وفي الغرب تقف في الطابور وتحصل على حقّك سواء كنت غربيّا أم كنت أجنبيّا ، إذا وقفت في أول الطابور لا يأخذ دورك أحد ، وهذا أمر حسن ، لا نقول إن المسلمين لا يأخذون منهم أي شيء لأنهم أعداء لنا ، هناك نواحي حسنة نأخذها منهم ، والأمور السلبية الموجودة عند المسلمين لم تأتِ من الدين لأن الدين يحثّ على النظام .

 

    يقول أمير المؤمنين عليه السلام لابنيه الحسنين عليهما السلام : " أوصيكما وجميع ولدي وأهلي ومن بلغه كتابي بتقوى الله ونظم أمركم وصلاح ذات بينكم " (1) .

 

    المسلمون الآن لا يطبّقون الإسلام بتمامه في المجتمعات الإسلامية ، وهذه الفوضى لا يؤيّدها الدين ولا يوافق عليها ، والدين أيضا يدعو إلى التّطوير ، ولكن بشرط أن التّطوير في الآلات لا يكون على حساب الدين والتوجّه إلى الله عز وجل ، إذا كانت الوسائل والأجهزة تساهم في الحركة إلى الله تعالى فهذا التّـطـوير مطـلـوب ، والـدّيـن لا يـفـرّق بين أن يجـلـس الإنـسـان عـلـى

الصراع بين الحق والباطل ـــ القسـم العاشر . . . . . . . . . . . . 153

 

حصير أو على سجادة ، ولا يوجد فرق عند الله تعالى بين من يصلّي على حصير أو على سجادة ، المهم أن الإنسان حينما يصلّي هل يحصل عنده التوجّه إلى الله أو لا يحصل ، ولا يوجد فرق عند الله عز وجل أن يسكن الإنسان في خيمة أو في بيت مبني من الطابوق ، هما عند الله واحد من هذه الجهة ، فالحصير والسجادة عبارة عن وسائل ، والمطلوب أن لا تطغى الوسيلة عند الإنسان بحيث ينشغل بالوسيلة عن الله عز وجل ، وخطورة الاختراعات الحديثة تأتي من هنا ، وهي أن الإنسان ينغمس في هذه المخترعات بدل ما يستفيد منها في التوجّه إلى الله تعالى ، وينكب على الدنيا فيخلد إلى الأرض كما في الآية الكريمة :

 

    ﴿ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ (1) .

 

    هذه الوسائل لا بدّ أن تساهم في حركة الإنسان إلى الله عز وجل بشكل أفضل ، ولكن الآن هذا الشيء غير حاصل لأن الناس لا يتّخذون هذه المخترعات كوسائل ، وإنما يتّخذونها أهدافا لهم ، فيريد أن يكون بيته أفخم بيت ، وسيارته أفضل سيارة ، وحتى القلـم الذي يحملـه يريـد أن يكـون أفضل ماركة ، وأن تكون نظارته

154 . . . . . . . . . . . . الصراع بين الحق والباطل ـــ القسـم العاشر

 

من الماركات المشهورة ، فالنظارة مثلا وسيلة للنظر ، ولا يوجد فرق بين أن تكون من الماركات أو من غير الماركات ، المخترعات إذا استفاد منها الإنسان كوسائل يستطيع أن يجعلها في طريق الله عز وجل ، المطابع الحديثة الآن تستطيع أن تطبع آلاف الكتب الدّينيّة ، نستطيع أن نستفيد من المطبعة ، والإسلام لا يحارب وسائل الإنتاج التي ينتجها الغرب ، الكومبيوتر يمكن الاستفادة منه وجعله في خدمة الدين لا أن يدخل الشباب إلى الإنترنت من الليل إلى الفجر إلى المواقع التي لا يستفيدون منها شيئا ، وكل هذه الوسائل الحديثة يمكن أن تجعل في خدمة الدّين والتّحرّك إلى الله عز وجل .

 

    وهذه المادية مهما كان لها من قوة وسلطة وسيطرة على الطبيعة فإنها هيّنة على الله تعالى ، والآية الكريمة التالية تبيّن الفكرة الرمزية للدجال وأنه يصل إلى السيطرة على الطبيعة :

 

    ﴿ إِنَّمَا  مَثَلُ  الْحَيَاةِ  الدُّنْيَا  كَمَاءٍ  أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاء فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ  مِمَّا  يَأْكُلُ  النَّاسُ  وَالأَنْعَامُ حَتَّىَ إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَآ ( أي أن لديهم سيطرة على الطبيعة ، وبوادر هذه السيطرة واضحة الآن ) أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً  أَوْ  نَهَارًا

الصراع بين الحق والباطل ـــ القسـم العاشر . . . . . . . . . . . . 155

 

فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (1) .

    الدجال يظنّ أنه وصل إلى المرحلة التي يسيطر فيها على عالم الطبيعة من السماء والأرض ، ولكن أمر الله يأتي ليلا أو نهارا أي أن عالم الطبيعة ليس خارجا عن سيطرة الله تعالى وتدبيره ، فالدجال أهون على الله من ذلك كما في الرواية .

    إذن : النقطة الأولى كانت عن الدجال والمسلمين ووضع المسلمين ، وهناك روايات كثيرة تحتاج إلى كتاب كامل لتفكيك هذه الرّموز ، وحاولنا هنا فكّ وتأويل بعض هذه الرّموز .

 

النقطة الثانية : المسيح عليه السلام والدّجّال :

    يمكن الاستفادة من الروايات المذكورة في كتب أهل السنة لأنهم كثيرا ما يذكرون الدجال في كتبهم ، والروايات عن الدجال في مصادرنا قليلة ، وبالمقابل الروايات عن السفياني كثيرة .

    عن النواس بن سمعان قال : ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الدجال : " . . . فبينما هو كذلك إذ بعث الله المسيح ابن مريـم فينـزل عنـد المنارة البيضـاء شـرقي دمشـق بين مهرودتين واضعـا

156 . . . . . . . . . . . . الصراع بين الحق والباطل ـــ القسـم العاشر

 

كفّيه على أجنحة ملكين . . . فيطلبه حتى يدركه بباب لد فيقتله ثم يأتي عيسى بن مريم قومٌ قد عصمهم الله منه فيمسح عن وجوههم ويحدّثهم بدرجاتهم في الجنة . . . " (1) .

 

    عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " يخرج الدجال في أمتي فيمكث أربعين . . . فيبعث الله عيسى بن مريم كأنه عروة بن مسعود فيطلبه فيهلكه ثم يمكث الناس سبع سنين ليس بين اثنين عداوة . . . " (2) .

 

    مصادر أهل السنة تعرّضت لذكر العلاقة بين المسيح عليه السلام والدجال ، ولم تذكر علاقة الإمام المهدي عجل الله فرجه بالدجال ، وسأذكر هذه العلاقة في النقطة الثالثة .

 

    ذكر في الروايات أنه ستقع حرب بين المسيح عليه السلام والدجال ، وسوف ينتصر فيها المسيح عليه السلام ويقتل ممثّل الـدجـال وأتـبـاعـه ويـقـضي عـلى فـكـره ومـفـاهـيـمـه ، وقـتـل الـدجـال

الصراع بين الحق والباطل ـــ القسـم العاشر . . . . . . . . . . . . 157

 

سيكون في دمشق مما يدلّ على أن هذه المدينة ستكون مركزا للدجال ، وكذلك السّفياني يكون مركزه دمشق ، وسوف أذكر في مناسبات أخرى الروايات التي ذكرت السّفياني ، وقتل الدجال في دمشق معناه أن هذه المدينة سوف تنقلب وتتحوّل من الفكر المنحرف إلى الفكر الإيماني بعد القضاء على الدجال ، ولكن هذا لا يعني عدم وجود قلة من المؤمنين في هذه المدينة ، وهم الذين نجحوا في الابتلاء والتمحيص حتى أنهم وصفوا بالأولياء وأبدال أهل الشام ، والناجحون في التمحيص عادة ما يكونون قلة ، وهؤلاء المؤمنون هم الذين يمسح المسيح عليه السلام على وجوههم ويحدّثهم بدرجاتهم في الجنة ، وهم يكونون من المساعدين للمسيح عليه السلام في قتل الدجال ، والمذكور في الروايات أبدال أهل الشام ونجباء مصر وعصائب أهل العراق ، وسموا بالعصائب لأنهم يربطون حول رؤوسهم قماشا كما نرى الآن أنهم يكتبون عليه يا رسول الله أو يا زهراء أو يا حسين أو يا مهدي عليهم السلام .

النقطة الثالثة : الإمام المهدي عليه السلام والدجال :

    العلاقة بين الإمام المهدي عليه السلام والدجال تنقلها مصادرنا الخاصة ولا تشير إليها المصادر السنية .

158 . . . . . . . . . . . . الصراع بين الحق والباطل ـــ القسـم العاشر

 

    عن النّزال بن سبرة قال : خطبنا أمير المؤمنين عليه السلام . . . ثم قال : " . . . يقتله الله عز وجل بالشام على عقبة تعرف بعقبة أفيق لثلاث ساعات مضت من يوم الجمعة على يد من يصلي المسيح عيسى بن مريم عليهما السلام خلفه . . . " (1) .

    والذي يصلي المسيح عليه السلام خلفه هو الإمام المهدي عجل الله فرجه ، كما تنقل المصادر الشيعية والسنية ، ومعنى ذلك أن الإمام المهدي عليه السلام هو القائد ويكون المسيح عليه السلام تحت إمرته عليه السلام .

    عن نافع مولى أبى قتادة الأنصاري أن أبا هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم " (2) .

   وهـذه الرواية صريحة في أن الإمام والقائد سيكون من المسلمين وأن المسيح عليه السلام يكون تابعا لهذا القائد .

    عن المفضل قال : قال الصادق عليه السلام : " . . . آخرهم القائم الذي يقوم بعد غيبته فيقتل الدجال . . . " (3) .

الصراع بين الحق والباطل ـــ القسـم العاشر . . . . . . . . . . . . 159

 

    الملاحظ أن المصادر السّنّيّة تذكر علاقة المسيح عليه السلام بالدجال ، وتذكر علاقة المسيح عليه السلام بالإمام المهدي عليه السلام ، ولكن لا تتعرض لذكر علاقة الإمام المهدي عليه السلام بالدجال مع أنه من الطبيعي أن تكون هناك علاقة بين الإمام المهدي والدجال لأن الإمام المهدي هو الذي ينشر العدل على الأرض وهو الإمام الثاني عشر الذي تذكره الروايات ، فمن الطبيعي أن يكون له الدور الأهم في قتل الدجال والقضاء عليه .

    وفي الروايات يظهر أن نزول المسيح عليه السلام يكون متأخّرا عن ظهور الإمام المهدي عليه السلام ، والإمام المهدي عليه السلام لا يؤجّل محاربة الدجال إلى نزول المسيح لأن مهمة الإمام المهدي هو القضاء على الظالمين ولا يمكن له أن يؤخّر هذه المهمة إلى حين نزول المسيح ، ويمكن أن نفهم مشاركة المسيح بعد ذلك في القضاء على الدجال إما أن المسيح يقتل الدجال مباشرة بأمر من الإمام المهدي وإما أن الإمام المهدي يقاتل الدجال ، وبعد نزول المسيح يأمر المهدي عليه السلام المسيح بإتمام المهمة .

    ولا بد من الإشارة إلى أن المصادر السنية هي التي ذكرت الدجال بكثرة ، وأما في المصادر الشيعية فما ذكر عنه قليل ، والمصـادر السنيـة ذكـرت أشيـاء غريبـة كثيرة عن الدجال ، وتحتاج

160 . . . . . . . . . . . . الصراع بين الحق والباطل ـــ القسـم العاشر

 

إلى تحقيق حتى لو حملناها على الرمز .

    والدجال سوف يخرج لأن الروايات التي تتحدث عنه كثيرة تبلغ حد التواتر القطعي ، فهو خطّ وله ممثّلون ، نعم لا بدّ من النّظر في صفاته التي ذكرت لأنها واردة في أخبار آحاد ، ولكن يمكن حمل صفاته التي تثبت على الرمزية .

    هذه بعض صفات الدجال ، ولكن أسناد هذه الروايات ضعيفة لأنها أخبار آحاد لا يمكن الاعتماد عليها ، هذا من جهة ، ومن جهة أخرى نرى أن بعض هذه الصفات تعتبر من المعاجز التي لا يمكن نسبتها إلى أهل الباطل ، ولكن يمكن حمل هذه الصفات على الرمزية بدلا من رفضها لأن النبي صلى الله عليه وآله كان يحدّث الناس على قدر عقولهم ، فنحمل هذه الصفات على ظواهر اجتماعيّة منحرفة واتجاه منحرف كافر وحضارة مادية تعتبر نفسها ربّ هذا العالم والقطب الوحيد على الأرض كما يصف به الشيطان الأكبر نفسه .

    والحمد لله ربّ العالمين وصلّى الله على سيّدنا أبي القاسم محمّد وآله الطّيّبين الطّاهرين .


 

(1) ألقي هذا الموضوع في خطبة الجمعة في مسجد الإمام الحسن عليه السلام في منطقة بيان بتاريخ 2 رجب 1427 هـ الموافق 28 / 7 / 2006 م .

(2) الإسراء : 81 . زهق : اضمحلّ .

 

- 5 -

(1) الشورى : 24 .

(1) الحجر : 39 .

(2) المائدة : 30 .

(3) البقرة : 49 .

(1) خزانة الأدب للأزراري ج 1 ص 74 . الصولة : الاستطالة .

(2) سبأ : 19 .

(1) بحار الأنوار ج 3 ص 268 ح 3 .

(2) بحار الأنوار ج 1 ص 177 ح 54 .

(1) بحار الأنوار ج 71 ص 337 ح 116 .

(1) بحـار الأنـوار ج 44 ص 383 : يقول الإمـام الحسين عليه السلام : " الناس عبيد الدنيا ، والدين لعق على ألسنتهم يحوطونه ما درّت معايشهم ، فإذا محّصوا بالبلاء قلّ الديّانون " .

(1) ألقي هذا الموضوع في خطبة الجمعة في مسجد الإمام الحسن عليه السلام في منطقة بيان بتاريخ 9 رجب 1427 هـ الموافق 4 / 8 / 2006 م .

(2) محمد : 7 – 8 .

 

- 18 -

(1) النحل : 120 .

(1) الكافي ج 2 ص 589 ح 27 .

(2) التوبة : 39 .

(3) محمد : 38 .

(1) ألقي هذا الموضوع في خطبة الجمعة في مسجد الإمام الحسن عليه السلام في منطقة بيان بتاريخ 16 رجب 1427 هـ الموافق 11 / 8 / 2006 م .

(2) التوبة : 111 .

 

- 31 -

(1) نهج البلاغة شرح محمد عبده ج 4 ص 50 .

(1) عن أبي بصير قال : سمعت أبا عبدالله عليه السلام : " المؤمن أخو المؤمن كالجسد الواحد ، إن اشتكى شيئا منه وجد ألم ذلك في سائر جسده ، وأرواحهما من روح واحدة ، وإن روح المؤمن لأشد اتصالا بروح الله من اتصال شعاع الشمس بها " . بحار الأنوار ج 58 ص 148 ح 25 .

(1) بحار الأنوار ج 3 ص 14 ح 38 .

(1) " الصلاة معراج المؤمن " ليست رواية ، وإنما هي من أقوال العلماء .

(2) العنكبوت : 45 .

(3) البقرة : 183 .

(1) الرعد : 11 .

(1) بحار الأنوار ج 66 ص 168 ح 7 .

(1) عن النبي صلى الله عليه وآله : " ما من عبد إلا وفي وجهه عينان يبصر بهما أمر الدنيا ، وعينان في قلبه يبصر بهما أمر الآخرة ، فإذا أراد بعبد خيرا فتح عينيه اللتين في قلبه فأبصر بهما ما وعده بالغيب ، فآمن بالغيب على الغيب " . ميزان الحكمة للشيخ محمد الريشهري ج 3 ص 2604 .

(1) آل عمران : 163 .

(1) ألقي هذا الموضوع في خطبة الجمعة في مسجد الإمام الحسن عليه السلام في منطقة بيان بتاريخ 23 رجب 1427 هـ الموافق 18 / 8 / 2006 م .

(2) البقرة : 249 .

 

- 49 -

(1) المجادلة : 11 .

(1) نهج البلاغة شرح الشيخ محمد عبده ج 4 ص 85 ح 366 .

(1) الأنعام : 79 .

(1) بحار الأنوار ج 71 ص 232 .

(1) بحار الأنوار ج 71 ص 235 .

(1) بحار الأنوار ج 42 ص 248 ح 51 .

(2) بحار الأنوار ج 89 ص 19 .

(3) بحار الأنوار ج 94 ص 102 ح 32 .

(1) كتاب المؤمن للحسين بن سعيد ص 47 ح 111 .

(1) ألقي هذا الموضوع في خطبة الجمعة في مسجد الإمام الحسن عليه السلام في منطقة بيان بتاريخ 30 رجب 1427 هـ الموافق 25 / 8 / 2006 م .

(2) الأنفال : 12 .

 

- 65 -

(1) بحار الأنوار ج 71 ص 337 ح 116 .

(1) آل عمران : 92 .

(1) ألقي هذا الموضوع في خطبة الجمعة في مسجد الإمام الحسن عليه السلام في منطقة بيان بتاريخ 7 شعبان 1427 هـ الموافق 1 / 9 / 2006 م .

(2) آل عمران : 12 – 13 .

 

- 86 -

(1) الخلاف للشيخ الطوسي ج 1 ص 374 .

(1) بحار الأنوار ج 14 ص 247 ح 27 .

(2) بحار الأنوار ج 15 ص 23 ح 40 .

(1) بحار الأنوار ج 32 ص 307 ح 272 .

(1) بحار الأنوار ج 52 ص 192 ح 26 .

(2) ﴿ وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نَّصْبِرَ عَلَىَ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ  لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ  لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُواْ مِصْراً فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَآؤُوْاْ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ البقرة : 61 .

(1) المائدة : 82 .

(2) البقرة : 120 .

(1) آل عمران : 71 .

(2) الحشر : 2 .

(3) البينة : 6 .

(1) المائدة : 51 .

(2) الممتحنة : 1 .

(1) البقرة : 175 .

(1) بحار الأنوار ج 18 ص 123 .

(1) صحيح مسلم ج 3 ص 115 .

(1) سنن النسائي ج 7 ص 119 . التحليق : حلق جميع شعر الرأس .

(2) بحار الأنوار ج 33 ص 340 ح 585 . الضئضئ : الأصل ، والمراد من نسله وعقبه .

(1) بحار الأنوار ج 33 ص 341 ح 586 .

(2) بحار الأنوار ج 33 ص 343 ح 587 .

(1) بحار الأنوار ج 33 ص 345 .

(1) ألقي هذا الموضوع في الديوانية الأسبوعية في منطقة بيان بتاريخ 7 شعبان 1427 هـ الموافق 1 / 9 / 2006 م .

 

- 103 -

(1) بحار الأنوار ج 52 ص 195 ح 27 .

(1) مسند أحمد بن حنبل ج 3 ص 367 . خفقة من الدين : ضعف من الدين وقلّة أهله . ينماث : يذوب .

(1) آل عمران : 110 - 112 .

(2) المائدة : 64 .

(1) المائدة : 68 .

(2) الجمعة : 6 .

(3) البقرة : 120 .

(1) المنافقون : 1 .

(2) التوبة : 67 .

(3) النساء : 140 .

(1) الأحزاب : 1 .

(2) التوبة : 73 .

(1) بحار الأنوار ج 28 ص 48 ح 12 .

(1) القصص : 17 .

(1) المجروحين لابن حبـان ج 1 ص 66 ، الموضوعات لابن الجوزي ج 1 ص 42 .

(1) الأمثل في تفسير كتاب الله المنـزل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي ج 12 ص 201 .

(1) ألقي هذا الموضوع في مسجد الإمام الحسن عليه السلام في منطقة بيان بتاريخ 13 شعبان 1427 هـ الموافق 7 / 9 / 2006 م ، بمناسبة مولد الإمام المهدي عجل الله فرجه الشريف .

(2) يرجى مراجعة موسوعة الإمام المهدي للسيد الشهيد محمد صادق الصدر قدس سره ، تاريخ الغيبة الكبرى ص 640 - 647 ، ص 578 - 589 ، ص 614 - 621 ، وتاريخ ما بعد الظهور ص 192 - 203 .

 

- 119 -

(1) صحيح مسلم ج 8 ص 195 .

(1) صحيح مسلم ج 8 ص 197 .

(2) صحيح البخاري ج 8 ص 102 .

(1) بحار الأنوار ج 52 ص 192 ح 26 .

(1) كنـز العمال للمتقي الهندي ج 14 ص 293 .

(1) كنـز العمال للمتقي الهندي ج 14 ص 293 .

(1) ألقي هذا الموضوع في الديوانية الأسبوعية بتاريخ 14 شعبان 1427 هـ الموافق 8 / 9 / 2006 م .

 

- 131 -

(1) كنـز العمال للمتقي الهندي ج 14 ص 293 .

(1) صحيح البخاري ج 4 ص 105 .

(1) الأصول الستة عشر لعدة محدثين ص 65 .

(1) صحيح مسلم ج 8 ص 207 .

(2) مسند احمد بن حنبل ج 4 ص 20 .