المؤلفات » مقالات إيمانية الجزء السابع


 

 

 

 

 

 


 

مـقالات إيمـانيّة

 

الجزء السّابع

 

* خطّ الهدى وخطّ الضّلال *

* مواصفات دائرة الإيمان *

* الإيمان نيّة وعمل *

* نيّة المؤمن خير من عمله *

* الجهاد في سبيل الله *

* قصّة قصيرة : العصفورة وصاحب الشّبّاك الأخضر *

 

 

الشّيخ محمّد أشكناني

 

 

الطّبعة الأولى

1431 هـ  ـ 2010 م

 

 

 

تمت طباعة الكتاب على نفقة المحسنة الوجيهة الحاجة

كلثم حسن الفيلي

حفظها الله تعالى

 

 

 

- 2 -

 

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ

اللَّهُمَّ كُنْ لِوَلِيِّكَ الحُجَّةِ ابْنِ الحَسَنِ صَلَوَاتُكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آبَائِهِ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ وَفِي كُلِّ سَاعَةِ وَلِيًّا وَحَافِظًا وَقَائِدًا وَنَاصِرًا وَدَلِيلاً وَعَيْنًا حَتَّى تُسْكِنَهُ أَرْضَكَ طَوْعًا وَتُمَتِّعَهُ فِيهَا طَوِيلاً

بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ

اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ

 

 

 

 

- 3 -

موقع ديوانيّة الشّيخ محمّد أشكناني :

 

www.alashkanani.com

 

عنوان المراسلة :

محمّد حسين أشكناني

بيان ـ ص . ب 66691

دولة الكويت 43757

Mohammad H. Ashkanani

 

BAYANP.O.BOX 66691

 

 STATE OF KUWAIT  43757

 

البريد الإلكتروني للمؤلف :

mohashk14@hotmail.com

 

البريد الإلكتروني للديوانيّة ولجانها :

mail@alashkanani.com

 

- 4 -

 

 

 

خـطّ  الـهـدى وخـطّ  الـضّـلال (1)

 

    الحمد لله ربّ العالمين وصلّى الله على سيّدنا أبي القاسم محمّد وآله الطيبين الطاهرين .

يقول الله تعالى في كتابه الكريم :

    ﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (2) .

    يوجد طريقان لطرح مثل هذا الموضوع :

الطّريق الأوّل :

    أن يأتي الشّخص ويطبّق القواعد والأسس التي استند إليها في المـوضـوع ويعـطي النّتيجـة النهائيـة الـتي يتوصّـل إليهـا للمسـتمعين ،

6 . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . خط الهدى وخط الضلال

 

فيتوصل إلى نتيجة معينة ويوصلها للمستمعين من غير أن يبيّن القواعد والأسس التي استند إليها في تحليل الموضوع ، وهنا لا يشترك المستمعون في استخلاص النتيجة ، بل يكون دورهم دور المتلقي ، وهذا الدور دور سلبي لا يحرّك المستمع ، فتكون النتيجة جاهزة وتقدّم للمستمع .

الطريق الثاني :

    أن يأتي الشخص ويوضّح القواعـد والأسس التي استند إليها في تحليله للموضوع ويترك التطبيق على المستمع أو أنه يوضح كيفية تطبيق القواعد على الموضوع ويستعين بالمستمع للوصول إلى النتيجة التي يريدها ، فيصل المستمع من خلال تطبيق القواعد إلى نفس النتيجة التي يريدها المحاضر ، ويشترك المستمعون هنا في استخلاص النتيجة ، ويكون دورهم دور المشـارِك ، وهذا الطـريق يُعَلِّّـم المستمـع كيفيـة التفكـير في المواضيـع المختلفة ، وبذلـك ينمـو تفـكير المستمـع ويتعلـم كيفيـة تطبيـق القواعـد والأسس التي يبيّنها المحاضر ، وهذا ينفع في تربية المستمعين على التفكير والمشاركة لا أن يكون دورهم دور المتلقّين دائما ، بل يكون دور المستمـع دورا إيجابيا قائما على المشاركة في استخلاص النتائج .

خط الهدى وخط الضلال . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . 7

 

سـؤال : أي الطريقين هو الأفضل ؟

الجـواب :

    بلا شك الطريق الثاني هو الأفضل لأنه يعطي للمستمع القواعد والأسس التي يمكن تطبيقها في تحليل الموضوع الذي يناقش هنا وتحليل أي موضوع آخر له علاقة بهذا الموضوع ، بل يمكن الاستفادة من بعض القواعد في تطبيقها على مواضيع أخرى غير متعلقة بهذا الموضوع ، وكذلك فإنه يحرّك عقل السامع للمشاركة في استخلاص النتيجة التي يراد الوصول إليها ، فيكون المستمع شريكا في الوصول إلى النتيجة ، لذلك فإن الطريق الثاني هو المختار في طرح هذا الموضوع .

سؤال : ما هي القواعد والأسس التي يمكن أن تطرح لتناول هذا الموضوع واستخلاص النتائج فيه ؟

الجواب :

    قبـل الدخـول في تحليل الموضوع لا بدّ من مقدمة لتوضيح كيفية التفكير في الموضوع من خلال القواعد والأسس التي يبيّنها الدين ، وتكون ضمن النقاط التالية :

النقطة الأولى :

    يـوجـد خـطّـان مـمتـدّان مـنـذ بـدايـة تـاريـخ الإنـسـانـيـة ، وهـذان

8 . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . خط الهدى وخط الضلال

 

الخطان هما خط الهدى وخط الضلال ، ويوجد صراع متبادل بينهما على مرّ التاريخ ، وكل خط منهما يحاول القضاء على الخط الآخر ، وهذان الخطان متوازيان متصارعان لا يلتقيان ، ولكن خط الضلال يسلك كل طريقة للقضـاء على خط الهدى لأن الغاية عندهم تبرر الوسيلة ، وخط الهدى يسلك الطرق الشرعيـة للقضـاء على خط الضلال لأن الغاية لا تبرر الوسيلة عندهم ، فكما أن الغاية عندهم نبيلة فلا بدّ أن تكون الوسيلة أيضا متناسبة مع الغاية والهدف الذي يراد الوصول إليه ويسعى إليه خط الهدى ، وعلى الشخص أولا أن يحدد انتماءه ، هل هو ينتمي إلى خط الهدى أو إلى خط الضلال ؟

    فإذا حدّد الخط الذي يريد الانتماء إليه فإنه بعد ذلك عليه أن يلتزم بكل الالتزامات التي يلتزم بها هذا الخط لا أن يأتي ويخلط بين الخطين فيأخذ شيئا مـن خط الهدى وشيئا من خط الضلال ، ويكون الشخص مذبذبا فلا هو ينتمي إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ، ولا بد من الالتفات إلى نقطة مهمة وهي أن من لا ينتمي إلى خط الهدى فهو حتما من خط الضلال لأنه لا يوجد حيـاد بين الحق والباطل ، وعملية الخلط بين الخطين تعني أن هذا الشخص ينـتـمي إلى خــط الضـلال ، ولكـي يكـون مـن خــط الهـدى لا بـدّ أن

خط الهدى وخط الضلال . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . 9

 

يلتزم بكل التزامات خط الهدى وإلا يكون منتميا لخط الضلال ، ولا يوجد حياد بين الخطين ، وفي الصراع بين الخطين لا بدّ أن يحدّد الشخص انتماءه ولا يقف موقف المتفرج ، لا بدّ أن تختار أحد المعسكرين ، إما أن تختار معسكر الحق وإما أن تختار معسكر الباطل .

    وقد ترى شخصا تارة يكون متدينا وتارة أخرى تجده فاسقا ، مرة يضع اللحية ومرة يكون بلا لحية ، وكما أنه يستمع إلى اللّطميّات فإنـه يستمع إلى الأغاني ، وكما أنه يأتي إلى المسجد للصلاة فإنه يذهب إلى البحر يتابع النسـاء بالنظرات المحرمـة ، وهكـذا فإنــه يخلـط بين الخطين ولا تسـتطيع أن تحدد انتماءه بدقة ، بل هو بنفسه لا يستطيع أن يحدّد هويته وانتماءه لأن الأمور مختلطة عنده ويسير على أساس مزاجه ومشتهياته ورغباته وأهوائه .

    إن خـط الهدى يتمثل بالأنبياء والرسل والأوصياء والأئمة عليهم السلام الذين ضحّوا بأنفسهم من أجل بقـاء هذا الخط حتى لو استلزم بقاؤه تقديم كل غالي ونفيس ولو بإعطاء الدم وتقديم النفس في سبيل حفظ هذا الخط كما فعل الإمام الحسين عليه السلام .

10 . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  خط الهدى وخط الضلال

 

    ويتمثّل خط الهدى الآن بالإمام المهدي عجل الله فرجه الشريف وبأتباعه وأنصاره المخلصين ، وأما خط الضلال فإنه يتمثّل بإبليس ـــ لعنه الله تعالى ـــ وكل أتباعه من الفاسقين والمنحرفين والظالمين والكافرين والمنافقين ، ويتمثّل الآن في كل مـن يحارب الدين الإسلامي وإن كانت الشعارات التي يحملها شعارات إسلامية ، ولكنها مجرد شعارات لا أكثر لأنهم لا يستطيعون أن يحاربوا المسلمين الحقيقيين مباشرة ، لذلك فإنهم يحملـون الشعارات الدينية مـن أجل خداع البسطاء والسّذّج الذين تنطلي عليهم الحيل والأكاذيب .

    وقد نجحـوا في ذلك إلى أبعـد الحـدود حتى أنهم قـد وضعوا الروايات الكثيرة المرويّة على لسان النبي صلى الله عليه وآله وسـلـم (1) لتبـريـر وجـودهـم وبقـائـهـم عـلـى كـرسـي الحـكـم حـتى لا

خط الهدى وخط الضلال . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  11

 

يـثـور عليـهـم المسلـمـون ويظلّـوا علـى رقـاب المسلمـين ، ويدّعون أنهم مسلمون لأنهم لا يستطيعون أن يصرّحوا بأنهم منافقون أو كافرون .

    وقد انخدع بهم الكثيرون حتى صار مـن يدّعي أنه من خط الهدى مساندا لخط الضلال وهو يحسب أنه يحسن صنعا مع أنه يقوِّي خط الضلال ، ولكنه لا يشعر بذلك لأنه ساذج تنطلي عليه الحيل وهو يظن أنه من الذين يفهمون الدين وأنه من حملة الإسلام بلا منازع ، ويعتبر نفسه مسلما متديّنا ، بل وينظر إلى أتباع الهدى الحقيقيين بأنهم من خط الضلال ويرميهم بالشـرك والفسق والنفـاق ويحاربهم بلا هـوادة مع أنه لا يحارب أعداء الدين الحقيقيين بهذه الكيفية ، بل تجد أنـه يعين أعداء الدين على حملـة الديـن وهـو يظن أنه من المؤمنين الصالحين ، وقد تقول : هل يوجد مثل هؤلاء الأشخاص عبر التاريخ ؟

    نعم ، مثلهم في التاريخ مثل الخوارج (1) الذين كانوا يقتلون المـسـلـمـين ويـبـقـرون بـطــون الـنـسـاء الحبلـيـات ويقتلـون أجنّتهـم ثـم

12 . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  خط الهدى وخط الضلال

 

يناقشون بأنه هل يجوز أن يأكل المرء من الثمرة التي سقطت من الشجرة إذا كانت الشجرة في مزرعة ملكا لغيرهم .

    إن من المهم أن يفكر الشخص بهذين الخطين دائما ويحاول أن يأخذ بطريقة خط الهدى في التفكير بالأشياء التي توجد حوله ويقيّمها على أساس تقييم هذا الخط ، وبذلك يكون سائرا على هذا الطريق ، وخط الضلال يطرح كثيرا من الأشياء في زماننا ، مثلا الاختراعات الحديثة كلّها من إنتاج خط الضلال ، فكيف نتعامل مع الأشياء التي يطرحها خط الضلال ؟ كيف نفكر بهذه الأشياء ؟ ماذا نأخذ منها ؟ وماذا نترك ؟

    لا بدّ أن نقيّم الأشياء بناء على تقييم خط الهدى للأشياء ، فإذا أخذنا بالالتزامات التي يطرحها خط الهدى حينئذ نكون من المنتمين لخط الهدى ، وبهذه الكيفية يكون الإنسان سائرا على خط الهدى .

    ويأتي السؤال التالي :

خط الهدى وخط الضلال . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  13

 

    لماذا ويويلماذا يجب التفكير بأنه يوجد خط هدى وخط ضلال ؟

الجواب :

    عليه التفكير بهذا الأمر دائما ليكون متأكدا أنه من خط الهدى ، وبذلك يكون مؤهّلا ومستعدا من أجل أن يصير من أنصار الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف ، والإمام عجل الله فرجه لا يقبل شخصا من خط الضلال ولا شخصا يخلط بين الخطين ، يريد أناسا يمتازون بالصفاء ، ويكونون أتباعا وأنصارا قبل أن يظهر ، والإمام عجل الله فرجه هو الذي يمثل خط الهدى الآن ، وإذا صار الشخص من خط الهدى فإنه سيتعامل بكل حذر مع الأمور التي يطرحها خط الضلال ، ولا يثق بالخط المقابل مهما طرح مـن أمـور مغلفة بشعارات دينية ، بل ينظر إلى حقيقة الدعوات التي يطلقها خط الضلال بدون القشور والشعارات الدينية التي هي عبارة عن غلاف خارجي فقط من أجل خداع الناس .

    إذن : هناك خطان ممتدان من بداية تاريخ الإنسانية ، وهذان الخطان مستمران إلى ظهور الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف ، وعلى الإنسان أن يختار هل يريد أن يكون من خط الهدى أو من خط الضلال .

14 . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  خط الهدى وخط الضلال

 

النقطة الثانية :

    إن أطروحات خط الضلال تتناسب مع كل طريقة يكون فيها الإضلال والإفساد لجميع طبقات المجتمع ولا سيّما الشباب منهم ، وغالبا ما تتمثّل بالأغاني والرقص والأفلام الخليعة والتّمثيليّات التافهة والبرامج التي تضيع الوقت بلا فائدة وتجعل الشخص فاسدا لا همّ له إلا إشباع غرائزه وشهواته ، وتفكيره كله يدور حول الغرائز والشهوات ، وهناك تخطيط شيطاني لجذب الشباب وخاصة المسلمين منهم ، وهناك قنوات فضائية خاصة لإضلال الشباب وإفسادهم .

    إذن : أطروحات خط الضلال وإن كانت مغلّفة بشعارات دينية ولكن في واقعها يكون هدفها إضلال طبقة الشباب الذين عليهم المعتمد في البلدان المختلفة وخاصة الإسلامية منها .

النقطة الثالثة :

سؤال : هل لا بد مـن بديـل في مقـابل خط الضلال ؟

    بعبارة أخرى : هل لا بد من بديل لكل ما يقوم به خط الضلال من أعمال ؟

    إذا قام خط الضلال بعمل معيّن فهل لا بدّ من التفكير ببديل مقابل ؟ هل كل عمل من خط الضلال لا بد من وجود بديل مقابل

خط الهدى وخط الضلال . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  15

 

له في خط الهدى ؟

الجواب :

    لا ، ليس بالضرورة أن يكون لكل عمل من خط الضلال بديل من خط الهدى ، فليس بالضرورة أن يكون للأغاني مثلا بديل مثل الأناشيد الإسلامية أو اللطميات مع الموسيقى ، فليس بالضرورة أن نفكر ببديل حتى الشاب الذي يطرب مع الأغاني نجعل له بديلا ليطرب مع الأناشيد الإسلامية التي تصاحبه الموسيقى ، وهذا ليس حلا لمشكلة الاستماع إلى الأغاني لأن الأناشيد التي يطلق عليها إسلامية تطرب أيضا ، فالطفل والشاب لا يستمعان إلى الكلمات بل اللحن هو المؤثر بهم ، إن طريقة خط الهدى مختلفة عن طريقـة خط الضلال في النظر إلى الأشياء والتفكير بها حيث يوجد في خط الهدى كثير من الأشياء التي لا توجد في خط الضلال ، وهذه الأشياء تكون أشياء هادفة يهدف منها أتباع خط الحق أهدافا إلهية ، ووجود أناشيد مع الموسيقى لا يحقق هذا الهدف الإلهي ، بل بالعكس قد تجذب الطفل والشاب إلى الأغاني وينكسر عنده حاجز حرمة الاستماع إلى الأغاني حتى وإن قلنا بإباحة بعض الأناشيد ، فالمباح الذي يكون في مقابل الـمـحـرّم قـد يـجرّ الإنـسـان إلى المـحــرم ، هـذا لـو سلّـمـنـا أن هـذه

16 . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  خط الهدى وخط الضلال

 

الأناشيد مباحة .

    إذن : ليس من الضرورة أن نفكر ببديل ديني لكل عمل يقوم به خط الضلال .

النقطة الرابعة :

    يمكن طرح بعض الأساليب التي يمكن مـن خلالها جذب الشاب إلى خط الهدى بدون أن تدخله إلى خط الضلال وأن يرتبط الشاب بخط الضلال لأن هذه الأساليب قد يستغلّها خط الضلال أيضا في جذب الشباب ، فتكون الأساليب سيفا ذا حدين حيث يمكن أن تكون طاغية وتشغل الشاب عن خط الهدى وتدخله في خط الضلال بدون أن يشعر بذلك ، ويظل هذا الأسلوب ضمن خط الهدى ولكن بحد معيّن ولا يزيد عن هذا الحدّ ، وإذا زاد عن هذا الحدّ ينقلب إلى شيء طاغي ، وإذا صار شيئا طاغيا يصير من خط الضلال .

    كمثال على ذلك دورات كرة القدم التي يمكن أن تكون وسيلة لجذب الشاب إلى خط الهدى إذا لم تصر طاغية ، ويتعلم الشاب التعامل الأخلاقي مع باقي الشباب الذين يلعب معهم ، ويمكن أن تدخله إلى خط الضلال إذا صارت طاغية بحيث إن الشاب يهتم اهتمـاما كبيرا بمتابعـة المباريـات المحلّيّـة والعالميّة ويضيع كثيرا مـن

خط الهدى وخط الضلال . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  17

 

وقته فيما لا ينفع ، ويجلس أمام التلفاز في متابعة المباريات ، ويحفظ نتائج المباريات في السنوات الماضية كلها حتى قبل تاريخ مولده ، حتى لو قلنا بأنه مباح ، ولكن المؤمن لا يضيع وقته في المباحات ، والمباحات قد تشغل الإنسان عن المهام العظيمة التي تقع على كاهل المنتمي لخط الهدى ، والمباحات مضيعة للوقت والجهد والتفكير ، هذا الذي يحفظ نتائج المباريات المختلفة قد لا يحفظ شيئا من القرآن الكريم ولا يعرف مسألة شرعية عن الوضوء أو الصلاة ، فيضيع من يده شيئا من معالم خط الهدى ، هذا الوقت الذي يضيعه أمام التلفاز في متابعة المباريات يستطيع أن يتعلـم فيـه شيئا مـن معالـم دينه من القرآن الكريم أو من كتـاب ، نعـم هـو مبـاح ولكن في مقابله يفقد شيئا واجبا أو مستحبا ، نعم هو ارتكب مباحا ولكنه فقد شيئا من خط الهدى .

 

    هذا الذي يتابع المباريات ألا يؤخّر الصلاة عن وقتها إذا كان المباريات النهائية مثلا في أول وقت الصلاة أو يقضي الصلاة إذا لم يصلّها في وقتها ؟ ألا تعتبر هذه استهانة واستخفاف بالصلاة ؟ ألم يترك واجبا أو مستحبا من أجل هذا المباح ؟

 

    واقـرأ الـروايـات الـتـي تتحـدّث عـن المسـتهينـين بالصـلاة فضـلا

18 . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  خط الهدى وخط الضلال

 

عن تاركي الصلاة (1) .

______________________________________

(1) مستدرك الوسائل للمحدث النوري ج 1 ص 114 ح 131 :

    عن النبي صلى الله عليه وآله : من أحسن صلاته حتى يراها الناس وأساءها حين يخلو فتلك استهانة استهان بها ربه .

بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج 47 ص 2 ح 5 :

    عن أبي بصير قال : دخلت على أم حميدة أعزّيها بأبي عبدالله عليه السلام فبكت وبكيت لبكائها ثم قالت : يا أبا محمد ! لو رأيت أبا عبدالله عليه السلام عند الموت لرأيت عجبا ، فتح عينيه ثم قال : اجمعوا لي كل من بيني وبينه قرابة . قالت : فلم نترك أحدا إلا جمعناه . قالت : فنظر إليهم ثم قال : إن شفاعتنا لا تنال مستخفا بالصلاة .

بحار الأنوار ج 79 ص 224 ح 47 :

    عن رسول الله صلى الله عليه وآله : ليس مني من استخف بصلاته لا يرد علي الحوض لا والله .

بحار الأنوار ج 80 ص 21 ح 39 :

    عن سيدة النساء فاطمة أنها سألت أباها صلى الله عليه وآله فقالت : يا أبتاه ! ما لمن تهاون بصلاته من الرجال والنساء ؟ قال : يا فاطمة من تهاون بصلاته من الرجال والنساء ابتلاه الله بخمس عشرة خصلة : ست منها في دار الدنيا ، وثلاث عند موته ، وثلاث في قبره ، وثلاث في القيامة إذا خرج من قبره ، فأما اللواتي تصيبه في دار الدنيا : فالأولى يرفع الله البركة من عمره ، ويرفع الله البركة من رزقه ، ويمحو الله عز وجل سيماء الصالحين من وجهه ، وكل عمل يعملـه لا يوجر عليه ، ولا يرتفع دعاؤه إلى السماء ، والسادسة

خط الهدى وخط الضلال . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  19

 

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

_____________________________________________________________________

ليس له حظ في دعاء الصالحين ، وأما اللواتي تصيبه عند موته : فأولاهن أنه يموت ذليلا ، والثانية يموت جائعا ، والثالثة يموت عطشانا ، فلو سقي من أنهار الدنيا لم يرو عطشه ، وأما اللواتي تصيبه في قبره : فأولاهن يوكل الله به ملكا يزعجـه في قبره ، والثانية يضيق عليه قبره ، والثالثة تكون الظلمة في قبره ، وأما اللواتي تصيبه يوم القيامة إذا خرج من قبره : فأولاهن أن يوكل الله به ملكا يسحبه على وجهه والخلايق ينظرون إليه ، والثانية يحاسب حسابا شديدا ، والثالثة لا ينظر الله إليه ولا يزكيه وله عذاب أليم .

 

بحار الأنوار ج 80 ص 22 :

    عن رسول الله صلى الله عليه وآله : لا تنال شفاعتي غدا من أخر الصلاة المفروضة بعد وقتها .

 

بحار الأنوار ج 80 ص 22 ح 40 :

    عن جعفر بن محمد عليهما السلام قال : امتحنوا شيعتنا عند ثلاث : عند مواقيت الصلوات كيف محافظتهم عليها ، وعند أسرارهم كيف حفظهم لها عن عدونا ، وإلى أموالهم كيف مواساتهم لإخوانهم فيها .

 

بحار الأنوار ج 80 ص 23 ح 43 :

    كان أمير المؤمنين عليه السلام يوما في حرب صفين مشتغلا بالحرب والقتال ، وهو مع ذلك بين الصفين يراقب الشمس ، فقال له ابن عباس : يا أمير المؤمنين ! ما هذا الفعل ؟ قال : أنظر إلى الزوال حتى نصلي . فقال له ابن عباس : وهل هذا وقت صلاة ؟ إن عندنا لشغلا بالقتال عن الصلاة . فقال عليه السلام : على مـا نقاتلهم ؟ إنما نقاتلهم على الصلاة . قال : ولم

20 . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  خط الهدى وخط الضلال

 

    نعم الأساليب يمكن أن يستفاد منها ، ولكن بحدود معيّنة حتى لا تطغى عن هذا الحدّ ، وإذا خرجت عن حدّها فالإنسان قد يدخل خط الضلال وهو لا يشعر وهو يظن أنه يفعل المباح وهـو

_____________________________________________________________________

يترك صلاة الليل قط حتى ليلة الهرير .

 

بحار الأنوار ج 80 ص 25 ح 46 :

    عن أبي جعفر عليه السلام قال : إن أول ما يحاسب به العبد الصلاة ، فإن قبلت قبل ما سواها ، إن الصلاة إذا ارتفعت في وقتها رجعت إلى صاحبها وهي بيضاء مشرقة ، تقول : حفظتني حفظك الله ، وإذا ارتفعت في غير وقتها بغير حدودها رجعت إلى صاحبها وهي سوداء مظلمة ، تقول : ضيعتني ضيعك الله .

 

بحار الأنوار ج 80 ص 14 ح 23 :

    عن رسول الله صلى الله عليه وآله : لا تضيعوا صلاتكم فإن من ضيع صلاته حشر مع قارون وهامان ، وكان حقا على الله أن يدخله النار مع المنافقين ، فالويل لمـن لم يحافظ على صلاته وأداء سنة نبيه صلى الله عليه وآله .

 

بحار الأنوار ج 80 ص 13 ح 21 :

    عن أمير المؤمنين عليه السلام : ليس عمل أحب إلى الله عز وجل من الصلاة ، فلا يشغلنكم عن أوقاتها شيء من أمور الدنيا ، فإن الله عز وجل ذم أقواما فقال : ﴿ الَّذِينَ هُمْ عَن صَلاتِهِمْ سَاهُونَ ( الماعون : 5 ) ، يعني أنهم غافلون استهانوا بأوقاتها .

خط الهدى وخط الضلال . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  21

 

يظن أنه يحسن صنعا كما في الآية الكريمة :

    ﴿ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (1) .

    مثلا يمكن الاستفادة من الكومبيوتر في الفساد ، ويمكن الاستفادة منه في خدمة الدين ، فالمخترعات الحديثة يستفاد منها في إطار الدين حتى تظل في خط الهدى .

النقطة الخامسة :

كيفية النظر إلى الحاكم الظالم تطرحها الرواية التالية :

    عن صفوان بن مهران الجمَّال قال : دخلت على أبي الحسن الأول عليه السلام فقال لي : يا صفوان ! كل شيء منك حسن جميل مـا خـلا شيئـا واحدا . قلت : جعلت فداك ، أي شيء ؟ قال : إكراؤك جمالك من هذا الرجل ـــ يعني هارون ـــ . قلت : والله مـا أكريته أشرا ولا بطرا ولا للصيد ولا للهو ، ولكن أكريته لهذا الطريق ـــ يعني طريق مكة ـــ ، ولا أتولاه بنفسي ، ولكن أبعث معه غلماني . فقال لي : يا صفوان ! أيقع كراك عليهم ؟ قلت : نعـم ، جعلـت فـداك . قـال : فقال لي : أتحب بقاءهم حتى يخرج

22 . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  خط الهدى وخط الضلال

 

كراك ؟ قلت : نعم . قال : فمن أحبّ بقاءهم فهو منهم ، ومـن كان منهم فهـو ورد النـار . قـال صفوان : فذهبت وبعت جمالي عـن آخـرها . فبلـغ ذلـك إلى هـارون فدعاني فقـال لي : يا صفوان ! بلغني أنك بعت جمالك . قلت : نعم . فقال : ولِمَ ؟ فقلت : أنا شيخ كبير وإن الغلمان لا يقوون بالأعمال . فقال : هيهات هيهات إني لأعلم من أشار عليك بهذا ، أشار عليك بهذا موسى بن جعفر . قلت : ما لي ولموسى بن جعفر . فقال : دع هذا عنك ، فوالله لولا حسن صحبتك لقتلتك (1) .

 

    وبعد طرح هذه القواعد والأسس أترك للسامع التفكير في كيفية التعامل مع الاشياء من حوله ، ولا ننتظر دائما من المحاضر أن يقدم لنا النتائج جاهزة ، فعلى المؤمن أن يفكر أيضا ليصل بنفسه إلى النتائج ، ووضع القواعد بأيدي الناس أفضل من إعطاء النتيجة لأن المواضيع لا تنتهي ، ومع القواعد تستطيع أن تعرف كيفية التعامل مع الأشياء الموجودة حولك ، وخاصة الرواية الأخيرة تأمل فيها جيدا ، ولا تقل حشر مع الناس عيد ، لمجرد أن النـاس يفعلونـه فأنت تفعله وخاصة الشباب الذين يبحثون عادة

خط الهدى وخط الضلال . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  23

 

عن اللهو .

    أيها الشاب ! فكّر أنك تريد أن تكون من أنصار الإمام المهدي عجل الله فرجه ، تريد أن تكون مثل سلمان المحمدي أو أبي ذر أو المقداد أو عمار ، هل شخص مثل سلمان المحمدي لو كان في زماننا يضيع وقته ويذهب إلى الأماكن اللهوية ؟

    هؤلاء أناس مثلكم ، وهم أمثلة أنصار الإمام المهدي عجل الله فرجه ، الإنسان الذي يبحث عن اللهو دائما هذا ليس من الممكن أن تطلب منه أن يخدم الدين ، الإمام المهدي عجل الله فرجه ينظر إلى الناس الآن ويريد أن ينتقي منهم الأنصار ، ولا بدّ أن تربي نفسك حتى ينظر الإمام عليه السلام إليك ، فإذا ظهر فإنه يقول لفلان أنت من أنصاري ، ويقول لفلان أنت من أنصاري ، ولا بد أن تعمل على نفسك بجدّ حتى تصير من أنصار الإمام الحسين عليه السلام في هذا الزمان ، الذي يكون من أنصار الإمام المهدي عليه السلام في هذا الزمان يكون من أنصار الإمام الحسين عليه السلام لو كان في ذلك الزمان ، الذي يضيع وقته فيما لا ينفع لا يمكن أن يكون من الأنصار ، إذا كان الإنسان لا يعيش أهداف الإسلام ولا يحمل همّ الدين فلا يمكن أن يكون من الأنصار .

24 . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  خط الهدى وخط الضلال

 

    الشخص الذي يستيقظ من الصباح ويذهب إلى العمل ثم يأتي ويتغدّى وينام وفي المساء يذهب إلى الديوانية ، وحياته تسير على هذا المنوال الروتيني ولا يفكر بالدين وكيفية نشره في العالم ، مثل هذا الشخص لا يمكن أن يكون من الأنصار ، الذي يريد أن يكون من الأنصار لا بدّ أن يحمل همّ هذا الدين وهمّ نشره في كل أرجاء العالم ، وأما الإنسان الذي همّه بطنه ولهوه فقط فلا يمكن أن يكون من الأنصار ، الذي يهتمّ بالدين يكون من الأنصار ، ولا تفعل شيئا لأن الناس يفعلونه ، وفي القرآن الكريم أن أكثر الناس لا يعقلون ، أكثر الناس يتبعون غرائزهم وشهواتهم ، فلا تنظر إلى أكثر الناس بل انظر إلى تلك القلة المؤمنة ، وعادة المؤمنون الحقيقيّون يكونون قليلين ، حاول أن تقتدي بهذه القلة المؤمنة ، ولا تقتدي بأكثر الناس الذين يتبعون أهواءهم .

    ولا بدّ أن نحذر في التعامل مع الأشياء حتى نستطيع أن نجعلها جميعها ضمن خط الهدى ، وهكذا يمكن أن يكون الشخص من أنصار الإمام المهدي عجل الله فرجه ، ولا تمرّ عليكم الأشياء بكل سهولة ، ونكون من الأشخاص الذين ينخدعون بالشعارات ، بل لا بدّ أن ننظر إلى حقيقة الشيء حتى يمكن لنا أن نـقـيّـمـه تقييمـا صـحـيـحـا ، ولكـن قـبـل هـذا لا بـدّ أن يكـون بـيـد

خط الهدى وخط الضلال . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  25

 

الإنسان علم التّقييم وكيفيّة التّقييم ، ولا بد أن يكون عنده علم ديني حتى يستطيع أن يقيّم الأشياء ، فلا بدّ من طلب العلم الذي يوضّح الطريق للإنسان ويعرف كيف يكون من خط الهدى ولا يقع في خط الضلال ولا ينخدع بالشعارات .

    والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا أبي القاسم محمد وآله الطيبين الطاهرين .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

مواصفات دائرة الإيمان (1)

 

    الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا أبي القاسم محمد وآله الطيبين الطاهرين .

    المواضيع الدينية تحتاج إلى التعامل معها بجدّيّة لأن الاهتمام بالدين من الأمور المهمة للإنسان ، وكلما فهم الإنسان دينه أكثر استطاع أن يتقرّب إلى الله عز وجل بهذا الفهم ، فمن ازداد علمه فإنه يستطيع أن يعمل بصورة أفضل ، هذا الدين سيدخلك إلى الجنة ، فكما أن الإنسان الذي يريد أن يحصل على الوظيفة تجده يهتم بطلب العلم الدنيوي اهتماما كبيرا إذا أراد أن يكون مهندسا أو طبيبا حتى يحصل على أعلى المناصب الدنيوية ، كذلك فهم مواضيع الدين يعطي الإنسان مناصب أخروية ، ويستطيع أن يـتـقــرّب بـهـذا الـعـلــم إلى الله عــز وجـل ، فـيحـصـل على المنـاصـب

مواصفات دائرة الإيمان . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . 27

 

العاليـة في الآخـرة ، المواضيع التي تطرح تتحدث عن معالم الإيمان ، نحاول أن نفهم كيف يمكننا أن نكون من المؤمنين الصالحين الذين يستطيعون أن يصعدوا إلى درجات الجنة العالية وأن يحصلوا على رضوان من الله أكبر ، والمواضيع ستدور حول مواصفات الإيمان ومعالم الإيمان وكيف نكون من المؤمنين الصالحين .

    توجد في الحياة الدنيا عدة دوائر ، منها دائرة الإيمان ودائرة الكفر ودائرة الفسق ودائرة النفاق ودائرة الشرك وغيرها ، وكل دائرة من هذه الدوائر لها مواصفات معينة ، فكل دائرة تتصف بصفات معينة ، فلا بدّ على الإنسان أن يختار الموقع الذي يريده ، هو بنفسه يختار أن يكون مؤمنا أو كافرا أو فاسقا أو منافقا أو مشركا ، فالإنسان هو الذي يحدد الدائرة التي يريدها ويحدد موقعه فيها ، في أي دائرة يريد أن يكون ؟ وماذا يريد أن يكون في هذه الدائرة ؟

    إذن : هناك عدة دوائر ، والإنسان لا بدّ أن يكون في إحدى هذه الدوائر ، ولا يستطيع أن يكون خارج كل الدوائر ، ومهمة الإنسان في الحياة الدنيا أن يختار إحدى هذه الدوائر ، وأن يضع نفـسـه فيـهـا باخـتـيـاره ، ولا أعـتـقـد أن الإنـسـان يختـار دائـرة غـيـر

28 . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . مواصفات دائرة الإيمان

 

دائرة الإيمان لأنه يعلم أن هناك حياة أخرى وأن الله تعالى سيحاسب الناس على عقائدهم وأعمالهم ، ولا بدّ أن يكون دقيقا في اختيار هذه الدائرة ، فنحن نريد أن نكون مؤمنين ، وأمل الإنسان أن يصل في الحياة الأخرى إلى الجنة التي فيها من النعم التي لا تحصى .

    والآن أنت أمام إحدى هذه الدوائر ، ولكن قبل أن يختار الإنسان إحداها لا بدّ أن يعرف صفات كل دائرة من الدوائر حتى يختار عن علم ويقين لا أن الإنسان لأنه وُلِدَ شيعيّا فإنه يكون شيعيّا ؛ ولأنه وُلِدَ سنّيّا يكون سنّيّا ؛ ولأنه وُلِدَ بوذيّا يكون بوذيّا ، بل لا بدّ أن يدرس هذه الدوائر حتى يستطيع أن يختار ، وإذا اختار دائرة معينة فلا بدّ أن يتّصف بمواصفات هذه الدائرة حتى يصدق عليه أنه ضمن هذه الدائرة .

    والإنسان الذي يريد أن يدخل ضمن دائرة الإيمان لا بدّ أن يعرف حدود هذه الدائرة لأن لها صفات معينة ، فأوّلا عليه أن يعرف صفات دائرة الإيمان ، فما هي مواصفات الإيمان ؟ وما هي صفات الإنسان المؤمن ؟

    وإذا دخل في هذه الدائرة عن علم وبعد الاطلاع على مواصـفـات الدائـرة ومـعـرفـة صفـات المؤمـن فإنـه يسـتطيع أن يقـول

مواصفات دائرة الإيمان . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . 29

 

بكل يقين : " أنا إنسان مؤمن ، أنا أتّصف بمواصفات الإيمان ، أنا أتّصف بصفات المؤمنين " ، فيدخل إلى هذه الدائرة بعد أن يجسِّد هذه الصفات في نفسه ، ويرى أن هذه الصفات موجودة فيه الآن ، فهنا يستطيع أن يقول بكل ثقة : " أنا مؤمن ، لا لأني وُلِدْتُ من أبوين شيعيّين صرت مؤمنا شيعيّا " .

    إذن : مهمتك أيها المؤمن أن تعرف أوّلا مواصفات هذه الدوائر المختلفة ثم تختار الدائرة التي تراها هي الصحيحة ، نحتاج إلى وقفة مراجعة للنفس ، كل إنسان يراجع نفسه حتى يرى أن مواصفات الإيمان متجسّدة فيه أو لا ، وأن صفات المؤمنين المذكورة في القرآن الكريم والروايات الشريفة متجسّدة فيه أو لا ، فإذا كانت متجسّدة فيه فيحمد الله على ذلك ويحاول أن يحصل على صفات أكثر ، فيحتاج الإنسان إلى مراجعة نفسه حتى يرى أن هذه الصفات موجودة فيه أو لا .

من يقول إنه مؤمن يتوجّه له السؤال التالي :

     هل تعلم ما هي صفات الإنسان المؤمن ؟ هل حاولت أن ترجع إلى نفسك قبل أن تقول : أنا مؤمن ؟

    الآن لو سئلت ما هي مواصفات الإيمان ؟ وما هي صفات المؤمن ؟ هل تستطيع أن تجيب على هذه الأسئلة أو لا ؟

30 . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . مواصفات دائرة الإيمان

 

    قد يقول إنه لا يوجد عنده تفصيل عن صفات المؤمنين ، ولكن يعرف صفات إجمالية عامة ، ولكن هذه الصفات العامة حتى الإنسان غير الشيعي يعرفها ، فيجب عليه أن يعرف تفاصيل صفات المؤمنين لأن هذه الصفات تميّز دائرة الإيمان عن الدوائر الأخرى ، قول " لا إله إلا الله " مشترك بين كل المذاهب الإسلامية ، وقول " أشهد أن محمدا رسول الله " مشترك بين كل الدوائر الإسلامية ، فكل المذاهب الإسلامية تعتقد بهذه العقائد الضرورية ، ولكن هناك صفات تميّز المؤمن عن غير المؤمن ، فإذا كان الإنسان مؤمنا فكيف يؤمن بشيء يجهله !

    إذا كان الشخـص لا يسـتطيع أن يجيب على هذه الأسئلة فكيف يقول عن نفسه إنه مؤمن ، إذا كان الإنسان يؤمن بشيء فإنه إذا سئل عن هذا الشيء فالمفروض أنه يعرف ما يؤمن به ، فإذا قال لا أعرف عنه شيئا فكيف يؤمن بشيء لا يعلم به ، وهذا كما إذا قال الإنسان أنا أعتقد بشيء معين فتأتي وتسأله عنه فيقول لك لا أعلم عنه شيئا ، فهل يمكن للإنسان أن يعتقد بشيء مجهول عنده لا يعلم عنه شيئا ؟

    إذن : أوّلا عليك معرفة مواصفات دائرة الإيمان وصفات المؤمنين حـتى بعـد ذلـك تأتي وتدخل في هـذه الدائرة وتضع رجلـك

مواصفات دائرة الإيمان . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . 31

 

فيها وتقول بكل ثقة ومعرفة : أنا مؤمن .

    توجد لدائرة الإيمان عدة مواصفات ، هناك صفات تتعلق بالإنسان المؤمن كفرد ، فالدين يبيّن صفات الإنسان المؤمن ، فيأتي السؤال التالي : ما هي صفات المؤمن ؟

    ونستطيع أن نتناول موضوعا آخر وهو علاقة هذا الإنسان المؤمن بالمؤمنين الآخرين ضمن دائرة الإيمان ، فيأتي السؤال التالي : ما هي علاقة المؤمن بالمؤمنين الآخرين ؟

    ونستطيع أن نتناول موضوعا ثالثا وهو علاقة المؤمن بالدوائر الأخرى ، فكل قوم من الأقوام لا بدّ أن يتعامل المؤمن معهم بطريقة معينة ، وقد بيّن الدين لنا كيفيّة التعامل مع كل فرقة من الفرق ، فيأتي السؤال التالي : كيف يتعامل المؤمن مع الأناس الموجودين ضمن دوائر الكفر والفسق والنفاق والشرك ؟

    إذن : على الإنسان المؤمن أن يعرف أوّلا صفات المؤمنين حتى يجسِّد هذه الصفات في نفسه ، وثانيا يعرف كيفيّة العلاقة مع الناس المؤمنين ضمن دائرة الإيمان ، وثالثا يعرف العلاقة بالدوائر الأخرى وكيف يتعامل مع الناس الآخرين غير المؤمنين .

    إذن : يمكن طرح ثلاثة مواضيع :

1ـــ معرفة صفات المؤمن كفرد .

32 . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . مواصفات دائرة الإيمان

 

2ـــ معرفة كيفية علاقة المؤمن بالمؤمنين ضمن دائرة الإيمان .

3ـــ معرفة كيفية علاقة المؤمن بغير المؤمنين من الدوائر الأخرى .

    هذه الجوانب الثلاثة بيّنها الدين بكل تفاصيلها ، فلا بدّ أن تكون واضحة أمام الإنسان حتى يستطيع أن يتحرك في حياته الدنيوية تحرّكا صحيحا باتجاه الله ، فيأتي السؤال التالي :

    ولكن من أين يأتي العلم بهذه الجوانب الثلاثة ؟

الجواب :

    يرجع الإنسان إلى الكتاب الكريم والسنة الشريفة ، وعلى أساسهما يمكن له معرفة هذه الجوانب الثلاثة ، ودور المؤمن حتى يكون لديه علم لا بدّ أن يكون له اطلاع على القرآن الكريم والسنة الشريفة .

    إن الإنسان يصل إلى الإيمان بأصول العقائد الواجبة أوّلا عن طريق العقل ، وبعد ذلك يرجع للأخذ عن طريق الشرع ، فيستطيع أن يعرف تفاصيل هذه الجوانب الثلاثة من الشرع ، الاستدلال على أصول الدين يكون أولا استدلالا عقليا ، ومعرفة تفاصيل أصول الدين وفروع الدين يكون بالاستدلال الشرعي من الكتاب الكريم والسنة الشريفة .

    والآن نـأتـي لنـتـنـاول الجـانـب الأول فـقـط وهـو صفـات الإنـسـان

مواصفات دائرة الإيمان . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . 33

 

المؤمن كفرد بشيء من الإيجاز ، نريد أن نعرف صفات المؤمن حتى نضمن أننا بكل ثقة ويقين موجودون فعلا ضمن دائرة الإيمان ، وبعد أن يضمن أنه موجود داخل دائرة الإيمان تبدأ معرفة كيف تكون علاقته بالمؤمنين الآخرين ضمن دائرته ، ومعرفة كيف تكون علاقته بالأشخاص في الدوائر الأخرى .

    نأتي الآن إلى بعض الأمور التي تميِّز المؤمن عن غير المؤمن ، فنعرف صفات المؤمن وكيف يكون المؤمن حتى نصير مصاديق لهذه الصفات ونجسّدها في أنفسنا ، وبالتالي نضع أرجلنا في دائرة الإيمان بكل ثقة ويقين .

    إذن : مهمتنا الآن أن نعرف صفات المؤمنين حتى نلتزم بهذه الصفات ونجسِّدها في أنفسنا ، وبالتالي نستطيع أن نقول عن أنفسنا بكل ثقة إننا الآن مؤمنون ، ولا نكون من المؤمنين الضعفاء الذين لأقل شبهة يخرجون من دائرة الإيمان ، وقد يدخل في دائرة أخرى وهو لا يعلم ، وقد يقوم ببعض الأعمال التي تكون من صفات الكافرين أو المنافقين أو المشركين لأنه لا يعرف ما يميّز دائرة الإيمان عن الدوائر الأخرى ، ولا يعلم مميّزات الدوائر الأخرى ، فيقع في الدوائر الأخرى وهو يتوهّم أنه مؤمن ، فمهمتنا أن نعـرف صفـات الإنسان المؤمن حتى نلتزم بها ، فمـا هـي صفات

34 . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . مواصفات دائرة الإيمان

 

الإنسان المؤمن ؟

    ونتناول في هذا الموضوع بعض صفات المؤمنين التي من خلالها نرى هل أن هذه الصفات تتجسَّد فينا أو أننا مبتعدون عن هذه الصفات ، قد نعيش نوعا من الوهم حيث نظن أننا في دائرة الإيمان ، ولكن في الواقع قد لا نكون في هذه الدائرة ، وقد يكون الإنسان ضمن الدوائر الأخرى ولكنه لا يدرك ذلك ، ولا يعرف أنه داخل في إحدى الدوائر الأخرى ، يقول الله تعالى :

﴿ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي  الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (1) .

    إن الخاسرين في الآخرة يظنون أنهم يقومون الآن بأعمال حسنة ، ولكن هذا مجرّد أوهام وخيالات ، الإنسان إذا كان لا يعلم فإنه لا يستطيع أن يعمل ، يظن أنه يعمل ، ولكنه في الواقع هو من الخاسرين ، يأتي يوم القيامة خاسرا وهو يتوهّم أنه يحسن صنعا .

    عندما يأتي الإنسان يوم القيامة فإن الله عز وجل سوف يكشـف لهـذا الإنسـان عـن قلبه وواقعه وعن أموره وكيف كان يعيش

مواصفات دائرة الإيمان . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . 35

 

وبأي اعتقاد كان يعتقد وما هي العقائد التي كان يعتقد بها فعلا ، إن قول الإنسان بلسانه إنه إنسان مؤمن ؛ هذا لا يكفي لأن يكون الله عز وجل راضيا عنه ولا يكفي أن يدخل به إلى الجنة ، فمجرد حركة اللسان لا تُدْخِلُ الإنسان إلى الجنة ، في يوم القيامة سوف يكشف الله عز وجل عن قلب الإنسان ، وسوف يكشف عن العقائد الحقيقية التي كان يعتقد بها قلبه لا العقائد التي كان ينطق بها بلسانه ، هل هذا الإنسان كان يعتقد بالله حق الاعتقاد أو أنه فقط يقول بلسانه إنه مؤمن بالله ؟

 

    مثلا حينما يصاب الإنسان بمصيبة قد ينكر وجود الله عز وجل ، فهذه العقيدة بأنه لا يؤمن بالله حق الإيمان تكون عنده عقيدة راسخة ، وتظهر هذه العقيدة عند المصائب والابتلاءات والتمحيص ، وهذا الإنسان يفشل في الامتحان ، قد يقول : " لو أن الله موجود لما أصبت بهذا البلاء " ، وهذا الكلام يجري على لسان البعض وهو غير ملتفت أنه ينكر وجود الله ، يقول الله تعالى : ﴿ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ (1) .

    وإنسان آخر قد يقول أنا أؤمن برسول الله صلى الله عليه وآله

36 . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . مواصفات دائرة الإيمان

 

وسلم ، ولكنه إذا واجهته مشكلة وكان يعلم بالحكم الشرعي فلا يأخذ بهذا الحكم الإلهي الذي ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله ، فهو بلسانه يقول إنه يعتقد بالرسول صلى الله عليه وآله ، ولكنه من ناحية عملية لا يلتزم بهذا الاعتقاد وبالحكم الشرعي ، فأين الاعتقاد برسول الله ؟!

    يقول الله تعالى : ﴿ فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا (1) .

    فلا يؤمنون حتى يكون عندهم التسليم بالأحكام الشرعية .

    وشخص ثالث يقول إنه يؤمن بأن الله عادل لا يظلم فإذا وقع في مشكلة فإنه يقول إن الله قد ظلمني بما جرى علي ، فهو في عقيدته الواقعية لا يؤمن بعدل الله سبحانه .

    وكذلك قد لا يؤمن بالإمامة حقيقة ، مثلا لو ورد عن الأئمة عليهم السلام بعض الأشياء فحينما يقع الإنسان بين اختيارين بين شهوته ورغباته الدنيوية وبين طاعة أمر واجب أو ترك محرَّم ورد من الإمام عليه السلام فهنا من ناحية عملية هو لا يعتقد بالإمامـة لأنـه حين العمل لم يأخـذ بمـا أراده الإمـام المعصـوم عليـه

مواصفات دائرة الإيمان . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . 37

 

السلام منه .

    فهو بلسانه يقول أنا أعتقد بالله وأنا أعتقد بعدل الله وأنا أعتقد بالنبي وأنا أعتقد بالإمام وأنا أعتقد بالمعاد ، ولكنه من ناحية عملية قد لا يكون هذا الإنسان معتقدا حق الاعتقاد ولا يكون الاعتقاد راسخا في قلبه .

 

    وفي رواية في قوله تعالى : ﴿ وَلاَ تَتَّخِذُوَاْ آيَاتِ اللّهِ هُزُوًا وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُم بِهِ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (1) ، ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال : " ومن قرأ القرآن من هذه الأمة ثم دخل النار فهو ممن كان يتخذ آيات الله هزوا " (2) .

    معنى ذلك أنه لم يكن يعمل بالقرآن وبأحكام القرآن ، ومعناه أنه استهزأ بالحكم الإلهي ، فمن ناحية عملية إذا الإنسان لا يلتزم بآيات القرآن وروايات المعصومين عليهم السلام فقد اتخذهـم هـزوا ، يـقـول إنـه يـعـتـقـد بـشيء ثـم لا يـعـمـل بـمـا يعتـقـد

38 . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . مواصفات دائرة الإيمان

 

وبلوازم الاعتقاد من الأحكام والقوانين .

    مثل هذا الإنسان الذي لا يعتقد حق الاعتقاد يُحْشَر في يوم القيامة على غير الإيمان ، يحشر مع الكافرين الذين لا يعتقدون بالله ، وعلى الإنسان أن يكون حذرا ومهتمّا وجادّا حتى يتأكد أن هذه العقائد التي ينطق بها قد تحوَّلت عنده إلى عقائد راسخة في قلبه لا أن تكون عقائد لسانية فقط لم تدخل إلى القلب ، فحين المصائب والبلاء والتمحيص يظهر إيمان الإنسان ، قد ينكر وجود الله أو ينكر عدل الله أو ينكر النبوة أو ينكر الإمامة أو ينكر المعاد ، فقد لا يكون واقعا معتقدا بهذه الأشياء وإن كان بلسانه يقول إنه معتقد .

    ومن الابتلاءات وجود المال بأيدي الناس ، هذا بلاء عظيم على الإنسان في بلدنا ، نعمة المال قد تنقلب إلى نقمة ، الإنسان لا بدّ أن يراجع نفسه ليرى هل أنه يصرف هذه الأموال كما يريد الله عز وجل وكما يريد الرسول صلى الله عليه وآله وكما يريد الأئمة عليهم السلام ، معرفة كيفية تعامل الإنسان مع الأموال التي بيده أمر مهم ، ضمن دائرة الإيمان لا بدّ أن يكون عند الإنسان علم عن كيفية التعامل مع الأموال والنعم وإلا فإن هذه الأمـوال تنقلـب يـوم الـقـيـامـة إلى نـقـم وظـلـمـات في الـنـار بـدون أن

مواصفات دائرة الإيمان . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . 39

 

يدرك .

    إذن : على الإنسان أن يكون حذرا في تحركه حتى لا يخرج من دائرة الإيمان ويدخل إلى إحدى الدوائر الأخرى .

    إن التعامل مع الدين لا بد أن يكون بحذر واهتمام ، فالدين ليس هامشيا في حياة الإنسان ، الدين له واقعية ويتدخّل في كل شيء وفي كل حركة في حياة الإنسان ، لا تظنوا أن الدين شيء هامشي بل هو شيء أساسي ، فكما أن الإنسان يأكل ويشرب وينام ويعيش في مسكن كذلك يحتاج إلى دين يبيّن له طريقة الحياة وكيف يعيش في هذه الحياة الدنيا ، هذا هو الدين الذي يُدْخِلُ الإنسان إلى الجنة إذا عمل به ، أو يُدْخِلُهُ إلى النار إذا لم يعمل به ، فكم على الإنسان أن يبذل من جهد حتى يعرف دينه ومعالم دينه حتى يستطيع أن يتعامل مع الدين باهتمام وجدّيّة ، الإنسان الذي يريد أن يكون مهندسا يدرس خمس سنوات في الجامعة ليصل إلى هذا المنصب الدنيوي ، والطبيب يدرس سنوات وسنوات حتى يتخصّص في جزء من أجزاء الجسم ، فلماذا في الأمور الدينية يوجد عند الناس لامبالاة وعدم اهتمام مع أن الدين وراءه نتيجة إما جنة وإما نار ، ومنصب أخروي بحيث يستطيع المؤمن بواسطة هـذا الدين أن يجلس مـع رسول الله صلى الله عليه وآله ،

40 . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . مواصفات دائرة الإيمان

 

والدين لا يبيّن لنا كيفية أداء الصلاة والصوم والحج فقط ، بل إن هذا الدين يتدخّل في كل صغيرة وكبيرة في حياة الإنسان ، جلوسك في المسجد يوجد له حكم شرعي ، أي عمل تقوم به له حكم شرعي ، أي تفكير تفكر به له حكم شرعي ، كيفية بناء بيتك لها حكم شرعي ، شراء الأثاث له حكم شرعي ، شراء السيارة له حكم شرعي ، حجاب بناتك له حكم شرعي ، كيفية معيشتك لها حكم شرعي ، كيفية بناء المسجد لها حكم شرعي ، هل الله عز وجل يرضى أن يكون بناء المسجد بهذه الكيفية أو لا يرضى ؟

    هذا الدين يبيّن أحكام كل جوانب حياتك من الأمور الصغيرة والكبيرة ، فإذا أراد الإنسان أن يكون مؤمنا حقيقيا لا بدّ أولا أن يعلم أحكام هذا الدين ويعرف كيف يتعامل مع هذه الأحكام ، أحكام الدين خمسة هي الواجب والمستحب والحرام والمكروه والمباح ، وهناك أحكام فوق هذه الأحكام ، الإنسان المؤمن يترك بعض المباحات قربة إلى الله تعالى حتى يستطيع أن يحصل على الدرجات العالية في الجنة ، فهذا الدين ليس شيئا هامشيّا في حياة الإنسان ، وعلى الإنسان لكي يكون مؤمنا حقيقيا أن يتعلم معالم الإيمان ، وبعـد التعلـم يجسّـد هـذه الصفات في نفسـه ، وبعـد

مواصفات دائرة الإيمان . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . 41

 

تجسيد الصفات في نفسه يستطيع أن يقول الآن : أنا مؤمن ، لا فقط لأن الإنسان وُلِدَ من أبوين شيعيّين يقول : أنا مؤمن ، إذا كنت مؤمنا فيتوجه إليك السؤال التالي :

    ما هي معالم الإيمان ؟

    إذا كنت تعلـم وتعمـل وتطبّـق معالم الإيمان فأنت مؤمن حقيقي ، نعم يكون التعامل مع الناس على أساس الظاهر ، ولكن الله عز وجل يرى واقع الإنسان ويتعامل مع الناس على أساس واقعهم لأن الله ينظر إلى قلوبكم كما في رواية عن رسول الله صلى الله عليه وآله : " إن الله تبارك وتعالى لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم ، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم " (1) .

    والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا أبي القاسم محمد وآله الطيبين الطاهرين .

 

 

 

 

 

 

الإيمان نيّة وعمل (1)

 

    الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا أبي القاسم محمد وآله الطيبين الطاهرين .

    يجب على المؤمن أن يعرف صفات المؤمنين حتى يستطيع أن يجسّد هذه الصفات في نفسه ، فيحتاج إلى العلم حتى يعرف هذه الصفات أوّلا ، وبعد ذلك لا بدّ أن يعرف الأشياء التي يجب على المؤمن أن يقوم بها ، هذا العلم الذي يكتسبه تترتّب عليه نتيجة عمليّة ، المؤمن يحاول أن يحصل على درجات الجنة ، ولا يقنع بالدرجات الدنيا منها ، المؤمن في هذا الزمان يحاول أن يكون من أنصار الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف ، فإذا أراد الوصول إلى هذا المقام فلا بدّ أن يجسّد فيه صفات المؤمنين ، وأنصار الإمام المهدي عليه السلام أناس علماء ، عندهم علم واطــلاع عـلـى الـديـن ، يـعـرفـون مـاذا يـريـد مـنـهـم إمـامـهـم عـلـيـه

الإيمان نيّة وعمل . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  43

 

السلام ، والإمام عليه السلام يحتاج إلى علماء عاملين بعلمهم .

 

    ولمعرفة مواصفات دائرة الإيمان وصفات المؤمنين لا بدّ من الرجوع إلى القرآن الكريم والسنة الشريفة ، وبعد ذلك نستطيع أن نعمل ونجسّد هذه الصفات في أنفسنا ، نريد أن نعرف جوانب الإيمان حتى ندخل إلى دائرة الإيمان عن بصيرة ومعرفة وعلم ويقين لا أن نقول إننا في دائرة الإيمان ونحن في الواقع لا توجد عندنا المعرفة الكافية بهذه الدائرة ، فلا يكفي أن يقول الإنسان بلسانه إنه مؤمن ، القول اللساني لا قيمة له ولا تترتب عليه نتيجة عملية ، بل إن الإيمان عمل لا قول فقط .

 

    عن أمير المؤمنين عليه السلام قال : " لو كان الإيمان كلاما لم ينـزل فيه صوم ولا صلاة ولا حلال ولا حرام " (1) .

 

    الإيمان لـو كان كلاما فقـط لما شرّع الله تعالى الأحكام الشرعية مـن واجب وحـلال وحـرام إذ أن الأحكام الشرعيـة عبـارة عن أعمال يقوم بها الإنسان ، فالإيمان قول وفعل ، والإنسان يقول بلسانه إنه مؤمن ، ولكن هذا يحتاج إلى عمل وتطبيق خارجي ، والإيمـان ليـس عبـارة عـن نظريـات فـقـط ، الإيمـان لـيـس في عـالـم

44 . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الإيمان نيّة وعمل

 

النظريات دون عالم التطبيق العملي .

    سئل الإمام الصادق عليه السلام : ألا تخبرني عن الإيمان أقول هو وعمل أم قول بلا عمل ؟ فقال : " الإيمان عمل كلّه ، والقول بعض ذلك العمل ، . . . " (1) .

    إذن : الإيمان عمل كلّه ، ومن العمل قول الإنسان بلسانه إنه مؤمن ؛ لأن القول عمل أيضا ، ولكن هذا القول الذي ينطق به الإنسان لا بدّ أن يكون انعكاسا لما في قلب الإنسان لأنه لو لم يكن انعكاسا لما في قلبه فإنه يكون كذبا ، وإذا كان لا يوجد توافق بين القول والقلب فهذا الإنسان يكون في الواقع كاذبا ، فالإنسان إذا كان يعتقد بشيء ثم يقول شيئا آخر مخالفا لما يعتقد ففي الواقع هذا إنسان كاذب ، والإنسان أعلم بنفسه ويعرف أنه يكذب أو أنه يصدق حينما يتكلم ، ونحن لا نحكم على الناس أنهم صادقون أو كاذبون ، وتعاملنا مع الناس يكون على أساس ظواهرهم ، لكن الإنسان بنفسه يعلم بما يوجد في قلبه ، يقول الله تعالى :

 

    ﴿ بَلِ الإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ (2) .

الإيمان نيّة وعمل . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  45

 

    إن الهدف من هذه المواضيع ليس مراقبة الآخرين والتطبيق عليهم ، بل الهدف منها هو مراقبة الإنسان لنفسه ليرى أن صفات المؤمنين موجودة فيه أو غير موجودة ، ولا دخل لك بالآخرين .

    مرّ سابقا أنه في دائرة الإيمان يمكن أن نتناول ثلاثة جوانب : أولا الإنسان المؤمن كفرد ، فهو يحاول أن يعرف صفات المؤمنين حتى يدخل في هذه الدائرة ، وثانيا علاقة المؤمن بالمؤمنين الآخرين الموجودين في دائرة الإيمان ، وثالثا علاقة المؤمن بالأشخاص الآخرين الموجودين في الدوائر الأخرى من الكافرين والفاسقين والمنافقين والمشركين وغيرهم ، ونحن الآن نبحث عن مواصفات الإنسان المؤمن كفرد ، ما هي الصفات التي يجب أن تكون موجودة فيه ؟

    إن المطلوب من الإنسان أوّلا أن يكون قلبه مؤمنا ومعتقدا بالله ثم يأتي بالأفعال انطلاقا من هذا الإيمان القلبي ، والإيمان القلبي هو الأساس ، فإذا كان الإنسان معتقدا بقلبه بالله فإن آثار هذا الاعتقاد تظهر في الخارج على تصرفاته وسلوكه .

    سئل الإمام الصادق عليه السلام : العمل من الإيمان ؟ قال : " نـعـــم ، الإيــمـــان لا يكــون إلا بـعـمــل ، والــعــمــل مـنــه ( أي مـــن

46 . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الإيمان نيّة وعمل

 

الإيمـان ) ، ولا يثبت الإيمان إلا بعمل " (1) .

 

    إذن : الإيمان لا بدّ أن يعطي نتيجة خارجية وهو العمل ، والإيمان يتحقّق بالعمل فقط ، والعمل جزء من الإيمان ، وإذا كان لا يوجد عمل فإنه لا يوجد إيمان أصلا ، وبدون عمل الإيمان لا وجود له ، إن الإيمان أمر معنوي باطني قلبي ، والأمر الباطني له مظاهر خارجية تدل عليه ، وما يستقر في قلب الإنسان يكون اعتقادا ، فإذا اقتنع الإنسان بشيء واستقرّ في قلبه كان اعتقادا وإيمانا بهذا الشيء ، ومن يكون عنده إيمان بالله تعالى فإنه يقوم بأعمال ظاهرية تكون منطلقة من إيمانه ، وهذا العمل يؤدي إلى زيادة إيمانه واعتقاده واقتناعه وتثبيته ورسوخه في القلب ، فالإيمان يؤدي إلى العمل ، وهذا العمل يؤدي إلى زيادة الإيمان واستقراره في القلب أكثر من السابق ، فالإيمان يؤدي إلى العمل ، والعمل يؤدي إلى زيادة الإيمان وانتقاله إلى درجة أعلى ، وهذا الإيمان الثاني يؤدي إلى عمل ثاني أعلى درجة من العمل الأول ، وهكذا يتكامل المؤمن في إيمانه وفي أعماله ، والإيمان الثاني يكون أعلى درجة من الإيمان الأول ، والعمل الثاني يكون أعلى درجة من

الإيمان نيّة وعمل . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  47

 

العمل الأول ، وهنا تأتي الرواية التالية :

    عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال : " من استوى يوماه فهو مغبون ، ومن كان آخر يوميه خيرهما فهو مغبوط ، ومن كان آخـر يوميـه شرّهمـا فهـو ملعـون ، ومـن لـم يَرَ الزيادة في نفسه فهو إلى النقصان ، ومن كان إلى النقصان فالموت خير له من الحياة " (1) .

 

    إن المؤمن لا يوجد عنده تساوي في الأيام ، ففي كل يوم يزداد إيمانا ويزداد عملا ، ولا يقتصر على حدّ معيّن ، وهكذا يحصل التكامل في الإيمان والعمل عند المؤمن بالله يوما بعد يوم ، فالمؤمن لا يقف عند حدّ معيّن بل يتصاعد إلى الله عز وجل في كل لحظة ، ويصعد درجة بعد درجة ، ولا يقتنع المؤمن بدرجة يقف عندها ، نرى أن الإنسان في الأمور الدنيوية لا يكتفي بحدّ معيّن ، ويحاول أن يحصل على الشيء الأفضل ، يحاول أن يحصل على منصب دنيوي أعلى ، ويحاول أن يحصل على راتب أكبر ، وبشكل عام الناس لا يلتفتون إلى الأمور الأخروية ، ويكونون غـافـلـيـن عـن الأمــور الأخـرويـة ، يـقـول يكـفـي أن أجلـس عنـد بـاب

48 . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الإيمان نيّة وعمل

 

الجنة ، لماذا في الأمور الدنيوية لا يقول أحصل على شيء وأقف عنده ؟!

    لا يقف وتفكيره في الأمور الدنيوية مستمر دائم ، ويتنازل في الأمور الأخروية وكأنه لا وجود للآخرة والمعاد ، والمؤمن يكون نظره دائما إلى الأعلى في الأمور الأخروية لأنه يتكامل .

    وهكذا المؤمن يؤدي الأعمال التي فرضها الله تعالى عليه ، ويبتعد عن المحرمات التي طلب الله تعالى منه أن يبتعد عنها ، فإذا فعل ذلك والتزم بالأحكام الشرعية فإن هذا الإنسان يطلق عليه " مؤمن " ، ويكون مصداقا من مصاديق " المؤمن " ، وبدون الالتزام بأوامر الله والابتعاد عن نواهيه لا يكون الشخص من المؤمنين الحقيقيين ، بل يصدق عليه أنه مؤمن ظاهري ويطلق عليه أيضا أنه مسلم ، ولكن مسلم ظاهري لأن المسلم الحقيقي هو المؤمن الحقيقي ولا يختلف في الواقع عنه ، ونتعامل معه على أنه مؤمن ، والله يعلم إذا كان هو مؤمنا حقيقيا أو ظاهريا .

    مثلا بعض النساء السافرات يقلن إن الإيمان في القلب ، تقول يكفي أن قلبي يؤمن بالله ، فالرد عليها أنه لو كان في قلبها إيمان لكانت تلتزم بأوامر الله وتبتعد عن نواهيه ، التي تؤمن بالله تعلم أن هذا حكم شرعي ، وتعلم أن الحجاب واجب ، فكيف تجرؤ على

الإيمان نيّة وعمل . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  49

 

معصية الله عز وجل ؟

 

    عصيانها معناه أنه لا يوجد إيمان في قلبها ، لو كان يوجد إيمان في قلبها لالتزمت بأوامر الله ، ولأنها لم تلتزم بأوامر الله تعالى فمعنى ذلك أنها واقعا لا تؤمن بالله عز وجل .

 

    عن أبي عبدالله عليه السلام قال : " الإيمان أن يطاع الله فلا يعصى " (1) .

    وهذا تعريف للإيمان أنه طاعة الله وعدم معصيته ، فالذي يكون مطيعا لله مبتعدا عن المعاصي فهذا الذي يكون مؤمنا حقيقيا .

 

    عن أبي عبدالله عليه السلام قال : " . . . والإيمان هو الإقرار باللسان وعقد في القلب وعمل بالأركان ( الإيمان مركب من هذه الأمور الثلاثة ) ، والإيمان بعضه من بعض ، . . . فالإسلام قبل الإيمان ، . . . فإذا أتى العبد كبيرة من كبائر المعاصي أو غيره من صغائر المعاصي ( المؤمن لا يستهين بالمعاصي حتى الصغيرة منها ، فكيف يجرؤ على معصية الله وهو يعتقد بالله ؟ ) الـتي نهـى الله عـز وجـلّ عـنـهـا كان خـارجـا مـن الإيـمـان

50 . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الإيمان نيّة وعمل

 

ساقطا عنه اسم الإيمان ، وثابتـا عليـه اسم الإسلام ( هـــو مـسلـم ظاهري ، ولكنه ليس مؤمنا حقيقيا ) ، فإن تاب واستغفر عاد إلى دار الإيمان ، ولا يخرجه إلى الكفر إلا الجحود والاستحلال أن يقول للحلال هذا حرام ، وللحرام هذا حلال ، ودان بذلك ( أي يجعله دينا له ، مثلا يتّخذ مواقف من الآخرين على أساس آرائه الشخصية ، ويقول إن هذا هو رأي الدين ، فعنده حلال وحرام خاصان لا الحلال والحرام اللذان شرعهما الله تعالى ، وإذا سألك شخص عن مسألة وكنت لا تعرف الحكم فقل لا أعلم ولا تفتي برأيك الشخصي ) ، فعندها يكون خارجا من الإسلام والإيمان داخلا في الكفر ( إذا كان جاحدا ووضع لنفسه مسائل شرعية خاصة ويقوم بالعمل على أساسها فهذا في الواقع خارج من دين الله وداخل في دائرة الكفر ) ، وكان بمنـزلة من دخل الحرم ثم دخل الكعبة وأحدث في الكعبة حدثا فأخرج عن الكعبة وعن الحرم فضربت عنقه وصار إلى النار " (1) .

 

    إن الإيمان بحاجة إلى شاهدين كما في المحكمة ، فعندما يقول الشخص إنه مؤمن ؛ فإنه يُسْأل عن الدليل على أنه مؤمن .

الإيمان نيّة وعمل . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  51

 

    عن أبي عبدالله عليه السلام قال : " . . . والإيمان دعوى لا يجوز إلا ببيِّنة ( أي بشاهدين ) ، وبيِّنته عمله ونيَّته ( المرأة السافرة تقول الإيمان موجود في القلب ، فيقال لها لا يكفي ، بل لا بد من وجود شاهدين : الإيمان القلبي ، والعمل الخارجي المترتّب على الإيمان القلبي ، والعمل هو لبس الحجاب الشرعي الواجب ، والحجابات المنتشرة اليوم في بلدنا ليست حجابات شرعية ، البنت التي بلغت تلبس " البنطلون " الضيق والقميص القصير وتظهر مفاتنها وتلبس الحجاب القصير الذي يظهر الشعر من خلفه ، حجابها ليس حجابا شرعيا ، والأب مسؤول ومحاسب عن إلباس بناته الحجاب الشرعي ، فالتفتوا أيها المؤمنون ، فإذا كان الإنسان مؤمنا بالله فهو مسؤول عن تربية أولاده ، والإيمان لا بدّ أن يظهر أثره في الخارج ، فبنات المؤمن لا بدّ أن يختلفن عن بنات غير المؤمن ، ولكن الآن نرى أن بعض المؤمنين بناتهم لا يلبسن الحجاب الشرعي ، بل يأتي بهن بهذا الحجاب غير الشرعي إلى المسجد ، وبعض المؤمنين يذهبون إلى الحج والعمرة والزيارة في كل سنة ، ولكن نرى أن حجاب بناتهم ليس حجابا شرعيا ، فالإتيان إلى المسجد والذهاب إلى الحج والعمرة والزيارة ليـس لها قيمة إذا لم تكن هناك آثـار مـن هـذه الأعمال ، فالإيمان

52 . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الإيمان نيّة وعمل

 

في القلب ويكون له أثر خارجي لا بدّ أن يظهر على الإنسان الذي يدّعي الإيمان ، حجاب البنات الشرعي وحسن تربية الأولاد من آثار الإيمان ، والإنسان الذي يدخل إلى بيت المؤمن لا بدّ أن يرى آثار الإيمان في جوانب البيت ، ولكن اليوم آثار الإيمان لا تظهر في بيوت المؤمنين إذ أنها لا تختلف عن بيوت غير المؤمنين ، الله عز وجل يريد بيت المؤمن بطريقة معيّنة ، من يكون في دائرة الإيمان لا بدّ أن يلتزم بالتزامات الإيمان ، وإذا لم يلتزم فإنه ليس في دائرة الإيمان بل هو في دائرة أخرى ، وإذا قيل بأن الإيمان لا دخل له في كيفية بناء البيت ، فيقال لا دخل له معناه أنه لا يوجد حكم لله مع أن لله في كل شيء حكما ، فلا بدّ أن نلتفت إلى أن كل عمل يقوم به الإنسان ذكر أهل البيت عليهم السلام حكمه الشرعي ، ولا يوجد عمل بلا حكم شرعي حتى الأفكار التي تمر في الذهن لها أحكام شرعية ، الله عز وجل يرضى منك أن تفكر بهذا الأمر ، ولا يريد منك أن تفكر بذاك الأمر ، لو أراد الإنسان أن يفكر بامرأة بطريقة معيّنة يقال له لا تفكر بها لأنه يؤثر على قلبك ، فإذا كان الدين له دخل حتى في الأفكار فبطريق أولى يتدخل في أعمال الإنسان ، كل عمل له حكم شرعي ، الله عز وجـل يريد أن تكون حياتنا بطريقة معينة تعبّر عن دائرة الإيمان ،

الإيمان نيّة وعمل . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  53

 

ولا تكون مثل حياة الأشخاص الموجودين في الدوائر الأخرى ، دائرة الإيمان لها مواصفات خاصة ، هذه المواصفات لا بدّ أن تتجسّد في الإنسان حتى يكون ضمن هذه الدائرة ) ، فإذا اتفقا ( أي النيّة والعمل ) فالعبد عند الله مؤمن ، والكفر موجود بكل جهة من هذه الجهات الثلاث : من نيَّة أو قول أو عمل ، والأحكام تجري على القول والعمل ، فما أكثر من يشهد له المؤمنون بالإيمان ويجري عليه أحكام المؤمنين وهو عند الله كافر ( ظاهره أنه مؤمن ، ولكنه في الواقع كافر ، فهو ظاهرا في دائرة الإيمان ، ولكنه في الواقع هو في دائرة الكفر ، وفي يوم القيامة يحشر على أساس أنه كافر ) ، وقد أصاب من أجرى عليه أحكام المؤمنين بظاهر قوله وعمله ( فالتعامل مع الناس يكون على أساس ظواهرهم ، وأما الباطن فهو موكول إلى الله عز وجل ) " (1) .

 

    إن من يدَّعي الإيمان عليه أن يراجع نفسه ليرى هل هو مؤمن حقيقة أو لا ، والإيمان بحاجة إلى شاهدين ودليلين ، الشاهد الأول هو النيَّة ، وذلك بأن تكون النية هي التقرّب إلى الله عز وجـل ولا يـنـظـر إلـى شـيء آخـر ، ونيّـة التّقـرّب يسـتطيع المؤمـن أن

54 . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الإيمان نيّة وعمل

 

يجعلها في كل عمل يؤدّيه حتى عندما يذهب إلى السوق يمكنه جعل ما يشتريه قربة لله تعالى ، فيأخذ الأشياء التي يحتاجها فقط مع الالتفات إلى نية التقرب ، يستطيع أن يجعل شراء السيارة قربة لله تعالى عندما يشتريها على أساس حاجته وهو ملتفت إلى نيته ، يستطيع أن يجعل كل شيء في بيته قربة لله تعالى إذا راعى أحكام الله عز وجل فيما يشتري من أثاث ، والمؤمن يؤدي الصلاة بنفس الكيفية والخشوع سواء كان يوجد حوله أناس أم لا ؛ لأن نظر المؤمن يكون إلى الله تعالى ولا ينظر إلى الناس لأنه لو نظر إليهم بأن أدى العمل تقربا إليهم يكون رياء ، وإذا نظر إلى الله في نفس الوقت فإنه يكون بذلك قد أشرك في عمله فيبطل عمله ولا يقبل الله العمل الباطل .

    وأما الشاهد الثاني فهو العمل ، وذلك بأن تكون أعماله موافقة لما أمره الله به ، فالله يحدّد له أعمالا معينة وبطريقة معيّنة ، ولا يخترع أعمالا من عنده ويقول أنا أتقرّب بهذه الأعمال إلى الله ، فهذه الأعمال لا تُقْبُلُ لأنها لم يأمر بها الله ولم ينـزل الله بها سلطانا ، والأعمال التي يريدها الله تقربه إلى الله عز وجل ، فلا يخرج المؤمن خارج الصراط المستقيم ، والله يحدّد طريقا معينا للإنسـان ، والإنسـان المؤمـن يسـير على هـذا الصـراط

الإيمان نيّة وعمل . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  55

 

وهو ملتفت أنه يأخذ أعماله من الله ويتقرب بهذه الأعمال إلى الله ، الله جعل في الدين أشياءً معينة ، وإذا أخذ الإنسان بهذه الأشياء فإنه يكون مؤمنا ، مثلا شخص يريد أن يخترع ركعتين قبل دخول وقت صلاة الظهر ويتقرب بهما إلى الله ، يقال له الله عز وجل جعل صلوات معينة ، وما يخترعه الإنسان من أعمال لا يمكن التقرب بها إلى الله .

    إذن : الشاهدان على الإيمان هما : نية القربة إلى الله ، والأعمال التي يريدها الله عز وجل .

    وفي الإنسان المؤمن يكون هناك توافق وتناسب وانسجام بين النية والعمل ، فالمؤمن يأخذ العمل من الله تعالى ويتقرّب به إليه عز وجل ، ولا تكون أعماله من الله ونيته ليست لله ، ولا تكون نيته لله وأعماله ليست من الله ، بل إن الأعمال تكون من الله وإلى الله ، وهذا هو المؤمن الذي تتوافق أعماله ونيته ، وهنا أربعة احتمالات :

    1ـــ أن يكون العمل من الله وإلى الله ، مثل الشخص الذي يصلي صلاة الظهر ويتقرب بها إلى الله .

    2ـــ أن يكون العمل من الله وليس إلى الله ، مثل الشخص الذي يصلي رياء ، فالصلاة من الله ، ولكن النية ليست لله .

56 . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الإيمان نيّة وعمل

 

    3ـــ أن يكون العمل ليس من الله وإلى الله ، مثل أن يخترع الشخص صلاة خاصة ويريد أن يتقرب بها إلى الله ، هذه الصلاة لا تكون صحيحة ولا مقبولة من الله لأنها بدعة .

    4ـــ أن يكون العمل ليس من الله وليس إلى الله ، مثل الشخص يبتدع صلاة ويصليها رياء .

    والمؤمن الحقيقي هو الذي يأخذ بالاحتمال الأول ، فيكون عمله منطلقا من حكم الله ، ويتقرب بهذا العمل إلى الله .

    وتقول الرواية إنه يوجد الكفر في هذه الجوانب الثلاثة : النية والقول والفعل ، فمن لا تكون نيته لله عز وجل فإنه يكون كافرا واقعا مع أنه مؤمن ظاهرا ، وهناك من يقول بكل صراحة ووضوح إنه كافر لا يؤمن بوجود الله تعالى ، وهناك من يقول إنه يؤمن بالله ولكنه حينما يقوم بالعمل فإنه لا يأخذ الأحكام من الله تعالى بل إنه يأخذها من مصادر أخرى ، يقول تعالى :

﴿ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ  ﴾ (1) .

﴿ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (2) .

الإيمان نيّة وعمل . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  57

 

﴿ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (1) .

    الإنسان الذي لا يأخذ الأحكام من الله يكون داخلا في دائرة الكافرين ودائرة الظالمين ودائرة الفاسقين ؛ مع أنه في الدنيا قد يكون مؤمنا ، ولكنه يوم القيامة يحشر على حقيقته وباطنه .

    إذن : لا بدّ أن نطّلع على المواصفات التي تطرحها الآيات الكريمة والروايات الشريفة حتى نستطيع أن نكون مؤمنين حقيقيين ونحشر يوم القيامة مع المؤمنين الحقيقيين ، ويتفاجأ الإنسان أنه في يوم القيامة يكون محشورا مع الكافرين أو المنافقين أو الفاسقين أو الظالمين .

    والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا أبي القاسم محمد وآله الطيبين الطاهرين .

 

 

 

 

 

 

 

 

نيّـة المؤمـن خـير مـن عـمـلـه

القسم الأول (1)

 

    الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا أبي القاسم محمد وآله الطيبين الطاهرين .

    ما زلنا في حدود دائرة الإيمان ، كان الحديث السابق عن أن الإيمان نيّة وعمل ، الآن نترقّى قليلا لنبيّن كيف أن نيّة المؤمن خير من عمله كما في بعض الروايات ، ونحاول أن نفهم معنى أن نيّة المؤمن خير من عمله .

    قبل البدء بالموضوع أبيّن أولا مكانة الإنسان المؤمن عند الله عز وجل ، من يريد أن يكون في دائرة الإيمان يريد أن يحصل على هذه المكانة والمنـزلة ، ونحن مهمتنا جميعا أن نسعى للحصول عـلـى هــذه المنـزلـة حـتـى نكـون مــن الـدّاخـلـيـن في دائـرة الإيـمـان ،

نيّة المؤمن خير من عمله ـــ القسم الأول . . . . . . . . . . . . . .  59

 

ونحاول الحصول على تلك المكانة التي لا يضاهيها مكانة ، وعلى تلك المنـزلة التي لا يدانيها منـزلة .

    في رواية عن أبي جعفر الباقر عليه السلام قال : " . . . وما خَلَقَ الله عز وجل خلقا أكرم على الله عز وجل من المؤمن لأن الملائكة خدّام المؤمنين ، وأن جوار الله للمؤمنين ، وأن الجنة للمؤمنين ، . . . " (1) .

    وفي رواية أخرى عن أبي عبدالله الصادق عليه السلام قال : " إن فيما أوحى الله عز وجل إلى موسى بن عمران : ما خلقت خلقا أحب إلي من عبدي المؤمن . . . " (2) .

    وفي روايـة ثالثـة عـن أبي عبدالله الصادق عليه السلام قال : " لله عز وجل في بلاده خمس حرم : حرمة رسول الله صلى الله عليه وآله ، وحرمة آل الرسول صلى الله عليه وآله ، وحرمة كتاب الله عز وجل ، وحرمة كعبة الله ، وحرمة المؤمن " (3) .

    وفي رواية رابعة عن الحسن بن عطية قال : كان أبو عبدالله عليـه السلام واقفا على الصّفـا ، فقـال لـه عبّاد البصري : حـديـث

60 . . . . . . . . . . . . . .  نيّة المؤمن خير من عمله ـــ القسم الأول

 

يروى عنك . قال : " وما هو ؟ " . قال : قلت : حرمة المؤمن أعظم من حرمة هذه البنية . قال : " قد قلت ذلك ، إن المؤمن لو قال لهذه الجبال أقبلي أقبلت " . قال : فنظرت إلى الجبال قد أقبلت فقال لها : " على رسلك إني لم أرِدْكِ " (1) .

 

   إذن : من هذه الروايات يتبيّن أن مكانة المؤمن مكانة عظيمة ، فهو أكرم الخلق على الله ، وأحب الخلق إلى الله ، وحرمة المؤمن أعظم من حرمة الكعبة ، هذه هي مكانة المؤمن ، فكيف يجب علينا أن نتعامل مع الإنسان المؤمن مع وجود هذه المكانة العظيمة له ؟

 

    وهذا يبحث في الموضوع الثاني من بحث دائرة الإيمان ، وهو بيان كيف تكون العلاقات بين المؤمنين ، وهذا البحث يأتي في محل آخـر مـع التفصيل فيـه مـن خلال القرآن الكريم والروايات الشريفة ، وحيـاة المؤمنين اليـوم لا تعبّر عـن هـذه الآيـات والروايات تماما ، بشكل عام علاقة المؤمنين ليست كما هي مذكورة في روايات أهل البيت عليهم السلام ، فسنة رسول الله صلى الله عليه وآلـه اليوم مفقودة بين المؤمنين ، وذلك لقلة اطّلاع

نيّة المؤمن خير من عمله ـــ القسم الأول . . . . . . . . . . . . . .  61

 

المؤمنين على هذه الروايات ، والقليل من المؤمنين هم الذين يقرؤون ، نجد أن أكثر أوقات المؤمنين اليوم ضائعة بلا فائدة ، لا يوجد اهتمام بالدين ، هذا الدين يحتاج إلى بذل جهد حتى يمكن للإنسان أن يصل إلى الجنة ويحصل على درجاتها العالية .

 

    ويأتي هنا السؤال التالي : من هو المؤمن الذي تتحدث عنه الروايات والذي يكون له هذه المكانة العظيمة عند الله تعالى والذي تكون حرمته أعظم من حرمة الكعبة ؟ وما هي صفاته ؟

الجواب :

    من أجل نيل هذه المكانة لا يمكن أن يقول الإنسان بلسانه فقط إنه مؤمن فيقال له حصلت على هذه المنـزلة ، لا بدّ أن تكون هناك صفات خاصة لهذا الإنسان حتى يمكنه الحصول على هذه المكانة العظيمة .

 

    في رواية عن أبي عبدالله الصادق عليه السلام قال : " إِنَّا لا نعدّ الرجل مؤمنا حتى يكون بجميع أمرنا متّبعا مُرِيدا ، ألا وإن من اتّباع أمرنا وإرادته الورع ، فتزيّنوا به يرحمكم الله ، وكبّدوا أعداءنا ( به ) ينعشكم الله " (1) .

62 . . . . . . . . . . . . . .  نيّة المؤمن خير من عمله ـــ القسم الأول

 

    " بجميع أمرنا " : أي أن المؤمن الكامل يأخذ بكل ما يريده الأئمة عليهم السلام ويعمل بها جميعا ، يجب عليه أن يكون ملتزما بجميع أحكام الدين وعاملا بها حتى يكون مؤمنا كاملا ، وإذا كان يخالف مع علمه بالحكم الشرعي فهذا الإنسان عند الله ليس مؤمنا كاملا ولا ينال هذه المكانة العظيمة ، والمؤمنون على درجات متفاوتة مختلفة ، نعم التعامل بيننا يكون على الظاهر ، وكلامنا في الإنسان الذي يحشر يوم القيامة وأنه على أي صورة يكون ، يريد الإنسان المؤمن أن يصل يوم القيامة إلى هذه المكانة العظيمة التي تكون للمؤمن الكامل .

    إذن : أهل البيت عليهم السلام يريدون منا أن نتّبع أمرهم وأن نريد أمرهم ، ولكن اتباع أمرهم عليهم السلام كيف يكون ؟ هل الأئمة عليهم السلام يريدون من المؤمن أداء العمل الخارجي فقط كالصلاة والصيام والحج والخمس أو أنهم يريدون شيئا وراء العمل الخارجي ويكون مطلب الأئمة عليهم السلام هو ما يكون وراء العمل الخارجي ؟ هل يطلبون العمل الخارجي فقط في حالة كون القلب منشغلا بالأمور الدنيوية فقد يصلي الإنسان ولكن لا خشوع عنده في صلاته ؟ هل هذا الشخص ينال ثواب الصلاة وفي الرواية عـن الإمام الرضـا عليه السلام أنـه قـال : " . . . فإن هو

نيّة المؤمن خير من عمله ـــ القسم الأول . . . . . . . . . . . . . .  63

 

أقبل على صلاته بكلّه رفعت صلاته كاملة ، وإن سها فيها بحديث النفس نقص من صلاته بقدر ما سها وغفل ، ورفع من صلاته ما أقبل عليه منها ، ولا يعطي الله القلب الغافل شيئا " (1) ؟

 

    هناك صفات أخرى خلف هذه الواجبات ، ولا يمكن أن يقتصر المؤمن على العبادات الظاهرية فقط ، بل هناك أمور لا بدّ أن تسير في خط واحد مع العبادات الظاهرية ، وأمر من الأمور التي يريدها الأئمة عليهم السلام عبارة عن النية لأن نية المؤمن خير من عمله .

 

    في رواية عن الإمام زين العابدين عليه السلام أنه قال : " لا عمل إلا بنية " (2) .

 

    إن الإنسان بشكل عام ـــ سواء كان مؤمنا أم كافرا أم فاسقا أم منافقا أم . . . ـ لا يمكن أن يؤدي أي عمل من الأعمال إلا بقصد وهدف ودافع وسبب وغاية يريد أن يصل إليها من خلال عمله ، فالإنسان يقصد شيئا من وراء أي عمل يقوم به ، حتى الـذي يظـن أنـه يقـوم بعمـل بـلا هـدف فإنـه في الواقـع عنـده قـصـد

64 . . . . . . . . . . . . . .  نيّة المؤمن خير من عمله ـــ القسم الأول

 

وهدف وهو أنه يريد أن يضيِّع الوقت بلا فائدة ، فهو قصده تضييع الوقت ، فقصده هو اللاقصد ، ما يفعله الإنسان يكون دائما بقصد وغاية ودافع ، وهذا القصد هو النية ، فالنية معناها القصد والهدف والغاية التي يريد أن يصل إليها الإنسان حينما يؤدي أي عمل من الأعمال سواء كان العمل صغيرا أم كبيرا .

 

    وعن الإمام الصادق عليه السلام قال : " إنما الأعمال بالنيات " .

    إنما من أدوات الحصر أي أن الأعمال تكون بالنيات فقط ، فلا يوجد عمل بلا نية .

 

    ويواصل الإمام الصادق عليه السلام كلامه فيقول : " ولكلّ امرئ ما نوى ، ولا بدّ للعبد من خالص النية في كل حركة وسكون لأنه إذا لم يكن هذا المعنى يكون غافلا " .

 

    الإنسان الذي لا يلتفت إلى خلوص نيّته لله في كل حركاته وسكناته يكون من الغافلين أي يغفل عن ذكر الله ويؤدي الأعمال لا قربة لله ، وإنما لأهداف أخرى .

 

    ثم قال الإمام الصادق عليه السلام : " والغافلون قد وصفهم الله تـعـالى فـقـال : ﴿ أُوْلَئِـكَ  كَـالأَنْـعَـامِ بَـلْ هُمْ  أَضَلُّ، وقال :

نيّة المؤمن خير من عمله ـــ القسم الأول . . . . . . . . . . . . . .  65

 

﴿ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (1) " (2) .

 

    إن الذي يغفل عن ذكر الله يكون أضلّ من الأنعام ، ولم يقل الإمام عليه السلام : " ولكل امرئ ما عمل " ، بل قال : " ولكلّ امرئ ما نوى " ، النية هي التي تحدّد الأعمال لا فقط الأعمال الخارجية بما هي أعمال ، النية مهمة في نظر الله عز وجل ، إن الناس ينظرون دائما إلى العمل الخارجي نفسه ، فإذا كان عملا كبيرا قالوا إن هذا الإنسان عظيم ، الآن مثلا يرى المسلمون أن الشعوب المتقدمة صناعيّا هي أفضل الشعوب وأعظمها ، مثلا الشعب الياباني شعب عظيم بسبب تقدّمهم الصناعي ، فيعجبون بهـم وبمـا يقدّمـونه مـن صناعات للناس ، بل ويتّخذونهم قدوة لهم ، فنظر الناس دائما يكون إلى الأعمال الخارجية ، فالمخترع إنسان عظيم ، ولكن في ديننا الذي هو دين الله تعالى لا ينظر الله عز وجل إلى العمل فقط ، فالعمل بما هو عمل ليس له قيمة عند الله تعالى ، وإنما ينظر الله إلى نية الإنسان التي أدت إلى أداء العمـل ، أي القصـد والهـدف والدافع ، فالله ينظر إلى أساس

66 . . . . . . . . . . . . . .  نيّة المؤمن خير من عمله ـــ القسم الأول

 

انطلاق العمل ، ما هو منطلَق هذا العمل ؟ لماذا قام بهذا العمل ؟

 

    مثلا شخص يبني مسجدا ، هذا العمل في نظرنا عظيم ، وهذا الإنسان عظيم أيضا ، ولكن هل هذا الإنسان عظيم عند الله عز وجل أو لا ؟

 

    نحن نتعامل مع ظاهره ، ولكن الله يعلم بباطنه ونيته وقلبه ودافعه وقصده حينما بنى المسجد .

 

    إذا كان العمل ـــ سواء كان صغيرا أم كبيرا ـــ منطلقه التقرب إلى الله وخلوص النية لله بلا شريك فإن هذا العمل يكون عظيما ومقبولا عند الله ، قد يكون العمل صغيرا جدا ولا قيمة له عند الناس ، ولكن الله يُدْخِـلُ هـذا الإنسـان إلى الجنة بسبب هذا العمل البسيط .

 

    في رواية عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال : " رأيت رجلا يتقلّب في الجنة في شجرة قطعها عن ظهر الطريق كانت تؤذي المسلمين " (1) .

 

    وعـن النبـي صـلـى الله عـلـيـه وآلـه أنـه قـال : " مـن زحزح مـن

نيّة المؤمن خير من عمله ـــ القسم الأول . . . . . . . . . . . . . .  67

 

طريق المسلمين شيئا يؤذيهم كتب الله له به حسنة أوجب له بها الجنة " .

    وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم (1) قال : " . . . فمن كبّر الله وحمد الله وهلّل الله وعزل حجرا عن طريق المسلمين أو عزل شوكة أو عزل عظما أو أمر بمعروف أو نهى عن منكر . . . أمسى يومئذ وقد زحزح نفسه عن النار " (2) .

    هذا الشخص أزال شوكة بإخلاص لله تعالى فاستحق دخول الجنة مع أن إزالة الشوكة أمر قد لا يلتفت إليه كثيرون لصغره .

 

قد يقال :

    إن هذا العمل بسيط ولا يحتاج إلى جهد كبير ويمكن للطفل أن يفعله فلماذا يكون الثمن هو الجنة ؟

 

الجواب :

    إن الله تعالى لا ينظر إلى كَمِّ العمل وحجمه وقيمته عند الناس ، بل ينظر إلى كَيْفِ العمل وأساس انطلاق العمل ، فإذا كان العمـل منطلقا مـن النيـة الـصـادقـة لله وطـلـب الرضـا مـن الله

68 . . . . . . . . . . . . . .  نيّة المؤمن خير من عمله ـــ القسم الأول

 

كان العمل مقبولا مهما كان صغيرا ، فقيمة العمل ليس بقيمة حجم العمل الخارجي بل بمنطلَق العمل والنية الموجودة خلف العمل ، وهذه قاعدة تكون بيد الإنسان المؤمن ، فلا عمل يكون محسوبا من عبادة الله تعالى وطاعته بحيث يترتب عليه الأجر في الاخرة إلا ما يراد به التقرب إلى الله تعالى ويقصد به وجهه سبحانه والتوصل إلى ثوابه أو الخلاص من عقابه .

 

    بعبارة أخرى : يكون القصد امتثال أمر الله تعالى فيما دعا عباده إليه ووعدهم الأجر عليه ، وإنما يكون أجرهم على حسب منازلهم الإيمانية ونياتهم الصادقة الخالصة لله تعالى .

 

النية أساس العمل :

    في رواية عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال : " النية أساس العمل " (1) .

    وفي رواية عن أبي عبدالله عليه السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : " نيّة المؤمن خير من عمله ، ونيّة الكافر شر من عمله ، و كل عامل يعمل على نيته " (2) .

نيّة المؤمن خير من عمله ـــ القسم الأول . . . . . . . . . . . . . .  69

 

    إذن : هناك للإنسان نيّة وقصد ، والأعمال الخارجية تكون متولِّدة من قصد الإنسان ونيّته ، هذه النية هي التي تبعث الأعمال ، وتُظْهِر الأعمال في الخارج ، وفي الرواية عن أمير المؤمنين عليه السلام : " الأعمال ثمار النيات " (1) .

    وإذا كانت النفس صالحة فإن النية تكون صالحة ، والعمل يكون صالحا ، وكل عامل يعمل بما يتناسب مع نيته لأن الأعمال تكون منطلقة من النية ، وهذه النية تكون منبعثة من الحالة التى اتصفت بها النفس من العقائد والأخلاق ، وإذا كانت النفس على العقائد الحقّة والأخلاق الحسنة الراسخة التى لا تتخلف عنها الأعمال الصالحة لو بقي في الدنيا خالدا فبتلك الشاكلة والحالة استحق الخلود في الجنة ، وإن كانت النفس على خلاف ذلك استحق الخلود في النار ، والإنسان الذي يتّصف بالعقائد غير الراسخة والأخلاق غير الراسخة تجده تارة يقوم بالعمل قربة لله إذا التفت لله عز وجل ، وتارة أخرى يعمل لا قربة لله تعالى .

    وفي الآية الكريمة : ﴿ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْـقِ  السَّمَـاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَـا مَـا خَلَقْـتَ هَـذا

70 . . . . . . . . . . . . . .  نيّة المؤمن خير من عمله ـــ القسم الأول

 

بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (1) .

     يعني يذكرون الله في كل أحوالهم ، والإنسان لا يخلو من إحدى الحالات الثلاث ، إما أن يكون قائما وإما قاعدا وإما مضطجعا ، فيذكر الله في كل لحظة ، وهذا هو الإنسان الذي يلتفت إلى نيته في كل لحظة ، وأعماله تتناسب مع نيته ، وتكون أعماله صالحة دائما ، ولا نتوقع من الإنسان الملتفت إلى نيته أن يصدر منه عمل سيئ لأنه ملتفت إلى أنه تحت رقابة الله دائما ، وحينما يؤدي أي عمل يكون ملتفتا إلى وجود الله ، فيتذكر الله عز وجل ويقوم بالعمل الحسن الصالح .

    في رواية عن أبي عبد الله عليه السلام قال : " إنما خلد أهل النار في النار لأن نياتهم كانت في الدنيا أن لو خلدوا فيها أن يعصوا الله أبدا ( وهنا يرد الإشكال المعروف وهو لماذا يكون الكافر خالدا في النار ؟ ، والجواب أنهم لو كانوا خالدين في الدنيا لعصوا الله أبدا ) ، وإنما خلد أهل الجنة في الجنة لأن نياتهم كانت في الدنيا أن لو بقوا فيها أن يطيعوا الله أبدا ، فبالنيات خلد هؤلاء وهؤلاء " . ثم تـلا قولـه تعـالى : ﴿ قُـلْ كُلٌّ  يَعْمَـلُ  عَلَـى

نيّة المؤمن خير من عمله ـــ القسم الأول . . . . . . . . . . . . . .  71

 

شَاكِلَتِهِ (1) . قال : " على نيّته " (2) .

    أهل الجنة يخلدون في الجنة لا على أعمالهم بل على نيّاتهم الصالحة .

 

    وفي رواية عن فضل بن عثمان المرادي قال : سمعت أبا عبدالله عليه السلام يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : " . . . يهمّ العبد بالحسنة فيعملها ، فإن هو لم يعملها كتب الله لـه حـسـنـة بـحـسـن نـيّـتـه ، وإن هـو عملـهـا كـتـب الله لـه عـشـرا ، . . . " (3) .

 

    الإنسان المؤمن إذا أراد أن يقوم بعمل صالح فلحسن نيته ورغبته في أداء الأعمال الصالحة يعطيه الله الثواب على نيته .

    وفي رواية عن الإمام أبي عبدالله الصادق عليه السلام أنه قال : " صاحب النية الصادقة صاحب القلب السليم لأن سلامة القلب من هواجس المحذورات بتخليص النية لله في الامور كلها ، قال الله عز وجل : ﴿  يَوْمَ  لاَ   يَنفَعُ  مَالٌ  وَلا  بَنُونَ  إِلاَّ  مَنْ  أَتَى  اللَّهَ  بِقَلْبٍ

72 . . . . . . . . . . . . . .  نيّة المؤمن خير من عمله ـــ القسم الأول

 

سَلِيمٍ" (1) .

    وفي رواية عن أبي عبدالله عليه السلام في قول الله عز وجل : ﴿ لِيَبْلُوَكُمْ أ َيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً (2) ، قال : " ليس يعني أكثر عملا ولكن أصوبكم عملا ، وإنما الإصابة خشية الله والنية الصادقة والحسنة " . ثم قال : " الإبقاء على العمل حتى يخلص أشد من العمل ، والعمل الخالص الذي لا تريد أن يحمدك عليه أحـد إلا الله عـز وجل ، والنية أفضل من العمل ، ألا وإن النية هي العمل " . ثم تلا قوله عز وجل : ﴿ قُـلْ كُلٌّ  يَعْمَـلُ  عَلَـى شَاكِلَتِهِ (3) . قال : " يعني على نيّته " (4) .

    إن الله عز وجل لا ينظر إلى كثرة العمل ، ولكن ينظر إلى النية ، وهذه الرواية تريد أن تقول أيضا إن الإنسان قد يدخل في عمل وهو مخلص لله تعالى ، ولكن الإبقاء على العمل حتى يخلص أشـد مـن العمل ، فأثناء أدائه للعمل قـد تأتي لـه بعـض الإغـراءات

نيّة المؤمن خير من عمله ـــ القسم الأول . . . . . . . . . . . . . .  73

 

كالمال والشهرة والسمعة فيزول إخلاصه الكامل لله ، مثلا لو دخل شخص في الصلاة مخلصا وكان حوله بعض الأشخاص فقد يصلي رياءً بغرض لفت أنظارهم إليه حتى يقولوا عنه إنه مؤمن صالح مهتم بصلاته ، بدأ بالعمل مخلصا ، ولكن أثناء أداء العمل قد تتغيّر نيته ولا يحافظ على  الإخلاص ، وإذا دخل الرياء في العمل فإن العمل يبطل ، فلا هي صلاة صحيحة ولا هي صلاة مقبولة ، لذلك فإن المحافظة على النية الخالصة لله أشد وأصعب من نفس العمل لأن القيام بعملية الصلاة مثلا لا تحتاج إلى جهد كبير ، ولكن المحافظة على النية الخالصة تحتاج إلى جهد كبير حتى يمكن للإنسان أن يخلص النية لله إخلاصا تاما بحيث لا يدخل في قلبه شيء آخر مع الله تعالى ، والشيطان حينما تصلي يقف إلى جنبك ويبدأ بالوسوسة وإلقاء الصور في ذهنك حتى يشغلك ويلهيك عن صلاتك ، وكم من الصور يخطرها الشيطان في ذهنك أثناء الصلاة مع أنك قبل الصلاة كنت غافلا عن هذه الصور ، والمؤمن هو الذي يخلص عمله لله إخلاصا كاملا ، وتوجد طريقة لمعرفة أن العمل خالص لله ، وذلك عن طريق الاختبار ، فيسأل المؤمن نفسه هذا السؤال : لو كنت لوحدي في الغرفة هل أهتم بالعمـل بنفـس الدرجـة التي أهتم بـه حينمـا يوجـد أشخـاص حـولي

74 . . . . . . . . . . . . . .  نيّة المؤمن خير من عمله ـــ القسم الأول

 

ويطّلعون على عملي ؟

    والإنسان يعلم بنفسه لأن على نفسه بصيرة ، وإذا كان الجواب أنه لا يفرق عنده سواء كان الناس موجودين حوله أم لا فإنه يكون مخلصا في عمله ، ولكن هذا صعب جدّا لأن مع وجود الناس حول الشخص يبدأ الشيطان بالوسوسة ، وإذا أراد الإنسان أن يتخلى عن هذه الوساوس يحتاج إلى مجاهدة كبيرة حتى يصل إلى مرحلة عظيمة ودرجة عالية بحيث يستطيع أن يتخلص من وسوسة الشيطان .

    لذلك فإن الإنسان الذي لا يكون متهيّئا ولا يستطيع أن يكبح شهوات نفسه لا يدخل في الأعمال الاجتماعية لأنه بدل أن يصير صالحا سيفسد ، الآن توجد مشاكل واقعة بين المؤمنين ، تجد أن مؤمنا يعادي مؤمنا ويطعن فيه ويغتابه حتى أن النميمة منتشرة بينهم حتى بين بعض المؤمنين العاملين في الساحة لأنهم لم يقوموا بتربية أنفسهم تربية تتناسب مع تحرّكهم ، فهذا الشخص لحد الآن لم ينتصر على شيطانه حتى يكون مؤهّلا لدعوة الناس إلى عبادة الله ، ستكون دعوته دعوة إلى عبادة نفسه لا إلى عبادة الله عز وجل ، والمشاكل بين المؤمنين تحتاج إلى موضوع مستقلّ حتى تتم معالجة هذه المشاكل من خلال الآيات والروايات .

نيّة المؤمن خير من عمله ـــ القسم الأول . . . . . . . . . . . . . .  75

 

    إن المحافظة على خلوص العمل لله صعب جدّا خاصة مع وجود الناس ، من يريد أن يدخل في عمل اجتماعي توجد أمامه كثير من الإغراءات ، يكفي أن الناس يشيرون إليه ويحصل على الشهرة ، والشيطان يدخل من خلال هذا الباب ، فيكون عمله قربة للشهرة لا قربة لله ، من يدخل في الأعمال الاجتماعية لا بدّ إن يلتفت حتى لا يبتعد عن خلوص النية لله خاصة مع وجود أناس حوله يصفقون له .

    إن النية أفضل من العمل بل إن النية هي العمل ، فهل العمل الخارجي هو المهم ؟

الجواب :

    لا ، لأن الله لا ينظر إلى العمل نفسه وإنما ينظر إلى قلب من أدّى العمل ونية العامل ، العمل الخارجي بذاته ليس له قيمة ، الدافع للعمل هو المهم ، لماذا أدّى العمل وما هو الدافع لأداء العمل ؟ ما هو هدفك وغايتك من العمل ؟

    هذا هو المهم ، فليس حجم العمل مهمّا ، بل إن الله ينظر إلى نية من أدى العمل ، ويقول له الله إن نيتك هي عملك وليس العمل الخارجي هو عملك ، فإن كانت نيته وغايته خالصة لله فإن لـه الأجر والثواب ، وإن كانت لأي هدف آخر غير الله ـــ سواء كان

76 . . . . . . . . . . . . . .  نيّة المؤمن خير من عمله ـــ القسم الأول

 

شـريكا مـع الله أم كان مستقـلا عـن الله ـــ فـلا يحصل على الثواب .

    عن علي بن سالم ، قال : سمعت أبا عبدالله عليه السلام يقول : قال الله عز وجل : " أنا خير شريك ، من أشرك معي غيري في عمل لم أقبله إلا ما كان لي خالصا " (1) .

    وعن هشام بن سالم عن أبي عبدالله عليه السلام ، قال : يقول الله عز وجل : " أنا خير شريك ، فمن عمل لي ولغيري فهو لمن عمله غيري " (2) .

    إذن : الله عز وجل لا ينظر إلى العمل الخارجي ولا إلى النتائج الخارجية المترتبة على العمل الخارجي .

    والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا أبي القاسم محمد وآله الطيبين الطاهرين .

 

 

 

 

 

نيّـة المؤمـن خـير مـن عـمـلـه

القسم الثاني (1)

 

    الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا أبي القاسم محمد وآله الطيبين الطاهرين .

    مرّ سابقا أن نيّة المؤمن خير من عمله ، وأن الله عز وجل لا ينظر إلى الأعمال فقط ، وإنما ينظر إلى نية الإنسان حينما يؤدي العمل ، فالتركيز يكون على النية لا على نفس العمل .

    ثم طرحنا الرواية عن أبي عبدالله الصادق عليه السلام في قول الله عز وجل : ﴿ لِيَبْلُوَكُمْ أ َيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً (2) ، قال : " ليس يعني أكثر عملا ولكن أصوبكم عملا ، وإنما الإصابة خشية الله والنية الصادقة والحسنة " . ثم قال عليه السـلام : " الإبـقـاء عـلـى العمـل حـتـى يخـلـص أشــدّ مــن العـمــل ،

78 . . . . . . . . . . . . . . نيّة المؤمن خير من عمله ـــ القسم الثاني

 

والعمل الخالص الذي لا تريد أن يحمدك عليه أحـد إلا الله عـز وجل ، والنية أفضل من العمل ، ألا وإن النية هي العمل " . ثم تـلا قولـه عـز وجـل : ﴿ قُـلْ كُلٌّ  يَعْمَـلُ  عَلَـى شَاكِلَتِهِ (1) . قـال : " يعني على نيّته " (2) .

 

    هذه الرواية تريد أن تقول إن الله لا ينظر إلى كثرة العمل وكمّيّته بل ينظر إلى النية التي دفعت إلى أداء العمل ، فالدافع إلى العمل هو المهم ، مثلا لو كان يصلي والصلاة واجبة ، ولكن إذا دخل فيها الرياء أي لم تكن لله فهذه الصلاة تكون باطلة مع أنها واجبة ، فالنظر لا يكون إلى العمل الخارجي فقط ، بل الله ينظر إلى نية الإنسان أنه حينما أدى العمل ماذا كانت نيته ؟ ماذا أراد من وراء هذا العمل ؟ ما هو الهدف الذي يريده من أداء العمل ؟

    إذن : العمل الخارجي بما هو عمل خارجي ليس مهما .

 

    ثم قالت الرواية إن النية هي العمل ، أريد أن أبيّن معنى أن النية هي العمل لا أن العمل الخارجي هو العمل .

نيّة المؤمن خير من عمله ـــ القسم الثاني . . . . . . . . . . . . . . 79

 

    إن الله عز وجل لا ينظر إلى العمل الخارجي ولا إلى النتائج الخارجية المترتبة على العمل الخارجي ، وإنما ينظر إلى العلة الداخلية النفسية التي أدّت إلى أداء هذا العمل ، وهذا ما يعبر عنه بالنية والقصد والدافع إلى العمل ، فالنية إذا كانت لله عز وجل فهي أفضل من كل نتائج العمل الخارجية ، بل تترقّى الرواية إلى أكثر من ذلك فتقول إن النية هي العمل ، مثلا لو أن شخصا هدى ألف شخص لهذا الدين ، وهؤلاء صاروا من المؤمنين الصالحين ، لكن هو عندما هداهم إلى هذا الدين لم يكن هدفه خالصا لله ، النتيجة الخارجية لعمله هو هداية ألف شخص ، ولكن نيته لم تكن لله ، قد تكون لأجل الشهرة والسمعة ، مثل هذا الشخص لا يحصل على ثواب مع أن عمله عمل عظيم ، ولكن لأن نيته لم تكن خالصة لله فلا يحصل على أي ثواب من وراء هذا العمل ، فالنظر لا يكون إلى العمل الخارجي ، وإنما إلى العلة النفسية التي أدت إلى العمل ، وهي نية أداء العمل ، فعلة العمل إذا كانت خالصة لله فالله يتقبّل العمل ، وإذا لم تكن خالصة لله فإن الله لا يتقبل العمل مهما كان كبيرا ومهما كان الجهد المبذول لتحصيله ، فالثواب يكون مترتّبا على نية الإنسان لا على العمل الخارجي .

80 . . . . . . . . . . . . . . نيّة المؤمن خير من عمله ـــ القسم الثاني

 

    وهنا يوجد احتمالان في معنى أن النية هي العمل ، فيوجد معنيان لشرح الرواية :

الاحتمال الأول :

    طالما أن العمل الخارجي يكون منطلقا من النية ، فالعمل الخارجي هو نتيجة للنية ومترتب على النية ، فالنية هي التي تحدد حدود هذا العمل لأن الشخص يقصد العمل ، فتكون النية هي العمل بهذا المعنى لأن النية هي سبب العمل ، والعمل نتيجة للنية ، وقد يسمى الشيء باسم النتيجة فنقول النية هي العمل ، وقد يسمى الشيء باسم السبب فنقول العمل هو النية .

 

مثال لتوضيح كيف أن الشيء يسمى باسم النتيجة :

    عن هشام بن الحكم أن رجلا سأل أبا عبدالله عليه السلام عن الله تبارك وتعالى له رضى وسخط ؟ قال : " نعم ، . . . فرضاه ثوابه وسخطه عقابه . . . " (1) .

 

    في الرواية أن " رضا الله هو ثواب الله " ، فهنا أطلق على السبب والعلة ـــ وهو رضا الله ـــ اسم النتيجة ـــ وهي ثواب الله ـــ لأن الثـواب مترتّـب على رضـا الله عـز وجـل ، فنقول رضـا الله هـو

نيّة المؤمن خير من عمله ـــ القسم الثاني . . . . . . . . . . . . . . 81

 

ثواب الله ، ونحن هنا لم نعرّف رضا الله بل بيّنّا معناه من خلال نتيجته لأن نتيجة رضا الله هو ثواب الله ، فأطلقنا على الشيء اسم النتيجة ، ويمكن أن نطلق على الشيء اسم السبب فنقول رضا الله هو طاعة الله لأن طاعة العبد لربه هو سبب للحصول على رضا الله ، فأطلقنا على الشيء اسم السبب .

    وفي الرواية عن أمير المؤمنين عليه السلام قال : إن الله أخفى أربعة في أربعة : " أخفى رضاه في طاعته . . . " (1) .

 

    وفي مقامنا النية هي العمل ، فأطلقنا على الشيء اسم النتيجة لأن العمل مترتب على النية ، ويمكن أن نقول إن العمل هي النية من باب إطلاق اسم السبب على الشيء لأن النية سبب للعمل ، فيمكن تسمية الشيء تارة باسم السبب وتارة باسم النتيجة ، وهذا يبحث في علم البلاغة .

 

الاحتمال الثاني :

    النية هي العمل المطلوب والعمل الحقيقي للإنسان ، وأما العمل الخارجي فلا ينظر الله إليه أصلا لأن ليس له قيمة بنفسه ، وإنما قيمته مستمدّة من النية ، فالإنسان العامل هو من تكون نيته

82 . . . . . . . . . . . . . . نيّة المؤمن خير من عمله ـــ القسم الثاني

 

خالصة لله ، والمطلوب من الإنسان نيته لا عمله الخارجي ، فكأن الرواية تريد أن تقول إن مجال العمل الحقيقي المطلوب هو نيتك فالله لا ينظر إلى العمل الخارجي ، وإنما ينظر إلى نية الإنسان أثناء أدائه للعمل ، فاعمل على أن تكون نيتك خالصة لله ، والنية بهذا المعنى تكون عملا ، فالمجال الحقيقي للعمل هو نية الإنسان ، ودور النية أنها تعمل على أن يكون العمل الخارجي مقبولا من الله لأن النية تكون خالصة لوجه الله ، فأي عمل قبل القيام به لا بدّ أن تلتفت إلى نيتك ودافعك لهذا العمل ليتقبل الله عملك ، ومن هنا تأتي أهمية النية في حركة الإنسان وعمله ، فالرواية تريد أن تلفت نظرنا إلى أهمية العمل الداخلي والحركة الباطنية للإنسان ، فالعمل الباطني هو المقياس وهو الذي ينظر إليه الله ، ويكون الحساب والثواب والعقاب مترتبا على العمل الداخلي للإنسان أو ما يسمى بالنية ، ولا يكون مترتبا على العمل الخارجي .

    إن الرسالة العملية للمراجع حفظهم الله تعالى تتكفّل ببيان الأعمال الخارجية للإنسان ولا تتكلم عن النية ، نعم تقول إنه في الواجبات توجد حاجة للنية ، ولكن ماهيّة النية لا تتكفّل الرسائل العملية ببيانها لأن مجال الرسائل العملية هو الأعمال الخارجية الظاهرية ، ويأتي علـم الأخلاق ويبيّن الأعمال الباطنية للإنسان ،

نيّة المؤمن خير من عمله ـــ القسم الثاني . . . . . . . . . . . . . . 83

 

والاكتفاء بدراسة الرسالة العملية لا يكفي لحركة الإنسان باتجاه الله تعالى على سلّم التكامل ، لا بد أن تسير الرسالة العملية جنبا إلى جنب مع علم الأخلاق ، فعلم الأخلاق يتناول الحركة الداخلية الباطنية للإنسان ، وهو المجال الحقيقي لعمل الإنسان ، والعمل الباطني هو مقياس الأعمال وليس حجم العمل الخارجي .

 

    في رواية عن أبي عبدالله الصادق عليه السلام قال : " إن العبد المؤمن الفقير ليقول : يا رب ارزقني حتى أفعل كذا وكذا من البر ووجوه الخير ، فإذا علم الله عز وجل ذلك منه بصدق نية كتب الله له من الأجر مثل ما يكتب له لو عمله ، إن الله واسع كريم " (1) .

 

    هذا إنسان فقير لا يملك شيئا ، يدعو الله أن يرزقه ليقوم بأعمال البر ، الله يعطيه ثوابا على نيته ورغبته مع أنه لم يقم بأي عمل خارجي ، فالثواب مترتب على نية الإنسان ورغباته ، الآن لا بدّ أن يلتفت الإنسان إلى رغباته ويوجهها إلى الله تعالى ، حتى الرغبة عليها ثواب ، فإلام ترغب وماذا تريد ؟ هل ترغب بأداء الأعمـال الصالحة لتحصـل على الثواب إذا لم تكن قادرا على

84 . . . . . . . . . . . . . . نيّة المؤمن خير من عمله ـــ القسم الثاني

 

الإتيان بهذه الأعمال ؟

    شخص يرغب بالحصول على المال ليبني مسجدا مع صدق نيته ، يأتي يوم القيامة وإذا عنده ثواب بناء مسجد ، وفي صحيفة أعماله ثواب أعمال صالحة كثيرة لم يأتِ بها في الخارج ، فيعطيه الله الثواب على رغباته لأنه كان صادق النية حينما رغب في الأعمال الصالحة ومنها بناء المسجد .

    إذن : النية هي عمل وحركة ، ولكن عمل وحركة داخل نفس الإنسان وباطنه .

 

    في رواية عن أمير المؤمنين عليه السلام : " النية الصالحة أحد العملين " (1) .

 

إذن : يوجد عند الإنسان نوعان من العمل :

    1ـــ عمل خارجي لا ينظر الله إلى حجمه ومقداره .

    2ـــ عمل داخلي باطني في نفس الإنسان ، وهو المعبر عنه بالنية ، وهو المهم عند الله تعالى .

 

    والآن بعد معرفة أن النية هي المهمة في نظر الله تعالى يأتي السؤال التالي :

نيّة المؤمن خير من عمله ـــ القسم الثاني . . . . . . . . . . . . . . 85

 

هل معنى ذلك أننا لا نهتم بالعمل الخارجي ؟

    هل يهمل الشخص الأعمال الخارجية ويقول أهم شيء رغباتي ونيتي ؟ ما دام عندي رغبة بالصلاة فلماذا أصلي ؟ ألا تكفي الرغبة للحصول على الثواب ؟

    إن العمل الخارجي مهم لأن الإنسان إذا كان قادرا على الإتيان بالعمل الخارجي فالله لا ينظر إلى الرغبة فقط ، نعم الشخص الذي لا يكون قادرا على الإتيان بالعمل الخارجي لأنه ليس تحت قدرته أو لوجود المانع ، هنا ينظر الله عز وجل إلى رغباته لأن هذه الرغبات صالحة ، وهو لو كان قادرا على الإتيان بالعمل الخارجي لأتى به لأنه إنسان صالح .

الجواب :

    نعم نهتم بالعمل الخارجي ولكن بشرط ، إن العمل الخارجي مهم وله قيمة إذا كان منطلقا من نية التقرب إلى الله ، فالعمل العظيم هو العمل المنطلق من النية الصادقة الخالصة لله وإن كان العمل صغيرا من حيث الظاهر ، وإن لم تكن بهذه النية فإنه لا قيمة له عند الله تعالى ، لنفرض أن شخصا يبني مسجدا ، هذا العمل الخارجي عمل عظيم حسب ظاهره ، ولكن متى يحصل من بنى المسجد على ثواب ؟

86 . . . . . . . . . . . . . . نيّة المؤمن خير من عمله ـــ القسم الثاني

 

    يحصل على ثواب إذا كانت نيته وقصده ودافعه هو التقرب إلى الله ، فيحصل على ثواب بناء المسجد ، ويحصل أيضا على ثواب هداية الناس الذين يهتدون بواسطة هذا المسجد ، ويحصل على ثواب كل خير من المسجد ، فيكون الثواب مستمرا ما دام هذا المسجد باقيا ، بل له ثواب إلى يوم القيامة من الناس الذين اهتدوا والذين ساهموا في هداية الآخرين والذين انتقلت هدايتهم إلى أولادهم وأولاد أولادهم ، وهكذا تستمر السلسلة إلى يوم القيامة ، وهكذا يحصل الإنسان على الثواب المستمر من بناء مسجد ، ولكن الثواب مشروط بالنية الخالصة لله تعالى ، وبناء المسجد من الصدقات الجارية لأن الثواب يجري عليه حتى بعد موت من بناه لأن المسجد دوره مستمر في هداية الناس إلى عشرات السنين بل مئات السنين ، وقد يؤول المسجد إلى الخراب ، ولكن هداية الناس مستمرة بسبب من كان حاضرا في هذا المسجد لأن من يهتدي بسبب هذا المسجد تنتقل هدايته إلى أولاده وأحفاده وأحفاد أحفاده إلى يوم القيامة ، وقد يكون بعض هؤلاء الأحفاد من أنصار الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف ، فيحصل من بنى المسجد على الثواب لأنه ساهم في تكوين بعض هؤلاء الأنصار ، ويأتيه الثواب في قبره في عالم البرزخ ، وكذلك في

نيّة المؤمن خير من عمله ـــ القسم الثاني . . . . . . . . . . . . . . 87

 

يوم القيامة ، وبناء المسجد عمل خارجي عظيم بشرط أن تكون نيته خالصة لله تعالى .

 

لا خير في الصدقة إلا مع النية :

يأتي هنا السؤال التالي :

    ما هو الدليل على أن العمل الخارجي لوحده لا قيمة له ؟

الجواب :

    في رواية عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال : " لا خير في قول إلا مع الفعل ، ولا في نظر إلا مع الخبرة ، ولا في المال إلا مع الجود ، ولا في الصدق إلا مع الوفاء ، ولا في العفة إلا مع الورع ، ولا في الصدقة إلا مع النية ، ولا في الحياة إلا مع الصحة ، ولا في الوطن إلا مع الأمن والسرور " (1) .

 

    " لا خير في الصدقة إلا مع النية " : الصدقة لا يوجد ثواب عليها إلا مع النية الصادقة لله ، وهذه قاعدة تجري في كل الأعمال لا فقط الصدقة ، والصدقة في الرواية من باب المثال لا أن الرواية مختصة بالصدقة ، فلا خير في الصلاة إلا مع النية ، ولا خير في الصيـام إلا مـع النيـة ، ولا خير في بنـاء المسجـد إلا مـع

88 . . . . . . . . . . . . . . نيّة المؤمن خير من عمله ـــ القسم الثاني

 

النية .

النية داعية الإنسان إلى العمل :

    النية هي داعية الانسان إلى جميع الأفعال ، فمن فعل فعلا ولم يعقد قلبه على ذلك لم يقبل الله منه عملا إلا بصدق النية ، لذلك لا بدّ أن نلتفت أننا حين القيام بأي عمل نلتفت إلى أن تكون نيتنا خالصة لله ، قد يقوم الرجل ببعض الأعمال قربة لزوجته ، لأن الزوجة تريد البيت بشكل معين فالرجل يقوم بشراء الأثاث التي تريدها الزوجة ولو كان يكلّف آلاف الدنانير ، وقد تسحب الزوجة زوجها إلى العمرة والحج والزيارة مع أنه لا توجد عنده رغبة بالذهاب ، لأن زوجته تريد منه هو يذهب ، لأن زوجته تريد هو يفعل ، وقد يقاطع والديه وإخوانه تقربا إلى زوجته ، وإذا ذهب الرجل إلى العمرة أو الزيارة بدون النية الخالصة لله فإنه لا يحصل على ثواب ، وبشكل عام مجتمعنا اليوم الزوجة هي المتحكمة به ، والمفروض أن الزوج هو الذي يسيّر الأمور في بيته بحكم قيمومته ، والقيمومة هي إدارة شؤون البيت ، الزوجة اليوم هي التي تحدّد وقت زيارة الزوج لوالديه وأهله وأرحامه ، وهي التي تحدّد كيفية لباس بناتها ، إذا كانت الأم صالحة فإنها تُلْبِسُ بناتها الحجـاب الشـرعي ، وإذا كانت الأم غير صالحـة فـإن بناتـها

نيّة المؤمن خير من عمله ـــ القسم الثاني . . . . . . . . . . . . . . 89

 

لا يلبسن الحجاب الشرعي بتربيتها السيئة مع أنك ترى الأب مؤمنا متديّنا حسب ظاهره ، ولكنه ترك قيمومته وإدارة شؤون البيت لزوجته مع أن قيمومة الرجل في بيته ضرورية جدّا ، ونفترض أنه يمارس قيمومته بنية التقرب إلى الله حتى لا يتحوّل إلى ديكتاتور ظالم في بيته ويسيئ استغلال القيمومة التي جعلها الله له ، ولكنها مشروطة بعدم استغلالها استغلالا سيّئا .

    وقد تكون نية الإنسان خالصة لله ، ولكن قد يبتدع بعض الأحكام الشرعية وهو يظن أنه يمكن التقرب بها إلى الله ، مثلا يبتدع صـلاة في كل يـوم الساعة الرابعة عصرا ، ويشرّع هذا الحكم ، نيته خالصة لله ، ولكن الله لا يتقبل هذا العمل مع أنه يريد أن يتقرب إلى الله بهاتين الركعتين ، وهاتان الركعتان ابتداع واختراع منه ، فمع وجود النية الخالصة لا بد من وجود حكم شرّعه الله تعالى ، فالإنسان يتقرّب بواسطة الحكم الشرعي إلى الله ، وفي كثير من الأحيان يقول بعض الأشخاص هذا العمل حلال وذاك العمل حرام ، ولا يلتفتون إلى أن هذا العمل هل هو حلال أو حرام حقّا وأن الدين شرع هذا الحكم أو لم يشرع .

    إذن : مع نية التقرب إلى الله يشترط أن يكون العمل شرعيا قد شرعه الله ، ولا بد من وجود دليل شرعي على مشروعيته .

90 . . . . . . . . . . . . . . نيّة المؤمن خير من عمله ـــ القسم الثاني

 

ويأتي هنا السؤال التالي :

    ما هو شرط النية ؟

الجواب :

    شرط النية هو إصابة الحكم الإلهي :

    في رواية عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال : " لا قول إلا بعمل ، ولا قول ولا عمل إلا بنية ، ولا قول ولا عمل ولا نية إلا بإصابة السنة " (1) .

    إصابة السنة أي إصابة الحكم الشرعي .

 

   وفي رواية سئل أبو عبدالله الصادق عليه السلام : ما العبادة ؟ قال : " حسن النية بالطاعة من الوجوه التي يطاع الله منها ، . . . " (2) .

 

    يوجد وجه طاعة لله عز وجل ، فلكي يستطيع التقرب إلى الله لا بدّ أن يعلم الشخص أن هذا العمل مشروع أو غير مشروع ، وبعد أن يعلم بأنه مشروع يستطيع أن يتقرب بهذا العمل إلى الله عـز وجـل ، وإذا لا يعـلـم أنـه عمـل مشـروع فـلا يسـتطيع أن يتقـرّب

نيّة المؤمن خير من عمله ـــ القسم الثاني . . . . . . . . . . . . . . 91

 

بعمل غير مشروع إلى الله ، ولا يمكن أن يتقرب إلى الله عز وجل بأعمال غير شرعية .

سؤال : كيف تكون النّيّة خيرًا من العمل ؟

الجواب :

    في رواية عن زيد الشحام قال : قلت لأبي عبدالله عليه السلام : إني سمعتك تقول : " نية المؤمن خير من عمله " . فكيف تكون النية خيرا من العمل ؟ قال : " لأن العمل ربما كان رياءً للمخلوقين ، والنية خالصة لرب العالمين ، فيعطي تعالى على النيـة مـا لا يعطي على العمل " . قال أبو عبدالله عليه السلام : " إن العبد لينوي من نهاره أن يصلي بالليل فتغلبه عينه فينام فيثبت الله له صلاته ويكتب نفسه تسبيحا ويجعل نومه عليه صدقة " (1) .

    وفي رواية عن أبي جعفر عليه السلام أنه كان يقول : " نية المؤمن أفضل من عمله ، وذلك لأنه ينوي من الخير ما لا يدركه ، ونية الكافر شرّ من عمله ، وذلك لأن الكافر ينوي الشرّ ويأمل من الشرّ ما لا يدركه " (2) .

92 . . . . . . . . . . . . . . نيّة المؤمن خير من عمله ـــ القسم الثاني

 

سؤال : من هو صاحب النية الصادقة ؟ من هو الذي يلتفت إلى أن تكون نيته دائما لله ؟

الجواب :

    روي عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال : " . . . فكذلك لا يقوم الدين إلا بالنية الصادقة ، ولا تثبت النية الصادقة إلا بالعقل " (1) .

    صاحب النية الصادقة هو الإنسان العاقل ، وهو عاقل لأنه يكون دائما ملتفتا إلى الله ، وبذلك تكون نيته دائما لله ، الآية التي تقول : ﴿ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْـقِ  السَّمَـاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَـا مَـا خَلَقْـتَ هَـذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (2) .

    الإنسان العاقل يعلم بوجود الله ، فيكون ملتفتا دائما إلى وجود الله ، ويتذكر الله عز وجل في كل الحالات التي يكون فيها ، وفي مجتمعنا من هو العاقل ؟

    الآن صاحب العقل هـو صاحب المـال ، فمن يملك مالا أكثر هـو

نيّة المؤمن خير من عمله ـــ القسم الثاني . . . . . . . . . . . . . . 93

 

الأعقل عند الناس ، والدليل أن الناس يستمعون إلى صاحب المال حينما يتكلم ولا يستمعون إلى الفقير ، وفي الروايات توجد تعاريف أخرى للعاقل لا حسب نظر الناس بل حسب نظر الدين ، والآن في المجتمع صاحب الشهادة وصاحب المنصب هو العاقل ، وهذا مخالف لما يتبنّاه الدين .

 

قبول صالح العمل مع صلاح النية :

 في رواية عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال : " لا يكمل صالح العمل إلا بصالح النية " (1) .

    حتى لو كان العمل صالحا فإنه لا يكون كاملا ولا مقبولا إلا بصدق النية ، ودورنا أن نلتفت إلى نياتنا حينما نؤدي الأعمال ، ولا يكون التركيز على العمل الخارجي فقط ، بل ننظر دائما إلى نيتنا وباطننا حين أداء العمل ، والثواب مترتب على النية .

    إذن : لا بد أن يلتفت الإنسان إلى نيته ، وأن الأعمال حتى لو كانت صالحة فلا يمكن أن تقبل إلا بالنية الصالحة .

 

صاحب النية الصادقة خارج عن سلطان إبليس :

    مـن نـتـائـج الـنـيـة الصادقـة أن الإنـسـان الـذي يلـتـفـت إلى نيتـه

94 . . . . . . . . . . . . . . نيّة المؤمن خير من عمله ـــ القسم الثاني

 

دائما يكون خارجا عن سيطرة إبليس لأنه ملتفت إلى وجود الله ، فلا يمكن لإبليس أن يجد طريقا له إلى نفس هذا الإنسان ، ولا يستطيع إبليس أن يؤثر عليه لأنه ملتفت إلى باطنه ونفسه ، ومن يلتفت إلى الله فإن إبليس لا يجد له منفذا إليه ، ولو التفت الإنسان إلى الله دائما لما استطاع إبليس أن يؤثر عليه بوسوسته .

 

   في رواية عن أبي عبدالله الصادق عليه السلام أنه قال : " قال إبليس : خمسة [ أشياء ] ليس لي فيهن حيلة وسائر الناس في قبضتي : من اعتصم بالله عن نية صادقة واتكل عليه في جميع أموره ، ومن كثر تسبيحه في ليله ونهاره ، ومن رضي لأخيه المؤمن بما يرضاه لنفسه ، ومن لم يجزع على المصيبة حين تصيبه ، ومن رضي بما قسم الله له ولم يهتم لرزقه " (1) .

 

قبول السامع لكلام من طابق كلامه نيته :

    من نتائج النية الصادقة أن المستمع إلى المتكلم صاحب النية الصادقة يتأثر بكلامه لأن كلامه مطابق لنيته ولما يعتقد في باطنه من أمور ، فالكلام الذي يخرج من القلب يدخل إلى القلب ، وأما إذا خـالـف الكلام نيـة المتكلم فـإن السامع لا يتأثر بكلامـه ، وهـذا

نيّة المؤمن خير من عمله ـــ القسم الثاني . . . . . . . . . . . . . . 95

 

من الأمور الغيبية المتعلقة بالنية .

    في رواية عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام أنه قال : " إذا طابق الكلام نية المتكلم قبله السامع وإذا خالف نيته لم يقع موقعه " (1) .

النية مرحلة وسطى بين العلم والعمل :

    النية تمثّل المرحلة الوسطى بين العلم والعمل ، فعلى الإنسان أولا أن يعلم ما يريد أن يقدم عليه ، ثم ينوي الإتيان به ، ثم يأتي بالعمل المشروع من قِبَلِ الله تعالى .

    في رواية عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال : " لا عمل لمن لا نية له ، ولا نية لمن لا علم له " (2) .

دور المؤمن الآن :

    في رواية عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال : " ليكن لك في كل شئ نية حتى في النوم والأكل " (3) .

    والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا أبي القاسم محمد وآله الطيبين الطاهرين .

 

 

الجهاد في سبيل الله (1)

 

    الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا أبي القاسم محمد وآله الطيبين الطاهرين .

 

يقول الله تعالى في كتابه الكريم :

 

    ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (2) .

    ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (3) .

الجهاد في سبيل الله . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . 97

 

    عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال : " للجنة باب يقال له باب المجاهدين ، يمضون إليه فإذا هو مفتوح وهم متقلّدون سيوفهم ، والجمع في الموقف ، والملائكة ترحّب بهم ، فمن ترك الجهاد ألبسه الله ذلاًّ في نفسه وفقرًا في معيشته ومحقًا في دينه ، إن الله تبارك وتعالى أعزّ أمتي بسنابك خيلها و مراكز رماحها " (1) .

 

    وفي خطبة لأمير المؤمنين عليه السلام قال : " أما بعد فإن الجهاد باب من أبواب الجنة ، فتحه الله لخاصة أوليائه ، وهو لباس التقوى ، ودرع الله الحصينة ، وجُنَّتُهُ الوثيقة ، فمن تركه رغبة عنه ألبسه الله ثوب الذّلّ وشملة البلاء ، . . . " (2) .

    هذه بعض الآيات والروايات التي تتحدث عن الجهاد ، والجهاد مشتق من الجُهْد ، فنأتي أولا لبيان معنى الجُهْد لغويّا :

 

    الجُهْد والجَهْد : الطّـاقة . الجُهد : الطّـاقة . والجَهْد من قولك : اجْهَدْ جَهْدَك في هذا الأمر ، أي ابلغ غايتك . والجُهْد : المشقّـة . وجَهَد الرجلُ في كذا ، أي جَـدَّ فيـه وبالغ . وجَهَـد الرّجـلُ

98 . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الجهاد في سبيل الله

 

فهو مجهود ، من المشقّة . والجَهاد ـــ بالفتح ـــ : الأرض الصّلبة . وجاهد في سبيل الله مجاهدة وجِهادا . والاجتهاد والتّجاهد : بذل الوُسْع والمجهود (1) .

   إذن : الجهد هو المشقّة وبذل الوسع ، فلا بدّ أن يشعر الإنسان بمشقّة نفسية وبدنية حتى يكون مجاهدا في سبيل الله ، وهذا لا يقتصر على الجهاد في ساحة الحرب ، بل هناك أنواع أخرى من الجهاد يمكن للمؤمن أن يؤديها ويأتي بها لا فقط في ساحة الحرب بل في أي مكان يكون فيه المؤمن .

 

أنواع الجهاد :

    هناك نوعان من الجهاد :

1ـــ الجهاد البدني :

    في ساحة المعركة عندما يتقدم المؤمن لمحاربة أعداء الدين .

2ـــ الجهاد النفسي :

    وهو جهاد النفس ، فالنفس لها شهوات وغرائز ورغبات ، وبعض هذه الرغبات تعارض أحكام الله عز وجل عندما تدعو النفس إلى ارتكاب المحرمات ، وهذا النوع من الرغبات يحتاج إلى

الجهاد في سبيل الله . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . 99

 

جهاد حتى يستطيع المؤمن أن يقاوم نفسه التي تدعوه إلى ارتكاب الحرام والتعلق بالدنيا والأخذ من حطامها ، والشيطان بالمرصاد يوسوس للإنسان ، ونفسه الأمارة بالسوء تدعوه إلى ارتكاب المحرمات .

    إذن : هناك نوعان من الجهاد : الجهاد البدني ، والجهاد النفسي .

 

   وفي واقعنا الحالي هناك هجمة شرسة على الإسلام والمسلمين ، والأحداث التي تجري في لبنان أو فلسطين أو أماكن أخرى لا بدّ للإنسان المؤمن أن يتفاعل معها ، فلا يمكن للإنسان أن يكون مؤمنا وفي نفس الوقت يكون سلبيا تجاه ما يحدث للإسلام والمسلمين ، والمؤمن يتفاعل مع هذه الأحداث .

 

    في رواية عن أبي عبدالله الصادق عليه السلام أن النبي صلى الله عليه وآله قال : " من أصبح لا يهتمّ بأمور المسلمين فليس منهم ، ومن سمع رجلا ينادي يا للمسلمين ؛ فلم يجبه فليس بمسلم " (1) .

    مـن لا يهتـمّ بـمـا يحـدث للمسـلمـين والمؤمـنـين فهـذا خـارج عـن

100 . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الجهاد في سبيل الله

 

دائرة الإسلام ودائرة الإيمان ، فلا بدّ أن يتفاعل المؤمن مع هذه الأحداث حوله حتى يستطيع أن يقدّم شيئا لهذا الدين ، وبالمقابل هـذا الديـن يعطيه شيئا أيضا ، يعطيه الجنة في مقابل هذه الخدمة ، فهناك خدمات متبادلة بين الدين والمؤمن ، والمؤمن لا يكون سلبيا ، ولا يكون أنانيا ، المؤمن لا يهتمّ بنفسه وزوجته وأولاده وبيته فقط ، ويقتصر على هذه الدائرة الضيقة ، وكأنه جاء إلى الدنيا ليهتم بهذه العائلة الصغيرة فقط ، وكأنه لا يوجد له دور تجاه الإسلام والمسلمين وأولاد المسلمين ، والمؤمن لا يكون أنانيا ، فلا يفكر بالنطاق الضيق فقط وينسى هذا العالم الكبير بما فيه من مشاكل ، الإنسان الذي يفكر بنطاقه الضيق فقط هذا الإنسان إيمانه ناقص ، ولا يمكن أن يدّعي أنه فيما بعد سيكون من أنصار الإمام المهدي عليه السلام ، أنصار الإمام المهدي عليه السلام يتفاعلون مع الأحداث التي تجري في العالم ، لا يكونون أنانيين يعيشون لأنفسهم فقط ، يشبع وينام في آخر الليل وكأنه لا توجد مسؤوليات تجاه هذا الدين وتجاه المسلمين .

    من يريد أن يكون مجاهدا في سبيل الله أولا لا بدّ أن ينتصر على شيطانه ، ويمارس جهاد النفس ، فإذا استطاع أن يمارس هـذا الـنـوع مـن الجهاد بعـد ذلـك يكون متهيّئـا لأن يجاهـد الأعـداء

الجهاد في سبيل الله . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . 101

 

جهادا بدنيا خارجيا ، فالإنسان ينطلق أولا من جهاد النفس وهو الجهاد الأكبر ، وبعد ذلك ينتقل إلى الجهاد الخارجي وهو جهاد الأعداء وهو الجهاد الأصغر ، فمن لا يستطيع أن ينتصر على شيطانه لا يكون متهيئا للانتصار الخارجي ، فأولا يوجد انتصار داخلي باطني ، وبعد ذلك يحصل على الانتصار الخارجي الظاهري ، ولا نتوقع من الإنسان الذي يرتكب المحرمات ويعصي الله أن يستطيع مقاومة العدو والانتصار على الأعداء في الخارج ، فأولا يوجد جهاد نفسي ، وثانيا هناك جهاد خارجي .

    الجهاد الخارجي أي جهاد الأعداء وظيفة شرعية على المؤمن ، فكما أن المؤمن يقاوم شيطانه ويقاوم نفسه ، كذلك يقاوم العدو الخارجي ، الإنسان المؤمن مكلّف تكليفا شرعيا أن يجاهد العدو ، ولا يجوز له أن يكون سلبيّا أنانيّا وكأن ما يحدث للمسلمين ليس من شأنه ، والأعداء يريدون أن يمحقوا هذا الدين في نفس المسلم وأن يقضوا على جميع المسلمين ، ولا بدّ أن يواجه المؤمن هذه الحرب الشرسة على الدين وعلى المسلمين ، لا يفرّق أعداء الدين بين السنة والشيعة ، بل يحاربون جميع المسلمين بلا استثناء ، فلا بد أن نهيئ أنفسنا لهذا التكليف الشرعي والوظيفة الشرعية وخاصة الآن في زماننا .

102 . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الجهاد في سبيل الله

 

    ويمكن أن نحدد الوظيفة الشرعية بعدة نقاط :

النقطة الأولى :

    أن يكون هناك جهاد نفسي تجاه العدو ، الجهاد النفسي بأن تشعر بكره تجاه أعداء الدين ، وأن لا توجد مودّة ومحبّة وميل قلبي تجاههم ، هم يحاربونك بمختلف الطرق ، وبالمقابل  لا يشعر المسلم بحب تجاه أعدائه .

 

يقول الله تعالى :

﴿ لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (1) .

 

    المؤمن لا يوادّ أعداء الدين ، ولا يُعْجَب بهم ، ولا يقلّدهم في أعمالهم ، لا يوجد حب تجاه الشيطان الأكبر ، المؤمن لا يشعر بميل قلبي تجاه الشيطان الأكبر ، فهـل يُعْجَـبُ المسلمون اليـوم بهـم

الجهاد في سبيل الله . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . 103

 

وبأفعالهم ؟

 

    من يعجب بأفعالهم عليه أن يراجع نفسه فإن هذا الحب تجاههم يخرجه من دائرة الإيمان إلى دوائر أخرى ، الجهاد الأول هو عدم وجود الحب تجاه أعداء الدين وعدم الإعجاب بأفعالهم ، لا يقال عنهم إنهم شعب عظيم لأنهم يخترعون المخترعات الحديثة ويقدّمونها للمسلمين .

 

النقطة الثانية :

    المطلوب من المؤمن الجهاد الخارجي ، والجهاد الخارجي تارة يكون في ساحة الحرب ، وتارة أخرى يمكن لنا ونحن في أماكننا في بلادنا أن نجاهد الشيطان الأكبر ومن يقف معه ، على أقل التقادير يقاطع المسلم بضائعهم من سيارات وأجهزة ومأكولات ، ويأخذ البدائل الموجودة في السوق ، فمن يحاربون الدين يجب على المسلمين مقاطعة بضائعهم ، وهذا أقل ما يمكن ، ويتجه المسلمون إلى البدائل ، فلماذا الإصرار على أن تكون السيارة من الشيطان الأكبر ؟ لماذا الإصرار على أن تكون الأجهزة في البيت منهم ؟

    المفروض أن الإنسان المسلم لا يحبّ أعداء الدين ولا يشتري مـن بضائعـهـم ، لـو قـاطـع جـمـيـع المسـلمـين بضـائعهـم فـهـذه حـرب

104 . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الجهاد في سبيل الله

 

اقتصادية عليهم ، سيشعرون بالخسائر ، الإنسان الذي يشتري من بضائعهم يساهم في قتل المسلمين لأن هذه الأموال توجّه لمحاربتك أيها المسلم ، فكما تشعر بالحزن والأسى لما تراه على شاشة التلفاز أن المسلمين يُقْتَلون لا بد أن يتفاعل المسلم مع ما يحدث على المسلمين في فلسطين المحتلة وفي لبنان الجريحة ، ولكن في نفس الوقت قد تساهم مادّيّا في قتل هؤلاء المسلمين عندما تشتري بضائع الأعداء ، فكل دينار تدفعه أنت تساهم في قتل أحد المسلمين ، لا بدّ أن تشعر بهذه المسؤولية ، عليك مسؤولية تجاه الدين وتجاه المسلمين ، لا ينظر الشخص إلى أنه يريد سيارة فخمة فاخرة ، وبواسطة شراء هذه السيارة يساهم في قتل المسلمين وهو غير ملتفت إلى المسؤولية الملقاة على عاتقه ، المؤمن لا يكون ساذجا لا يلتفت إلى ذلك ، لا بد أن يشعر بالمسؤولية عليه ، والبدائل موجودة في السوق حتى لو كان هناك إغراء في سعر البضاعة وتوفّر قطع الغيار ، المفروض أنك كمؤمن لا تُغْرَى بهذه الطريقة ، قد تدفع أكثر في شراء البديل ولكن اعتبره في خدمة الدين والدفاع عن المسلمين والقيام بوظيفتك الشرعية ، وهذا جهاد بالمال ، والناس يدفعون كثيرا من الأموال من أجل شـراء شـيء لا نفـع فيـه ، وحينمـا تشـتري بديـلا بسعـر أعلى فأنـت

الجهاد في سبيل الله . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . 105

 

تجاهد بهذا المقدار في سبيل الله ، وكم من المؤمنين يشترون سيارات من الأعداء ويأتون بواسطتها إلى المسجد ، لماذا يشتري هذه السيارة ؟ ألا تشعر أيها المؤمن بالمسؤولية تجاه دينك ؟

 

    لا بدّ أن تشعروا بهذه المسؤولية لا أن الإنسان يعيش الأنانية وأنه يريد أن يشعر بالجو البارد أثناء قيادة السيارة .

 

النقطة الثالثة :

    المطلوب الجهاد المالي عن طريق التبرع بالمال ودعم المجاهدين مادّيّا ، توجد مسؤولية على الإنسان تجاه الأموال الموجودة تحت يده ، فلا بدّ أن يتبرع المؤمن بجزء من هذه الأموال ، اجعل نسبة في كل شهر من معاشك لخدمة الدين ، وكم من الثواب الجزيل الذي يكسبه الإنسان حينما يتبرع بجزء بسيط من ماله ، بذلك يخدم دينه ، الله يعطيك المال ويجعله في يدك ، لكنك لست حرّا تصرف المال كما تريد وترغب ، الله يجعل المال في يدك أمانة ، ولا تكون حرا في تصرفك بهذا المال ، يعطيك المال ويجعل لك حدودا في صرفه ، لذلك يحاسبك الله يوم القيامة على الأموال التي تكون تحت يدك .

    فـي روايــة عـن أبـي عـبـدالله عـلـيـه الـسـلام قـال : قـيـل لأمـيــر

106 . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الجهاد في سبيل الله

 

المؤمنين عليه السلام : عظنا وأوجز . فقال : " الدنيا حلالها حساب وحرامها عقاب ، . . . " (1) .

 

    حتى الأموال التي تصرفها في الحلال يوجد عليها حساب من الله عز وجل ، في شراء الحلال أنت محاسب عليه ، فأنت لست حرّا ، الملكية الموجودة عندك للأموال ليست ملكيّة حقيقيّة ، المالك الحقيقي هو الذي يكون له مطلق التصرف بأمواله ، ولكنك ليس عندك مطلق التصرف بهذه الأموال ، وهذا يدلّ على أنك لست المالك الحقيقي للمال ، الله أعطاك المال أمانة في يدك ، فأنت لست حرّا بأموال التي تكون تحت ملكيّتك الاعتبارية ، الله أعطاك الأموال وجعل لك مصارف معيّنة لها ، أنت لا تستطيع أن تشتري ما تشاء ، وأن تفعل بها ما تشاء ، لا يجوز لك أن تحرق الأموال وتقول أنا حرّ ، فيقال لك أنت لست حرّا ، أنت مسؤول عن كيفيّة صرف المال ، لذلك يحاسبك الله على المال الموجود بيدك ، ولولا الحساب لقلنا أنت حرّ ، فحرّيّتك مقيّدة وليست مطلقة ، ووجود الحساب دليل على أنك لست حرّا في أموالك ، فـلا يمكن أن تشتري مـا تـشـاء وتحـبّ وترغـب ، عـندما تدخـل إلى

الجهاد في سبيل الله . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . 107

 

الجمعية التعاونية أنت مسؤول عما تشتري ، فالله عز وجل يسألك يوم القيامة لماذا اشتريت هذا الشيء وذاك الشيء ، ولا بد أن تعدّ الجواب من الآن بأنني يا ربي اشتريت هذا الشيء لأنني احتجته ، والله يعلم أنك تحتاجه حقيقة أو أنه مجرد ادّعاء ، تلبّس بيتك بالرخام أو الحجر الأردني أنت مسؤول ، لا تظن بأن أفعالك في الدنيا تكون بلا حساب .

    لا بدّ أن تفكر جيدا بجعل الأموال في المصارف التي يحدّدها الله عز وجل ، ومن المصارف خدمة الدين وخدمة المؤمنين ، في بعض الروايات أن الإنسان يصرف هذه الأموال في حاجاته الضرورية فقط ، وهي التي يحتاجها فعلا لا حاجات اصطناعية هو يخترعها ، الإنسان يستطيع أن يشتري كثيرا من الأشياء ويدّعي أنه يحتاجها ، ولكن في الواقع لو يراجع نفسه يجد أنه لا يحتاجها حقّا ، بل هذه الأشياء تكون زائدة في بيته ، وكم يسرف الإنسان ويبذّر من الأموال في شراء أشياء لا يحتاجها ، يجعلها في البيت لا لحاجة واقعية بل لحاجة مصطنعة .

    وفي الروايـة يأخذ منها حاجته ويرجع بباقي الأموال على فقراء المؤمنين يلمّ بها شعثهم .

    عــن أبــان بــن تـغـلــب قــال : قـال أبـو عـبـدالله علـيـه السلام :

108 . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الجهاد في سبيل الله

 

" أترى الله أعطى من أعطى من كرامته عليه ومنع من منع من هوان به عليه ؟ لا ، ولكن المال مال الله يضعه عند الرجل ودايع ، وجوّز لهم أن يأكلوا قصدًا ويشربوا قصدًا ويلبسوا قصدًا وينكحوا قصدًا ويركبوا قصدًا ، ويعودوا بما سوى ذلك على فقراء المؤمنين ويلمّوا به شعثهم ، فمن فعل ذلك كان ما يأكل حلالا ويشرب حلالا ويركب وينكح حلالا ، ومن عدا ذلك كان عليه حراما " . ثم قال : " لا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين ، أترى الله ائتمن رجلا على مال خوّل له أن يشتري فرسا بعشرة آلاف درهم ، ويجزيه فرس بعشرين درهما ، . . . . وقال : " ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين " (1) .

 

    والآن الدابة هي السيارة ، إذا كانت حاجة الإنسان في سيارة بقيمة أربعة آلاف دينار مثلا ويشتري سيارة بقيمة خمسة وعشرين ألف دينار فالباقي يعتبر إسرافا ، وهو محاسب على إسرافه بالزائد الذي صرفه ، فإذا كان يحتاج شيئا واشترى بقيمة أعلى من حاجته فهو مسؤول عنه ، الله سيحاسبه ، الإنسان الـذي يريد أن يرفع صـدره أثنـاء قيادتـه لسيارته لأنـه يعيـش حـالـة

الجهاد في سبيل الله . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . 109

 

العجب بنفسه والكبر على عباد الله ؛ لا يظن أنه غير محاسب على ذلك ، الإنسـان محاسب على كل شيء ، وهو مسؤول عن المال ، ونحتاج إلى موضوع مستقل حتى تتّضح مسؤولية الإنسان المؤمن تجاه الأموال التي تحت يده ، ليس حرّا بأن يسافر وأن يصرف خمسة آلاف دينار مثلا في شهر واحد في سفر للسياحة والترويح عن النفس ، إذا كنت إنسانا مؤمنا وتعرف أن هناك مجاهدين في سبيل الله فأنت مسؤول عن ما تقدم لهؤلاء المجاهدين لا فقط نصفّق لهم ، التصفيق لا يقدم لهم شيئا ، يشعر بحزن عندما يرى الصور التي يعرضها التلفاز ، ولكن هذا الحزن يتلاشى بعد قليل ، تأثر لحظي فقط ، ولا يبقى هذا التأثر في نفسه بل يزول بسرعة ، وفي الصيف يسافر ويصرف آلاف الدنانير في دولة معادية للمسلمين ، أين تأثره حينما رأى صور المجاهدين ؟ ألا يشعر بهذه المسؤولية ؟ هل من أجل ( وناسة ) أولاده فقط يذهب إلى هذه الدول ؟

    يصرف الأموال الطائلة في سبيل ( وناسة ) أولاده ويوجد أولاد أمّيّون لا يعرفون القراءة والكتابة في بلدنا ، لا يذهبون إلى المدارس لأن آباءهم لا يستطيعون دفع الأقساط ، وهو بكل سهولة يـدفـع آلاف الدنـانير في سـفـرة واحـدة مـن أجـل لـذّة لحظيّـة ، كلّنا

110 . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الجهاد في سبيل الله

 

مسؤولون عن المؤمنين الموجودين في بلدنا وفي البلدان الأخرى ، إذا كان هناك فقراء فكلنا مسؤولون عنهم ، الفقراء يوجدون لأننا لا نؤدي حقوق أموالنا ، شخص واحد يصرف عشرة آلاف دينار في الشهر في سفرة واحدة ، وتستطيع أن تجمع كل الأموال التي يصرفها جميع الناس في سفر لا حاجة له ، لو جمعتها لصارت ملايين الدنانير بل مليارات الدنانير ، والولد الأمّيّ يحتاج فقط لمائتين وخمسين دينارا في السنة حتى يذهب إلى المدرسة ، ألا تشعر بمسؤولية تجاه أولاد المؤمنين المشتركين معك في الدين ؟

    هناك فقراء في بلدنا لا يحصلون على قوت يومهم ومؤونة سنتهم ، ألا تشعر أيها المؤمن بمسؤولية تجاههم ؟

    حينما تشتري لأولادك ملابس جديدة ألا يأتي أولاد الفقراء إلى ذهنك ؟

    لو أن ولده اشتهى شيئا فهو مستعد أن يذهب إلى السوق في نفس اللحظة ليشتري لولده ما يشتهي حتى لا يتكدّر خاطر الولد .

    إذن : هناك مسؤولية تجاه الأموال التي تحت يدك وتجاه الدين وتجاه المؤمنين .

    إن المؤمن الذي يريد أن يجاهد أعداء الدين لا بدّ أن يوجد عنده دافع ذاتي لمجاهدتهم ، لا فقط أنه حينما يجمعون التبرعات

الجهاد في سبيل الله . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . 111

 

هو يتبرع بشيء للمجاهدين ، أنت مسؤول حتى مع عدم وجود الدافع الخارجي ، لا بد أن يكون عندك دافع داخلي تجاه الدين وتجاه محاربة أعداء الدين حتى يكون هناك ضمان لاستمرارية المجاهدة ، هل قبل أن تنام في الليل تفكر بهؤلاء المجاهدين أو تنام قرير العين وأنت في راحة تامة ؟ في ظلّ الأوضاع المحيطة بالمسلمين كيف يمكن أن تكون مرتاحا ؟ كيف يمكن أن تكون سعيدا وهناك أطفال يقتلون ؟

    كما أن الشخص يهتمّ بأولاده عليه أن يهتم بأولاد المسلمين ، تخيل أنك لو كنت فلسطينيا أو لبنانيا أو من أي جنسية أخرى مستضعفة وأنت في وضعهم ألا تقول : لماذا لا يحس العرب بنا ؟

    اجعل نفسك في مكانهم واشعر بمشاعرهم ، ولكن لأنك ولدت في هذا النعيم لا يعني ذلك أنك خالي من المسؤولية ، هؤلاء يجاهدون بأنفسهم وأنت عليك أن تجاهد بالمال ، أنت في يدك خير كثير ، ولكن في أي شيء تجعل هذا الخير ؟ أتجعله في بيت فخم وسيارة فارهة وطعام كثير لذيذ ولباس للأولاد فقط ؟

    والتفكير لا يتعدّى هذه الأشياء الزائلة ، تستطيع أن تكون من المجاهدين في سبيل الله ، تستطيع أن تدخل من باب المجاهدين فـي الجـنـة عـن طريـق الجـهـاد بالمـال ، ولا يـقـال بكل أموالـك ، بـل

112 . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الجهاد في سبيل الله

 

بجزء قليل من مالك تجعله في سبيل الله ، والدّافع الذاتي لا بدّ أن يكون موجودا عند المؤمن ، لا تنتظر شخصا يدعو لجمع التبرعات ، يمكنك أن تجعل نسبة من معاشك الشهري في سبيل الله ، ومنه دعم المجاهدين ، من المهم أن يوجد عندك الدافع الذاتي ، أنت لا بدّ أن تفكر بالمسلمين ، المؤمن لا ينسى الأمور المهمّة المتعلّقة بدينه ، المؤمن لا يكون غافلا ، المؤمن يتذكر الله عز وجل دائما حتى يكون مؤمنا كاملا ، وذاكرا لما يريد منه الله عز وجل ، ولا يغفل عن مسؤولياته طرفة عين .

    إن المؤمن يتحرك بنفسه إذا كان مؤمنا بقضية ويوجد عنده الدافع الداخلي لجهاد الأعداء ، ولا يحتاج إلى الدافع الخارجي من الآخرين حتى يتحرك ، ودور الآخرين لضمان الاستمرارية هو إيجاد الدافع الداخلي لا فقط العمل الخارجي بجمع التبرعات ، وإذا لم يوجد الدافع الداخلي فإن التحرك يكون مؤقتا .

    إن مسؤوليتنا الكبيرة هي بسبب المال الموجود بأيدينا ، فقد أعطانا الله المال وجعل معها مسؤوليات معينة ، منها جهاد الأعداء بهذا المال ، فالله يعطي المال ويحدد مصارفها ، جزء منها على النفس والأولاد ، وجزء منها للمسلمين الفقراء ، وجزء منها للدفاع عن الدين الذي هو جزء من مسؤولية المؤمن .

الجهاد في سبيل الله . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . 113

 

    إن من يقوم بمسؤوليّاته يكون متهيئا لأن يكون من أنصار الإمام المهدي عجل الله فرجه ، الإنسان السلبي والإنسان الأناني لا يمكن أن يكون من أنصار الإمام عليه السلام ، أنصار الإمام عليه السلام يقدّمون أرواحهم في سبيل الله ، ويقدّمون كل ما يملكون في سبيل الله ، فهل استطعت أيها المؤمن أن تهيئ نفسك لهذه المهام العظيمة مع إمام زمانك ؟

 

    الإنسان الذي يعيش من أجل بيته وزوجته وأولاده فقط يستحيل أن يصل إلى درجة أنصار الإمام عليه السلام ، بل على العكس قد يقف ضد الإمام عليه السلام ، وأقل شيء أن ينكر أنه إمام زمانه ، وكثير من الناس سينقلبون عند ظهور إمامهم لأنهم لا يعرفون مسؤولياتهم الملقاة على عواتقهم ، سيقولون : ومن يقول إن هذا هو إمام الزمان ؟

 

    الدين يريد منك أن تكون متهيئا قبل الظهور للجهاد في سبيل الله بنفسك وأموالك ، لا أن تتهيأ بعد الظهور .

 

يقول تعالى :

    ﴿ هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيهُمُ الْمَلآئِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن

114 . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الجهاد في سبيل الله

 

قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انتَظِرُواْ إِنَّا مُنتَظِرُونَ (1) .

الجهاد في سبيل الله . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . 115

 

    لا بدّ أن يكون مؤمنا حقيقيّا حتى يمكنه أن يجاهد في سبيل الله مع وقت ظهور إمام زمانه .

    إن من يعرف دوره تجاه المال ويقوم بهذا الدور يكون متهيئا لأن يكون من أنصار الإمام المهدي عليه السلام لأن أنصاره هم الذين يدافعون عن هذا الدين بما يستطيعون ، ولا يكون من الأنصار من يكون سلبيّا غير مهتم بما يحصل لهذا الدين وغير مبال بشؤون الإسلام والمسلمين ومن لا يعرف تكليفه الشرعي فيما يواجهه المسلمون من حرب على دينهم ، فمن يحارب دينك يجب على المسلمين جميعا محاربته بمختلف الطرق ، هم يحاربوننا بمختلف الطرق ، ونحاربهم بمختلف الطرق ، وبالطبع تكون المقاومة بالطرق السلمية بمقاطعة بضائعهم أولا لأنهم ليسوا حربيين ، نعم من يدخل في حرب مع المسلمين وهو ينوي قتل المسلمين وتدمير ممتلكاتهم يواجهون بالحرب ، وهذه مسؤولية عليك أيها المؤمن ، ولكن لا بدّ أن تعرف الفرق بين الكافر الحربي والكافر غير الحربي ، لا كما يفعل الإرهابيّون الذين يقومون بقتل الكافر غير الحربي ، والدين الإسلامي هو دين السلام لا دين الإرهاب والقتل العشوائي .

    إن الـحـرب مـع الـيـهـود الصهاينـة حـرب عقائديـة تشـمل جميـع

116 . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الجهاد في سبيل الله

 

المسلمين لا حرب طائفية بين اليهود والعرب فقط ، وهناك محاولة لجعل هذه الحرب شأنا داخليا بين اليهود والفلسطينيين ولا شأن للمسلمين والعرب الآخرين بهذه الحرب .

   وفي الختام لا توجد عزة للمسلمين إلا بالجهاد بمختلف الطرق ، وكل شخص يجاهد حسب استطاعته ، فلا بدّ لكل مؤمن أن يحدّد دائرة استطاعته أولا ويؤدي تكليفه ثانيا حتى لا يكون من المقصرين .

    والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا أبي القاسم محمد وآله الطيبين الطاهرين .

 

 

 

 

 

 

 

 

قصّة قصيرة

 

 

العـصـفورة

و

صـاحـب الشّـبّـاك الأخـضــر

 

    نحن نعيش في مجتمع الطّيور الّذي يسوده الهدوء والطّمأنينة ، ولنا حاكم عادل هو سيّدي " المعلِّم الأكبر " ، يعيش على سفح أعلى جبل في مكاننا ، يراقبنا ليرى كيف يسير المجتمع ، ويعطينا الأوامر والتّوجيهات المناسبة لحلّ المشاكل المختلفة في مجتمع الطّيور ، ونحن مجموعة نشكّل طبقة " المعلِّمون والمعلّمات " ، هو الّذي قام بتعليمنا وتدريبنا وأعطانا من الأسرار الخافية على كثير من أفراد مجتمع الطيور ، فنحن الطّبقة المختارة من قِبَلِهِ ، ونحن أياديه الّتي تدير أمور مجتمع الطيور ، ودورنا أن نستقبل الطّيـور الصّغيرة ونعلّمها كيفيّـة الطّيران ومواجهـة مصـاعب الحيـاة والتّفكـير الصّحيـح في حـلّ المشـاكل الّتي تواجهـها ، ومعظـم الطيـور

 

- 117 -

118 . . . . . . . . . . . . . . . . العصفورة وصاحب الشباك الأخضر

 

الّتي نستقبلها لا تستفيد من خبراتنا في التعليم ، بل تريد أن تستقلّ بآرائها قبل أن تتعلّم ألف باء الطّيران ، وتسقط في المهالك قبل أن تتعلّم أبجديّات مواجهة الحياة ، وقليل من الطّيور تستفيد منّا وتعرف أنّها تحتاج إلى خبرة المعلّمين في حياتها دائما ولا تستغني عن خبراتنا في هذه الحياة ، وعندما تنتهي دورة تعليمها تظلّ ترجع إلينا وتسألنا عن كيفيّة حلّ مشاكلها المختلفة ، وقد ينتقي " المعلّم الأكبر " البعض منها إذا توفّرت فيه الصّفات المناسبة ليدخل في طبقة المعلّمين والمعلّمات .

    وصلتني رسالة من سيدي " المعلّم الأكبر " أنه ستدخل عصفورة صغيرة إلى مجموعتي التي أشرف عليها ، وطلب منّي أن أرعاها رعاية خاصة لأنّها جديدة على الحياة ، فقد عاشت بين طيور رماديّة اللّون ، وهي كانت قد اكتسبت اللّون الأبيض وأحسّت بغربتها بينهم ، وأرادت أن تعيش بين طيور من نفس لونها ، بل أرادت أن تعيش مع أحد المعلِّمين لتستفيد منه ، وما زال الزّغب الأبيض على جسدها الصغير وانتثر بعض ريشها ، وجناحها مكسور ، ويوجد تحت جناحها جرح عميق تعاني منه كثيرا ، فطلب المعلّم الأكبر الإشراف بنفسي على تعليمها الطّيران ومـواجـهـة الحيـاة وتنميـة مواهبـها لتكون مـن المعلّمـات فيـمـا بـعـد ،

العصفورة وصاحب الشباك الأخضر . . . . . . . . . . . . . . . . 119

 

فصورتها ستكون جميلة بألوانها المتناسقة ، ولها صوت جميل كصوت المطر الهادئ ، ولكن مشكلتها الرئيسيّة تكمن في الغُرُورِ والعُجْبِ بنفسها والكِبْرِ والغَضَبِ السّريع والإصرار على رأيها الذي تعتقد بأنّه صحيح دائمًا وإن لم يكن بدليل ، وتعتقد أنّها في مصافّ المعلّمين بل تتفوّق عليهم ، وإذا استطاعت القضاء على هذه الصّفات بمعونتي ستدخل إلى طبقة المعلِّمات ، ويكون لها دور كبير بتربية الطّيور الصغيرة في مجتمع الطيور .

سألت المعلّم الأكبر : هل يمكن أن تكون من القلّة الّتي تنجو أو من الكثرة الّتي تسقط في المهالك ؟

فقال لي : تكليفك أن تبذل جهدك ، وسترى النّتيجة ، ولن أطلعك عليها ، وستعرف بنفسك فيما بعد .

    ولكني توقعت النّتيجة المعتادة .

قلت للمعلّم الأكبر : هل يمكن أن تعفيني من هذه المهمّة وتعطيها لأحد المعلّمين الآخرين ؟

قال : لا ، لقد تمّ اختيارك لهذه المهمّة .

قلت : لم تمّ اختياري لهذه المهمّة الصعبة الّتي يمكن لي معرفة نتيجتها قبل الدّخول فيها لأنّني قد رأيت مثلها كثيرا ؟

فـقـال : لـوجـود صـفـات فـيـك بـدرجـة أكـبـر ممـا هـي فـي المعـلّمـين

120 . . . . . . . . . . . . . . . . العصفورة وصاحب الشباك الأخضر

 

الآخرين ، فأنت واسع الصدر صبور تتحمّل كثيرًا ولا تفقد أعصابك ولا تخرج عن هدوئك في أحلك المصاعب ، أنت الشّخص الأنسب لهذه المهمّة .

قلت : نعم سيّدي ، فأنا تحت أمرك وإن كان يؤدّي إلى وقوع الضّرر عليّ .

قال : لا تخف من الأضرار ، فأنا سأدفع عنك كلّ ضرر ، ولا تخشَ من شيء فأنت تحت رعايتي الخاصّة .

قلت : نعم سيّدي .

   كنت أنثر الحبّ على شبّاكي الأخضر وتأتي الطّيور لتأكل منها ، بعضها تقف مرّة وتذهب إذ لا يعجبها الحبوب الّتي أنثرها لا لأن الحبّ فاسد بل لأنّها لا تميّز النّوع الجيّد .

    ذات يوم في الصباح الباكر وكانت السماء تمطر بغزارة سمعت صوتَ طيرٍ يتأوَّه من الألم والحزن ، فجاء إلى ذهني كلام سيّدي " المعلّم الأكبر " ، فأسرعت إلى الشّبّاك وإذا بي أجد عصفورة صغيرة كما وصفها سيّدي ، أخذتها بكل رفق وحنان وضممتها إلى صدري لأشعرها بالدّفء ، رأيت أنّها بدأت تتحرّك بعد شعورها بالدّفء والحنان ، لقد ردّت إليها الرّوح ، نظرت إليّ بعينين فيهما الامتنان والشّـكر والاعتـراف بالجمـيل ، كنـت أنظـر إليها ويتردّد في

العصفورة وصاحب الشباك الأخضر . . . . . . . . . . . . . . . . 121

 

ذهني كلام المعلّم الأكبر أن قم بتكليفك ولا شأن لك بالنّتيجة ، كنت أتساءل يا ترى ما هي النّتيجة ؟ ماذا يخفي عني سيّدي المعلّم الأكبر ؟

لم يكن عليّ إلا طاعة سيّدي .

    جعلت للعصفورة قفصًا خاصًّا جعلت فيه كلّ وسائل الراحة كما أمرني سيّدي أن أشرف بنفسي عليها وعلى تعليمها ، بدأت العصفورة تستردّ عافيتها بعد أن رعيتها أيّامًا وأيّامًا ، ومرّت الأيّام والأسابيع وبدأت بتعليمها وتدريبها ، كان يظهر منها الطّاعة في أخذ تعليماتي في البداية ، وكانت توافقني على ما أقول وإن كان يبدو منها في بعض الأحيان معارضة لما أقول ، ومرّ في ذهني عشرات وعشرات الطّيور أمثالها ، ولكن كلّ شخص يقوم بتكليفه الملقى على عاتقه من قبل المعلّم الأكبر ، كانت تشكرني على رعايتي الخاصّة لها وأنّها ستظلّ معي إلى الأبد ولن تفارقني لتخدمني وتساعدني فيما بعد في وظيفتي التي نَذَرْتُ حياتي لها .

    مع مرور الأيّام بدأت معارضتها لي تزداد ، بدأت تنعتني بعدم العلم وعدم الفهم وعدم الخبرة ، وتقول إنّها أيضا قد قَرَأَتْ ما اطَّلَعْتُ عليه من كتب ، ولكن لا يمكن أن تكون قد قرأت كثيرا مما اطّلعت عليـه ، ولا أستطيع أن أقـول لـهـا إنّ كثيـرا ممـّا عنـدي

122 . . . . . . . . . . . . . . . . العصفورة وصاحب الشباك الأخضر

 

من علم لم أكتسبه من بطون الكتب ، فهناك دائمًا وسائل أخرى للتّعلّم يخفى على أمثال هذه العصفورة المغرورة ، فما أخذناه من علم من سيّدي المعلّم الأكبر لا يمكن لمثل هذه العصفورة أن تتخيّله ، بدأ يصيبها الغُرُورُ والعُجْبُ بالعلم القليل الّذي عندها وترى أنّها أفضل من المعلّمين في علمها وفهمها .

    وفي يوم قالت إنها قرّرت أن تتركني وتريد الطّيران من إحدى الجبال العالية دون مساعدة منّي ، فقلت لها إنّها ليست مستعدّة للطّيران وأنّه لا توجد لديها الخبرة الكافية لذلك ، فالرّياح عاتية على سفح هذا الجبل ، والتّيّارات الهوائيّة كثيرة ، ولكنها أصرّت على ما تريد كعادتها ، فَذَهَبَتْ إلى الجبل وأنا خلفها أريد أن أثنيها عمّا تفكر به ، ولكنّها واصلت المسير .

    وَصَلَتْ إلى سفح الجبل وأنا أكرّر وأكرّر وأرجوها أن لا تطير لوحدها ، وهي تقول لا شأن لك بي فعندي العلم والخبرة الكافية للطيران ، وأصرّت وأصرّت وأنا أنظر إليها بحرقة قلب من الحزن على ما سيصيبها بعد قليل ، لقد رأيت طيورًا مغرورةً كثيرةً على سفح هذا الجبل وكانت النّتيجة واحدة .

صحت بصوتٍ عالٍ : لا تطيري لوحدك فلم يحن الوقت .

    نظرت إليّ بغـرور وكِبْرٍ وعُجْـبٍ بنفسـها لتُظْـهِرَ أنّـها واثـقـة مـن

العصفورة وصاحب الشباك الأخضر . . . . . . . . . . . . . . . . 123

 

نفسـها ، وبدأ لون ريشها يتغيّر إلى اللّون الرّماديّ مع بعض السّواد المنتشر هنا وهناك على جسمها .

    قَـفَـزَتْ . . . بـدأت تحـرّك جناحيـها بقوّة . . . طارت قليلا . . . بدأت الرّياح العاتية تجرفها .

صرخت بغضب : أنت السّبب فيما يجري عليّ . . . أنت الّذي جعلتني في هذا الموقف .

    وأنا أنظر إليها بكل هدوء وتعجّب ، فكما قال سيّدي إنّني أحتفظ بهدوئي ولا أفقد أعصابي في أحلك الظروف .

    إلى آخر لحظة وهي لا تعترف بخطئها ، جرفها التّيّار الهوائيّ القويّ ، بدأت تصرخ بصوت خافت حتى لا يظهر ضعفها ، بدأت توجّه لي الاتّهامات بغضب ، جرفها التّيّار ، سقطت في الهاوية وأنا أشعر بحزن شديد عليها وقلبي يعتصر ألمًا لما أصابها ، اختفت في التّيّار الهوائيّ ، ابتعدت قليلا قليلا وأنا أرى على وجهها الإصرار لأنّها لا تريد أن تعترف بخطئها مع أنّها كانت تتألّم وتأسف على عدم الاستماع لكلامي ، وتذكّرتُ كلام سيّدي المعلّم الأكبر ، ذَهَبَتْ أدراج الرّياح وقلبي يتفطّر حزنًا ، وكنت أعلم أنها ستشعر بالنّدم على ما أصابها وعلى غرورها وغضبها ، ولكن ساعة الزّمـن لا ترجـع إلى الوراء ، رجعت إلى بيتي حزينًا مكسـورَ القلـب

124 . . . . . . . . . . . . . . . . العصفورة وصاحب الشباك الأخضر

 

على مـا أصـابها .

    بدأت أكلّم نفسي وأنـا أتخيّلها : " يـا لَـكِ مـن مسكينة ! لـو انتظرت قليلا لعلّمتك كيفيّة الطّيران ولَطِرْتِ من جبل أعلى من هذا الجبل مهما كانت تيارات الهواء قويّة ، بل لعلّمتك الطّيران في العواصف العاتية والأعاصير الشّديدة ، ولكن غرورها وعُجْبها بنفسها قضيا عليها ، وأعلم يقينا أنّها ما زالت تلومني على ما حدث لها ، ولكن لو التفتت إلى نفسها وراجعت نفسها لعرفت أنّها كانت هي الجانية على نفسها ، لقد فشلت في الابتلاء " .

    وتذكرت ما قاله أحد المعلّمين الكبار : " مَنْ دَخَلَهٌ العُجْبُ هَلَكَ " .

    وقال آخر : " مَنْ لَمْ يَمْلِكُ غَضَبَهُ لَمْ يَمْلِكُ عَقْلَهُ " .

    بعد يوم وصلتني رسالة من المعلّم الأكبر يقول فيها : لقد قمت بتكليفك ، فلا تحزن ، والنّتيجة ليست بيدك ، قم بمهامك في تعليم الطّيور ولا تَتَوَانَ عن عملك ، وستأتي إلى شبّاكك طيور غيرها ، فقم بواجبك .

    وحينما كنت أقرأ رسالة المعلّم الأكبر سمعت صوت طير عند شبّاكي الأخضر ، فقمت لتلبية نداء الواجب ، رأيت عصفورة أخرى صغيرة عليها الزّغـب وجناحها مكسور .

العصفورة وصاحب الشباك الأخضر . . . . . . . . . . . . . . . . 125

 

نظرت إلى السّماء وتنفّست عميقًا وأطلقت زَفْرَةً من صدري ، وتساءلت : من أيّ نوع ستكونين ؟!

قلت لنفسي : قم بتكليفك كما أمرك المعلّم الأكبر لتحصل على رضاه ، وها نحن نعود من جديد ، ألست أنا الأستاذ صاحب الشّبّاك الأخضر ؟!!

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

محتويات الكتاب

 

خطّ الهدى وخطّ الضلال . . . . . . . . . . . . . . .  5

 

مواصفات دائرة الإيمان . . . . . . . . . . . . . . . .  26

 

الإيمان نيّة وعمل . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  42

 

نيّة المؤمن خير من عمله ـــ القسم الأول . . . . . . . . . 58

 

نيّة المؤمن خير من عمله ـــ القسم الثاني . . . . . . . .  77

 

الجهاد في سبيل الله . . . . . . . . . . . . . . . . . . 96

 

قصّة قصيرة : العصفورة وصاحب الشّبّاك الأخضر . . . 117

 

 

- 126 -

 

 

صدر للمؤلّف :

1ـــ القطر الشّافي تجديد قطر النّدى لابن هشام .

2ـــ خلاصة الحلقة الأولى .

3ـــ خلاصة الحلقة الثانية القسم الأول والثاني .

4ـــ دروس في علم الأصول ـــ توضيح الحلقة الثانية ـــ جزءان .

5ـــ دروس في علم الأصول ـــ توضيح الحلقة الثالثة ـــ الجزء الأول .

6ـــ الروضة النّديّة في توضيح اللمعة الدمشقية ـــ الجزء الأول .

7ـــ الفقه المبسّط ـــ العبادات .

8ـــ مقالات إيمانية ـــ صدر منها ستة أجزاء .

 

قريبا :

1ـــ القطر الشّافي تجديد قطر النّدى ـــ الطبعة الثانية .

2ـــ خلاصة الحلقة الأولى ـــ الطبعة الثانية .

3ـــ دروس في علم الأصول ـــ توضيح الحلقة الأولى .

4ـــ الروضة النّديّة في توضيح اللمعة الدمشقية ـــ الجزء الثاني .

5ـــ مقالات إيمانية ـــ الجزء الثامن .

 

- 127 -أناااااا


 

(1) ألقي هذا الموضوع في ديوانيـة بمنطقة الأحمدي بتاريخ 8 ذو الحجة 1421 هـ الموافق 3 / 3 / 2001 م .

(2) النحل : 36 .

- 5 -

(1) كمـا في الروايات الموضـوعة على النبي صلى الله عليه وآله أنـه قال : " تسمع وتطيع للأمير وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك فاسمع وأطع " . صحيح مسلم ج 6 ص 20 .

" فإن رأيت يومئـذ خليفة الله في الأرض فالزمه وإن نهك جسمك وأخذ مالك " . مسند أحمد بن حنبل ج 5 ص 403 .

" إن كان لله خليفة في الأرض فضرب ظهرك وأخذ مالك فأطعه " . سنن أبي داود ج 2 ص 300 .

(1) يقول التاريخ : " ومرّ بهم عبدالله بن خبّاب بن الأرت واليا لعلي على بعـض تلك البلاد ومعه سريّته وهي حامل فقتلوه وبقروا بطن سريّته عن ولد " . المجموع لمحيي الدين النووي ج 19 ص 218 .

    قال الخوارج لابن خبّاب : " والله لنقتلنّك قتلة ما قتلناها أحدا فأخذوه فكتفوه ثم أقبلوا به وبامرأته وهي حبلى متمّ حتى نزلوا تحت نخل مواقر فسقطت منه رطبة فأخذها أحدهم فقذف بها في فمه فقال أحدهم : بغير حلها وبغير ثمن . فلفظها وألقاها من فمه " . تاريخ الطبري ج 4 ص 60 .

(1) الكهف : 103 – 104 .

(1) بحار الأنوار ج 72 ص 376 ح 34 .

(1) ألقي هـذا الموضوع في خطبة الجمعة في مسجد الإمام الحسن عليه السـلام في منطقـة بيـان بتـاريخ 21 جمادى الأولى 1422 هـ الموافق 10 / 8 / 2001 م .

- 26 -

(1) الكهف : 103 104 .

(1) يوسف : 106 .

(1) النساء : 65 .

(1) البقرة : 231 .

(2) نقلا عن تفسير الميزان للعلامة الطباطبائي قدس سره ج 2 ص 255 ( من قرص المعجم الفقهي ) .

(1) بحار الأنوار ج 74 ص 88 .

(1) ألقي هذا الموضوع في مسجد الإمام الحسن عليه السلام بمنطقة بيان بتاريخ 22 جمادى الأولى 1422 هـ الموافق 11 / 8 / 2001 م .

- 42 -

(1) أصول الكافي ج 2 ص 33 ح 2 .

(1) أصول الكافي ج 2 ص 33 ح 1 .

(2) القيامة : 14 – 15 .

(1) أصول الكافي ج 2 ص 38 ح 3 .

(1) وسائل الشيعة للحر العاملي ج 11 ص 376 ح 5 .

(1) أصول الكافي ج 2 ص 33 ح 3 .

(1) أصول الكافي ج 2 ص 27 ح 1 .

(1) أصول الكافي ج 2 ص 39 ح 8 .

(1) المائدة : 44 .

(2) المائدة : 45 .

(1) المائدة : 47 .

(1) ألقي هـذا الموضوع في مسجد الإمام الحسن عليه السلام بمنطقة بيان بتاريخ 24 جمادى الأولى 1422 هـ الموافق 13 / 8 / 2001 م .

- 58 -

(1) أصول الكافي ج 2 ص 33 ح 2 .

(2) المصدر السابق ج 2 ص 60 ح 7 .

(3) بحار الأنوار ج 24 ص186 ح 4 .

(1) بحار الأنوار ج 47 ص 89 ح 95 .

(1) أصول الكافي ج 2 ص 78 ح 13 .

(1) فقه الرضا لعلي بن بابويه ص 141 .

(2) الكافي ج 2 ص 84 ح 1 .

(1) الأعراف : 179 .

(2) بحار الأنوار ج 67 ص 210 ح 32 .

(1) هذه الرواية والرواية التالية من جامع السعادات للشيخ محمد مهدي النراقي ج 2 ص 167 .

(1) كما في المصدر بدون ( وآله ) .

(2) السنن الكبرى للنسائي ج 6 ص 209 ح 10673 .

(1) ميزان الحكمة للشيخ محمد الريشهري ج 4 ص 3410 .

(2) الكافي ج 2 ص 84 ح 2 .

(1) ميزان الحكمة للشيخ محمد الريشهري ج 4 ص 3410 .

(1) آل عمران : 191 .

(1) الإسراء : 84 .

(2) أصول الكافي ج 2 ص 85 ح 5 .

(3) المصدر السابق ج 2 ص 429 ح 4 .

(1) بحار الأنوار ج 67 ص 210 ح 32 ، الشعراء : 88 – 89 .

(2) الملك : 2 .

(3) الإسراء : 84 .

(4) أصول الكافي ج 2 ص 85 ح 5 .

(1) وسائل الشيعة للحر العاملي ج 1 ص 44 ح 9 .

(2) وسائل الشيعة ج 1 ص 53 ح 7 .

(1) ألقي هـذا الموضوع في مسجد الإمام الحسن عليه السلام بمنطقة بيان بتاريخ 26 جمادى الأولى 1422 هـ الموافق 15 / 8 / 2001 م .

(2) الملك : 2 .

- 77 -

(1) الإسراء : 84 .

(2) أصول الكافي ج 2 ص 85 ح 5 .

(1) معاني الأخبار ص 20 ح 3 .

(1) وسائل الشيعة ج 1 ص 88 ح 6 .

(1) أصول الكافي ج 2 ص 85 ح 3 .

(1) ميزان الحكمة للشيخ محمد الريشهري ج 4 ص 3415 .

(1) مكارم الأخلاق للشيخ الطبرسي ص 442 .

(1) أصول الكافي ج 1 ص 70 ح 9 .

(2) المصدر السابق ج 2 ص 83 ح 4 .

(1) علل الشرائع للشيخ الصدوق ج 2 ص 524 ح 1 .

(2) المصدر السابق ج 2 ص 524 ح 2 .

(1) بحار الأنوار ج 1 ص 153 .

(2) آل عمران : 191 .

(1) ميزان الحكمة للشيح محمد الريشهري ج 4 ص 3420 .

(1) الخصال للشيخ الصدوق ص 285 ح 37 .

(1) عيون الحكم والمواعظ لعلي بن محمد الليثي الواسطي ص 131 .

(2) المصدر السابق ص 539 .

(3) وسائل الشيعة ج 1 ص 34 ح 90 .

(1) ألقي هـذا الموضوع في خطبة الجمعة في مسجد الإمام الحسن عليه السـلام في منطقة بيـان بتـاريخ 28 جمادى الأولى 1422 هـ الموافـق 17 / 8 / 2001 م .

(2) الصف : 10 – 11 .

(3) الحجرات : 15 .

- 96 -

(1) بحار الأنوار ج 15 ص 10 ح 2 .

(2) المصدر السابق ج 97 ص 7 ح 2 .

(1) صحاح الجوهري ج 2 ص 460 .

(1) أصول الكافي ج 2 ص 164 ح 5 .

(1) المجادلة : 22 .

(1) أصول الكافي ج 2 ص 459 ح 23 .

(1) بحار الأنوار ج 72 ص 305 ح 6 .

(1) الأنعام : 158 .

بعض الروايات في الآية :

   في تفسير العياشي عن زرارة وحمران ومحمد بن مسلم عن أبي جعفر وأبى عبدالله عليهما السلام في قوله : ( يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها ) ، قال : " طلوع الشمس من المغرب وخروج الدابة والدخان ، والرجـل يكون مصرّا ولم يعمل عمـل الإيمان ثم تجيء الآيات فلا ينفعه إيمانه " .

   وفيه عن أبي بصير عن أحدهما عليهما السلام في قوله : ( أو كسبت في إيمانها خيرا ) ، قال : " المؤمن العاصي حالت بينه وبين إيمانه كثرة ذنوبه وقلة حسناته فلم يكسب في إيمانه خيرا " .

   وفي تفسير القمي حدثني أبي عن صفوان عن ابن مسكان عن أبي جعفر عليه السلام في قوله : ( يوم يأتي بعض آيات ربك ) الآية ، قال : " إذا طلعت الشمس من مغربها فكل من آمن في ذلك اليوم لا ينفعه إيمانه " .

   وفى البرهان عن البرقي بإسناده عن عبدالله بن سليمان العامري عن أبي عبدالله عليه السلام قال : " ما زالت الأرض إلا ولله فيها حجة يعرف فيها الحلال والحرام ، ويدعو إلى سبيل الله ، ولا تنقطع الحجة من الأرض إلا أربعين يوما قبل يوم القيامة ، فإذا رفعت الحجة وأغلق باب التوبة لم ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أن ترفع الحجة ، وأولئك من شرار خلق الله ، وهم الذين تقوم عليهم القيامة " .