مَـقَالاَت إِيمَـانِيَّة
الجزء السادس
* الشاب المؤمن إنسان هادف *
* معنى الإيمان *
* علاقة المؤمن بالمال *
* مسؤولية المؤمن تجاه الولاية *
* الاستفادة من مولد الإمام الحسن عليه السلام *
* الإمام عليه السلام هو الرابط بين أجزاء الدين *
* قصة قصيرة : الأعور الدجّال *
الشيخ محمد أشكناني
الطبعة الأولى
1427 هـ ـ 2006 م
- 2 -
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ
اللَّهُمَّ كُنْ لِوَلِيِّكَ الحُجَّةِ ابْنِ الحَسَنِ صَلَوَاتُكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آبَائِهِ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ وَفِي كُلِّ سَاعَةِ وَلِيًّا وَحَافِظًا وَقَائِدًا وَنَاصِرًا وَدَلِيلاً وَعَيْنًا حَتَّى تُسْكِنَهُ أَرْضَكَ طَوْعًا وَتُمَتِّعَهُ فِيهَا طَوِيلاً
بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ
اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ
- 3 -
موقع ديوانية الشيخ محمد أشكناني :
www.alashkanani.com
عنوان المراسلة :
محمد حسين أشكناني
بيان ـ ص . ب 66691
دولة الكويت 43757
Mohammad H. Ashkanani
BAYAN – P.O.BOX 66691
STATE OF KUWAIT 43757
البريد الإلكتروني للمؤلف :
mohashk14@hotmail.com
البريد الإلكتروني للديوانية ولجانها :
mail@alashkanani.com
- 4 -
الشـاب المـؤمـن إنسـان هـادف (1)
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا أبي القاسم محمد وآله الطيبين الطاهرين .
قال الله تعالى في كتابه الكريم : ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَ نَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ ﴾ (2) .
هناك هدف من خلق السماوات والأرض ، هناك هدف من خلق هذا الكون ، الله تعالى لم يخلق هذا الكون عبثا بلا هدف ، إذا قلنا إن الله خلق الكون عبثا فلا يكون هذا الخالق حكيما ، ومن صفات الخالق أنه حكيم ، والإنسان الحكيم لا يقوم بأفعال بلا هدف ، فإذا كان الله عز وجل حكيما فأفعاله سبحانه لا تكون بـلا هـدف ، إذن هنـاك هـدف من خلق هذا الكون ، وهناك هدف
6 . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الشاب المؤمن إنسان هادف
من خلق كل ما يوجد في هذا الكون ، والإنسان جزء من الكون ، فهناك هدف من وراء خلق الإنسان ، فيأتي السؤال التالي :
ما هو الهدف من خلق هذا الكون ومن خلقك أيها الإنسان ؟
الجواب :
هنا تأتي هذه الآية الكريمة : ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ ﴾ (1) .
وهذه اللام تسمى لام العلة أو لام التعليل ، يعني خلقت الجنّ والإنس لماذا ؟
فيأتي الجواب بأني خلقتهم من أجل أن يعبدوني ، إذن هناك هدف من خلقك أيها الإنسان ، وهو عبادة الله عز وجل ، الله تعالى هو الخالق وهو يقول : " خلقتك من أجل أن تعبدني " ، فيأتي دور الإنسان ، الإنسان في هذه الحياة الدنيا القصيرة لا يعيش بلا هدف ، الله عز وجل يقول : " الهدف من خلقك أيها الإنسان أن تعبدني " ، فالإنسان في هذه الحياة الدنيا له أهداف ، فلا بدّ أن ينسِّق أهدافه مع هدف الله تعالى ، فإذا كان الهدف هـو عبادة الله فالإنسان لا بدّ أن يكون له هذا الهدف ، فأنت أيها
الشاب المؤمن إنسان هادف . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . 7
الإنسان المؤمن لا بدّ أن يكون هدفك أيضا هو هذا الهدف ، وهو أن تكون عابدا لله وأن تعيش هذه العبادة ، وأنت أيها الشاب المؤمـن تريـد أن تجسِّـد هـذا الهـدف في حياتـك ، لا تَعِشْ عابثا بلا هدف ، تريد أن تجسِّد عبادة الله من خلال حياتك ، تعيش هـذا الهـدف بأن تكون عابـدا لله تعالى ، فأفعالك إذن لا تكون بلا هدف ، إذا أردت أن تفعل شيئا فلا بدّ أن تلتفت إلى أن هذا الشيء لا يكون بلا هدف ، لا يكون الأمر عبثيّا ، وحياتك لا بدّ أن تعبّر عن هذا الهدف ، الشباب الذين يعيشون بلا أهداف ماذا يفعلون ؟
يتسكّعون في الشوارع كما تلاحظون ، يذهبون أمام مدارس البنات لأنهم بلا هدف ، هدفهم فقط بعض الأمور الشهويّة ، يعيشون الشهوانيّة ، أوقاتهم تضيع بلا هدف ، وأما الشاب المؤمن فإنه لا يعيش بهذه الطريقة ، يحاول أن يجسِّد عبادة الله تعالى في نفسه ، وهذه العبادة تتجسّد أيضا في حياته العادية ، كل شيء يفعله الإنسان يستطيع أن يجسِّد عبادة الله فيه ، الشاب المؤمن لا يعيش بلا هدف ، لا نراه يتسكّع في الشوارع بلا هدف ، لا يؤذي عباد الله ولا ينظر إلى أعراض الناس ، هذه الأشياء ليست من صفات الإنسان المؤمن .
8 . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الشاب المؤمن إنسان هادف
إذن : أنت أيها الشاب المؤمن تعيش حياة هادفة ، حياة فيها أهداف ، تأتي إلى المخيّم لهدف ، لا تأتي إلى المخيّم عبثا ، لا تأتي من أجل اللعب فقط ، في قصة يحيى بن زكريا عليهما السلام عندما قال له الصبيان : هلمّ نلعب .
ماذا أجاب يحيى عليه السلام ؟
قال هذه العبارة وهو صغير السن ولكنه نبي ، وأقوال الأنبياء عليهم السلام نحاول أن نجسِّدها في حياتنا ، قال عليه السلام : " ما لِلَّعِبِ خُلِقْنَا " (1) .
هذا الطفل الصغير يقول إننا لم نخلق من أجل أن نلعب في هذه الحياة الدنيا ، إذن الشاب المؤمن لا يعيش بلا هدف ، فما للّعب خُلِقَ ، أنت خُلِقْتَ في هذه الدنيا من أجل هدف معيّن لا عبثا بلا هدف ، وهدفك لا بد أن يسير مع هدف الله تعالى ، الشاب المؤمن يجب أن يهتم بدراسته لأن عنده هدفا معيّنا يرغب أن يصل إليه ، الشاب المؤمن يجب أن يكون من الأوائل في مدرسته لا أنه لا يهتم بدراسته ، الشاب المؤمن قدوة في مدرسته ، وقدوة في مجتمعـه ، فيحـاول أن يكون قـدوة للآخـرين ، المؤمـن يكـون مضربا
الشاب المؤمن إنسان هادف . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . 9
للمثل ، ويشار إليه بالبنان ، ويقال هذا هو المؤمن ، في المدرسة يكون من الأوائل ، بالطبع إذا كان عنده قدرات أن يكون من الأوائل .
أحيانا الإنسان ذهنه لا يساعده على أن يكون من المتفوقين ، هذا يكون معذورا ، يوجد قصور فيه ، فحافظته وذاكرته ضعيفة ، ولكن حتى لو كانت ذهنيته بهذه الكيفية فإنه يسعى ، والذي لديه قدرات يجب أن تظهر قدراته في الخارج ، فيكون مضربا للمثل في دراسته وفي أخلاقه في المدرسة ، هناك أولاد في المدارس يكونون دائما من المشاغبين ، والمؤمن لا يكون مشاغبا .
إذن : الشـاب المؤمـن عنده أهداف معيّنة ، ويعيش هذا الهدف ، ويحاول أن يجسّد هذا الهدف في الخارج ، فتكون مثل يحيى عليه السلام الذي يقول : " ما لِلَّعِبِ خُلِقْنَا " ، وإنما خلقنا لأهداف نريد أن نحقّقها ، فنسعى ونحاول أن نحقّق هذه الأهداف ، لا نعيش حياة عبثيّة وغير هادفة ، فأيها الشاب المؤمن عِشْ هذا الهدف ، وحاول أن تجسّد عبادة الله على الأرض ، وأنت إنسان تؤمن بوجود إمام معصوم لك ، وهذا الإمام عليه السلام يراقبك ، فتكون إنسانا هادفا .
10 . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .الشاب المؤمن إنسان هادف
إن الإنسان الهادف لا يقوم بأفعال بلا هدف ، والأفعال التي يـقـوم بـهـا الإنـسـان بـلا هـدف يُـحـاسَـب عـلـيـهـا ، ولا يظن أنها بلا حساب ، فالإنسان يُحاسَب على كل عمل عبثي .
الشاب الذي يقف أمام مدارس البنات هل يظن أنه لا يُحاسَب على هذا العمل ؟ هل النظر إلى أعراض الناس يكون بلا حساب عند الله عز وجل ؟
نأخذ المثال التالي من إحدى الروايات ، مثلا شاب يرى طيرا على الشجر فيأخذ المسدّس ويطلق الرصاص على هذا الطير هكذا بلا سبب ، فقط يريد أن يجرّب مسدّسه ، هذا الطير ألا يحاسب هذا الشاب يوم القيامة ؟
يأتي الطير يـوم القيـامة ويحاسـب هـذا الشـخص ، يقول الطير : " يا ربِّ ! قتلني هذا الشخص بلا هدف " .
في رواية عن النبي صلى الله عليه وآله قال : " من قتل عصفـورا عبثـا جاء يوم القيامة يعجّ إلى الله تعالى ، يقول : يا رَبِّ ! إن هذا قتلني عبثا ، لم ينتفع بي ولم يدعني فآكل من حشارة الأرض " (1) .
الشاب المؤمن إنسان هادف . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . 11
وفي رواية أخرى عن النبي صلى الله عليه وآله قال : " من قتل عصفورا عبثا جاء يوم القيامة وله صراخ حول العرش يقول : رَبِّ ! سَلْ هذا فيم قتلني من غير منفعة " (1) .
هذا مثال للعصفور ، وهذا المثال طَبِّقْهُ في كل شيء لا فقط في العـصفـور ، فكـل فـعـل يـقـوم بـه الإنسـان يُحاسَـب عليـه إذا كان بلا هدف ، يقتل الطير للأكل نعم ، وأما من أجل اللعب والعبث فهذا الإنسان محاسَب على أفعاله .
المؤمـن لا بـدّ أن يلتفـت إلى أنه لا يقوم بأفعال عبثيّة من غير هدف ، إذا أراد القيام بشيء فقبل القيام به يسأل نفسه : لماذا أفعل هذا الشيء ؟
ويجيب على نفسه بأنه يقوم بهذا الفعل لهذا السبب ، ويكون سببه معقولا ، قد تقول إنني أريد أن ألعب الكرة ، نقول نعم العب الكرة ، ولكن لماذا ؟
مثـلا تريـد أن تقـوّي نفسـك وتقـوّي عضلاتك ، هذا هدف جيّد ، وإذا كان عندك هذا الهدف وتريد أن تحقّقه فلماذا لا تعبِّر عن الأخلاق الإيمانيّة أثناء اللعب ؟
12 . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .الشاب المؤمن إنسان هادف
صراخ وسبّ وشتم لإخوانه ، فهو إذن لا يحقّق هذا الهدف ، صار عنده هدف آخر وهو أن يأتي بأهداف كثيرة في المرمى ، فيكون الهدف هدفا لسانيا ، ولكنه أثناء العمل لا يحقّق هذا الهدف ، فلا بد أن يضع الشاب لنفسه هدفا معيّنا ويحقق الهدف من خلال فعله حتى يكون إنسانا هادفا ، وأما إذا قال بهدف معيّن ولكنه لم يَسْعَ لتحقيق هذا الهدف فإن له هدفا آخر لا يصرّح به .
لعب الكرة لا بد أن يعبّر عن الأخلاق الإيمانية التي نتعلّمها حتى يكون لعب الكرة لعبا هادفا ، فيحيى عليه السلام حينما يقول : " ما لِلَّعِبِ خُلِقْنا " ؛ يقصد اللعب الذي يشغل عن ذكر الله تعالى ، وأما اللعب الذي يذكّر بالله عز وجل فيكون لعبا هادفا ، ويحيى عليه السلام لا يقصد اللعب غير الهادف ، فاللعب تارة يكون هادفا وتارة أخرى لا يكون هادفا ، ونحن نريد من خلال اللعب أن نحقّق هدفا معينا .
إذا كانت هناك ألعاب في البيت كألعاب الكومبيوتر فلا بد أن تجعل في ذهنك هدفا معيّنا لا أن تضيّع الوقت فقط ، تضييع الوقت ليس هدفا صحيحا ، ماذا تريد أن تحقق من اللعب ؟
الشاب المؤمن إنسان هادف . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . 13
أريد أن أرفّه عن نفسي قليلا حتى أستطيع أن أؤدي أعمالا أحسن بنفسية أحسن ، هذا هدف جيّد ، وأما أن يكون الشاب أمام التلفاز طوال الليل والنهار وينتقل من محطة إلى محطة ومن لعب إلى لعب فهذا مضيعة للوقت ، هذا الشاب يكون بلا هدف ، إذا كنت تريد أن تلعب فالعب ، ولكن حدّد لنفسك هدفا معيّنا معقولا ، واجعل هذا اللعب في طريق تحقيق هذا الهدف ولا تضيّع وقتك ، تضييع الوقت ليس من صفات الإنسان المؤمن .
إذن : لعبك أيها الشاب يكون لهدف معيّن ، وتريد أن تحقق هـذا الــهـدف مـن خـلال الـلـعـب ، فـالـعـب كـمـا تـشـاء ، ولـكـن حدّد الوقت ، ولا تجعل كل وقتك للعب لأن الله عز وجل يُحاسِب الإنسـان عـلى الوقـت بـل عـلى كل شيء ، والله عز وجل ليس غافلا ، يقول تعالى :
﴿ اللّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ ﴾ (1) .
لا يغفل عن فعلك ، والملائكة يسجّلون ، وأنت مسؤول عن الوقت ، وعمرك أنت مسؤول عنه ، ويحاسَب الإنسان على الوقت فيم ضيّعه .
14 . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .الشاب المؤمن إنسان هادف
في رواية عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال : " لا تزول قدمـا عبـد يـوم القيامـة حـتى يسأل عن أربع : عن عمره فيما أفناه ، وشبابه فيما أبلاه ، وعن ماله من أين كسبه وفيما أنفقه ، وعن حبّنا أهل البيت " (1) .
فيسأل الإنسان عن عمره فيما أفناه ، وعمره يعني وقته ، أين ضيّعت هذا الوقت ؟ وفيم جعلته ؟
فيجيب جعلت عمري كله في اللعب ، دخل وقت الصلاة وأنت تلعب ، هل تؤخّر الصلاة إلى ما بعد اللعب ؟
هناك فيلم في التلفاز ودخل وقت الصلاة ماذا تفعل ؟
هذا الأمر لا يعبّر عن إيمان الإنسان مع أن هذا الشاب يقول إنه مؤمن ، ألا يهتم المؤمن بالصلاة ؟!
الآن في المخيّم أنتم ملتزمون بالوقت ، ولكن الاختبار لكم عندما ترجعون إلى بيوتكم ، هذا الشاب ماذا تعلّم من المخيّم ؟ هل تعلّم أن يلتزم بصلاته ؟ ، يقول تعالى : ﴿ إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا ﴾ (2) .
الشاب المؤمن إنسان هادف . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . 15
والمؤمن لا يؤخر الصلاة بلا سبب وبلا عذر ، يصلي الصلاة في وقتها ، فإذا أخّر الصلاة بلا سبب فلا بدّ أن يلتفت إلى نفسه ويراجع إيمانه ، فالشاب مسؤول عن كل دقيقة أين يجعلها ، يتعلّم بعض الأشياء في المخيّم ضمن نظام معيّن ، وعندما يرجع إلى بيته كيف ينسّق وقته ؟ وما هو البرنامج الذي يضعه لنفسه ويسير على أساسه ؟
هذا هو المؤمن الذي يتعلّم من الأشياء في حياته ، وأما إذا عاد إلى بيته ورجع كما كان في السابق فهو لم يَسْتَفِدْ من هذه المخيّمات ، فالإنسان مسؤول عن عمره فيم أفناه ، فالوقت أين تجعله ؟
اسأل نفسك قبل القيام بالعمل : ما هو هدفي من وراء هذا الفعل الذي أريد أن أقوم به ؟
ولا بدّ أن تجعل العمل في سبيل هذا الهدف ، ولا بدّ أن تنسّق أهدافك مع أهداف الله تعالى ، فالله عز وجل لم يخلق الكون عبثا ، فهناك هدف من خلق هذا الكون ، وأنت تجعل أهدافك متناسقة مع أهداف الله تعالى ومع عبادة الله سبحانه ، كما في قوله تعالى :
16 . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .الشاب المؤمن إنسان هادف
﴿ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ ﴾ (1) .
فمن خلال كل فعل تقوم به تستطيع أن تجعله عبادة لله إذا كان الهدف هدفا حسنا ، العبادة ليست الصلاة والصيام فقط بل العبادة أشمل من الصلاة والصيام ، العبادة تكون في كل خطوة تخطوها ، الآن في جلستك أنت عابد لله لأنك تسمع كلمات من الله سبحانه ، فأنت الآن تعبّر عن عبادة الله ، فتحقق الهدف الذي جعله الله من وراء هذا الخلق ، وهو أن تكون عابدا لله ، ولنقرأ بعض الآيات الكريمة الأخرى :
﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ ﴾ (2) .
﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ ﴾ (3) .
إذن : الله سبحانه لم يخلق السماوات والأرض لعبا ، هناك هدف لا بد أن تعيشه .
نسأل السؤال التالي : أنت الآن في عصر الغيبة الكبرى ما هو هدفك ؟ إلى أين تريد أن تصل أيها المؤمن ؟
الشاب المؤمن إنسان هادف . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . 17
تريد أن تحصل على رضا إمام زمانك عجل الله فرجه ، ذاك الشاب المتسكّع في الشوارع هل يحصل على رضا الإمام عليه السلام ؟ ، حتما لا ، ذاك الشاب الذي يقف أمام مدارس البنات هل يحصل على رضا الإمام عليه السلام ؟ ، حتما لا ، والإمام عجل الله فرجه يراه في كل لحظة لأن صحيفة الأعمال تُعْرَضُ عليه صباحا ومساءً كما في بعض الروايات أو في ليلة الاثنين كما في بعض الروايات الأخرى أو في كل ليلة خميس كما في بعض الروايات أو في ليالي القدر كما في بعض الروايات الأخرى ، فصحيفة أعمال كل شخص تُعْرَضُ على إمام الزمان عجل الله فرجه ، ويرى عليه السلام أعمال الناس في كل لحظة .
تريد في هذا الزمان أن تجعل لك هذا الهدف أيها الشاب المؤمن وهو أن تكون من أنصار الإمام المهدي عجل الله فرجه ، ولا بدّ أن تسعى لتحقيق هذا الهدف .
إن من لا يكون من أنصار الإمام المهدي عليه السلام قبل الظهور فإنه لا يكون من أنصاره بعد الظهور ، فالشخص إذا لم يكن مؤمنا قبل الظهور فبعد الظهور لا يكون مؤمنا بل يكون عدوا للإمام عليه السلام لأن هذا الهدف لا يكون لديه .
18 . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .الشاب المؤمن إنسان هادف
يقول تعالى : ﴿ هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيهُمُ الْمَلآئِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انتَظِرُواْ إِنَّا مُنتَظِرُونَ ﴾ (1) .
فإذا لم تكـن النـفـس مـؤمـنة قبـل الظهـور فـلا تكون مؤمنـة بعد الظهور لأن مثل هذا الشخص سيكون ضمن أعداء الإمام المهدي عليه السلام ، فلا بدّ أن نحاول تجسيد هذا الهدف في حياتنا ، أفعالك لا بد أن تصبّ في اتجاه هذا الهدف ، إذا أردت أن تكون من أنصار الإمام المهدي عليه السلام فلا تضيّع عمرك سدى بلا هدف ، تكون إنسانا هادفا ، وأنصار الإمام يكونون من الناس الهادفين الذي لا يضيعون أوقاتهم في لا شيء وبلا هدف ، لا يعبثون بأشياء للآخرين ، ولا يتبعون أعراض الناس .
الشخص الذي يتّجه للمخدّرات هو إنسان بلا هدف ، لو كان عنده هدف معيّن ما كان يضع نفسه في هذه الحالة ، يريد أن ينسى مشاكله ، هل حل المشاكل تكون بهذه الكيفية ؟ هل الإنسان يهرب من مشاكله أو يواجه المشاكل ويحاول وضع الحلول المناسبة لها ؟
الشاب المؤمن إنسان هادف . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . 19
الإنسان المؤمن يواجه المشكلة ويحلّها ، الله عز وجل جعل دينه كاملا ، والدين طرح الحلول لجميع المشاكل ، فيفكّر ويطلب من الله تعالى أن يعطيه الحل المناسب للمشكلة ، وإذا كان لا يستطيع أن يحل المشكلة بنفسه يسأل من هو أكثر خبرة منه وأكبر سنّا منه ، من أهله أو من غير أهله ، وأما الشاب الذي يريد أن يهرب من مشاكله عن طريق المخدّرات فهذا ليس حلا للمشاكل بل زيادة مشكلة أخرى فوق المشاكل ، فصار عنده مشكلة أخرى وهي الإدمان على هذه السّموم ، وبالإضافة إلى المشاكل التي كان يعيشها لديه الآن مشكلة أكبر .
إذن : على الشاب أن يواجه المشاكل ويحاول أن يحلها لا أن يهرب من مواجهتها .
يقول الإمام علي عليه السلام : " أيها الناس ! اتقوا الله ، فما خُلِقَ امرؤ عبثا فيلهو ، ولا تُرِكَ سُدًى فيلغو " (1) .
لم يخلق الله الناس عبثا حتى يلهوا كما يريدون ، ومعنى يلهون أنهم يلهون عن ذكر الله تعالى بمختلف الطرق وبمختلف الوسـائل ، أي وسيلـة تلهيـك عـن ذكـر الله عـز وجـل فهـذه الوسيلـة
20 . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .الشاب المؤمن إنسان هادف
تكون لهوا ، والوسيلة التي تذكّرك بالله تكون في سبيل الله ، فاللعبة تستطيع أن تجعلها في سبيل الله وتستطيع أن تجعلها ملهية عن ذكر الله ، فتلتفت إلى الألعاب التي تلعبها ، لا تضيّع وقتك في هذه الألعاب بلا هدف ، هذا الشاب في عصر الغيبة الكبرى يعيش هذا الهدف ، وهو أن يكون من أنصار الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف .
قد تسأل :
هل أسعى إلى الشهادة ؟ وهل أسعى إلى الوظيفة الأفضل ؟
الجواب :
نعم يمكن لك أن تسعى إلى الشهادة وإلى الوظيفة ، ولكن التفت إلى أن الشهادة لا تلهيك عن ذكر الله ، والوظيفة الجيدة التي تعطيك راتبا كبيرا المفروض أن لا تلهيك عن ذكر الله سبحانه ، وهذا المال الجيد الذي تكسبه لا تجعله يلهيك عن ذكر الله عز وجل ، فالشهادة التي تلهي الإنسان عن ذكر الله لا تكون في سبيل الله تعالى .
اسأل نفسك هذا السؤال :
لماذا يريد الإنسان أن يحصل على راتب أكبر ؟
الشاب المؤمن إنسان هادف . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . 21
هناك جوائز توزَّع من قبل بعض الشركات عندما تشتري بضائع منها ، مثلا مائة ألف دينار أو سيارة ، ليسأل كل شخص نفسه : لماذا أشتري هذه البضاعة ؟
ترى صورة هذا الشخص الذي ربح هذا المبلغ الكبير ، ماذا تقول حينما ترى صورته ؟
تقول : " يا ليت أكون أنا الفائز لا هو " .
أسأل :
لماذا تريد أن تحصل على هذا المبلغ ؟ وماذا تريد أن تفعل بهذا المال الكبير ؟
يأتي الجواب بأنه أريد أن أوسّع بيتي ، أريد أن أشتري سيارة جديدة وغير ذلك ، ونرى أنها كلها مطالب دنيوية ، مائة ألف دينار ذهبت على مطالب دنيوية زائلة ، فهذا المال صار نقمة على هذا الإنسان ولم تصر نعمة ، وهو يظن أنه يحسن صنعا ، يأتي يوم القيامـة وإذا صحيفـة أعماله صفحة بيضاء خالية من كل عمل ، يقول الله له : أعطيتك مائة ألف دينار أين وضعتها ؟
يقول صرفتها على بيتي وعلى سيارتي وعلى زوجتي وعلى أولادي .
22 . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .الشاب المؤمن إنسان هادف
فيسأل الله تعالى : لماذا لم تجعل جزءا منها في سبيل الله ؟
وسبل الله مختلفة ، كم من رَحِمٍ يحتاج إلى جزء من هذا المبلـغ ؟ كم مـن الأقـارب الفقـراء يحتاجون إلى جزء من هذا المبلـغ ؟ كم مـن المؤمنين الفقـراء يحتـاجون إلى جزء من هذا المبلغ ؟ لماذا لم تفكّر بهم وأنت بيدك مائة ألف دينار ؟ ماذا فعل بهذا المبلغ ؟
لا شيء ، ويأتي يوم القيامة وهو لم يحصل على أي ثواب من هذه المائة ألف دينار ، فضاعت الأموال ، الراتب الذي يستلمه الشخص طوال خمسين سنة ماذا فعل بها ؟ ماذا جعل في صحيفة أعماله ؟
لا شيء ، الراتـب كلـه صُرِفَ في الأمـور الدنيويـة وزالـت وانتهت ، ولنلتفت إلى أنه يمكن جعل الراتب في أمر دنيوي يصبّ في سبيل الله تعالى وفي طريق الله عز وجل ، وهذا تحصل على ثواب منه .
في رواية عن النبي صلى الله عليه وآله : " الكادّ على عياله كالمجاهد في سبيل الله " (1) .
الشاب المؤمن إنسان هادف . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . 23
فهذا الأمر الدنيوي تارة تستطيع أن تجعله في سبيل الله ، وتارة أخرى تستطيع أن تجعله في غير سبيل الله ، فالأمر الدنيوي وسيلة فقط .
إذن : هذه الأهداف التي ظاهرها دنيوية تستطيع أن تجعلها أهدافا أخروية .
في رواية قال رجل لأبي عبدالله الصادق عليه السلام : والله إنّا لنطلب الدنيـا ونحب أن نؤتاها . فقال عليه السلام : " تحب أن تصنع بهـا ماذا ؟ " . قال : أعود بها على نفسي وعيالي وأصل بها وأتصدق بها وأحج وأعتمر . فقال عليه السلام : " ليس هذا طلب الدنيا ، هذا طلب الآخرة " (1) .
هو حب للمال ، ولكن يريد أن يجعل المال في سبيل الله ، فيحصل على الثواب ، مثل هذا الإنسان الذي يسعى إلى أهداف دنيوية تصبّ في اتجاه الآخرة هو في الواقع يتّجه إلى أهداف أخروية لا أهداف دنيوية ، وأما الإنسان الذي يريد أن يحصل على المال من أجل أن يجعله في الدنيا فقط تكون أهدافه دنيوية ، وتنتهي أهدافه الدنيوية لأنها لا تصبّ في اتجاه الآخرة .
24 . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .الشاب المؤمن إنسان هادف
يقول الله تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ﴾ (1) .
فالتقوى متصلة مع هدف المؤمن ، الهدف الذي يعيشه المؤمن يعبّر عن حالة التقوى إذا كانت التقوى موجودة عنده ، فمن يكون متّقيا يكون نظره إلى يوم القيامة ، فيكون مؤمنا بأصل المعاد ، ويؤمن بأصل المعاد إيمانا عمليا ، ويعتقد به اعتقادا عمليا ، بمعنى أن هذا الإيمان والاعتقاد يظهر على أفعاله وتصرّفاته ، الإنسان الذي يعيش أهدافا دنيوية فقط معيشته لا تعبّر عن الاعتقاد بيوم المعاد ، وهذا أصل من أصول الدين ، إذا كنت تعتقد بهذا الأصل فماذا فعلت من أجل أن تصل إلى ذلك اليوم والله عز وجل يقول : ﴿ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ﴾ ؟
إذن : تعيش في حياتك الدنيوية ، ولكن توجد عندك أهداف أخروية ، تنظر إلى ما تريد أن تقدّمه يوم القيامة حتى تستطيع أن تحصل على النعيم الخالد والجنة التي نعيمها لم تَسْمَع به أذن ولم تَـرَ عـين ، مهـمـا تتـصـوّر عـن نعـيم الجنـة فإنـك لا تسـتطيع أن
الشاب المؤمن إنسان هادف . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . 25
تصل إلى حقيقة النعيم هناك ، من نعيم الجنة أن الطير يطير فتتمنى طيرا مشويّا فينـزل هذا الطير مشويّا على مائدتك ، تأكل هذا الطير وتنتهي من الأكل وهذا الطير يطير مرة أخرى ، هل تستطيع أن تتصور هذا النعيم ؟
تأكل الطير والله عز وجل يكسوه باللحم والريش مرة أخرى ويطير ثانية ، هذا هو نعيم الجنة ، في الجنة ما تتمنّاه تحصل عليـه ، وأما في الدنيا ما تتمنّاه قد تحصل عليه وقد لا تحصل عليه ، فالإنسان يحاول أن يصل إلى ذلك المكان حتى يحصل على النعيم الذي لا يستطيع أن يتصوّره ، وهناك النعيم مضمون الحصـول ، تحصـل على جائـزة مؤكّدة ولا تحتاج للدخول في القرعة ، فإذا حصلت على حالة التقوى وصار عندك هدف أخروي فإنك تحصل على الثواب من عملك ، وقلنا إن الهدف الدنيوي إذا صبّ في ذلك الاتجاه فإنه يصير هدفا أخرويا .
إذن : الإنسان لم يُخْلَق عبثا حتى يلهو عن ذكر الله ، ولا يُتْرَك سدًى فيلغو كما يشاء ، فالله لم يتركك سدى ، بل خلقك لهدف ، وأنت محاسَب ، فإذا كان الإنسان محاسَبا فلماذا لا يراعـي تصرّفاته وينتبه إلى ما يفعل لأنه سيأتي إلى من يُحاسِبه ،
26 . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .الشاب المؤمن إنسان هادف
وهذا المحاسِب لا يغفل عن شيء ؛ لأن هذا المحاسب ﴿ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ ﴾ (1) ؟
إذا جعلنا آلة تصوير تمشي مع الإنسان دائما إلى أي حدّ يكون حذِرا حتى لا تتشوّه صورته أمام الناس ؟
وهناك آلة تصوير من رب العالمين تراقب كل إنسان في كل لحظة ، وهذه الأفلام تُعْرَض عليك يوم القيامة ، تقول لا يا ربي لم أفعل هذا الشيء ، يقول لك لحظة فيضغط الزر على الفيلم ، فتعرض الصورة ، فهل تستطيع الآن أن تنكر ؟
يوم تشهد عليهم أرجلهم وأيديهم ، هذا اللسان ينطق يوم القيامـة ، تحاول أن تمسـك لسـانك وتريد أن تقـول يا ربي لم أفعل ، ولكن اللسان ينطق ، تريد أن تعضّ لسانك لتسكته ، ولكنه لا يسكت ، فيبدأ بالكلام .
اليد تتكلم ، والرجل تتكلم ، فإذا ارتكب الإنسان محرّما بيده فإن يده تتكلم يوم القيامة ، وإذا مشى إلى مكان يحرم عليه فإن رجله تشهد عليه ، قد يظن أن لا أحد يراه ، ولكن هناك من يراقبه ، فالله عز وجل يراقبك في كل لحظة ، وآلة التصوير تمشي
الشاب المؤمن إنسان هادف . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . 27
معك دائما ، إذا شعرت بوجود هذه الآلة تحصل عندك حالة التقوى ، فتراعي تصرفاتك وتنتبه إلى سلوكك .
إذن : أنت أيها الشاب المؤمن يقول الله لك : ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ ﴾ (1) .
الله عز وجل لم يخلقك عبثا ، وإنما خلقك لهدف معيّن ، وهو أنك سترجع إليه في آخر المطاف ، وسيكون هناك حساب ، لا تُتْرَك سُدًى ، ولا تُتْرَك عبثا ، خُلِقْتَ من أجل عبادة الله تعالى ، فلا بدّ أن تُجَسِّد هذه العبادة بالوسائل التي جعلها الله في طريقك ، هذه الوسائل لا بدّ أن لا تنقلب إلى أهداف ، فالسيارة لا تكون هدفا لك ، والبيجر لا يكون هدفا لك ، والنقّال لا يصير هـدفـا لـك ، فـهـذه كلهـا وسـائل ، إذا كـنت تحتـاج إلى هاتـف نقّـال فـاشـتـره ، وأمـا إذا كان مـن أجـل أن تـتـفـاخـر أمام الآخرين فلا تشتره ، مثل الطفل في الابتدائي ويكون عنده بيجر ، يقول لصديقه اتصل بي الساعة الرابعة عصرا ، ويذهب في هذه الساعة للجلوس بين والديه وإخوانه ، ويرنّ البيجر فيقول لوالديه صديقي يـتصـل بي ، يتفاخـر بهـذا الشـيء ، والمفـروض أن الشخـص الكبـير
28 . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .الشاب المؤمن إنسان هادف
لا يكون مثل الطفل ، فالطفل يعبث ويلهو ، ولكن الكبير لا نتوقع منه أن يلهو كما يلهو الطفل ، الطفل يلعب بالألعاب بلا هدف ، ولكن أيها الإنسان الكبير لا تكن أفكارك مثل أفكار الأطفال ، تريد البيجر والنقّال مثل الطفل من أجل التفاخر أمام الآخرين .
الإنسان لا بدّ أن يعيش الأهداف ، وإذا كان يحتاج إلى أي وسيلة فليحصل عليها ، وإذا لم يكن يحتاج إلى هذه الوسيلة المعيّنة فالمفروض أن لا يشتريها ، فهذا الشاب الذي يكون في المدرسة الثانوية مثلا لماذا يحتاج النقال ؟
البعض من الشباب يستعمله في مغازلة البنات ، الآن يخرج من المدرسة فبمن يتّصل ؟
وهو من أول ما يخرج من المدرسة إلى أن يصل إلى البيت وهو يتكلم بالنقّال ، فمثل هذا الشاب يعيش بلا هدف .
وترى شعره بطريقة خاصة كعش الطير ، ولا يبقى إلا أن يأتي طير لكي يبيض على رأسه ، وترى قصّات عجيبة غريبة ، وبعض قصّات الشعر تُضْحِك ، ولكن هذا الشاب لا يلتفت لنفسه ، وأولادنا الصغار يضحكون عليهم من غرابة هذه القصّات المستورَدة من الغرب ، فأحدهم يجعل في شعره ممرّات كالشوارع ، لو تضع فيـه صرصـورا لمشى في هـذه الممـرّات ، وهكذا بعض الشباب الذين
الشاب المؤمن إنسان هادف . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . 29
لا يكون عندهم هدف ، ولكن الشباب المؤمن يعيشون وعندهم أهداف معيّنة .
وأنت شاب مؤمن ، فلا بد أن تعيش أهدافا معيّنة ، وأنت الآن في عصر الغيبة الكبرى فلا بد أن تعيش هدفا وهو أن تكون من أنصار الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف ، وبهذه الطريقة تحقّق هذه المخيّمات الإيمانية أهدافها المرجوّة منها ، وتدريجا نصل إلى تحقيق هذه الأهداف .
والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا أبي القاسم محمد وآله الطيبين الطاهرين .
مـعـنى الإيمـان (1)
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا أبي القاسم محمد وآله الطيبين الطاهرين .
عندما نقول إننا مؤمنون يكون لكل شخص تصوّر معيّن عن معنى الإيمان ، فنبدأ بهذا السؤال : ما معنى الإيمان ؟ ما معنى أنني مؤمن ؟
الجواب على هذا السؤال لا بدّ أن يكون واضحا عند الإنسان ، فحينما يقول إنه مؤمن ؛ فلا بدّ أن يعرف معنى الإيمان ، مثل الإنسان الكافر بالله عنده تصوّر واضح عن الكفر بالله ، ذاك الشخص الذي يقول عن نفسه إنه رأسمالي ؛ يعرف ما يؤمن به ، وكذلك ذاك الذي يقول عن نفسه إنه علماني ، أو الذي يقول إنه شيوعي ، كل واحد منهم عنده تصور عن المذهب الذي يتبنّاه ، فأنت ـــ أيها المؤمن ـــ هل عندك تصوّر واضح عن معنى الإيمان ؟
معنى الإيمان . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . 31
إذا صار هذا التصور واضحا حينذاك تستطيع أن تقول عن نفسك إنك مؤمن ، وأما إذا كان عند الشخص أفكار مجملة غير واضحة ، فحينما يقول إنه مؤمن لا يكون مؤمنا في الواقع لأن أفكاره ليست واضحة ، ونقاط الإيمان غير واضحة عنده ، فإيمانه يكون إيمانا ضبابيّا ، هناك أفكار يكون قد سمعها من المنبر أو من والديه أو من أصدقائه ، ولكن هذه الأفكار قد تكون مختلطة ، وليست أفكارا إيمانية خالصة ، هناك بعض الاعتقادات التي يعتقد بها الإنسان ، وهذه الاعتقادات في الواقع قد تكون خليطا من الإيمـان ومن أفكار دخيـلة على الإيمـان ، فصـار إيمانا مخلوطا ، والإيمان المخلوط بعقائد أخرى لا يكون إيمانا تاما خالصا كاملا .
والآن أسأل : ما معنى الإيمان ؟ وما معنى أنك إنسان مؤمن ؟
قد يجاب بأن الإيمان هو العمل بالواجبات والابتعاد عن المعاصي ، وقد يجاب بإضافة المستحبات إلى ما يعمل به ، وإضافة المكروهـات إلى مـا يبتعـد عنـه ، وقد يجاب بأنه الإيمان بالله تعـالى ، وقـد يجـاب بأن المؤمـن هـو من أمِنَ الناس من لسانه ويده .
32 . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . معنى الإيمان
هذه الأجوبة كلها صحيحة ، وهي تعبِّر عن بعض مصاديق الإيمان ، وهي بعض الأشياء التي تعطي معنى الإيمان ، وهي أجـزاء مـن الإيمـان ، الإيمـان بالله تـعالى هــو الأسـاس ، فالتوحيـد هو أساس الإيمان ، وهذا الأساس يتفرّع عليه كل الأشياء الأخرى من العقائد والأحكام الشرعية والأخلاق ، والإيمـان بالله ومـا يتبعـه هـو بـاب العقائد ، وهذا هو الجانب الأول ، والعمل بالواجبات والمستحبات والابتعاد عن المعاصي والمكروهات هو باب الأحكام الشرعية ، وهذا هو الجانب الثاني ، وهناك الجانب الثالث وهو باب الأخلاق .
والروايات تأتي ببعض مصاديق الإيمان ، مثلا في رواية عن الإمام أبي عبدالله الصادق عليه السلام أنه قال : " الإيمان أن يطاع الله فلا يعصى " (1) .
هذا مصداق يعطيه الإيمان ، وأساس الإيمان هو الاعتقاد بالتوحيد ، وهو الأساس الأول ، والعقائد الأخرى حتى أصول الدين غير التوحيد هي في الواقع فروع لأساس التوحيد ، فالإنسان إذا اعتقـد بالله عـز وجـل وآمـن بوجـوده تعـالى يتفرّع منه الاعتقاد
معنى الإيمان . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . 33
بالنبوة لأن الله تعالى بعث الأنبياء عليهم السلام ، ويعتقد بالأئمة عليهم السلام لأن النبي عليه السلام يعيّن الأئمة من بعده ، ويعتقد بوجود يوم للحساب لأن الله عادل غير ظالم ، فلا بد أن يحاسب الناس ، فهذه العقائد تأتي متفرِّعة من التوحيد ، وتأتي أيضا الأحكام الشرعية ، فالله عز وجل خلق الناس والمطلوب منهم أن يفعلوا بعض الأشياء ويتركوا بعض الأشياء الأخرى طاعة لله عز وجل .
إذن : كل أمـور الديـن في الواقـع متفرِّعة عن الاعتقاد بالتوحيد ، فالتوحيد هو الأصل الوحيد ، والأصول الثانية هي فروع للتوحيد وليست أصولا في واقعها ، فالاعتقاد بالنبوة فرع الاعتقاد بالتوحيد ، والاعتقاد بالإمامة فرع الاعتقاد بالتوحيد ، وفروع الدين تعتبـر أيضـا فروعـا للتوحيـد .
الناس عندهم تصورات كثيرة عن الإيمان ، ويعيشون هذه التصورات ، وجود المعلومات في الذهن وهذه التصورات التي يعيشها الإنسان مجرد وجودها في الذهن لا يجعل الإنسان مؤمنا ، إذا كانت توجد في الذهن كثير من الأفكار فإن مجرد وجود الأفكار في الذهن لا يجعل الإنسان مؤمنا ، هذه التصورات إذا لم تنـقـلـب إلى عـمـل فـإنـهـا تـظـل تـصـورات ذهـنيـة ، وفي هـذه الحـالـة
34 . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . معنى الإيمان
وجودها كعدم وجودها ، فإذا كان الإنسان يعتقد بعقيدة معيّنة فإنه لا بدّ أن يسعى لتحقيق هذه العقيدة في الخارج ، وإذا لم يكن يسعى لتحقيق عقيدته في الخارج فمعنى ذلك أن اعتقاده الذي يتكلم بـه هـو مجـرد حركـة لسـان ، وقـد يكون في الواقع غير معتقد بما يتقول به ويدّعيه .
مثلا إنسان يحصل على قسيمة ويريد أن يبني بيتا له يكون هدفه الوصول إلى تحقيق هذا البيت في الخارج ، فيقدّم على قسيمة ويحاول أن يجمع المال ويقدّم على بنك التسليف للحصول على قرض ، يريد أن يشتري سيارة يفكر من أين يأتي بالمال ، يتقدّم للحصول على قرض من البنك ، وبهذه الطريقة يسعى لتحقيق الفكرة الموجـودة في ذهنـه .
الناس عادة يعيشون في عالم التصورات ، وحتى الإنسان المادي في ذهنه كثير من الأشياء التي يريد أن يحقّقها ، ولكنه في الواقع لا يصل إلى تحقيق كل شيء يريده ، وكذلك الإنسان المؤمن يحمل كثيرا من التصورات ، ولكن كم هي النسبة من هذه التصورات يسعى إلى تحقيقها ؟
يحمل أفكارا إيمانية ، ولكن هناك ظروف اجتماعية ووسوسة النفـس ووسوسـة الشيطـان تحول بينه وبين تحقيق تصوراته ، فتراه
معنى الإيمان . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . 35
يحمل تصورات ، ويحمل تصورات مناقضة لهذه التصورات ، فإذا كان إنسانا مؤمنا حقيقة فلا بدّ أن التصورات الإيمانية هي التي تنتصر ويسعى إلى تحقيق هذه العقائد الإيمانية التي يعتقد بها في الخارج ، وأغلب الناس يعيشون في عالم التصورات وعالم الخيال ، مثلا يتصدّق بصدقة ويبدأ ببناء قصور له في الجنة ، ويصلي ويقول الحمد لله لقد صلّيت ، ويقوم بكثير من الأعمال ، ولكن قد لا يأتي بكل شروط هذه الأعمال ، فهذا العمل وإن كان ظاهره الصحة ، ولكن قبول الله عز وجل لهذا العمل مترتِّب على شروط لا بدّ أن يحقّقها الشخص حتى تكون أعماله مقبولة عند الله تعالى .
نعم تكون عندنا تصورات ، ولكن هذه التصورات لا بدّ أن نحوّلها إلى تصورات راسخة في أنفسنا أولا ، فإذا ترسخت هذه التصورات في أنفسنا فإنها بشكل طبيعي ينتج منها الأعمال ، مثل الشجرة التي تضرب جذورها في الأرض فإنها تنمو ، الشجرة التي لم تضرب جذورها في الأرض فإنها بأقل هبة ريح من الممكن أن تُقْلَع ، هذه العقائد التي يعتقد بها الإنسان إذا لم ترسخ في نفسه فإنه يعيش في عالم التصورات والخيال ، وهذه العقائد قد تزول بمجـرّد مـا يرى الإنسـان أمـرا دنيويـا ، فيكـون مستعـدّا للتنازل عن
36 . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . معنى الإيمان
هذه العقائد ، كم من الناس يقولون نحن شيعة ، ومع ذلك يسرقون ويختلسون ويكذبون ويشربون الخمر ويفجرون ، ونظل نقول عنهم إنهم شيعة ، والناس ينظرون إليه أنه شيعي ، فيقولون انظروا ماذا يفعل الشيعي ، فهل هذا في واقعه شيعي ؟
هو بهذه الصفات في واقعه ليس شيعيا ، لو تسأله هل تعتقد بالإمامة ؟ ، يجيبك نعم أعتقد ، ولكن عمله على خلاف اعتقاده بالإمامة ، في الواقع لا يعتقد بالإمامة ، لو كان يعتقد بالإمامة لما قام بهذه المعاصي ، لابتعد عن المعاصي وأتى بالواجبات .
نحن ندرس في الدورات كثيرا من المسائل العقائدية والفقهية والأخلاقية ، يجب علينا أن نحوّل هذه الأفكار إلى عمل ، إذا لم تتحوّل إلى عمل فهذه الأفكار تظلّ في عالم التصوّر وعالم الخيال .
في علم المنطق يقولون عندنا تصوّر وتصديق ، وهذا التصور الذي يعيشه الإنسان لا بد أن يحوّله إلى تصديق ، والتصديق ينقسم إلى ظن ويقين ، وهذه التصورات لا بد أن نحوّلها إلى تصديقات يقينية ، يعني الإنسان يعتقد فعلا بوجود الله ، ويعتقد يقينا بالنبوة ، ويعتقد فعلا بالإمامة ، ويعتقد يقينا بوجود يوم للحساب ، ويعتقد بوجود حساب في القبر في عالم البرزخ ، لو أن الإنسـان يفكر لحظـة بأنـه سيمـوت فالمفـروض أن أفعالـه وسـلوكياته
معنى الإيمان . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . 37
تتحسّن ، مع أن كل شخص يقول بأنه سيموت ، ولكن إلى أي حدّ هو يعتقد بذلك ، لو كان فعلا يعتقد بذلك لماذا لا يكون إنسانا صالحا ؟ لماذا يظلّ يرتكب المعاصي ؟
لو كان يفكر بأنه سينـزل إلى القبر فالمفروض أن يخاف ، يذهب إلى المقبرة لدفن قريب له ومع ذلك ترى أنه يضحك ، ويمزح مع من حوله وكأنه لا يرى هذا الميت يُنْزَل في قبره ، الآن نزل شخص إلى القبر فكيف لا يخاف الإنسان أنه بعد يوم أو يومين أو سنة أو سنتين سوف يُدْفَن في نفس المقبرة ؟
لو أن هذه العقيدة كانت راسخة عنده فالمفروض أن يخاف ، فلماذا لا يخاف ؟
معنى ذلك أن عقيدته بوجود يوم للحساب عقيدة ضعيفة غير مترسّخة في النفس ، والإنسان المؤمن لا بد أن يرسّخ هذه العقائد في نفسه .
إن وجود خمس صلوات في اليوم هو من أجل ترسيخ عقيدة التوحيد ، نقول أصلي قربة لله تعالى ، وأصوم قربة لله ، وأحج قربة لله ، فيذكّر الإنسان نفسه أنه يقوم بالعمل قربة لله ، ومعنى القربة لله أنه يقترب إلى الله أكثر يوما بعد يوم ، وفي الواقع نرى أنـه لا يقـترب بـل يبتعـد ، كلامه " قربة لله " حركة لسان فقط لا
38 . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . معنى الإيمان
تعبّر عن واقع هذا الإنسان ، وحركة اللسان لوحدها لا يحصل الإنسان على ثواب منها ، قد يقول كثيرا " قربة لله " ، ولكن هل هو في واقعه يتقرّب بهذا العمل إلى الله أو لا ؟
يعيش في عالم التصور أنه يصلي قربة لله ، وفي عالم التصور يصوم قربة لله ، ولكنه في الواقع هو يبتعد عن الله بارتكاب المعاصي ، المؤمن لا بد أن يلتفت إلى هذه النقطة وهي أن يحوّل هذه التصورات إلى تصديقات يقينيّة ، إذا تحوّلت إلى تصديقات يقينيّة فإن مصاديق الإيمان والأعمال الإيمانية كلها تأتي بشكل طبيعي بدون تكلّف كنتيجـة طبيعية لما يكون راسخا عنده من عقائد ، الإنسان عنده شجرة راسخة ، هذه الشجرة سوف تثمر في كل يوم بإذن ربّها .
مثلا إذا حان وقت الصلاة لا يحتاج إلى من يقول له قم للصلاة لأن هذه العقيدة راسخة عنده ، فهو بنفسه يقوم للصلاة ولا يحتاج إلى من يدفعه إلى الصلاة دفعا ، لو كان يشاهد التلفاز فإنه بنفسه يطفئ الجهاز ويقوم إلى الصلاة ولا داعي لأن يأتي أبوه ويأمره بإغلاق الجهاز ، فهو لم يترسّخ الإيمان في نفسه حتى الآن ، هذا بالنسبة للشاب في أول الطريق ، ولكن الإنسان الذي بلغ ستين سنة لماذا لا يصلي ؟!
معنى الإيمان . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . 39
المفروض أن الإنسان بعد هذه السنوات الطويلة من ادعاء الإيمان المفروض أن الصلاة لا تمثّل مشكلة عنده بعد أن وصل إلى هذا العمر لأنه تعوّد على الصلاة ستين سنة ، فلماذا بعض من بلغ هذا العمر ما زالوا مدمنين على المخدرات وما زالوا تاركين للصلاة والصيام ؟
الكثيرون يقومون بأعمال ، ولكن هذه الأعمال لا تؤثّر في نفوسهم ، في الواقع هم ليسوا بمؤمنين وإن كانوا يدّعون الإيمان ، نحن لا نريد أن نكون مدّعين للإيمان ، نريد أن نكون مؤمنين حقّا وفعلا حتى تثمر الشجرة الإيمانية الموجودة عندنا .
في روايـة عـن الإمـام أبي عبدالله الصادق عليه السلام أنه قال : " لا يقبل الله عز وجل عملا إلا بمعرفة ، ولا معرفة إلا بعمل " (1) .
العمل يتطلب قبله علما ، تريد أن تأتي بعمل فلا بدّ أن تعرف كيف يريد الله عز وجل منك أن تؤدي هذا العمل ، مثلا إذا كنت تريد أن تصلي فلا بدّ أن تعرف كيفية الصلاة ، وتريد أن تصوم فـلا بـدّ أن تعـرف كيفيـة الصيـام وشروطه وتروكاته ، فلا عمـل إلا
40 . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . معنى الإيمان
بمعرفة ، ولا معرفة إلا بعمل ، مثلا شخص تعلّم كيفية الصلاة فلماذا لا يصلي ، فالمعرفة تتطلّب عملا .
ثم يكمل الإمام الصادق عليه السلام قائلا : " فمن عرف دلّته المعرفة على العمل ، ومن لم يعمل فلا معرفة له " .
شخص عنده علم وعنده تصورات ، هذه التصورات لا بدّ أن تدفعه إلى العمل ، إذا لم يعمل فهذه التصورات هي مجرد خيال يعيشـه ، فمن لم يعمل لا توجد عنده معرفة ، لا يقول : " أنا عالم " ، العالم هـو مـن يعمـل بعلمـه ، العـالم لا بدّ أن يكون عاملا ، وإذا لم يكن عاملا فهـو ليـس بعـالم .
إذا لم يعمل الإنسان بعلمه فهذا العلم لا قيمة له عند الله تعالى ، قد يأتي شخص ويعرف كل الرسالة العملية ، ولكنه لا يقوم بالأعمال الموجودة فيها ففي الواقع هذه المعرفة لا قيمة لها ، مجرد معلومات يحفظها الإنسان ويكررها ، ولكن هذا العلم لا توجد له قيمة عند الله عز وجل ، يُعامَل معاملة الجاهل ، بل بالعكس حسابه أشدّ من الجاهل ، الإنسان إذا علم بشيء ولم يعمل به سيُحاسَب لأن الحجة قائمة عليه ، الجاهل عليه حجة الجهـل ، ولكن العـالم عليـه حجـة العـلم ، فيُحاسَب محاسبة العلماء .
معنى الإيمان . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . 41
وفي رواية أخرى عن الإمام الصادق عن أبيه عن علي عليهم السلام قال : " لا يذوق المرء من حقيقة الإيمان حتى يكون فيه ثلاث خصال : الفقه في الدين ، والصبر على المصائب ، وحسن التقدير في المعاش " (1) .
الإنسان لا يبلغ حقيقة الإيمان إلا أن يكون متعلّما ، يكون عنده فقه في الدين لا فقط الأحكام الشرعية ، الفقه بالمعنى العام أي ما يشمل جميع أمور الدين ، فالإنسان لا يستطيع أن يقول : " أنا مؤمن " ؛ إلا أن يتعلّم ، وإذا تعلّم فحينذاك يستطيع أن يقول عن نفسه إنه مؤمن ، فالمؤمن لا يكون جاهلا لأنه يريد أن يعمل بإيمانه ، والإيمان يترتب عليه العمل ، فلا بدّ أن يعرف هذا العمل ، وهذا العمل يأخذه من الدين ، فلا بد أن يكون متفقِّها في الدين ، لا نقول أن يصير عالما مجتهدا مرجعا ، ولكن يحتاج إلى بعض المعلومات التي تحرِّكه باتجاه الله تعالى ، هناك أمور واجبة على الإنسان أن يتعلّمها ، إذا لم يتعلّم كيفية الصلاة لا يستطيع أن يصلي بشكل صحيح ، ترى أشخاصا كبارا في السن لا يتوضّؤون بشـكل صحيـح أو لا يصلّـون بشـكل صحيـح ، فلمـاذا لم يتعلّم كيفية
42 . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . معنى الإيمان
الوضوء وكيفية الصلاة ؟ ، هو لم يسأل ، والمفروض على الإنسان أن يسأل ، المؤمن لا يخترع من عنده طريقة وضوء جديدة أو كيفية صلاة جديدة ، المؤمن يلتزم بحدود الدين ، وهذه هي الصفة الأولى للإنسان المؤمن .
والصفة الثانية للإنسان المؤمن هي الصبر على المصائب ، والصفة الثالثة هي التقدير في المعاش ، والتقدير في المعاش معناه أن يصرف بمقدار ، وحياتنا التي نعيشها الآن فيها تساهل كثير ، تجد أن حياة الناس انقلبت إلى حياة مادية حتى الناس الذين يفترض فيهم الإيمان ، حرصهم الكبير على المال وعلى تزيين البيوت وعلى القضايا المادية ، ترى حتى الإنسان المؤمن الذي يذهب إلى المساجد يهتم بهذه الأمور أيضا ، وكم من المال الكثير يصرفه الإنسان خلال السنة ، وفي الصيف في موسم السفر ترى أنه يسافر إلى بعض البلدان التي قد يرتكب فيها المعاصي ، وعلى أقل التقادير بعض الصلوات تفوته ، وبعض المسافرين تفوتهم صلاة الصبح إذا كان موعد طائرتهم قبل وقت الصلاة ، وبعضهم تفوتهم صلاة الظهر إذا كان وقت السفر طويلا ويستحيي أن يصلي في الطائرة ، ويقول : " الله كريم سوف أقضي هذه الصلـوات فيمـا بعـد " ، وقولـه : " سـوف أقـضي الصـلاة " ؛ معناه
معنى الإيمان . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . 43
أنه يرتكب محرّما بترك الصلاة ، ويصرّ على ارتكاب المعصية ، والإنسان يجب أن يحافظ على الواجبات .
وأيضا كم من المبالغ يصرفها ، شخص يسافر لمدة شهر يصرف على أقل التقادير خمسة آلاف دينار ، وكم من المؤمنين الفقراء بيننا ، المؤمن لا بدّ أن يوازن بين الأمور المختلفة ، يصرف على بيته آلاف الدنانير ، وعندما تطلب منه صدقة يعطيك ربع دينار ، الإنسان إذا كان يعتقد بالله تعالى ويعتقد بأصول الدين ويعيش النظرة الأخروية فلا بدّ أن تتغيّر حياته ، مثل الإنسان الذي يقال له بأنه سوف يعيش لفترة مؤقتة ونعطيك مليون دينار فماذا تفعل بها ؟ هل يفكر ببناء قصر ؟
حتما لا ، سيفكر بالآخرة ، سيقوم بأعمال يبقى أثرها في الآخرة ، لا يفرق عند الله تعالى أن الإنسان يعيش سنة أو يعيش مائة سنة ، نوح عليه السلام كان يدعو قومه تسعمائة وخمسين عاما ، ويقال إنه عاش ألفين وخمسمائة سنة ، في آخر حياته كان جالسا في ظل شجرة وسئل : كم عشت ؟
قـال كـمـا جلسـت في ظـل هـذه الشجـرة وقمـت عـنها ، والإنـسـان هـكـذا مـهـما امتـدّت بـه السـنـوات فـإنـه لا محـالة ميّـت ،
44 . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . معنى الإيمان
ونحن كم مدة حياتنا ؟ ، ستون أو سبعون سنة ، ومن الأربعين سنة تبدأ الأمراض من السكري والضغط والقلب ، بماذا يهنأ الإنسان في حياته القصيرة ؟
لا يبلغ حقيقة الإيمان إلا من تكون فيه هذه الصفات الثلاثة ، وهناك كثير من الروايات تبيّن صفات المؤمنين ، فمن أراد أن يقـول عن نفسـه إنـه مؤمن فلا بد أن يجسِّد هذه الصفات في نفسه .
عرفنا الآن ثلاث خصال للمؤمن ، فلا بد أن نسعى لتحقيق هذه الخصال في أنفسنا ، وإذا لم نَسْعَ فهذا العلم لا قيمة له ، مجرّد معلومات نحفظها ونكرّرها في المجالس ، كم من هذه الروايات نحققها في أنفسنا حتى نحصل على الثواب ؟ فهل نحن معتقدون بما نقول أو لا ؟ وهل نحن عاملون بهذه الأمور أو لا ؟
وأما مجرّد حفظها وتكرارها فلا يؤدي إلى شيء ، الإنسان لا بدّ أن يلتفت إلى أن يحوِّل هذه المعلومات إلى عمل حتى تكون هذه المعلومات في طريق الله وقربة إلى الله تعالى ، وأما إذا ظلّت في حيّز العلم أي في حيّز التصوّرات فالإنسان لا يحصل على ثواب ، بل على العكس من ذلك سيحاسب لوجود هذه المعلومات في ذهنه والتي لم يحوِّلها إلى عمل .
معنى الإيمان . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . 45
لو سألنا : ما هي أفضل نعمة يحصل عليها الإنسان ؟
والجواب يأتي سريعا المال ، أفضل نعمة يظن الإنسان أنه يحصل عليها هو المال ، اسأل أي شخص وسوف يجيبك بهذا الجواب ، وقد يجيب بعض الأشخاص بأنها العافية أو العقل أو الحكمة أو الأمان أو الإيمان أو الولاية أو العلم النافع ، وهذه كلها مصاديق للأفضل ، ولكن هل هذا هو جواب أئمة أهل البيت عليهم السلام ؟ ، نحن نعتقد بالإمامة ، فيجب أن نسأل الإمام عليه السلام : ما هي أفضل نعمة ؟
الإنسان المؤمن قبل أن يفعل شيئا يسأل : ما هو رأي الدين في هذه المسألة ؟ ، لا يجيب عن سؤاله بنفسه لنفسه بجواب معيّن ، أولا يسأل الإمام الذي يعتقد به ، الإمام عليه السلام ماذا يقول بخصوص هذه المسألة ؟
في رواية عن الإمام العسكري عليه السلام عن آبائه عليهم السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : " ما أنعم الله عز وجل على عبد بعد الإيمان بالله أفضل من العلم بكتاب الله ومعرفة تأويله " (1) .
46 . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . معنى الإيمان
إذن : العلم بكتاب الله والعلم القرآني هو أفضل نعمة بعد الإيمان بالله عز وجل ، وكذلك فرعه العلم الروائي ، وهو أفضل لأن الإيمان بدون علم لا يستطيع الإنسان أن يتحرك به ، الإيمان جناح للطيران والحركة ، ويحتاج إلى جناح ثان للطيران ، وبدون الجناح الثاني لا يستطيع الإنسان أن يطير ، وبدون العلم الإنسان يخطئ الطريق ولا يستطيع الوصول إلى الجنة وثواب الله تعالى .
ويكمل الإمام العسكري عليه السلام قائلا : " ومن جعل الله له من ذلك حظّا ( أي من العلم بالكتاب ) ثم ظنّ أن أحدا لم يُفْعَلْ به ما فُعِلَ به وقد فُضِّلَ عليه فقد حَقَّرَ نعم الله عليه " .
الإنسان يكون عنده علم بالكتاب فإذا رأى شخصا عنده مال وقال : " إن نعمة هذا الشخص أفضل من نعمتي " ؛ فقد حقَّر نعمة الله عليه ، الإنسان العالم لا يقارن نفسه مع الإنسان الذي عنده المال ، قيمة العلم الموجود عنده أفضل من هذا المال بكثير ، ولكن الإنسان يعيش عادة عالم التصورات ويعيش الأمور المادية فيظن أن المال أفضل من العلم .
لو قمت بتخيير الناس بين العلم والمال ماذا يختارون ؟ ، حتما يختارون المال ، خَيِّرْهم بين ألف دينار وحفظ القرآن ، سيقول لك اعطـني الألـف والقـرآن إذا لم أقـرأه غـير مهم ، ولكن المال مهم ،
معنى الإيمان . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . 47
وإذا شخص قال لك القرآن فارفع قيمة المال ، قل له مائة ألف دينار في مقابل أن تكون كل روايات بحار الأنوار في ذهنك ، سيقول لك : " دع بحار الأنوار لك واعطني المال " ، أليس هذا صحيحا ؟
الناس هكذا يعيشون ، ولا أقول اسأل المنحرفين ، بل اسأل من يفترض فيهم الإيمان ، ومن يختار المال على العلم فإنه يحقّر نعمة العلم ، فلا بد من الحرص على طلب العلم ، المقارنة بين العلم والمال مقارنة بينهما فارق كبير ، والعالم لا يقارن نفسه بمن يملك مالا ، المال لا قيمة له عند الله عز وجل ، ولكن العلم له قيمة كبيرة عند الله تعالى ، المهم أن الإنسان حينما يأتي يوم القيامة ماذا يكون عنده ؟ الإنسان العالم على ماذا يحصل يوم القيامة ؟ والإنسان الذي يملك الأموال الطائلة على ماذا يحصل يوم القيامة ؟
الإنسان العالم يُحْشَر مع رسول الله صلى الله عليه وآله ، وكذلك الإنسان إذا كان يسعى للتعلّم ، نعم إذا كان صاحب الأموال متقرّبا إلى الله تعالى بأمواله فإنه يصعد ، ولكن لا يصعد إلى درجة العالم ، وإذا كان مسرفا بأمواله وارتكب المحرمات بها فإنـه يكون في جهنم والعيـاذ بالله .
48 . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . معنى الإيمان
نحن نعيش بعض التصورات الخاطئة ، هذه التصورات تصورات منحرفة موجودة عندنا ، وهذه التصورات أخذناها من المجتمع ومن الناس ، ولا نسأل : ماذا يريد أهل البيت عليهم السلام منا ؟
الإنسان يسير على أهوائه ومشتهياته ، الشيء الذي يحبّه يحاول أن يحصل عليه حتى لو كان يكلّفه المال الكثير ، وقد يرغب بسيارة معيّنة ، وهو مستعدّ أن يدفع لأقساطها أكثر من نصف معاشه الشهري حتى لو كان عنده زوجة وأولاد ، شخص يشتري بيتا ويجعل على نفسه قرضا بقيمة مائتي ألف دينار مثلا ، كيف يمكن له تسديد هذا المبلغ الكبير ؟ هل مثل هذا الإنسان عاقل ؟
هو يفكر أنه قد يحدث حدثا سياسيا معيّنا ويسقطون هذه الديون عنه ، والإنسان يستطيع أن يعيش بمقدار أقل ، فيكون عنده تقدير في المعاش ، ويستطيع أن يُشْرِك الفقراء في بعض هذه الأموال ، فيحصل على الثواب الأخروي بدل أن يصرف المال على الأمور الدنيوية الزائلة ، ويأتي يوم القيامة وهو لا يملك شيئا ، يقول : " يا ربي أنا شيعي أؤمن بالولاية " ، فيقال له : " لو كنت تؤمن بالولاية لكان عندك تقدير في المعاش " ، هل الإمام علي عليه السلام حينما يكـون واقفـا على حـوض الكوثـر بمجرد ما يراه
معنى الإيمان . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . 49
يعطيه كأسا من الماء ؟ ، لا ، ليس الأمر بهذه الطريقة ، هناك لا يُنْظَر إلى الهوية ، هناك ينكشف الإنسان وتظهر حقيقته ، يرى الله عز وجل حقيقة الإنسان ، قد يقول الإنسان عن نفسه إنه مؤمن ، ولكنه في واقعه قد يكون ثعلبا أو ذئبا أو خنـزيرا .
مثـلا الآن أيـن الغيرة على النسـاء ؟ ، ترون الصـور في الجرائد ، هذا المؤمن تراه في الجريدة مع ابنته التي حصلت على الامتياز ، وانظر إلى حجابها غير الشرعي والأصباغ على وجهها والأب واقف بجنبها وهو يدّعي أنه مؤمن شيعي ، أين الغيرة ؟!
الإنسان الذي لا توجد عنده غيرة على بناته في يوم القيامة على أي صورة يُحْشَر ؟
قد يُحْشَر على صورة الخنـزير ، الإنسان الذي يمكر على الناس يحشر على صورة الثعلب ، وهناك بعض الصور تكون خليطا من الصور حتى يصير مسخا وتكون صورة القرد أجمل من صورتـه (1) ، الإنسـان لا بـدّ أن يكـون حريصـا على أن تكون صورته
50 . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . معنى الإيمان
الداخلية صورة إنسان ، ويُحْشَر يوم القيامة على صورة إنسان ، ومن الصعب أن يكون الإنسان إنسانا ، والصفات القلبية النفسية تنقلب يوم القيامة إلى صور تعبّر عن حقيقة هذا الإنسان .
الخلاصـة :
لا نعيش عالم التصورات فقط ، ولا بدّ أن نُحَوِّل هذه التصورات إلى يقينيّات ، فإذا صارت عندي اليقينيّات فإنه بشكل طبيعي تتحوّل هذه اليقينيّات إلى عمل ، وإذا لم يحوِّل هذه اليقينيّات إلى عمل فهذه التصورات تكون مثل عدم التصورات ، كأنه لا يوجد شيء منها .
لقد تعلّمنا في هذه الليلة بعض الأشياء ، ولا بد من التفكير بـمـا طُرِحَ اللـيلـة مـن أمـور ، وحَـوِّل هـذه المعلـومـات إلى عـمـل حـتى
معنى الإيمان . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . 51
تستطيع أن تقول عن نفسك إنك مؤمن ، وإذا بقينا في عالم التصورات فإن كلمة " مؤمن " لا قيمة لها عند الله عز وجل ، يستطيع الإنسان أن يقول من الآن إلى الغد : " أنا مؤمن " ، ويَنْزِل في القبر ويقـول : " أنا مؤمن " ، ويحشر يوم القيامة ويقول : " أنا مؤمن " ، فيقال له : " اسكت " ، بل لا يستطيع أن ينطق بهذه الكلمة ، وبعض الأشخاص على فراش الموت يريد أن يقول : " لا إله إلا الله " ؛ فلا يستطيع لوجود الذنوب الكثيرة التي تعقد لسانه ، فلا يظن أنه بمجرّد ما يقول : " أنا شيعي " ؛ فإن أبواب الجنان مفتوحة له ، ليس بهذه السهولة يحصل الإنسان على الجنة ، بل لا بد أن يكون الشيعي عاملا ، ومن الصعب أن يدخل الإنسان الجنة بلا عمل أو بعمل بسيط لا يؤهله لأن يصل إلى المقام العالي في الجنة ، والله سبحانه لا يوزِّع الجنة على الناس كأوراق اليانصيب .
الإنسان المؤمن لا بد أن يتعلّم هذه الأمور ، وأول سؤال يطرحه على نفسه حتى تبدأ الانطلاقة الأولى هو : ماذا يريد الله تعالى مني في هذه المسألة وفي تلك القضية ؟
والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا أبي القاسم محمد وآله الطيبين الطاهرين .
عـلاقة المـؤمـن بالمـال (1)
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا أبي القاسم محمد وآله الطيبين الطاهرين .
قال الله تعالى في كتابه الكريم : ﴿ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ﴾ (2) .
في غدير خم سأل رسول الله صلى الله عليه وآله المسلمين قائلا : " ألَسْتُ أوْلَى بكم من أنفسكم ؟ " . قالوا : بلى يا رسول الله . فقال صلى الله عليه وآله : " مَنْ كُنْتُ مَولاه فَهذا عَلِيٌّ مولاه ، اللهم والِ مَنْ والاه ، وعادِ مَنْ عاداه ، وانْصُرْ مَنْ نَصَرَه ، واخْذُلْ مَنْ خَذَلَهُ " (3) .
علاقة المؤمن بالمال . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . 53
ونحن أيضا نقول : " بلى يا رسول الله ، أنت أولى بنا من أنفسنا ، وكذلك علي أولى بنا من أنفسنا " .
ثم نزلت الآية الكريمة : ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا ﴾ (1) .
ونحن نريد أيضا أن يُكْمَل لنا الدين وتتمّ علينا هذه النعمة ، ولكن إكمال الدين وإتمام النعمة لا يأتي عن طريق الكلمات ، لا بد أن نُجَسِّد حياة أمير المؤمنين عليه السلام في حياتنا .
في رواية عن الإمام الرضا عليه السلام قال : " كمال الدين ولايتنا والبراءة من عدوّنا " (2) .
وعن أمير المؤمنين عليه السلام قال : " يخرج أهل ولايتنا من قبورهم يوم القيامة مشرقة وجوههم قرّت أعينهم قد أعطوا الأمان يخاف الناس ولا يخافون " (3) .
ولكن أهل الولاية هل يكونون عن طريق الكلام فقط ؟ ، لنقل إنـنـا شـيعـة وإنـنـا مـوالـون لأهـل البيــت عليـهم السـلام ، ولكـن هـل
54 . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . علاقة المؤمن بالمال
يكتفي الإنسان بهذه الكلمات حتى يأتي أمير المؤمنين عليه السلام على حوض الكوثر ويقول عليه السلام له بكل بساطة : " تفضّل هذا الكأس من ماء الكوثر ، تفضّل إلى الجنة " .
نريد أن نستفيد من هذه المناسبات حتى نجدّد البيعة لأمير المؤمنين عليه السلام ونجدّد الولاية له ، ونرتبط بأهل البيت عليهم السلام ارتباطا عمليا لا ارتباطا قوليا لسانيا كلاميا فقط ، فمؤمن اللسان لا يظن أنه سيدخل إلى الجنة بكل بساطة إذا لم يتحوّل هذا القول إلى عمل ، فيكون مؤمن العمل أيضا .
والارتباط العملي بأهل البيت عليهم السلام لا يأتي عن طريق الآراء الشخصية واتّباع أهواء النفس ، بل على المؤمن أن يعرف هذا الدين أولا ، يأخذ هذا الدين من كلمات أهل البيت عليهم السلام ، وبعد أن يعرف هذا الدين يطبّق هذه الكلمات على حياته ، فالمؤمن لا يتحرّك بلا علم ومعرفة ، لذلك تأتي الروايات التي تحثّ على طلب العلم ، لا فقط من يريد أن يكون متخصّصا في العلوم الدينية ويريد أن يكون فقيها ، بل حتى المؤمن العادي يحتاج إلى مقدار من العلم حتى يستطيع أن يتحرّك إلى الله عز وجل ، فيأتي المؤمن أولا ويتعلّم ، ومن خلال هذا العلم يستطيع أن يحدّد علاقاته بالأشياء الموجودة حوله ، كل شيء في هذه الدنيا
علاقة المؤمن بالمال . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . 55
لا بد من تحديد العلاقة معه ، وتحديد العلاقة مع الشيء إنما نأخذه أولا من الكتاب الكريم ، وثانيا من سنة أهل البيت عليهم السلام ، فنحدّد هذه العلاقات .
والمؤمن الذي يريد أن يتحرّك في حياته العملية لا بدّ أن يسأل نفسه قبل أن يُقْدِم على أي شيء : ماذا يريد الله عز وجل منّي ؟ وما هي العلاقة التي حدّدها الله عز وجل مع هذا الشيء الذي أريد أن آخذه أو أريد أن أتركه ؟
هذه العلاقة يحدّدها الله عز وجل ، ويحدّدها أهل البيت عليهم السلام ، من هذه العلاقات علاقة الإنسان بالمال كمصداق من المصاديق الظاهرة الواضحة لهذه الدنيا ، لا بدّ أن يحدّد المؤمن علاقته بالمال ، هذه العلاقة لا بدّ أن يأخذها من الكتاب والسنة وإلا فإن حياة هذا المؤمن إذا لم يكن متحرّكا على أساس معرفة العلاقة من أهل البيت عليهم السلام ستكون حياة دنيويّة خالصة ويكون تحرّكه تحرّكا دنيويّا لا دينيّا ، سيتحرّك على أساس الأهواء الشخصية والرغبات النفسية ، ولا يلتفت إلى أن هذا المال هو مسؤول عنه ومحاسب عليه .
وضعنا الحالي الآن وضع مادّي ، ينكبّ الناس على الدنيا ، ويـحاولـون أن يـأخـذوا مـنهـا أكـثـر مـا يمكن بـدون التفـكيـر بمـاهيّـة
56 . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . علاقة المؤمن بالمال
العلاقة التي يريدها الله عز وجل ، فتفكير الإنسان من بداية استيقاظه صباحا إلى الليل حتى أثناء صلاته كل تفكيره في الأمور الدنيويّة ، لو كان عنده على سبيل المثال قسيمة يظل يفكر لمدة سنتين حتى ينتهي من بناء هذه القسيمة حتى في صلاته يفكر أي نوع من الرخام يجعل في بيته ، وهذا مثال واضح جدّا ، وهناك أمثلة كثيرة ، يذهب إلى المسجد وتفكيره تفكير دنيوي ، يفكر بنوعيّة الأثاث ، وإلى غير ذلك من المصاديق الكثيرة للدنيا ، فحياة الإنسان بهذه الطريقة حياة دنيويّة لأنه لم يحدّد علاقاته على أساس الدين ، بل على أساس ما يشتهي ، فإذا تحدّدت العلاقات على أساس ما يشتهي لا يكون هناك فرق بين هذا الإنسان الذي يدّعي الإيمان وبين ذاك الإنسان الكافر الذي يريد أن يأخذ من الدنيا بقدر ما يستطيع ، من هذه الجهة لا فرق بينهما ، هو يدّعي الولاية لأمير المؤمنين عليه السلام ، ولكن حياته لا تكون مبنيّة على أساس الدين ، ففي الواقع الاعتقاد يكون باللسان ، هذا الاعتقاد لم يدخل إلى القلب ، ولم تظهر آثاره العملية ، حياتنا الحالية لا تختلف عن حياة الإنسان الغربي وعن حياة الإنسان الكافر ، بل قد يكون أكثر ، مثل بيوتنا هناك لا يحصلـون عليهـا ، ومـع ذلك نقول إننا سوف ندخل الجنة وهؤلاء
علاقة المؤمن بالمال . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . 57
سوف يدخلون النار !! ، من ناحية عملية نحن وهم سواء ، من الآن يفكر أن يبني بيتا قربة لله تعالى ؟ بأي طريقة يريد الله عز وجل أن يكون بيتك ؟
لو كان رسول الله صلى الله عليه وآله موجودا في هذا الزمان كيف كان يبني بيته ؟ أمثل هذه البيوت التي نبنيها الآن ؟
بالطبع لا ، نريد أن نأخذ علاقتنا بالدنيا من أهل البيت عليهم السلام ، في يوم الولاية وفي يوم تجديد البيعة والولاية لأمير المؤمنين عليه السلام نريد أن نقف وقفة محاسبة مع النفس ، في هذه المناسبات يقف الإنسان المؤمن وقفة يحاسب فيها نفسه ، يقول إلى أي مدى أنا جسّدت حياة أمير المؤمنين عليه السلام في نفسي ؟ هل فعلا حدّدت علاقاتي بالأشياء على أساس مذهب أهل البيت عليهم السلام أو على أساس مذهب أهل الكفر الذين نأخذ منهم الأشياء بلا تفكير ؟
بمجرّد ما يطرحون اختراعا جديدا في السوق نرى أننا نلهف للحصول على هذا الاختراع بدون التفكير بأن أهل البيت عليهم السلام يرضون بهذا الشيء أو لا يرضون ، فعلى المؤمن أن يحدّد هذه العلاقات قبل أن يتحرّك في حياته ، وعلى أساس تحديد هذه العلاقة تقوم حياته العملية .
58 . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . علاقة المؤمن بالمال
يقول أمير المؤمنين عليه السلام : " يا دنيا ! أبي تَعَرَّضْتِ وإِلَيَّ تَشَوَّقْتِ ؟ ، غُرِّي غَيْرِي ، لا حانَ حَيْنُكِ ، أجلك قصير ، وعيشك حقير ، وقليلك حساب ، وكثيرك عقاب ، فقد طلّقتكِ ثلاثا لا رجعة لي إليكِ ، آه من بعد الطريق وقلّة الزاد " (1) .
هذا أمير المؤمنين عليه السلام يتحدّث ، هو إمامنا ونحن المأمومون ، إلى أي حدّ طبّقنا هذه الرواية فقط على حياتنا ؟
نقول إن رسول الله صلى الله عليه وآله كان زاهدا في حياته ، وأمير المؤمنين عليه السلام كان زاهدا في حياته ، ولكن هل نحن طبّقنا الزهد في حياتنا أو أننا نلهث خلف هذه الدنيا بلا تفكير في أنه ماذا يريد الله عز وجل منّا ؟
الإنسان المؤمن يأخذ هذه العلاقات من أهل البيت عليهم السلام ، ويحدّد علاقاته بالأشياء من خلال روايات أهل البيت عليهم السلام ، فهم عليهم السلام يذمّون الدنيا .
في حديث قدسي قال الله تعالى : " يا موسى ! إن الدنيا دار عقوبة ، وجعلتها ملعونة ، ملعون ما فيها إلا ما كان لي " (2) .
علاقة المؤمن بالمال . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . 59
هكذا يجب أن ننظر إلى الدنيا ، وفي رواية أخرى يشبّه رسول الله صلى الله عليه وآله الدنيا بجيفة (1) ، والإنسان إذا أراد أن يأكل مـن الجيـفـة لا يأكل إلا اضطـرارا ، ويأخـذ مـنها قـدر الحاجـة (2) ، ولكن نحن لا نعتبر الدنيا جيفة ، فننكبّ على هذه الدنيا ، فلا بدّ من الرجوع إلى الكتاب الكريم والسنة الشريفة لتحديد هذه العلاقات .
يقول الله تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَـن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَـن يَفْعَلْ ذَلِـكَ فَأُوْلَئِـكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ﴾ (3) .
60 . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . علاقة المؤمن بالمال
الآن أموالنا وأولادنا تلهينا عن ذكر الله تعالى ، تفكيرنا في المال فقط ، تفكيرنا في الأولاد فقط ، معاشنا كله يصرف على البيوت والزوجة والأولاد ، لا نفكّر بهذا الدين ، إذا كان الإمام الحسين عليه السلام قدّم دمه لإحياء هذا الدين وبقائه فيتوجّه إلينا السؤال التالي : ماذا قدّمنا لهذا الدين ؟
أخذت المعاش الشهري وصرفته كلّه ولم أجعل في حسابي في يوم القيامة شيئا .
يقول تعالى : ﴿ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ﴾ (1) .
ما هو نصيب الإنسان من الدنيا ؟ ، الناس يفسّرون النصيب بأنه خذ من الدنيا بقدر ما تستطيع ، هذه الآية لا تفسّر بهذه الطريقة ، النصيب في الدنيا هو ما يبقى له أثر في الآخرة ، فإذا أردت نصيبك من الدنيا لا بدّ أن تجعل هذا المال في سبيل الله قربة لله تعالى حتى تجعله نصيبا لك في الآخرة ، ونصيبك في الآخرة هو نصيبك من الدنيا .
أقرأ رواية وأرجو أن نلتفت إلى ما يريده أهل البيت عليهم السلام في تحديد العلاقات مع المال .
علاقة المؤمن بالمال . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . 61
عن أبـان بن تغلب قال : قال أبو عبدالله الصادق عليه السلام : " أترى الله أعطى من أعطى من كرامته عليه أو منع من منع من هوان به عليه ( لا يظن الإنسان أنه إذا حصل على مال أكثر فمعنى ذلك أن الله راضٍ عنه ) ؟ ، لا ، ولكن المال مال الله يضعه عند الرجل ودائع ( أمانة عند الإنسان ) ، وجَوَّزَ لهم أن يأكلوا قصدا ( القصد عكس الإسراف ، فيأكل بقدر الحاجة ) ويشربوا قصدا ويلبسوا قصدا وينكحوا قصدا ويركبوا قصدا ، ويعودوا بما سوى ذلك على فقراء المؤمنين ، ويلمّوا به شعثهم ، فمن فعل ذلك كان ما يأكل حلالا ويشرب حلالا ويركب حلالا وينكح حلالا ، وما عدا ذلك كان عليه حراما " . ثم قال : " ولا تسرفوا إنه لا يحبّ المسرفين ، أترى الله ائتمن رجلا على مال خوّل له أن يشتري فرسا بعشرة آلاف درهم ويجزيه فرسا بعشرين درهم ؟ " (1) .
هذا المال يجوز له أن يأخذ منه بقدر حاجته ، وما يزيد إنما هو من حقّ الفقراء ، وإذا احتاج إلى شيء يكفي أن يشتريه بدينـار مثـلا فـلا يجـوز أن يصـرف عليـه أكثر من ذلك لأن حاجته
62 . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . علاقة المؤمن بالمال
تُقْضَى بالدينار ، وإذا كان البيت الذي يقضي حاجته بقيمة معيّنة فإذا صرف لشرائه أكثر من ذلك فلا يكون عليه حلالا كما في الرواية ، ولا يكون من حقّه بل من حقّ الفقراء .
هكذا كان أهل البيت عليهم السلام ينظرون إلى المال ، تأخذ من المال مقدار الحاجة ، وما يزيد ليس من حقّك بل من حقوق الآخرين ، الفقراء الموجودون في العالم نحن مسؤولون عنهم لأننا نقول إننا من أتباع أهل البيت عليهم السلام ، الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه يريد أن ينشر العدل على الأرض حتى لذلك الإنسان الكافر ، حتى الفقير الكافر يحصل على حقّه .
في رواية عن أمير المؤمنين عليه السلام : " إن الله فرض في أموال الأغنياء أقوات الفقراء ، فما جاع فقير إلا بما مَنَعَ ( وفي نسخة " بما مُتِّعَ " ) غني ، والله تعالى سائلهم عن ذلك " (1) .
فالغني الذي يمنع المال أو يتمتَّع بأكثر من حاجته هذا المال في الواقع هو حاجة إنسان فقير ومن حقوق الفقراء ، ويوم القيامة لا يظن الإنسان أن الحساب سهل يسير ، بل في حلال الدنيا حساب وفي حرامها عقاب كما في رواية عن الإمام علي عليه السلام (2) .
علاقة المؤمن بالمال . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . 63
تطول الوقفات يوم القيامة ويُسْأل الإنسان عن كل فلس فلس يصرفه ، فلا بد أن يلتفت الإنسان إلى تحديد العلاقة مع أمواله كمثال بارز للدنيا ، ويحدّد العلاقات مع كل الأشياء الموجودة حوله لا أن الإنسان يتّبع أهواء النفس ورغباتها .
الخلاصـة :
في هذا اليوم نريد أن نجدّد العهد مع أمير المؤمنين عليه السلام ، وتجديد العهد لا يكون بالكلمات ، بل بتحويل كلمات الإمام علي عليه السلام وكلمات أهل البيت عليهم السلام إلى واقع عملي ، وبدون تحويل الكلمات إلى واقع عملي لا نكون أتباعا حقيقيين لأهل البيت عليهم السلام وإن كنّا ندّعي ذلك ، فلا بدّ من الالتفات إلى ذلك وتحديد علاقاتنا مع كل الأشياء حولنا من خـلال روايـات أهـل البيـت عليهم السـلام حـتى نقـول بكل يقين : " إننا الآن شيعة موالون لأهل البيت عليهم السلام ومن أتباعهم وأودّائهم " ، وبذلك نتأهل لأن نكون من أنصار الإمام المهدي عجل الله فرجه ، وبدون سلوك هذا الطريق لا يظن الإنسان أنه بكل سهولة يكون من الأنصار ، الإنسان الذي ينكبّ على الدنيا لا يصل إلى هذا المقام العظيم ، الإنسان الذي يلتهي عن ذكر الله بهـذه الأمـوال لا يصل إلى مقام الأنصار ، فلا بدّ من الالتفات إلى
64 . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . علاقة المؤمن بالمال
هذه النقاط المهمة حتى بالتالي نصير من أنصاره عجل الله فرجه ونهيئ الأرضية له ، وبالتالي يظهر الإمام عجل الله فرجه ، وبدون هذا الطريق سيظل الإمام غائبا ، إلى متى ؟
لا ندري ، فطالما أننا لم نتهيأ لذلك اليوم فالإمام عليه السلام يظل غائبا إلى ما شاء الله .
والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا أبي القاسم محمد وآله الطيبين الطاهرين .
مسـؤولية المؤمـن تجاه الولاية (1)
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا أبي القاسم محمد وآله الطيبين الطاهرين .
قال الله تعالى في كتابه الكريم : ﴿ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ﴾ (2) .
في هـذا اليوم قال رسول الله صلى الله عليه وآله للمسلمين : " ألست أولى بكم من أنفسكم ؟ " . قالوا : بلى يا رسول الله .
ونحن أيضا بدورنا نقول : " بلى يا رسول الله " ، ولكن هل هكذا فقط أن الإنسان يقول هذه الكلمات وكفي ؟!
66 . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . مسؤولية المؤمن تجاه الولاية
ما معنى اتّخاذ أمير المؤمنين عليه السلام وليّا ؟ ما معنى أنه أولى بنا من أنفسنا ؟ كيف تكون هذه الولاية ؟
رسول الله صلى الله عليه وآله لم ينطق بهذه الكلمات جزافا ، لماذا لم يقل رسول الله صلى الله عليه وآله : اتّخذوا عليّا إماما ؛ ويكتفي بذلك ؟ ، بل نطق صلى الله عليه وآله بكلمة " الولاية " ، فماذا تعني هذه الكلمة ؟ ولماذا نطق رسول الله صلى الله عليه وآله بهذه الكلمة دون الكلمات الأخرى ؟
هناك مسؤولية تجاه هذه الولاية ، أولا نعرف معنى الولاية ، ثم بعد ذلك نطبّق المعاني المتفرّعة على هذه الكلمة ، لنقرأ بعض الروايات التي من خلالها نستطيع أن نستخرج بعض المعاني ، منها أن الإنسان كيف يكون مسؤولا ، أريد أن أتكلم هذه الليلة عن مسؤولية الإنسان المؤمن تجاه الولاية ، هذه المسؤولية كبيرة جدّا ، الإنسان لا بدّ أن يعرف مدى معاني هذه الكلمات حتى يكون فعلا وليّا لأمير المؤمنين عليه السلام .
في رواية عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال : " كلّكم راعٍ وكلّكم مسؤول عن رعيّته " (1) .
مسؤولية المؤمن تجاه الولاية . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . 67
كل إنسان يكون مسؤولا ، وهذه المسؤولية لها عدة أنواع لا بدّ من معرفتها ، فما هي مسؤولية الإنسان المؤمن وخاصة في هذا اليوم الذي هو يوم الولاية ؟
في رواية عن أبي جعفر الباقر عليه السلام يقول : " نحن والله الأوصياء الخلفاء من بعد رسول الله صلى الله عليه وآله . . . ونحن شجرة النبوّة ومنبت الرحمة ومعدن الحكمة ومصابيح العلم وموضع الرسالة ومختلف الملائكة وموضع سرّ الله ووديعة الله جل اسمه في عباده ( الوديعة هي الأمانة ، فأهل البيت عليهم السلام هم أمانة بأيدينا ، وهذا معناه أنه توجد علينا مسؤولية تجاههم ) ، وحرم الله الأكبر ، وعهده المسؤول عنه ، فمن وفى بعهدنا فقد وفى بعهد الله . . . نحن الأسماء الحسنى التي لا يقبل الله من العباد عملا إلا بمعرفتنا . . . " (1) .
فهناك مسؤولية تجاه هذا العهد وتجاه الأئمة عليهم السلام ، قبل هذا نرجع قليلا إلى معنى النطق بالشهادتين ، فعندما نقول أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمّدا رسول الله وأن عليّا ولي الله ؛ توجد الشهادة الثالثة بولاية علي عليه السلام ، وهذه ليست فقط كلمات تُنْطَق ، بل لا بـدّ مـن معرفـة خلفيّـة هذه الكلمات ، الكلمات
68 . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . مسؤولية المؤمن تجاه الولاية
لا بـدّ أن تعبّر عمّا في القلـب ، الكلمـات في واقعـها تعـبير عمّا يوجد في قلب الإنسان ، اللسان عندما يتحرّك إنما هو تعبير عن المعاني الموجودة في القلب ، فهذه المعاني تكون أولا في القلب ، وبعد ذلك يتكلّم الإنسان معبّرا عن هذه المعاني القلبيّة .
مثلا عندما تريد أن تشرب الماء ، فتقول : " أريد ماء " ؛ فأنت تعبّر عن إرادتك لشرب الماء ، وتعبّر عن المعاني القلبية ، فأولا تكون المعاني موجودة في القلب ، ثم ثانيا تعبّر عن هذه المعاني بالكلمات .
وعندما أقول أشهد أن لا إله إلا الله ؛ فهذا معناه أنه يوجد عندي اعتقاد بالله تعالى ، وعندما أقول أشهد أن محمدا رسول الله ؛ فهذا معناه أنه يوجـد عنـدي اعتقـاد بالنبوّة ، وعندما أقول أشهد أن عليّا ولي الله ؛ فهذا معناه أنه يوجد عندي اعتقاد بالولاية ، فإذا سألنا أي شخص : وما معنى الولاية ؟
قد يقول : " لا أدري " ، فالكلمات التي ينطق بها الإنسان لا بدّ أن يعرف معانيها ، عندما يعتقد بالتوحيد نسأل : ما معنى التوحيد ؟ وما هي متطلَّبات التوحيد ؟
وعندما يتشهد بالنبوة نسأل : ما هي النبوة ؟ وما هي متطلَّبات النبوّة ؟
مسؤولية المؤمن تجاه الولاية . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . 69
وعندما يتشهد بولاية علي عليه السلام نسأل : ما معنى الولاية ؟ وما هي متطلّبات الولاية ؟
وإذا عرف هذه المعاني والمتطلّبات يكون موحِّدا معتقدا بالنبوة ومعتقدا بالإمامة اعتقادا حقيقيّا .
لا بدّ أولا أن يعرف الإنسان معاني الكلمات التي يريد أن ينطق بها ، ويعرف المسؤولية المتفرِّعة عليها ، وبعد ذلك ينطق ويتكلم بها ، ففي الواقع الإيمان لا بدّ أولا أن يكون موجودا في القلب ، وبعد ذلك يعبِّر الإنسان عن هذا الإيمان .
وهكذا نرى أن هناك اعتقادا في رتبة سابقة على رتبة النطق بالكلمـات ، وهنـاك مسؤولية متفرِّعة على النطق بالشهادات الثـلاث ، وعـندنا مسؤوليـة تجـاه عهـد الولايـة .
يقول تعالى : ﴿ وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً﴾ (1) .
في رواية أن هذا العهد هو ولاية أمير المؤمنين عليه السلام ، طبعا هذا من باب المصداق وإلا فهناك عهود ومسؤوليات كثيرة ، والرواية تريد أن تذكر مصداقا واحدا للعهد وهو المصداق الأهم والأبرز .
70 . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . مسؤولية المؤمن تجاه الولاية
نسأل : ما هو هذا العهد حتى نقول بوجود مسؤولية ؟
الجواب :
في رواية عن موسى بن جعفر الباقر عن أبيه الصادق عليهما السلام في قول الله عز وجل : ﴿ وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُواْ بِالقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ﴾ ، قال : " العهد ما أخذ النبي صلى الله عليه وآله على الناس في مودّتنا وطاعة أمير المؤمنين أن لا يخالفوه ولا يتقدَّموه ولا يقطعوا رحمه ، وأعلمهم أنهم مسؤولون عنه وعن كتاب الله جل وعز ، وأما القسطاس فهو الإمام ، . . . " (1) .
فهناك مسؤولية تجاه طاعة أمير المؤمنين عليه السلام وتجاه القرآن الكريم ، وبعبارة مختصرة المسؤولية تجاه الثقلين : الكتاب وأهل البيت عليهم السلام .
سؤال : كيف تكون مواليا لأمير المؤمنين عليه السلام ؟ وما معنى أنه أولى بك من نفسك ؟
الجواب :
مسؤولية المؤمن تجاه الولاية . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . 71
يعني أن أمير المؤمنين عليه السلام يكون مقدَّما على نفسك ، تقدِّمه في كل شيء على نفسك ، فإذا أمرك بشيء فلا بدّ أن تكون مطيعا له ، وإذا لم يطع الشخص الإمام في كل أوامره فمعنى ذلك أنه لا يكون مجسِّدا للولاية في نفسه ، إذا كان الشخص لا يبتعد عن نواهي الإمام عليه السلام فلا يكون مجسِّدا للإمامة في نفسه ، فالولاية تعني طاعة الإمام عليه السلام في الأوامر والنواهي حتى يكون الشخص مجسِّدا للولاية ، وبذلك يكون هو عليه السلام أولى بك من نفسك ، فتقدِّمه على نفسك ، فكلماته تُقَدَّم على ما يشتهي الإنسان ، الإنسان يشتهي كثيرا من الأشياء ، ولكن إذا رأى أن ما يشتهي محرَّم فإنه يتركه ، ويرى أن هذا الشيء واجب فيفعله .
الإنسان المؤمن إذا أراد أن يتحرّك فإنه يفعل ما ينبغي لا ما يشتهي ، ويترك ما لا ينبغي لا ما لا يشتهي ، فالمؤمن لا يسير على أساس الشهوات والرغبات ، فإذا أحبّ شيئا فعله ، وإذا لم يحبّـه لا يفعلـه ، نقول لا ، هناك أوامر لا بد أن يلتزم بها إذا أراد الإنسان أن يكون مؤمنا ، وإذا قال بأنه لا يريد أن يكون مؤمنا فنقول له أنت وشأنك ، ولكن إذا أراد الشخص أن يكون مـؤمـنـا ويـقـول عـن نفـسـه إنـه مـؤمـن ؛ فـلا بـدّ أن يلـتـزم بـالأوامـر
72 . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . مسؤولية المؤمن تجاه الولاية
ويبتعد عن النواهي ، وهكذا يكون إنسانا مؤمنا لا فقط ينطق بكلمات ويقول : " أنا مؤمن " .
وإذا كان ملتزما بأوامر الإمام عليه السلام ومبتعدا عن نواهي الإمام عليه السلام فمعنى ذلك أنه اتّخذه وليّا وإماما له حتى يكون فعلا هو المأموم لهذا الإمام ، وفي هذا اليوم يوم الغدير نقول نحن نبايع أمير المؤمنين عليه السلام ، وهذا يعني أننا نريد أن نتّخذه وليّا وإماما ، وهذا معناه أنني مأموم له ، وهذا معناه أنني أريد أن ألتزم بأوامر الإمام عليه السلام وأنتهي عن نواهيه ، وإذا كان الشخص غير ملتزم بالدين فمعنى ذلك أنه في الواقع ليس بمؤمن أو ضعيف الإيمان ، ولم يتّخذ أمير المؤمنين عليه السلام وليا وإماما له ، ومعنى ذلك أنه في الواقع لا يعتقد بأصل الإمامة ، فبدون الالتزام بهذا الدين هذا الإنسان لا يمكن أن يُعْتَبَر إنسانا شيعيا ومواليا حقيقيا ، فالدين ليس شعارا يعلِّقه الإنسان على رقبته ، وإنما الدين التزام بالأوامر والنواهي .
ورسول الله صلى الله عليه وآله استعمل كلمة " الولي " ولم يستعمل كلمة " الإمام " في يوم الغدير ، وذلك لأن كلمة " الولي " أقوى من كلمة " الإمام " ، الولي هو من تقدِّمه على نفسك ، والإمام هو من تَتَّبِعُهُ ، فأيهما أقوى في التعبير ؟
مسؤولية المؤمن تجاه الولاية . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . 73
" تقديمه على نفسك " أقوى في التعبير من " اتّباعك إيّاه " ، في صلاة الجماعة أنت تتبع الإمام ، ولكن لا تقدِّمه على نفسك ، فأنت تكون مأموما له في فترة الصلاة فقط ، ولكن الولي من يكون أولى بك من نفسك ، فإذا أراد الولي شيئا فلا بد أن تأتي بهذا الشيء وإن كان على خلاف ما تشتهي ، فتقدِّمه على مشتهياتك ورغباتك ، والمؤمن لا ينظر إلى ما يشتهي ، بل ينظر إلى أحكام الله تعالى التي أتت عن طريق النبي صلى الله عليه وآله ومن بعده الأئمة عليهم السلام ويلتزم بها ، وهكذا يكون مواليا لأمير المؤمنين عليه السلام .
سؤال : إذا كان عند الإمام عليه السلام أوامر ونواهي فماذا يكون دور المؤمن ؟
الجواب : أولا لا بدّ أن يعرف هذه الأوامر والنواهي حتى بعد ذلك يلتزم بها ، وبذلك يكون إنسانا مؤمنا ، فالمؤمن لا بدّ أولا أن يكون عارفا بهذه الأحكام ، والمؤمن لا بدّ أن يكون طالبا للعلم حتى يعرف أحكام الدين ، وبعد ذلك يأخذ بالأوامر وينتهي عن النواهي ، فطـلب العـلم فريضـة على كل مسـلم ومسلمـة (1) أو عـلى
74 . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . مسؤولية المؤمن تجاه الولاية
كل مؤمن (1) كما في الروايات ، هذه الفريضة التي لا بد أن يقوم بها المؤمن ، أي يكون واجبا على المؤمن .
وفي رواية : " اطلبوا العلم من المهد إلى اللحد " (2) .
وهذا العلم ليس هو العلم الموجود في المدارس ، العلم المطلوب هو العلم الذي يُدْخِلُكَ إلى الجنة ، وتصل عن طريقه إلى رضا الله عز وجل ، وهذا هو العلم المطلوب ، ومن العلوم المطلوبة العلم بالأحكام الشرعية ، فيعرف أولا هذه الأحكام وثانيا يلتزم بها ، وأيضا من العلوم المطلوبة العلم بالعقائد ، وبشكل عام العلم المطلوب هو العلم بأمور الدين عامة من العقائد والفقه والأخلاق ، فكل ما يقرِّبك إلى الله تعالى ويبعدك عن النار والشيطان يكون علما مطلوبا ، فإذا عرفت هذه العلوم فإنك تستطيع أن تتحرّك إلى الله تعالى تحرّكا صحيحا ، والإنسان المؤمن لا يكون جاهلا بما يريده الله عز وجل ، فيعرف ما يريده الله ويتحرّك على أساس العلم ، وإذا عرف المؤمن هذه الأحكام فإنه يستطيع أن يحـدِّد تكليفـه الشرعي في كل شيء ، ومعرفة التكليف يكون متفرِّعا
مسؤولية المؤمن تجاه الولاية . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . 75
على العلم بالدين ، والإنسان لا يستطيع أن يقول إن هذا تكليفي الشـرعي ؛ فنسألـه : ومـن أين عرفـت أن هـذا هـو تكليفك الشرعي ؟
كثيرا ما نسمع من بعض الأشخاص وهو يقول إن هذا هو تكليفي الشرعي ، فنسأل : وتكليفك الشرعي من أين أتيت به ؟
الإنسـان لا يقـول جزافـا وبـدون أي دليـل شرعي إن هذا تكليفي ، فالتكليف لا بدّ أن يكون من الله عز وجل ، ومعنى ذلك أن هذا المتكلم يعلم ما يريده الله ، وحتى يعلم ما يريده الله لا بد أن يكون مُطَّلِعاً على أوامر ونواهي أهل البيت عليهم السلام ، فبدون الاطّلاع لا يستطيع الإنسان أن يعرف تكليفه الشرعي ، فمن يقول إن هذا تكليفي الشرعي ، فاسأله : من أتيت بهذا التكليف ؟ وبأي دليل تقول إن هذا هو تكليفك الشرعي ؟
إن التكليف الشرعي ليس شمّاعة تعلِّق عليها ما تشاء ، ومن يريد أن يتحرّك لا بدّ أن يعرف تكليفه الشرعي حقيقة ، وقد يتحرّك بعض الأشخاص على أساس مشتهياتهم ورغباتهم ، ولكنهم يريدون أن يتاجروا ببضاعتهم فيقولون إن هذا هو تكليفهم الشـرعي .
76 . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . مسؤولية المؤمن تجاه الولاية
هذه هي المسؤولية تجاه الإمام عليه السلام وتجاه أهل البيت عليهم السلام ، ويتفرّع على ذلك المسؤولية تجاه هذا الدين ، الإنسان المؤمن يكون مسؤولا عن هذا الدين ، ولا يستطيع أن يقول المؤمن إنني لست مسؤولا عنه ، والإنسان الذي يعتقد بهذا الدين يعني أنه يتّخذ هذا الدين طريقا ومنهاجا له في حياته ، فإذا كان طريقا فمعنى ذلك أن حياته تُبْنَى على أساس هذا الدين ، وبذلك يكون إنسانا متديِّنا ومؤمنا ، الإنسان المتديّن هو الذي يلتزم بأمور الدين ، وبدون الالتزام لا نستطيع أن نقول عنه إنه مؤمن بالدين ومتديّن ، المتديّن ليس هو فقط من يذهب إلى المسجد ، بل هو من يلتزم بأوامر الدين ونواهيه في كل صغيرة وكبيرة في حياته ، فمسؤولية الإنسان المؤمن تجاه الدين أنه إذا أراد أن يقوم بعمل معيّن فأول سؤال له هو : ما هو رأي الدين في هذا العمل ؟
وهكذا يكون إنسانا متديِّنا ، وليس المؤمن من يقوم بالعمل وبعد ذلك يسأل عن العمل الذي يقوم به ، وقد يتبيّن فيما بعد أنه قد ارتكب حراما ، فالمتديّن هو من يسأل قبل أن يضع قدمه في أي موضع : هل يجوز لي أن أضع قدمي هنا أو لا يجوز ؟
فيسأل أولا قبل القيام بالعمل ، ووسائل الاتصالات اليوم سهلة يسـيرة ، وليسـت كـما كانت قبـل خمسـين سنـة ، وإذا بـنى الإنسـان
مسؤولية المؤمن تجاه الولاية . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . 77
حياته على أساس الدين فهو إنسان متديّن ، والدين ليس هو فقط لحية أو حجابا إسلاميا ، فلا يكفي أن يضع الرجل لحية فقط وأن تلبس المرأة حجابا إسلاميا فقط ويقولان عن أنفسهما إنهما متديّنان ، فالشكل بما هو شكل لا يعبّر عن التديّن ، الشكل الذي يكون منطلقا من القلب هو الذي يعبّر عن التديّن ، وهو يعطي للشكل قيمة ، اللحية إذا كانت بسبب أنه إنسان معتقد لها قيمة ، والحجاب إذا كان على رأس المؤمنة المعتقدة يكون له قيمة ، وأما الحجـاب كشـكل فقـط مع كون تصرفات المرأة بعيدة عن الدين فلا قيمة له ، وهذا الرجل الذي له لحية وبيده مسباح ويلبس الخاتم هذه الأمور الشكلية عنده لا قيمة لها إذا لم تكن معبِّرة عما في القلب .
فالمؤمن المتديِّن هو الذي يلتزم بأوامر الدين ويبتعد عن نواهيه ، ويكون مسؤولا عن إنقاذ نفسه يوم القيامة ، وهذا هو الذي يفوز بالجنة ، والجنة لا تُدْرَك بالكلمات ، فقد يقول الإنسان أنا أحب أن أدخل الجنة ، فهل كلماته تدخله إلى الجنة ؟
لا ، دخول الجنة لا يأتي عن طريق الحب والرغبة إلى الجنة ، فمن يريد أن يدخل الجنة ويبتعد عن النار فلا بدّ أن يعمل لدخول الـجـنـة والابـتـعـاد عـن الـنـار ، ومـن يـريـد الـجـنـة فـلا بـدّ أن يكـون
78 . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . مسؤولية المؤمن تجاه الولاية
عاملا للوصول إلى الجنة ، ومن يريد أن يحصل على نسبة ممتازة في المدرسة فلا بدّ أن يدرس ويُتْعِب نفسَه للحصول على النسـبة العاليـة ، وبدون التعـب لا يحصل الطالب على نسبة مرتفعة ، كذلك توجد شهادات في يوم القيامة ، الإنسان الذي أتعب نفسه في الدنيا يحصل على نسبة عالية في الآخرة ، وكلما أراد أن يحصل على نسبة أعلى فلا بدّ أن يعمل أكثر ويتعب أكثر ويتعلّم أكثر حتى يستطيع أن يتحرّك ويصل إلى درجات الجنة العالية ، والجنة عبارة عن درجات ، فشخص يكون عند الباب ، وشخص آخر يكون مع رسول الله صلى الله عليه وآله ، ودرجات الجنة مختلفة ، ولماذا يقنع الإنسان بالجلوس عند باب الجنة ولا يريد أن يكون مع رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ ولماذا لا يقنع الإنسان في الدنيا بالشيء القليل ويقنع في الآخرة بالشيء اليسير مع الفارق الكبير بين النعيم المؤقت والنعيم الدائم ؟
هو يريد في الدنيا أفضل وظيفة وأعلى معاش شهري ويريد أن يكون رئيس قسم أو مديرا ، فلماذا لا يفكر بنفس الطريقة بخصوص الآخرة وأنه توجد درجات مختلفة في الجنة ؟
كذلك في الآخرة قد يكون مقرَّبا من رسول الله صلى الله عليه وآلـه ، أو يكون بعيدا في الدرجة السفلى ، وأيضا النعيم مختلف في
مسؤولية المؤمن تجاه الولاية . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . 79
الدرجات المختلفة ، فبقدر ما يُتْعِب الإنسان نفسه في هذه الدنيا يستطيع أن ينقذ نفسه في الآخرة ، فالمؤمن مسؤول عن إنقاذ نفسه .
وكذلك الإنسان المؤمن مسؤول عن إنقاذ أهله ، يقول تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّـذِينَ آمَنُـوا قـُوا أَنفُسَـكُمْ وَأَهْلِيـكُمْ نَـارً ا وَقُـودُهَا النَّـاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلاَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ لاَ يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ﴾ (1) .
هذه المسؤوليات كلها مستمدّة من المسؤولية تجاه الولاية ، في الاحتفالات هناك كلمات وأشعار ، ولكن لا نعرف بماذا نخرج في هذا اليوم ، اعرف بأنك بمجرد نطقك بأنك ولي لأمير المؤمنين عليه السلام يترتّب على هذه الكلمة عدّة مسؤوليات لا بدّ من معرفتها ، فصار الآن عندنا مسؤولية تجاه النفس ، ومسؤولية تجاه الأهل ، فالمؤمن مسؤول عن إنقاذ أهله أيضا ، عن إنقاذ أمه وأبيه ، وإنقاذ زوجته وأولاده ، وإنقاذ إخوانه وأخواته ، وإنقاذ عمـه وخالـه وعمتـه وخالتـه ، وإلى آخـر الأقـارب ، فلا بـدّ أن يفكر
80 . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . مسؤولية المؤمن تجاه الولاية
المؤمن في هذا اليوم بأنه كيف يستطيع أن ينقذ أهله ، عندما يخرج من مكان الاحتفال لا بدّ أن تتأثر نفسه بهذه الاحتفالات فيفكر كيف ينقذ نفسه ، وكيف ينقذ أهله ، وأهل البيت عليهم السلام وضّحوا لنا الطريق ، ولكن المؤمنين اليوم لا يقرؤون الروايات ، روايات أهل البيت عليهم السلام فيها كل شيء يحتاجه الإنسان ، حتى أمور صغيرة لا تتصوّرها موجودة في الروايات ، ولكن أين الذين يقرؤون الروايات ؟
قليل من المؤمنين اليوم يطّلعون على الروايات ، لذلك فإن حياة المؤمنين اليوم لا تقوم على أساس الدين ، وإنما على أساس المشتهيات والرغبات ، ومشكلتنا اليوم في بلدنا هي كثرة المال في أيدي الناس ، وهم يصرفون هذه الأموال في الحياة الدنيا وتذهب بلا أي أثر في الآخرة ، وينتهي أثر هذا المال في الدنيا ، ويقف عند هذا الحدّ ، هذا المال الذي سوف يكون محاسَبا عليه .
وكذلك هناك مسؤولية تجاه هذا الدين بأن يلتزم بأوامره ويترك نواهيه ، وكذلك الإنسان المؤمن مسؤول عن حفظ هذا الدين ونقله إلى الأجيال القادمة ، كما أن الأموال تحفظ كاحتياطي للأجيال القادمة ، كذلك هذا الدين لا بدّ أن يحفظ ويـنـقــل إلـى الأجـيـال الـقـادمـة ، إذا كان الـجـيـل الـحـالـي لا يـلتـزم
مسؤولية المؤمن تجاه الولاية . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . 81
بالدين فمن يحفظ هذا الدين وينقله إلى الأجيال القادمة ؟
سنصل إلى نقطة وينتهي الدين ، فمسؤولية كل إنسان مؤمن أن يحفظ الدين كما أن رسول الله صلى الله عليه وآله في ذلك اليوم جمع عشرات الألوف من المسلمين ليقول لهم فقط إن عليّا عليه السلام وليّكم ، جمع هؤلاء المسلمين بهذه الطريقة في ذلك اليوم الحار جدا من أجل أن يقول صلى الله عليه وآله إن وليكم علي عليه السلام ، فهل تنتهي القضية وتقف عند هذا الحدّ أو أن المراد أن عليّا عليه السلام ولي للمسلمين وأن هذا القول لا بد أن ينتقل من جيل إلى جيل ؟
وصل إلى جيلنا الحالي ، ولا بد أن نكون مسؤولين عن رعاية وحفظ هذا الدين حتى ينتقل إلى الجيل التالي ، والجيل الثاني مسؤول عن حفظ ونقل هذا الدين إلى الجيل الثالث ، وهكذا حتى يستمر هذا الدين ، فعندما نقول إنه يوجد أنصار للحجة عجل الله فرجه هؤلاء الأنصار من أين يأتون ؟
لا بد أن يكون هناك حفظ للدين حتى يصل إليهم ويكونون أنصارا للإمام المهدي عجل الله فرجه ، فهناك مسؤولية على المؤمن تجاه حفظ هذا الدين ، وهناك مسؤولية تجاه نشر هذا الدين بين غير المسلمين ، والمؤمن عليه هذه المسؤولية .
82 . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . مسؤولية المؤمن تجاه الولاية
هناك مسؤولية تجاه المؤمنين ، يقول تعالى :
﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَـوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ﴾ (1) .
هذا المقدار يكون مع المؤمنين أنك تأمرهم بالمعروف وتنهاهم عن المنكر ، هذه مسؤولية ، وهناك مسؤولية أخرى تجاه غير المؤمنين وغير المسلمين ، والإمام المهدي عجل الله فرجه يظهر حتى ينقذ ذلك الإنسان الكافر المظلوم في الأماكن التي يكون مظلوما فيها ، فالإمام عجل الله فرجه يفكر حتى في الإنسان الكافر ، الإمام الحسين عليه السلام عندما بكى وقال إنهم يدخلون النار بسببي ؛ كان يحمل مسؤولية التفكير بأعدائه الذين أرادوا قتله ، فالمؤمن يكون مسؤولا حتى عن الإنسان الكافر ، فيحاول أن ينقذه من النار ويدخله إلى الجنة .
ونأتي إلى النقطة الأخيرة وهي أنه طالما أنك واليت أمير المؤمنين عليه السلام فهذه الولاية تنتقل من إمام إلى إمام حتى تصل إلى الإمام المهدي عجل الله فرجه الشريف .
مسؤولية المؤمن تجاه الولاية . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . 83
هناك مسؤولية تجاه إمامك في هذا الزمان ، تريد أن تكون من أنصاره ، مسؤولية المؤمن في هذا اليوم أنه يراجع نفسه ليرى أنه من أنصار الإمام المهدي عجل الله فرجه الشريف أو لا ، فإذا لم يكن من الأنصار فليعاهد الآن ويبدأ ، وإذا كان فليحمد الله على ذلك .
وهناك مسؤولية تجاه التمهيد لظهوره عجل الله فرجه ، فيمهِّد بأن يكون ملتزما بهذا الدين ، وهكذا يمهّد للإمام عجل الله فرجه ، بدون الالتزام بالدين فإن الدعاء لا يعجّل بالفرج وإن كان يقول اللهم عجل فرجه ، مجرد الكلمات لا تعجّل بالفرج ، وإنما العمل هو الذي يعجّل بالفرج ، إذا كان ملتزما بالدين وكان من أنصاره فيدعو ويقول : " اللهم عجّل في فرج مولانا " ؛ فإنه يستجاب له لأن هذه الكلمات تكون نابعة من القلب ويريد فعلا أن يظهر الإمام عجل الله فرجه ، والدعاء إذا لم يكن منطلقا من القلب فإنه لا يستجاب .
إذن : هناك مسؤوليات متعدّدة في يوم الغدير ، والإنسان المؤمن من خلال معرفة مسؤوليته تجاه الولاية يستطيع أن يحدّد المسؤوليات الأخرى ، وهكذا يكون فعلا إنسانا مؤمنا متديّنا ملتزما
84 . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . مسؤولية المؤمن تجاه الولاية
بأوامر الله مبتعدا عن نواهي الله عز وجل ، هذا هو الإنسان المؤمن المطلوب في يوم الغدير .
والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا أبي القاسم محمد وآله الطيبين الطاهرين .
الاسـتفادة مـن مـولد الإمـام الحسـن
عليه السـلام (1)
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا أبي القاسم محمد وآله الطيبين الطاهرين .
بمناسبة مولد الإمام الحسن عليه السلام في الخامس عشر من شهر رمضان في السنة الثالثة من الهجرة أتكلم ببعض الكلمات النافعة لي ولكم .
أبدأ الموضوع بسؤال : ما هو الهدف من سماع القصص عن الأئمة عليهم السلام ؟
الإنسان الكافر عندما يسمع عن حياة المعصومين عليهم السلام يعجب بقصصهم ويقول نعم هذا إنسان جيد طيب رحيم ، ويأتي ببقية الأوصاف ، فهل الهدف من قصص الأئمة عليهم السلام أن نتعامل معها كما يتعامل الإنسان الكافر وأنه يعجب بشخصية المعصوم عليه السلام ونقول إن فعله فعل جيد ؟
86 . . . . . . . . . . . الاستفادة من مولد الإمام الحسن عليه السلام
وهكذا يكون هدفنا السماع فقط ، نستمع إلى هذه القصص كما نسمع أي قصة أخرى كليلى والذئب أو السندباد أو ألف ليلة وليلة ، فنتعامل مع الأئمة عليهم السلام كما نتعامل مع القصص الأخرى التي تروي الأساطير ، هل هكذا يتعامل المؤمن مع الأئمة عليهم السلام ؟
إذا كنا نعجب بقصصهم فقط كما نشاهد فيلما هنديا فنتأثر ونبكي أو فيلما فكاهيا فنضحك فهل هذا هو المقدار المطلوب من الأئمة عليهم السلام أو أن المؤمن يتعامل مع عمل الأئمة عليهم السلام حتى يطبّق هذا العمل على حياته ؟
يقال في أصول الفقه إن عمل المعصوم عليه السلام حجة وأننا نستنبط أحكاما شرعية من عمل المعصومين عليهم السلام ، ففعل المعصوم وقوله وتقريره حجة أي يُعْتَبَر دليلا شرعيا يستنبط منه أحكام شرعية ، فعلينا أن نتعامل مع المعصومين عليهم السلام بأنهم مجسِّدون للإسلام ، فعندما نسمع هذه القصص نحاول أن نجسِّد حياتهم في حياتنا الحالية ، حياتهم ليست للماضي فقط ، حياتهم تمتدّ إلى آخر الزمان ، وهذه القصص لا بدّ أن نتّخذها قدوة لنا ، فنسأل :
ما هو دور الإمام عليه السلام ؟
الاستفادة من مولد الإمام الحسن عليه السلام . . . . . . . . . . . 87
دور الإمام عليه السلام هو قيادة الناس إلى الآخرة ، وهداية الناس حتى يدخلوا الجنة ، هذا هو دور الإمام عليه السلام ، ليس دور الإمام قيادة الناس من أجل الدنيا ، بل قيادتهم باتجاه الآخرة حتى يكونوا مؤهّلين للوصول إلى جنات الله تعالى ، وذلك عندما يجسِّدون حياة الأئمة عليهم السلام في حياتهم ، فمن يسير على خطوات الإمام المعصوم عليه السلام يكون مأموما كما في صلاة الجماعة ، فالمأموم في صلاة الجماعة ينسِّق مع إمام الجماعة ، ومن لا ينسِّق مع إمام الجماعة تكون صلاته باطلة ، فإذا كان الإنسان يسير على خطى الإمام المعصوم عليه السلام نقول عنه إنه مأموم ، لذلك تأتي الروايات التي تقول بما معناها لو أن الإنسان قام بين الركن والمقام وصلى الدهر وصام الدهر فإن عمله لا ينفعه بدون الولاية (1) .
88 . . . . . . . . . . . الاستفادة من مولد الإمام الحسن عليه السلام
العمل يكون باطلا إذا لم ينسّق الإنسان مع الإمام عليه السلام ، ومعنى " ينسّق " هو أن الشيء الذي يريد أن يُقْدِم عليه لا بدّ أن يسأل : ما هو تكليفي الشرعي في هذا الشيء ؟
هناك أحكام شرعية نأخذها من النبي صلى الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام ، وهذه الأحكام الشرعية تسير معنا منذ الولادة إلى الوفاة ، وإلى أن يصل الإنسان إلى قبره ويُحاسَب ويُسْأل : هل كنت تفكر أنه يوجد عليك تكليف شرعي أو لا ؟ وعندما قمت بهذا العمل هل سألت ما هو تكليفك الشرعي أو أنك أقدمت على هذا العمل بدون تفكير لأنك تشتهي هذا العمل ؟
لم تسأل ما هو رأي الإمام عليه السلام ، يعني أنك لم تعرف رأي إمـامـك عـلـيـه الـسـلام ، ومـعـنى ذلـك أن هـذا الإمـام في هـذه
الاستفادة من مولد الإمام الحسن عليه السلام . . . . . . . . . . . 89
اللحظة لم يكن إماما لك وأنت لست مأموما له ، فإذا كانت حياة الإنسان كلها تسير على حسب مشتهياته بدون أن يسأل عن تكليفه الشرعي هذا في الواقع ليس بمأموم كما أنه في صلاة الجماعة المصلي تبطل صلاته لأنه ليس بمأموم .
الإنسان يستطيع أن يتّخذ أحد إمامين ، هل يريد الإمام الحسن عليه السلام إماما له أو يريد قارون الذي يملك أموال الدنيا إماما له ؟
طبعا الجواب لا يكون باللسان ، بل عمل الإنسان يفصح عما في قلبه ، هل تريد أن تملك مال الدنيا كما كان قارون مالكا له أو أنك تريد أن تعيش كما قال أمير المؤمنين عليه السلام لذلك الشخص الذي قال أحبك ، قال عليه السلام : " أعِدْ للفقر جلبابا " (1) ؟
كلنا نقول بألسنتنا بأننا نريد أن نتّبع الأئمة عليهم السلام ، ولكن الواقع العملي عن ماذا يعبّر ؟
عقائد الإنسان التي يعتقد بها تظهر على أعماله ، اللسان لا يعبّر عـن عقـائده تماما ، الإنسـان يدّعي كثيرا من الأشياء ، كثيرا
90 . . . . . . . . . . . الاستفادة من مولد الإمام الحسن عليه السلام
ما يقول أنا كذا وأنا كذا ، ولكن هل واقعه العملي يعبّر عن هذا الاعتقاد أو لا ؟
الإنسان يتحرّك دائما على أساس عقائده ، فذلك الإنسان المنكبّ على الدنيا في واقعه يظهر انكبابه على الدنيا في سلوكه وإن كان يدّعي أنه يؤمن بالقيامة والحساب ، لو كان يؤمن بيوم الحساب فلماذا يرتكب المحرّمات ؟
في الواقع هو لا يعتقد بالمعاد ، لو كان يعتقد بالمعاد لخاف الله تعالى ولخاف حسابه عز وجل .
إن الجواب المطلوب من الإنسان هو الجواب العملي ، فأعمال الإنسان تعبّر عن عقائده ، والإنسان إذا كان مختارا فإنه يتحرّك على أساس العقائد التي يعتقد بها ، وقول اللسان لا يكفي ، والإنسان يستطيع أن يراقب نفسه ليرى أن عمله مطابق للقرآن الكريم ولكلمات أهل البيت عليهم السلام أو لا .
إذا كان الإنسان يريد أن يرى أنه مؤمن أو لا فليعرض نفسه على القرآن ، لينظر إلى المواصفات التي يذكرها القرآن للمؤمنين فإذا كانت هذه المواصفات موجودة فيه فهو مؤمن ، وإذا كانت هذه الصفات ليست موجودة فيه فهو ليس بمؤمن ، وعليه أن يسـعى لتجسيـدها في نفـسـه ، وكذلـك الـروايـات الـتي تبـيّن صـفـات
الاستفادة من مولد الإمام الحسن عليه السلام . . . . . . . . . . . 91
المؤمنين ، والصفات التي طرحها الأئمة عليهم السلام عمليا ، فإذا كانت هذه الصفات موجودة فينا فلنحمد الله على ذلك ، وإذا لم تكن موجودة فينا فعلينا أن نسعى لتجسيدها فينا .
الإمام عليه السلام هو المثل الأعلى للإنسان المؤمن ، المثل الأعلى هو من تريد أن تكون مثله ، تريد أن تشبه من في حياتك ؟ تريد أن تصل إلى مكانة من في حياتك ؟
مثلا أريد أن أكون مهندسا ، نسأل : لماذا تريد أن تكون مهندسا ؟ ولماذا تريد أن تصبح طبيبا ؟
هذا السؤال لا بد أن يجيب عليه الإنسان بدقّة ، لماذا يريد الإنسان أن يعمل ؟ ولماذا تلك الوظيفة المعيّنة ؟
من أجل الحصول على منصب دنيوي ، يدرس ويُتْعِب نفسه سنوات طويلة من أجل الحصول على هذا المنصب الذي يدرّ عليه مبلغا كبيرا ، ماذا تريد أن تفعل بهذا المبلغ ؟!
ونقول له بالمقابل هناك منصب أخروي ، فلماذا لا تهتم بمنصبك الأخروي وأن تكون جالسا يوم القيامة بصفّ رسول الله صلى الله عليه وآله ؟
من أجل الدنيا يسعى الناس كثيرا ، يعملون ويُتْعِبون أنفسهم كثيرا ، ولكن مـن أجـل الآخرة التي هي الحياة الخالدة لا ترى من
92 . . . . . . . . . . . الاستفادة من مولد الإمام الحسن عليه السلام
الناس العمل الكافي لها ، فالصلاة لا يطيل فيها مع أنه يستطيع أن يطيل فيها أكثر ، مثل الطفل إذا كان هناك فيلم للأطفال يريد أن يشاهده فإنه يسرع في صلاته كأنه البرق ، هذا بالنسبة للطفل ، وبالنسبة للكبير هناك أشياء تلهيه عن ذكر الله ، في الواقع الإنسان الكبير يكون مثل الطفل لا فرق بينهما ، ولكن الطفل تلهيه أشياء صغيرة ، وهذا الكبير تلهيه أشياء أكبر ، من حيث المقياس هما متشابهان .
كان الأئمة عليهم السلام يهتمّون بهذا الدين ، ويحملون همّ الدين ، يهمّهم أن الإسلام ينتصر ، لذلك كانوا يدخلون الحروب الضارية ، هذا المقدار من الاهتمام عند الأئمة عليهم السلام هل يوجد عندك أيضا أيها المؤمن ؟
إلى أي حدّ يحمل همّ هذا الدين أو أن فكره من الصباح إلى المساء مشغول بالأمور الدنيوية ؟
لا يفكر أنه كيف يمكن أن ينتصر هذا الدين ؟ هل تهتمّ بهذا الدين أو أنه لا يهمّك طالما أنك مرتاح وأولادك مرتاحون ولا يهمّك ما يحصل لهذا الدين ولا ما يحصل للمسلمين في العالم ؟
يرى في التلفاز مشاهد المسلمين الذين يُقْتَلون فلا تتحرّك مـشاعـره معـهم ، وإذا تحرّكـت مشاعـره فإنـهـا تتـحرّك لحـظيّا وفي
الاستفادة من مولد الإمام الحسن عليه السلام . . . . . . . . . . . 93
لحظته فقط ، وبعد لحظات ينتهي هذا التأثّر ، لماذا ينتهي هذا التأثّر ؟
لأن التأثّر عاطفي كما يتأثّر بالفيلم الهندي ، إذا كان التأثر باقيا فالمفروض أن هذا الإنسان يفكر إلى آخر الليل بهذا الأمر ويسأل نفسه : ماذا أستطيع أن أقدِّم لهذا الدين ؟
الإمام الحسين عليه السلام يقدِّم دمه ، وأهل البيت عليهم السلام يُقَتَّلُون ويُسْبَوْن ويُذْبَحون ، وأنت ـــ أيها المؤمن ـــ ماذا قَدَّمْتَ لهذا الدين ؟ هل تحمل همّ هذا الدين ؟
المعصوم عليه السلام كان يتفاعل مع أحداث العالم ، عندما يتأذّى إنسان مستضعَف في الشرق أو في الغرب كان الإمام عليه السلام يتأذّى ويحاول أن ينصره بأي طريقة يستطيع حتى لو أدّى به إلى الحروب من أجل الحفاظ على هذا الدين وعلى أوضاع المسلمين .
ونسأل السؤال التالي :
هذه الأحداث التي تجري الآن في فلسطين هل سأل المؤمن نفسه :
ما هو دوري تجاه هذه الأحداث ؟ ماذا يريد منّي الدين ؟ ما هو المقدار الذي أستطيع أن أقدّمه لهؤلاء المسلمين ؟
94 . . . . . . . . . . . الاستفادة من مولد الإمام الحسن عليه السلام
قد يجيب بأنه لا أستطيع أن أفعل شيئا ، هذا الجواب ليس للإنسان المؤمن ، الإنسان المؤمن يعرف تكليفه ، فهو إلى مقدار معيّن يستطيع أن يقدّم شيئا لهؤلاء .
الآن الغرب يقاتل المسلمين بأموال المسلمين ، نحن الذين نقوّي أعداء الدين ، عندما نشتري البضائع الغربية نحن نقوّيهم ، وتقوية أعداء الدين لا يجوز للمؤمن ، شراء البضائع من أعداء الدين حرام حرام حرام على المؤمن طالما أنه يوجد بديل في السوق لهذه البضائع ، نعم إذا كان هناك دواء نادر مثلا لا يمكن تحصيله إلا منهم ففي هذه الحالة يجوز الشراء منهم فقط ، وأما البضائع التي يوجد لها بديل فلا يجوز للمؤمن أن يشتريها ، كالأجهزة الموجودة في البيت ، هذه الأجهزة إذا كان الإنسان يشتريها وهناك بدائل لها في السوق فلا يجوز له أن يشتريها ، يعني يرتكب محرّما إذا اشترى هذه البضائع ، ولكن كم من المؤمنين يتجاوبون مع الدعـوة إلى مقاطعة هـذه البضائع التي يوجد لها بدائل في السوق ؟
التجاوب قليل ، تذهب إلى المسجد وإذا سيارات غربية كثيرة موجودة في مواقف المسجد ، فلماذا يشتري المؤمنون هذه السيارات الغربية ؟
الاستفادة من مولد الإمام الحسن عليه السلام . . . . . . . . . . . 95
هذا المقدار يستطيع المؤمنون أن يقدِّموه للمسلمين في العالم ، لو أن المسلمين يبدؤون الآن لانتهى العدو وانمحى من الوجود بعد خمس سنوات ، ولكن لأننا لا نقوم بتكليفنا فهذه الدولة العدوة باقية ، ويحاربون المسلمين بأموال المسلمين ، إذا كنا نريد أن نرفع شعار " الموت للعدو " فلا بد أن يكون لنا دور عملي ، لا فقط صرخات وشعارات ، الشعار لا يهمّهم ، الموقف العملي يهزّهم ، إذا قاطعنا البضائع فإن المصانع هناك تتعطّل والبطالة تزداد عندهم ، بهذه الطريقة نستطيع أن نساهم في القضاء عليهم ، وهـذا أقـل الإيمان وأقـل مـا يمكن ، وهـذا الأقـل نحن لا نتمسّك به .
هل نريد أن يكون الحسن عليه السلام إماما لنا وأن نتعامل مع قصص الأئمة عليهم السلام كمجسّدين للإسلام ؟
الإمام عليه السلام يمثّل الإسلام ويجسّده ، ولا بد من أن نجسّد قصصهم في حياتنا ، ولنأخذ بعض القصص عن الإمام الحسن عليه السلام لنرى إلى أي حدّ نحن مستعدّون أن نطبّق حياتهم على حياتنا ، أعمال الأئمة عليهم السلام حجة علينا ، فعلهم يُسْتَنْبَط منه الحكم الشرعي ، فكل عمل يقوم به المعصوم حجة علينا إلا إذا كان هناك دليل على أن هذا العمل خاص به .
96 . . . . . . . . . . . الاستفادة من مولد الإمام الحسن عليه السلام
عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال : " إن الحسن بن علي عليهمـا السـلام كان أعبـد الناس في زمانه وأزهدهم وأفضلهم " (1) .
نسأل الإنسان المؤمن : هل تريد أن تكون أعبد الناس في هذا الزمان ؟ هل تريد أن تكون أزهد الناس في زماننا الحالي ؟ هل تريد أن تكون أفضل الناس ؟
إذا كنت تريد أن تكون من أعبد الناس وأزهدهم وأفضلهم فلا بد أن تعمل للوصول إلى هذه المكانة .
وفي نفس الرواية السابقة يقول الإمام الصادق عليه السلام : " وكان إذا ذكر الموت بكى ، وإذا ذكر القبر بكى " .
ونحن الآن نسمع بالموت ونسمع بالقبر ولا نتأثّر ، وإذا كنا نتأثّر فالتأثّر يكون تأثّرا لحظيا فقط ، ونحن نضحك عندما نخرج من باب الحسينيّة أو من باب المسجد .
وتصدّق الإمام الحسن عليه السلام بماله كلّه مرّتين ، وتصدّق بنصف ماله ثلاث مرّات (2) .
الاستفادة من مولد الإمام الحسن عليه السلام . . . . . . . . . . . 97
هذا الإنسان عظيم ، حتى الإنسان الكافر يقول ذلك ، يقول : عندكم إنسان عظيم كان يتصدّق بكلّ ماله ، ولكن نحن ماذا نستفيد ؟
نعم نُعْجَب بهذه الشخصية ، ولكن هل الإنسان المؤمن يكتفي فقط بأن يُعْجَب بشخصيّة الإمام الحسن عليه السلام أو أنه يحاول أن يقلّده ؟
نحن لا نقول بأن تتصدّق بكل مالك ، هل فكّرت مرّة أن تتصدّق بمعاش شهر واحد ؟
وروت كتب السيرة أن الإمام الحسن عليه السلام مرّ على جماعة من الفقراء قد وضعوا على الأرض كُسَيْرَات من الخبز كانوا قد التقطوها من الطريق وهم يأكلون منها فدعوه لمشاركتهم في أكلها ، فأجاب عليه السلام دعوتهم قائلا : " إن الله لا يحبّ المتكبّرين " (1) .
تارة قد لا يأكل الإنسان هذا الخبز الملتقَط من الأرض لأنه غير نظيف ، ولكن تارة لا يستجيب دعوتهم لأنه يشعر أنه أعلى منهم مكانة لأن عنده مال أكثر ، فيحسّ بالكبر على الفقراء .
98 . . . . . . . . . . . الاستفادة من مولد الإمام الحسن عليه السلام
والأمر الأول غير محرّم لأنك إذا كنت تعلم أن الخبز غير نظيف بحيث يضرّ بصحّتك فلا يجوز لك أكله ، ولكن الإمام الحسن عليه السلام كان يعلم أن هذا الخبز نظيف لأنهم قد جمعوه الآن ، فإذا لم يقبل فإنه يحسّ بأنه متكبّر ، والمؤمن إذا كان يحسّ بالتكبّر تجاه بعض الناس فعليه أن ينتبه لنفسه لأن المتكبّر يوم القيامة يحشر على حجم الذّرّ (1) ، يكون يوم القيامة بحجم النملة يطأه الناس .
عن الإمام الصادق عليه السلام قال : " إن المتكبّرين يُجْعَلونَ في صور الذّرّ يَتَوَطَّؤهم الناس حتى يفرغ الله من الحساب " (2) .
إن العمل الذي يعمله الإنسان في الدنيا يتجسّد في الآخرة ، الإنسان المتكبّر في الدنيا يكون يوم القيامة بحجم النملة ، الإنسان الذي يسعى للحصول على المال بالطرق المحرّمة يُحْشَر يوم القيامة على صورة معيّنة ، والإنسان الذي لا يغار على زوجته وبناته وعرضه يُحْشَر هناك على صورة الخِنْزير مثلا ، فكل صفة من الصفات يُحْشَر الإنسان على أساسها ، فالصفات التي يملكها الإنسـان تتجـسّد هنـاك ، إذا كانـت الصفـات صالحـة فإنها تتجـسّد
الاستفادة من مولد الإمام الحسن عليه السلام . . . . . . . . . . . 99
بصورة صالحة ، وإذا كانت صفات سيّئة فإنها تتجسّد بصورة سيّئة ، فلا بدّ أن ينتبه الإنسان إلى الصفات الموجودة فيه .
وقيل للإمام الحسن عليه السلام : لأي شيء نراك لا تردّ سائلا وإن كـنت على فاقـة ؟ فقـال : " إني لله سـائل ، وفيه راغب ، وأنا أستحيي أن أكون سائلا وأردّ سائلا ، وإن الله تعالى عوّدني عادة ، عوّدني أن يفيض نعمه علي ، وعوّدته أن أفيض نعمه على الناس ( أي يكون واسطة لهذه النعم ) ، فأخشى إن قطعت العادة أن يمنعني العادة " (1) .
أنا أسأل الله تعالى ، وهناك من يسألني لأتصدّق عليه ، فأستحيي أن أكون سائلا وأردّ سائلا ، والمؤمن لا يقول أخاف أن أفتقر إذا تصدّقت ، عَوِّدْ نفسك على الصدقة ، والله عز وجل لا يترك الإنسان الذي يتصدّق ، هذا قانون إلهي طبيعي تكويني ، الإنسان الذي يتصدّق لا يفتقر ، وهذا شيء مُجَرَّب .
هذه القصة أيضا لإنسان عظيم ، إلى أي حدّ نحن مستعدّون أن نفعل هكذا ؟
ثم يأتي الإمام عليه السلام ويتحدّث قليلا عن الجهاد ، عـندما نقـول نقاطـع بضـائع أعـداء الديـن ، هـذا نـوع مـن الجهاد ،
100 . . . . . . . . . . الاستفادة من مولد الإمام الحسن عليه السلام
فيه مجاهدة لأن الإنسان يرغب ببعض البضائع ، ولكنه لا يشتري هذه البضائع قربة لله تعالى ، وكذلك التصدّق بالمال جهاد .
يقول الإمام الحسن عليه السلام : " أما بعد فإن الله كتب الجهاد على خلقه وسمّاه كرها ثم قال لأهل الجهاد من المؤمنين اصبروا إن الله مع الصابرين ، فلستم أيها الناس نائلين ما تحبّون إلا بالصبر على ما تكرهون " (1) .
إذا كنت تريد أن تحصل على الثواب فلا بد من وجود حالة الـمجـاهدة عـنـدك ، إذا كـان الإنـسـان لا يشـعر بحالـة الجـهاد فـلا يمكن أن يحصل على ثواب ، الإنسان يصطبر على الصلاة ، فإذا كان ملتفتا أثناء الصلاة فإنه يجاهد نفسه بأن يطيل بالصلاة ، الإنسان الذي يسرع في صلاته من أجل أن ينتهي بسرعة هذا لا يظن أنه يحصل على ثواب الصلاة ، وهو يحصل على ثواب الصلاة بقدر ما يقبل بقلبه عليها (2) .
إن جهاد أعداء الإسلام واجب على المسلمين ، فهناك جهاد بالنفـس وهنـاك جـهاد بالمال وهناك جهاد بطرق أخرى ، والإنسان
الاستفادة من مولد الإمام الحسن عليه السلام . . . . . . . . . . 101
يسأل نفسه : بأي مقدار أستطيع أن أجاهد أعداء الإسلام ؟ ، وهذا المقدار هو ما يقدّمه لمجاهدة العدو ، وعلماء الإسلام هم الذين يحدّدون هذا المقدار ، والذي لا يعرف لا بد أن يستفتي ، الآن وسائل الاتصالات متيسّرة للجميع ، وارجع إلى مرجعك واسأله عن تكليفك الشرعي حتى يحدّد لك تكليفك ، ولا بدّ من التفاعل مع أحداث العالم ، ونسعى لحلّ مشاكل المؤمنين بقدر المستطاع .
وإذا كان المسلم يهتمّ بأمور المسلمين ويهتمّ بهذا الدين يأتي الإمام الحسن عليه السلام ويقول له القول التالي ، وهذا القول يجري عـبر الزمـان إلى زماننـا الحـالي ، يقـول له عليه السلام : " صدقتم رحمكم الله ، ما زلت أعرفكم بصدق النية والوفاء والقبول والمودّة الصحيحة ، فجزاكم الله خيرا " (1) .
وهذه المودّة ليست مودّة قولية فقط فيقول : " أنا أحب أهل البيت عليهم السلام " ، بل مودّة عملية ، وهل نريد أن يقول لنا الإمام الحسن عليه السلام : " صدقتم رحمكم الله " ؛ أو لا نريد ؟
102 . . . . . . . . . . الاستفادة من مولد الإمام الحسن عليه السلام
حتما نريد ، ولكن هذه الإرادة متمحورة حول العمل ، وبدون العمل الإمام عليه السلام لا يقول : " صدقتم رحمكم الله " .
هذا هو الإمام الحسن عليه السلام ، وهذا هو يوم مولده ، في يوم مولده نحاول أن نجسّد عمله في حياتنا .
الخلاصــة :
خلاصة الموضوع هي أن التعامل مع قصص الأئمة عليهم السلام لا بدّ أن يكون تعاملا صحيحا ، لا نتعامل مع قصصهم كما يتعامل أي إنسان مع أي قصة أخرى وفيلم سينمائي ، بل يتعامل معهم على أساس أنهم مجسِّدون لهذا الدين ، ونحن نريد أن نكون من أتباع الدين ، ومعنى ذلك أننا نريد أن نكون من أتباعهم عليهم السلام ، فدورهم هو قيادة الناس باتجاه الآخرة وجنات الخلود التي تجري من تحتها الأنهار ، تلك الجنات التي هي للناس المؤمنين الصالحين ، فدورهم هو قيادة الناس ، ودورنا هو أن نتّبعهم ، وإذا أردنا أن نكون أتباعا لأهل البيت عليهم السلام فهذه هي حياتهم ، حياة الزهد ، وحياة التواضع ، وحياة العمل في سبيل الله ، لا يعيشون الأنانية ، ولا تكون حياتهم على أساس الأنا والتفكير فقط بأنا وزوجتي وأولادي ولا يهمني ما يحـصـل في العـالـم ، فـهم كانـوا يهتمّـون بالديـن ، فهـل نريـد هـؤلاء
الاستفادة من مولد الإمام الحسن عليه السلام . . . . . . . . . . 103
الناس الزاهدين المتواضعين عليهم السلام أو نريد أن نتّخذ فرعون وهامان وقارون أئمـة لنـا ؟
هكذا لا بدّ أن يكون الإنسان ، إذا كان يريد أن يؤمن بالأئمة فلا بدّ أن يكون إيمانه إيمانا عمليّا لا إيمانا نظريّا فقط ، فقط يحفظ أن أصول الدين خمسة وفروع الدين عشرة ، أليس من فروع الدين الولاية والبراءة ؟
فإذا كنت توالي أهل البيت عليهم السلام فلماذا توالي أعداء أهل البيت عليهم السلام في نفس الوقت ؟!
قد يقول لا أواليهم ، نقول نعم قد لا تواليهم بشكل نظري ولكن تواليهم بشكل عملي ، مثلا عندما يريد أن يعيش كالإنسان الكافر ، فيكون ذلك الكافر هو الإمام له ، يقول مثلا أشتري فقط هذه البضائع ولا أشتري غيرها ؛ لأنها أفضل البضائع ومن أنتجها هم أفضل الناس ، وعندما يرى سيلانيا أو هنديا فهو يتكبّر عليهم ، ومن هو عدوه يكون محترَما عنده ، هذا الشعور عملي ، لماذا عدو الإسلام يكون محترما عنده ؟ ولماذا يعطيه هذه المكانة ؟
لأن الآن عدو الإسلام والمسلمين هو إمام بالنسبة لهذا الشـخـص ولأمـثالـه ، هـو إمـام لـه بـدون أن يشـعـر ، فـهـو يـريـد أن
104 . . . . . . . . . . الاستفادة من مولد الإمام الحسن عليه السلام
تكون حياته مثل حياتهم ، وطريقته مثل طريقتهم ، وحياة الناس العملية اليوم لا تعبّر عن اعتقادهم بالإمامة ، الاعتقاد بالإمامة الآن اعتقاد نظري لساني قولي فقط ، من ناحية عملية نحن لا نجسّد حياة الأئمة عليهم السلام ، التجسيد يحتاج إلى عمل ، لا بدّ من أن نتّخذهم قدوة عملية لنا ، والقدوة النظرية لوحدها لا تُدْخِل الإنسان إلى الجنة ، يُسْأل الإنسان يوم القيامة : لماذا اشتريت هذه السيارة من عدو الإسلام والمسلمين ؟ بماذا يجيب ؟
قد يقول : لم أكن أعلم بوجود فتوى بتحريم هذه البضائع ، يقال له : لماذا لم تسأل ؟ أليس تكليفك الشرعي هو الرجوع إلى العلماء الذين هم محور الإسلام ؟ لماذا لم ترجع إلى مرجع التقليد ؟
التقليد هو تقليد عملي لا نظري ، أنت تكون مقلِّدا للمرجع إذا التزمت بكلامه ، والإنسان الذي لا يلتزم بكلام المرجع في الواقع ليس مقلِّدا ، يقول : أنا أقلّد فلانا ، اسأله : وماذا تعرف عنه ؟
يجيبك : لا أعـرف عنـه شيئـا ، اسألـه : ماذا تعرف من فتاواه ؟
يجيبك : لا أعرف عنها شيئا ، وهذا العمل محرّم عند مرجع تقليدك فلماذا تقوم به ؟
الاستفادة من مولد الإمام الحسن عليه السلام . . . . . . . . . . 105
إن الأئمة عليهم السلام مجسِّدون للإسلام ، وكانوا يحملون همّ هذا الدين ، ويحاولون أن ينشروه في العالم كلّه ، والإنسان المؤمن لا بدّ أن يكون بهذه الطريقة ، ويسعى في نشر هذا الدين بحسب استطاعته وبأي وسيلة يقدر عليها ، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها ، والمقدار الذي يقدر عليه هو الواجب عليه ، نعم أكثر من هذا المقدار ليس مطلوبا منك ، لا تحمل السلاح الآن ، ولكن تستطيع أن تقاطع البضائع ، وهذا المقدار تقدر عليه ، وإذا قاطعت البضائع فإن المصانع هناك تقف وتزداد البطالة ، ويمكن أن تزول هذه الدولة خلال سنوات ، ولكن تفكيرنا للأسف لا يتعدّى أقدامنا ، تفكيرنا فقط أن نحصل على هذه السيارة المعيّنة أو على هذا الجهاز المعيّن ، كل من يحارب الدين يجب أن نحاربه بمختلف الطرق .
ونحن لدينا إمام غائب في هذا الزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف ، وذلك الإنسان من المذاهب الأخرى والأديان الأخرى ليس له مثل هذا الإمام ، فلماذا حياتنا نحن الذين عندنا إمام معصوم تتشابه من ناحية عملية مع حياة الذين لا يوجد عندهم مثل إمامنا المعصوم ؟ هذه العقيدة ماذا قدّمت لي ؟ هذه العقيدة ماذا أثّرت بي ؟
106 . . . . . . . . . . الاستفادة من مولد الإمام الحسن عليه السلام
إن العقيدة التي لا تؤثّر في الإنسان في الواقع لا توجد في قلب الإنسان ، فالعقيدة الموجودة في القلب تحرّك الإنسان ، فكما أن الإنسان تكون عنده عقيدة في الحصول على منصب دنيوي ويسعى لتحقيق هذه العقيدة عمليا فلماذا لا يسعى باتجاه تحقيق عقيدته التي يؤمن بها وهي اعتقاده بيوم المعاد واعتقاده بوجود جنات تجري من تحتها الأنهار ؟
إن عمل الناس لا يتوافق مع تلك العقيدة ، فهذه العقيدة ضعيفة جدّا في قلوبهم ولما تترسّخ حتى الآن ، وهي الآن عبارة عن حركة لسانية لا تقدّم ولا تؤخّر ، فلا بد أن تتحرّك هذه العقيدة من اللسان وتدخل إلى القلب حتى يتحرّك الإنسان على أساس هذه العقيدة ، فتكون حياته العملية معبّرة عن العقائد التي يؤمن بها ، وهذه العقائد موجودة في الكتاب والسنة ، والإنسان الذي لا يعلم بهذه العقائد عليه أن يتعلّمها حتى يعمل ، وإذا لم يتعلّم فإنه سيتخبّط في عمله ويسير على غير هدى ، ويوم القيامة يأتي فيقول له الإمام عليه السلام اذهب بعيدا عني لا أسقيك من ماء الكوثر لأنك لم تكن من أتباعي في الدنيا ، أنت كنت تقول أصول الدين وفروع الدين ، ولكن أنت من ناحية عملية لم تكن معتقدا بالله تعـالى ، ولم تكن معتقدا بالنبوة ، ولم تكن معتقدا بالإمامة ،
الاستفادة من مولد الإمام الحسن عليه السلام . . . . . . . . . . 107
ولم تكن معتقدا بالمعاد ، لو كنت تعتقد بالمعاد لما كنت تنام الليل خوفا ، فلماذا نغمض الطرف عن الآخرة والمعاد وكأن المعاد غير موجود ونتعامل مع الدنيا تعامل الكافرين حذو النعل بالنعل ؟
والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا أبي القاسم محمد وآله الطيبين الطاهرين .
الإمـام عليه السلام
هـو الرابط بين أجـزاء الدين (1)
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا أبي القاسم محمد وآله الطيبين الطاهرين .
قال الله تعالى في كتابه الكريم : ﴿ وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ ﴾ (2) .
سأتحدث عن الإمامة ، والبحث في الإمامة بحث واسع ، لذلك سأتناول نقطة صغيرة جدّا في بحر الإمامة ، كما تعلمون أن الإمامة أصل من أصول الدين ، ووجودها كأصل معناه أن الدين بـدون الإمامـة لا يكون دينـا مـن عنـد الله ، بل يكـون دينا ناقصا ،
الإمام عليه السلام هو الرابط بين أجزاء الدين . . . . . . . . . . 109
فالإمامة جناح من أجنحة الدين ، فإذا أراد الإنسان أن يطير إلى الله عز وجل فلا بدّ أن يأخذ بهذا الجناح وإلا فإنه لا يمكنه الطيران .
إن الإمامة هي الباب الذي يدخل الإنسان منه إلى الله عز وجل ، فمن الإمام عليه السلام يأخذ الإنسان أحكام دينه وكل ما يتّصل بهذا الدين سواء كان صغيرا أم كبيرا حتى كيفية دخول الحمّام وأنتم بكرامة ، هذه المسألة الشرعية الصغيرة نأخذها أيضا من الإمام عليه السلام .
قد يقول شخص : ولماذا نطرح مثل هذه المسألة الصغيرة ؟
والجواب أن الله تعالى لم يترك أمرا حتى لو كان صغيرا إلا وبيّن أحكامه ، إن الله خلق الخلق جميعا ، فما دام أنه خالقهم فمعنى ذلك أنه مسؤول عنهم ، فالله عز وجل يدير هذا الكون بما يتناسب مع مصالح الخلق ، فلا نجد نقصا في الكون ، فكل شيء موضوع في موضعه المناسب .
يقول الله تعالى :
﴿ الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ﴾ (1) .
110 . . . . . . . . . . الإمام عليه السلام هو الرابط بين أجزاء الدين
فالكون بهذه الصورة الموجودة الآن يعتبر أفضل خلق ، ولا يمكن أن يكون هناك خلق أفضل من ذلك ، وحينما خلق الله عز وجل هذا الخلق أراد أن يوضّح لهم ما يريد منهم ، فبعث إليهم الأنبياء عليهم السلام حتى يُظْهِروا لهم أحكام الله تعالى ، ولكي لا يقولوا كيف أن الله يحاسبنا وهو لم يبيّن ما يريد منّا ، فأرسل إليهم الأنبياء الذين كان دورهم توضيح الحق من الباطل ، فيبيّنون معالم طريق الحق ومعالم طريق الباطل ، وخلق الله الإنسان حرّا في اختياره ، فإما أن يختار طريق الحق وإما أن يختار طريق الباطل .
وبعد أن وصل الدور إلى النبي صلى الله عليه وآله بيّن الله تعالى بواسطته أحكام هذا الدين ، وجعله خاتم الأنبياء ، وجعل دينه خاتم الأديان ، وانقطعت به سلسلة الرسل والأنبياء عليهم السلام .
وبعد وفاته صلى الله عليه وآله بدأت سلسلة أخرى من الأئمة الذين يُعَيَّنون بالنّص من قِبَلِ رسول الله صلى الله عليه وآله لأن الله يختارهم ، ولا يترك عز وجل اختيار الأئمة إلى الناس ، فالناس بطبيعتهم ناقصون ، يصيبون ويخطؤون ، ولو أرادوا الاختيـار لاختـاروا الناقص مثلهم ، ولا يمكن أن يختاروا المعصوم ،
الإمام عليه السلام هو الرابط بين أجزاء الدين . . . . . . . . . . 111
فالناس بطبيعتهم يميلون إلى الأهواء النفسية والرغبات الدنيوية ، وسيكون اختيارهم على هذا الأساس .
وهكذا بدأ دور آخر من أدوار البشرية حيث ينقطع الوحي الإلهي ، وتنقطع سلسلة الأنبياء وتبدأ سلسلة أخرى حتى لا تنقطع أحكام الله تعالى ، فالأنبياء والأئمة عليهم السلام هم أبواب أحكام الله تعالى ، ولا يوجد باب آخر غيرهم ، فمن دخل من هذا الباب فسيصل إلى أحكام الله ، ومن سلك طريقا آخر فإنه سيكون ضالا ، ولن يقبل الله عملا إلا من الشخص الذي يأخذ الأحكام ممن يحدّده الله تعالى ليطيعه الناس ، وأما ذلك الإنسان الذي يسلك طريقا آخر فإنه سوف يخترع أحكاما من نفسه وينسب هذه الأحكام إلى الله تعالى ، فالأحكام المخترَعة ليست من أحكام الله عز وجل ، وليست صادرة من الله بل هي من صنع البشر .
في رواية عن الإمام الصادق عليه السلام قال : " . . . إن الله عز وجل أخبر العباد بطريق الهدى وشرع لهم فيها المنار وأخبرهم كيف يسلكون ، . . . إنه من أتى البيوت من أبوابها فقد اهتدى ، ومن أخذ في غيرها سلك طريق الرّدى ، وَصَلَ اللهُ طاعـةَ وليِّ أمـره بطاعـة رسـول الله صـلى الله عـليـه وآلـه ، وطاعـة
112 . . . . . . . . . . الإمام عليه السلام هو الرابط بين أجزاء الدين
رسـوله بطاعته ، فمن ترك طاعة ولاة الأمر لم يُطِعِ اللهَ ولا رسولَه ، وهو الإقرار بما نزل من عند الله ، . . . واقْتَصُّوا الطريق بالتماس المنار ، والْتَمِسُوا من وراء الحجب الآثار تَسْتَكْمِلُوا دينَكم وتؤمنوا بالله ربّكم " (1) .
وفي رواية أخرى عن الإمام الباقر عليه السلام قال : " . . . أما لو أن رجلا قام ليله وصام نهاره وتصدّق بجميع ماله وحجّ جميع دهره ولم يعرف ولاية وليّ الله فيواليه ويكون جميع أعماله بدلالته إليه ما كان له على الله عز وجل حق في ثوابه ولا كان من أهل الإيمان " . ثم قال : " أولئك المحسن منهم يدخله الله الجنة بفضل رحمته " (2) .
وفي رواية أخرى عن الإمام الصادق عليه السلام : " . . . والأرض لا تكون إلا بإمـام ، ومن لا يعرف إمامه مات ميتة جاهلية ، وأحوج ما تكون إلى ما أنت عليه إذا بلغت نفسك هذه ـــ وأهوى بيده إلى حلقه ـــ وانقطعت عنك الدنيا تقول : لقد كُنْتُ على أمر حسن " (3) .
الإمام عليه السلام هو الرابط بين أجزاء الدين . . . . . . . . . . 113
إن من يسلك طريقا غير طريق الأئمة عليهم السلام فإنه يكون ضالا ولن يقبل الله تعالى أعماله مهما بذل من ماله وطاقته وجهده ومهما صلّى وصام وحجّ وأتى به من عبادات ، إن كل ما يفعله لا يكون مقبولا عند الله تعالى إلا أن يكون عن طريق الإمام المعصوم عليه السلام لأنه إذا سلك طريقا آخر فإنه يكون ضالا ولن يصل إلى مرضاة الله تعالى ولن يصل إلى مقامات الجنة .
عرفنا الآن أن الأئمة عليهم السلام هم أبواب الله تعالى ، ومنهم نأخذ أحكام الله عز وجل ، وهم المبيِّنون لهذه الأحكام ، فتأتي الأسئلة التالية إليك أيها المؤمن :
هل اطّلعت على ما يريده الإمام عليه السلام منك ؟ ماذا يريد منك إمام الزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف ؟
هل سألت نفسك هذا السؤال ؟ هل حاولت أن تعرف دورك ومهمّتك في الحياة الدنيا ؟ ما هو دورك في هذا الزمان ؟
الإمام المعصوم عليه السلام هو الذي يحدّد دورك ، هل يخترع الإنسان أحكاما لم ينْزل الله بها من سلطان ؟
علينا أن نحدّد دورنا في هذا الزمان ، فهل حاولنا أن نصل إلى معرفة دورنا ؟
114 . . . . . . . . . . الإمام عليه السلام هو الرابط بين أجزاء الدين
وروي عن النبي صلى الله عليه وآله : " القابض على دينه كالقابض على الجمر " (1) .
فهل تشعر أيها المؤمن أنك قابض على الجمر ؟
ومعنى هذه الرواية أن الإنسان المؤمن سوف يعاني بسبب تمسّكه بالدين وباعتقاداته ، فطالما أنه يؤمن بالأئمة عليهم السلام فلا بد أن يعاني ، حتى لو كان المؤمن مالكا لأموال قارون فإنه لا بد أن يعاني ، ولكن عادة صاحب المال الكثير لا يشعر بأي معاناة ، بل إن أموره تكون سهلة يسيرة ، انظروا إلى بعض الأغنياء الذي يعتبرون من الشيعة ، هم لا يعانون أي معاناة بسبب تمسكهم بهذه العقيدة مع أن الرواية تقول إن القابض على دينه كالقابض على الجمر ، فلماذا لا يشعر بالمعاناة ؟
لا يشعر بالمعاناة لأنه لا يحمل همّ هذا الدين ولا يسعى في أمور الدين ، فلا تحصل له أي مضايقة ، فمن لا يشعر بالمعاناة بسبب تمسّكه بدينه عليه أن يراجع دينه وإيمانه ، هذه الأموال زائلة لا تبقى إلى يوم القيامة ، دورنا في هذا الزمان وفي كل زمان أن نهتـمّ بحمـل هـذا الديـن ، ونحمـل همـوم الديـن ، ولا يكـون كـل
الإمام عليه السلام هو الرابط بين أجزاء الدين . . . . . . . . . . 115
تفكيره في تحصيل المال فقط وهو يدّعي أن لديه إمام غائب عجل الله تعالى فرجه الشريف .
ونسأل أيضا بعض الأسئلة : هل يطّلع المعتقدون بالإمامة على روايات أهل البيت عليهم السلام ؟
راجع نفسك : كم رواية من روايات الأئمة عليهم السلام قرأتها لحدّ الآن ؟ هل حاولت أن تقرأ كتب الروايات حتى تعرف ماذا يريد منك إمامك عليه السلام ؟ ماذا يريد منك أهل البيت عليهم السلام وأنت المعتقد بإمامتهم ؟ هل حاول المؤمن أن يعرف دينه من خلال روايات أهل البيت عليهم السلام حتى لا يأخذ دينه من مكان آخر وحتى لا يتّبع أهواءه النفسية بل يأخذ الدين من إمامه عليه السلام ؟
هل في تعاملنا مع بعضنا البعض نأخذ كيفية التعامل من أهل البيت عليهم السلام أم أن علاقاتنا تقوم على أساس الأهواء النفسية وعلى أساس العواطف ؟
إن بعض المؤمنين إذا لم يحبوا مؤمنا آخر فإنهم يغتابونه لأنهم انطلقوا من عاطفتهم ، ولم ينطلقوا من أهل البيت عليهم السلام الذين يحرّمون الغيبة ، بل يتكلّمون عنه وهم يدّعون أنهم مؤمنون ، وهكذا في سائر المحرّمات .
116 . . . . . . . . . . الإمام عليه السلام هو الرابط بين أجزاء الدين
إن سنّة النبي صلى الله عليه وآله مفقودة اليوم بيننا ، لم يَبْقَ منها إلا بعض الطقوس ، فنحن لا ننظر إلى أن هذا الدين عبارة عن كتلة واحدة ، وهذه الكتلة تشمل كل جوانب حياتنا ، فالدين اليوم عبارة عن طقوس من صلاة وصيام وحج وبعض العبادات الأخرى وبعض المعاملات لا أكثر من ذلك ، هذه العبادات الجزئية والمعاملات الجزئية لا رابط بينها ، فلا يوجد ترابط بين الصلاة والصيام ، وبين الصيام والحج ، ولا بد من وجود الرابط بينها ، يجب أن لا ننظر إلى العبادات والمعاملات بالنظـرة التجزيئية بحيـث يكون كل جزء منفصلا عن الجزء الآخر .
لا بد من وجود خيط يربط بين كل العبادات والمعاملات كالمسباح الذي يتكوّن من حبّات متفرّقة ، ولكن بسبب الخيط الرابط بين هذه الحبّات تصير هذه الحبّات المتفرّقة مسباحا ، لولا وجود الخيط الرابط لانفرط المسباح وصارت حبّات متفرّقة هنا وهناك ، والدين كالمسباح ، الصلاة عبارة عن حبّة ، والصيام عبارة عن حبّة أخرى ، فلا بد من وجود خيط يربط بين الأجزاء المتفرّقـة مـن الديـن ، فمـن يريـد المسباح لا بد أن يأخذ بكل حبّاته ، ومن يريد الدين فلا بد أن يأخذ بكل أجزائه .
الإمام عليه السلام هو الرابط بين أجزاء الدين . . . . . . . . . . 117
الكتاب الكريم والسنة الشريفة بيّنا كل جوانب الدين ، فمن أراد الدين فلا بد أن يتمسّك بكل الكتاب والسنة لا فقط يتمسّك بجزء بسيط من الكتاب والسنة ، لا يتمسّك بالجزء المتعلّق بالعبادات فقط ، دين الله أوسع من الطقوس التي نؤدّيها ، ونطلق عليها طقوسا لأنها بدون ثمرة ، فثمرة الصلاة النهي عن الفحشاء والمنكر ، وثمرة الصيام التقوى ، وثمرة الحج التخلّي عن الدنيا والاتجاه إلى الآخرة ، ونحن الآن في أيام الحج ، ومع عدم إنتاج هذه الثمار تنقلب العبادات إلى طقوس وحركات وأفعال وأقوال فقط ، هذه الحركات لا تُنْتِج ثمارا .
عندما يقول الله تعالى : ﴿ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ ﴾ (1) .
فمعنى ذلك أنه يريد منّا هذه النتيجة المترتّبة على الصلاة .
وعندما يقول الله تعالى : ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ (2) .
118 . . . . . . . . . . الإمام عليه السلام هو الرابط بين أجزاء الدين
فمعنى ذلك أنه عز وجل يريد التقوى منّا ، وإذا أقام المؤمن صلاته بشروطها المادية من حركات وأفعال وأقوال ، وأدّاها بشروطها المعنوية من الخشوع والتّوجّه ، وأدّاها بشروطها الارتباطيّة مع الأجزاء الأخرى من الدين ، مثل هذه العبادة تُنْتِج الثمار ، الكثير من الناس يصلّون ، ولكن صلاتهم لا تنهاهم عن الفحشاء والمنكر ، ويصرّون على المعاصي ، ومعنى ذلك أنهم لم يقيموا الصلاة حق الإقامة ، بل صلّوا بحركات وأقوال فقط ، عبارة عن طقوس فقط لا أكثر من ذلك .
الصلاة لها ارتباط بالصيام ، ولها ارتباط بالحج ، ولها ارتباط ببقيّة العبادات ، ولها ارتباط بكل المعاملات ، الصلاة المفصولة عن الأجزاء الأخرى من الدين صلاة بلا ثمر .
الجانب العبادي والجانب المعاملي يشملان كل جوانب الحياة لا فقط هذه الأحكام المذكورة في الرسالة العملية ، الرسالة العملية كما هي الآن تعالج جانبا من الدين فقط لا كل جوانب الدين ، بقيّة أجزاء الدين موجودة في روايات أهل البيت عليهم السلام ، فكما أن الإنسان يتعلّم أحكام الصلاة والصيام فلا بد أن يتعلّم الأجزاء الأخرى التي يستطيع أن يطّلع عليها في روايات أهل البيت عليهـم السـلام ، فكل أجـزاء الـديـن مـوجـودة في الكـتـاب والسـنـة ،
الإمام عليه السلام هو الرابط بين أجزاء الدين . . . . . . . . . . 119
ولكن المشكلة الآن أننا قد نقرأ القرآن الكريم ، وقد نطّلع على بعض روايات أهل البيت عليهم السلام ، ولكن ليس كل المؤمنين يطّلعون على رواياتهم عليهم السلام ، الآن الناس مشغولون بدنياهم ، كم يفرحون إذا حصّلوا على مال ، إذا حصلوا على مائة دينار هدية كم يشعرون بالسعادة منها ، ولكن قل له تعال تعلّم رواية واحدة ؛ يقول لك أنا في غنى عن هذه الرواية .
إن دورنا أن نعرف السنة النبويّة الشريفة بتفاصيلها حتى نأخذ بدين كامل لا فقط أن نؤدي بعض الطقوس ، هذه الطقوس التي لا تُنْتِج الثمار ولا تُنْتِج حركة عند الإنسان .
على سبيل المثال : كثير من المؤمنين يذهبون إلى الحج في كل سنة ، ولكن تعال انظر إلى بنات بعضهم ، تجد إما أن بناتهم سافـرات وإمـا أنهـن يتحجّبن بحجاب غير شرعي وهو المكوّن من " البنطال " والقميص الضيّق والحجاب الملون الصغير الذي لا يستر شعورهن ، مع أن هذا المؤمن يذهب في كل سنة إلى الحج ، فلماذا يصرّ على ارتكاب هذه المعصية ؟
نعم يذهبون إلى الحج ، ولكنهم لا يتغيّرون ، لا تنتج عندهم ثمار الحج ، لا ينظرون إلى الحج بأنه مرتبط بالواجبات الأخرى وبـالمحـرمـات والمـعـاصي ، بـل يـنـظــر إلى الـحـج كـطـقـوس ، إحـرام
120 . . . . . . . . . . الإمام عليه السلام هو الرابط بين أجزاء الدين
وطواف وسعي بين الصفا والمروة ومبيت في منى . . . ، فينظر إلى أعمال متفرّقة ، جزئيّات متفرّقة ، لا علاقة لهذا الجزء ببقيّة الأجزاء من العبادات والمعاملات ، فيذهب كل سنة إلى الحج ، ولكن " ما أكثر الضجيج وأقلّ الحجيج " كما في الروايـة عن الإمام الصادق عليه السلام (1) ، كم من هؤلاء يقبل الله عز وجل حجّهم عندما يقول : " لبّيك اللهم لبّيك " ؟
قد يردّ الله عليه : " لا لبّيك ولا سَعْدَيْك " ؛ لأن الإنسان الذي يصرّ على ارتكاب المعاصي لا يتقبّل الله أعماله ، ففي الآية الكريمة : ﴿ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ﴾ (2) .
إذا كان إنسانا متّقيا فإن الله يتقبّل أعماله ، والإنسان يتعجّب كيف أن هذا الرجل لا يشعر بالغيرة على بناته ، تجد أنها في السيارة معه وهي سافرة ولا يشعر بأي غيرة عندما ينظر الرجال إليها ، وكذلك حال زوجته ، هذه الحجابات المنتشرة اليوم حجابات غير شرعية ، فهؤلاء الذين يذهبون إلى الحج بهذه الكيفية كأنهم لم يذهبوا ، أتعبوا أنفسهم فقط .
الإمام عليه السلام هو الرابط بين أجزاء الدين . . . . . . . . . . 121
و" كم من صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش " كما في الرواية عن النبي صلى الله عليه وآله (1) ؛ لأن حالة التقوى غير موجودة عندهم ، يجوعون ويعطشون فقط ، يتعبون في الحج فقط لا أكثر من ذلك ، فيؤدي طقوسا فقط .
هؤلاء غفلوا عن ارتباط الحج بالعبادات والأعمال الأخرى ، ينظرون إلى الحج بمعزل عن العبادات والمعاملات ، وبمعزل عن أجزاء الدين .
هذا المؤمن الذي يذهب إلى الحج لماذا لا يصل رحمه ؟ لماذا يقاطع أخاه منذ عشرين سنة ؟ لماذا يقاطع عمه أو خاله منذ ثلاثين سنة ؟
وقد يقاطع بعض أقاربه لعدة سنوات ، مع أن الحج واجب ، وكذلك صلة الأرحام واجبة ، فهو يريد أن ينتقي من الدين ما يناسب أهواءه ، الحج يتناسب مع عاطفته وهواه ، ولكن صلة الرحم لا تتناسب مع هواه ، فيأخذ بالحج ، ويترك صلة الأرحام ، من يريد أن يكون متديّنا لا بدّ أن يأخذ بكل الواجبات ويترك كل المحرّمـات ، لا فقـط أنـه ينتقي ، فيأخذ ما يناسب أهواءه ، ويترك
122 . . . . . . . . . . الإمام عليه السلام هو الرابط بين أجزاء الدين
ما لا يناسب مشتهياته ، الإنسان المؤمن هو الذي يعرف الواجبات والمحرمات من أهل البيت عليهم السلام .
علينا أن لا ننظر إلى العبادات كطقوس منفصلة عن أجزاء الدين الأخرى ، لا بدّ أن نعرف الخيط الذي يربط بين أجزاء الدين ، هذا الخيط هو الإمامة ، إذا ارتبط الإنسان ارتباطا صحيحا بالإمامة وبأئمة أهل البيت عليهم السلام هنا سوف يُنْتِج هذه الثمار ، وهذا الارتباط لا يكون ارتباطا لسانيا فقط ، يقول أصول الدين خمسة وفروع الدين عشرة ويكرّر ذلك بلسانه ، والإمامة إحدى هذه الأصول ، علينا أن ننظر إلى كل جوانب الدين .
سنة رسول الله صلى الله عليه وآله مفقودة بيننا اليوم ، أمورنا لا تقوم على الكتاب والسنة تماما ، ننتقي من الدين ما يناسبنا ، ونترك ما لا يناسبنا ، الحضور إلى المسجد ليس فيه معاناة ، ولكن التصدق في سبيل الله فيه معاناة .
الخلاصـة :
1ـــ الإمامة أصل من أصول الدين ، ولا يوجد دين بلا إمامة .
2ـــ الإمام عليه السلام هو الباب الذي يدخل منه الإنسان إلى الله عز وجل .
الإمام عليه السلام هو الرابط بين أجزاء الدين . . . . . . . . . . 123
3ـــ الله تعالى جعل لكل شيء حكما معيّنا ، وهذا الحكم المعيّن يؤخذ من الإمام عليه السلام .
4 ـــ بعث الله عز وجل الأنبياء وجعل الأئمة عليهم السلام حتى يبيّنوا الحق والباطل .
5 ـــ أعطى الله تعالى الإنسان حرية الاختيار بأن يختار الحق ويترك الباطل .
6ـــ تعيين الإمام عليه السلام يكون بالنص .
7ـــ من يسلك طريقا غير طريق الإمام عليه السلام فإنه يكون ضالاّ .
8 ـــ لا بدّ من الاطّلاع على الكتاب الكريم والسنة الشريفة .
9 ـــ السنة النبوية مفقودة بيننا اليوم لأننا ننظر إلى العبادات كأجزاء مفصولة عن الأجزاء الأخرى ، والرابط بين أجزاء الدين هو الإمام عليه السلام .
إذن :
دورنا الآن أن نربط بين كل ما نقوم به ، أجزاء الدين تكون مرتبطة ببعضها البعض ، ولا ننظر إلى العبادات كطقوس فقط ، بـل لا بـد مـن ربـطـهـا بـالعـبـادات والمعـامـلات الأخـرى وبـكل أجـزاء
124 . . . . . . . . . . الإمام عليه السلام هو الرابط بين أجزاء الدين
الدين حتى تنتج الثمار المطلوبة وإلا فإن الإنسان سيأتي يوم القيامة ويجد أن صحيفته خالية إذا لم ينظر إلى الأشياء بهذه الكيفية .
والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا أبي القاسم محمد وآله الطيبين الطاهرين .
قصة قصيرة
الأعـور الدجّـال
ذات يوم كنت سائرا في طريقي إلى المنْزل ، فجأة رأيت نورا في السماء ، بدأ النور يقترب تدريجيا إلى الأرض إلى أن استقر عليها ، انطفأ النور ، وإذا بمركبة فضائية غريبة الشكل تظهر ، أخذتني الرّهبة والخوف ، انفتح باب المركبة ، انعقد لساني ، اتّسعت حدقة عيني ، تسارعت أنفاسي ، بدأ العرق يتصبّب من جبيني ، نزل ركاب غرباء الشكل ، نظروا إلي ، أشاروا علي .
قال أحدهم : السلام عليك .
لم أستطع الرّدّ .
أعاد السلام مرة أخرى .
قال : لا تخف ، نحن لا نريد أن نؤذيك .
هنا اطمأننت وتنفّست الصعداء ، فقلت : وعليكم السلام .
قالوا : نحن من كوكب آخر ، وقد جئنا إلى الأرض لإنقاذ البشرية من الويلات والمآسي التي تمرّ بها ، وقد أرسلنا ملكنا لإنـجـاز هـذه المهـمـة ، ولكـننـا نـريـد واحـدا مـن البـشـر ليـوضّـح لنـا
- 125 -
126 . . . . . . . . . . . . . . . . . . قصة قصيرة : الأعور الدجّال
تفاصيل ما يجري على الأرض ، وقد اخترناك لهذه المهمة ، لذلك نرجو منك أن تدخل المركبة لمناقشة المسألة .
دخلت ، قالوا : إن هذه المركبة عبارة عن مركبة الزمن ، وقد جئنا من الماضي ، ونريد أن نذهب إلى المستقبل لترى الأحداث بأم عينيك .
أخذتني الدّهشة ، قلت في نفسي : هذه مركبة الزمن التي نسمع بها في القصص الخيالية ، إنها حقيقة .
قالوا : إلى أي زمن تريد أن تذهب ؟
تحيّرت ولم أدْرِ أي زمان أختار ، وهنا خطرت في ذهني فكرة ، لقد سمعنا كثيرا عن المسيح الدجّال ، فقلت : إلى زمان المسيح الدجّال .
قالوا : ذلك سهل وهيّن .
أقفلوا باب المركبة ، اشتعلت الأنوار المختلفة بألوان زاهية ، سمعت أصواتا غريبة ، بدأت المركبة تدور ، تكلموا فيما بينهم بكلمات غريبة ، وبعدها لم أدرك شيئا إذ أنني أحسست بدوار .
وبعد لحظات قالوا : لقد وصلنا .
انطفأت الأنوار ، انفتح باب المركبة ، نزلنا .
قصة قصيرة : الأعور الدجّال . . . . . . . . . . . . . . . . . . 127
قالوا : هذا زمان المسيح الدجّال .
بدأت أتلفّت حولي لأرى كيف يكون هذا الزمان .
قلت : أريد أن تكون لي القدرة على رؤية حقائق الأشياء .
فوافقوا على ذلك ، وبدؤوا ينقلونني من مكان إلى آخر .
رأيت المساجد الكثيرة المزخرفة ، قلت في نفسي : نِعْمَ الزمان هذا الزمان .
رأيت المصلّين مزدحمين في المساجد ، فقلت في نفسي : ونِعْمَ العباد هؤلاء .
نظرت إلى قلوبهم ، أخذتني الدّهشة ، قلوب سوداء ، كل منهم يلعن أخاه ، كل منهم يريد أن يطعن بأخيه ، فتعجّبت من أمرهم ، وقلت : عجبا ! !
ثم نقلني الغرباء إلى مكان آخر من العالم ، آثار الدّمار والخراب في كل مكان ، رجال قُتِّلُوا ، نساء رُمِّلَتْ ، أبناء يُتِّمُوا .
رأيت حكام الدول ، ملبسهم أفخر اللباس ، حِيكَ من قوت الفقراء والمساكين ، رأيت قلوبهم فإذا هي قلوب الذئاب ، ورائحتهـا أنتن مـن الجِيَف ، يتحـدّث النـاس عـن فسادهم ورذائلهم ، يقدِّمون الفساد إلى الناس بعناوين خلاّبة .
128 . . . . . . . . . . . . . . . . . . قصة قصيرة : الأعور الدجّال
رأيت قصورا فخمة ، لم تَرَ مثلها عين ولا سمعت بها أذن .
مررت بوسائل الإعلام فإذا المعازف تُضْرَب والقِيانُ تغنّي ، ويُضَلَّل الناس .
مررت بالسجون فإذا تتناهى إلى سمعي منها أصوات ترتيل القرآن الكريم ، قلت : عجبا ! الفساد في الخارج ، وداخل السجون يقبع المؤمنون !
وفجأة انطلق بي الغرباء إلى مكان آخر ، رأيت طائرات تطير وشاحنات تسير .
قالوا : إنها دولة شنّت حربا على دولة أخرى أصغر منها ، وهكذا في هذا الزمان القوي يأكل الضعيف ، إنها شريعة الغاب .
ورأيت حشودا تأتي من أماكن بعيدة ، يقودها رجل أعور ، عينه اليمنى ممسوحة ، والأخرى في جبهته تضيء بنور لامع ، مكتوب فوق عينيه كافر .
قلت : من هذا ؟
قالوا : ألا تعرفه ؟
قلت : لا .
قالوا : ألم تطلب أن تأتي إلى زمانه ؟
قصة قصيرة : الأعور الدجّال . . . . . . . . . . . . . . . . . . 129
قلت : من هو ؟
قالوا : ألا يكفي أن تعرفه من لقبه ، إنه أعور ودجّال .
رأيته قادما بجيشه ، يتكلم والآخرون يطيعونه ، يجعلون الحق باطلا ، والباطل حقّا ، يسير إلى الجحيم والآخرون يتبعونه .
قلت : ماذا حدث للناس ؟ ألا يرون أنه مكتوب بين عينيه كافر ؟ ألا يرون الجحيم ؟
أجاب الغرباء : الأعور الدجال رجل يخوض البحار ، ويطير في الهواء ، يُنْزِل المطر ، ولا يصعب عليه شيء ، يُقَدِّم الطعام للفقراء ، وله أعوان من الوعّاظ يقومون بدور الإعلام ، يقولون للأبيض أسود فيصدّقهم الناس ، ويقولون للأعور مبصرا فيتبعهم الناس ، ألا ترى أنه يُخْرِج الطعام في زمن القحط ؟ ، فهو يصنع الجوع ثم يأتي بالطعام ، فيظن الناس أنه المنقذ ، يصنع الحروب ثم يأتي بالسلام ، له من الأنصار الكثيرون يحكمون هذه الدّيار يوطّئون له ، صحيح أنه يدمّر البلاد ، لكنه يأتي لإصلاح الدّمار وتعمير المكان بعقود طويلة الآجال على يد الأعوان الظلمة .
وأخذ الغرباء يسردون ويتكلمون إلى حدّ لم أستطع معه التحمّل .
130 . . . . . . . . . . . . . . . . . . قصة قصيرة : الأعور الدجّال
قلت : لا أريد أن أعيش في هذا الزمن ، أرْجِعُوني إلى زماني .
قالـوا : عـمّ تتحـدّث ؟ ، لقـد تعطّلـت مركبتنا ، إنك الآن في زمانك ، فنحن لم نتحرّك من زمانك طرفة عين .
اعتصر قلبي بالألم والحزن .
قلت : أما لهذه المشاكل من حلّ ؟ ألن ينتهي هذا الزمان ؟ إن بطن الأرض خير لنا من ظهرها .
قالوا : لا تحزن ، فلا بدّ لهذا الزمان من نهاية ، ولا بدّ من يوم قـد خُطَّ بالقلم ، ولا بدّ للشمس أن تظهر ، ولا بدّ للحق أن ينتصر ، وسينتشر السلام والأمن والطمأنينة .
قلت في نفسي : مهما فعل الأعور الدجال فإنه يبقى أعور ودجّالا ، ومهما فعل فإن صوت الحق سيعلو ، إنه وعد إلهي .
وتنفّست الصّعداء . . .
محتويات الكتاب
الشاب المؤمن إنسان هادف . . . . . . . . . . . . . . . 5
معنى الإيمان . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . 30
علاقة المؤمن بالمال . . . . . . . . . . . . . . . . . . 52
مسؤولية المؤمن تجاه الولاية . . . . . . . . . . . . . . 65
الاستفادة من مولد الإمام الحسن عليه السلام . . . . . 85
الإمام عليه السلام هو الرابط بين أجزاء الدين . . . . 108
قصة قصيرة : الأعور الدجّال . . . . . . . . . . . . . 125
- 131 -
(1) ألقي هذا الموضوع في مخيم الولاية بتاريخ 24 شوال 1420 هـ الموافق 31 / 1 / 2000 م .
(1) الذاريات : 56 .
(1) بحار الأنوار ج 14 ص 185 ح 36 .
(1) بحار الأنوار ج 61 ص 4 . حشارة : حشرات .
(1) بحار الأنوار ج 61 ص 270 ح 34 .
(1) البقرة : 255 .
(1) بحار الأنوار ج 7 ص 258 ح 1 .
(2) النساء : 103 .
(1) الذاريات : 56 .
(2) الأنبياء : 16 .
(3) الدخان : 38 .
(1) الأنعام : 158 .
(1) بحار الأنوار ج 70 ص 124 ح 112 .
(1) بحار الأنوار ج 100 ص 13 ح 59 .
(1) الكافي ج 5 ص 72 ح 10 .
(1) الحشر : 18 .
(1) البقرة : 255 .
(1) المؤمنون : 115 .
(1) بحار الأنوار ج 65 ص 292 ح 53 .
(1) بحار الأنوار ج 1 ص 206 ح 2 .
(1) بحار الأنوار ج 1 ص 210 ح 4 .
(1) بحار الأنوار ج 1 ص 217 ح 34 .
(1) بحار الأنوار ج 7 ص 89 : عن البراء بن عازب قال : كان معاذ بن جبل جالسا قريبا من رسول الله صلى الله عليه وآله في منزل أبي أيوب الأنصاري ، فقال معاذ : يا رسول الله ! أرأيت قول الله تعالى : ﴿ يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا﴾ ؟ فقال : " يا معاذ ! سألت عن عظيم من الأمر " . ثم أرسل عينيه ثم قال : " تُحْشَر عشرة أصناف من أمّتي أشتاتا قد ميّزهم الله تعالى من المسلمين وبدّل صورهم ، فبعضهم على صورة القردة ، وبعضهم على صورة الخنازير ، . . . " .
الحكمة المتعالية لصدر الدين الشيرازي ج 2 ص 5 : وروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال : " يُحْشَر بعض الناس على صورة يحسن عندها القردة والخنازير " .
(1) ألقي هذا الموضوع في مسجد النقي بمنطقة الدسمة بمناسبة عيد الغدير بتاريخ 20 ذو الحجة 1420 هـ الموافق 25 / 3 / 2000 م .
(2) المائدة : 67 .
(3) بحار الأنوار ج 21 ص 387 - 390 .
- 52 -
(1) المائدة : 3 .
(2) بحار الأنوار ج 27 ص 58 ح 19 .
(3) بحار الأنوار ج 27 ص 110 .
(1) بحار الأنوار ج 33 ص 251 .
(2) بحار الأنوار ج 70 ص 121 .
(1) مصباح الشريعة المنسوب للإمام الصادق عليه السلام ، وتوجد روايات مثلها عن أمير المؤمنين عليه السلام ، راجع أعيان الشيعة للسيد محسن الأمين ج 1 ص 347 ، وشرح إحقاق الحق للسيد المرعشي ج 12 ص 108 .
(2) بحار الأنوار ج 70 ص 111 : عن أمير المؤمنين ع متحدّثا عن الأنبياء والأصفياء والصالحين : " وأنزلوا الدنيا من أنفسهم كالميتة التي لا يحل لأحد أن يشبع منها إلا في حال الضرورة إليها ، وأكلوا منها بقدر ما أبقى لهم النفس وأمسك الروح ، وجعلوها بمنـزلة الجيفة التي اشتدّ نتنها " .
(3) المنافقون : 9 .
(1) القصص : 77 .
(1) تفسير العياشي ج 2 ص 13 .
(1) وسائل الشيعة ج 6 ص 16 ح 25 .
(2) بحار الأنوار ج 75 ص 23 ح 88 .
(1) ألقي هـذا الموضوع بمناسبة عيد الغدير في حسينية باب الحوائج في منطقة القرين بتاريخ 23 ذو الحجة 1420 هـ الموافق 25 / 3 / 2000 م .
(2) المائدة : 67 .
- 65 -
(1) بحار الأنوار ج 72 ص 38 .
(1) بحار الأنوار ج 25 ص 4 ح 7 .
(1) الإسراء : 34 .
(1) بحار الأنوار ج 24 ص 187 ح 1 .
(1) بحار الأنوار ج 1 ص 177 ح 54 .
(1) موسوعة العقائد الإسلامية للسيد محمد الريشهري ج 2 ص 218 .
(2) أعيان الشيعة للسيد محسن الأمين ج 4 ص 112 .
(1) التحريم : 6 .
(1) التوبة : 71 .
(1) ألقي هـذا الموضوع في لقـاء مع الأهـل في منطقـة الرميثية بتاريخ 18 رمضان 1421 هـ الموافق 13 / 12 / 2000 م .
- 85 -
(1) بحار الأنوار ج 96 ص 229 ح 10 : عن أبي حمزة الثمالي قال : قال لنا علي بن الحسين زين العابدين عليهما السلام : " . . . إن أفضل البقاع ما بين الركن والمقام ، ولو أن رجلا عمر ما عمر نوح في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما يصوم النهار ويقوم الليل في ذلك الموضع ثم لقى الله بغير ولايتنا لم ينفعه ذلك شيئا " .
جامع أحاديث الشيعة - السيد البروجردي ج 1 ص 434 : عن أبي جعفر عليه السلام أنه قال : " . . . ولو أن عبدا عبد الله بين الركن والمقام حتى تنقطع أوصاله وهو لا يدين الله بحبنا وولايتنا أهل البيت ما قبل الله منه " .
بحار الأنوار ج 36 ص 314 : قال صلى الله عليه وآله : " والذي نفس محمد بيده لو أن رجلا عبد الله ألف عام ثم ألف عام ما بين الركن والمقام ثم أتاني جاحدا لولايتهم لأكبه الله في النار كائنا من كان " .
بحار الأنوار ج 65 ص 75 : قال ابن أبي الحديد في شرح النهج : روى جعفر الأحمر عن مسلم الأعور عن حبة العرني قال : قال علي عليه السلام : " من أحبني كان معي ، أما إنك لو صمت الدهر كله ، وقمت الليل كله ، ثم قتلت بين الصفا والمروة - أو قال بين الركن والمقام - لما بعثك الله إلا مع هواك ، بالغا ما بلغ ، إن في جنة ففي جنة وإن في نار ففي نار " .
(1) بحار الأنوار ج 27 ص 87 ح 33 .
(1) بحار الأنوار ج 43 ص 331 ح 1 .
(2) بحار الأنوار ج 43 ص 339 ، المجموع لمحيي الدين النووي ج 7 ص 91 ، السنن الكبرى للبيهقي ج 4 ص 331 ، أسد الغابة لابن الأثير ج 2 ص 13 .
(1) بعض صفات الإمام الحسن عليه السلام - مركز المصطفى .
(1) الذّرّ : صغار النمل .
(2) بحار الأنوار ج 7 ص 201 ح 79 .
(1) بعض صفات الإمام الحسن عليه السلام – مركز المصطفى .
(1) أعيان الشيعة للسيد محسن الأمين قدس سره ج 1 ص 568 .
(2) بحار الأنوار ج 46 ص 66 ح 28 : عن علي بن الحسين عليه السلام : " إن العبد لا يقبل من صلاته إلا ما أقبل عليه منها بقلبه " .
(1) أعيان الشيعة للسيد محسن الأمين قدس سره ج 1 ص 568 .
(1) ألقي هـذا الموضـوع في خطبـة الجمعـة في حسينية الأحمدي بتـاريخ 7 ذو الحجـة 1421 هـ الموافق 2 / 3 / 2001 م .
(2) الأنبياء : 73 .
- 108 -
(1) السجدة : 7 .
(1) أصول الكافي ج 2 ص 47 ح 3 .
(2) نفس المصدر ج 2 ص 18 ح 5 .
(3) نفس المصدر ج 2 ص 19 ح 6 .
(1) تحفة الأحوذي – المباركفوري ج 8 ص 338 .
(1) العنكبوت : 45 .
(2) البقرة : 183 .
(1) بحار الأنوار ج 27 ص 181 ح 30 .
(2) المائدة : 27 .
(1) بحار الأنوار ج 93 ص 294 ح 24 .