مَـقَالاَت إِيمَـانِيَّة
الجزء الخامس
* فوائد المخيمات الربيعية *
* بحث الشاب المؤمن عن الحق *
* القـدوة *
* مسؤولية المؤمن أمام المهدي عجل الله فرجه *
* الاستفادة من الزهراء عليها السلام *
* رمضان شـهر تغيير النفس *
الشيخ محمد أشكناني
الطبعة الأولى
1426 هـ ـ 2005 م
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ
اللَّهُمَّ كُنْ لِوَلِيِّكَ الحُجَّةِ ابْنِ الحَسَنِ صَلَوَاتُكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آبَائِهِ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ وَفِي كُلِّ سَاعَةِ وَلِيًّا وَحَافِظًا وَقَائِدًا وَنَاصِرًا وَدَلِيلاً وَعَيْنًا حَتَّى تُسْكِنَهُ أَرْضَكَ طَوْعًا وَتُمَتِّعَهُ فِيهَا طَوِيلاً
بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ
اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ
موقع ديوانية الشيخ محمد أشكناني :
www.alashkanani.com
عنوان المراسلة :
محمد حسين أشكناني
بيان ـ ص . ب 66691
دولة الكويت 43757
Mohammad H. Ashkanani
BAYAN – P.O.BOX 66691
STATE OF KUWAIT 43757
البريد الإلكتروني للمؤلف :
mohashk14@hotmail.com
البريد الإلكتروني للديوانية ولجانها :
mail@alashkanani.com
فوائـد المـخـيّمـات الربيعـيّة (1)
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا أبي القاسم محمد وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين .
قال الله تعالى في كتابه الكريم : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ " (2) .
وعـن أبي عـبدالله عـليه السـلام قـال : " خرجت أنا وأبي ذات يـوم فإذا هـو بأناس من أصحابنا بين المنبر والقبر ، فسلّم عليـهم ثم قـال : أمـا والله إني لأُحِبُّ ريحكم وأرواحكم ، فأعينوني على ذلك بورع واجتهاد ، . . . " (3) .
وعن أبي عبدالله عليه السلام قال : " من مات منكم على هذا الأمر منتظرا له كان كمن كان في فسطاط القائم عجل الله تعالى فرجه " (1) .
إن الإنـسـان المؤمـن يتحرك في حياته باتجاه الله تعالى ، ويكون نظـره دائما إلى الله عز وجل ، وكل ما يقع في طريقه يجعله في هذا الاتجاه حتى يستطيع أن يحصل على رضا الله تعـالى ، وهكـذا يكون الإنسـان المؤمـن دائمـا ، ولولا أنه يكون ملتفتا إلى إيمانه لما جعل كل شيء في سبيل الله ، ولولا إيمانه لأخذته الأهواء وجرّته الشهوات بعيدا عن طريق الله عز وجل ، وهكـذا يكون المؤمـن ملتفتـا دائمـا إلى إيمانـه ولا يكون من الغافـلين .
ومن الأشيـاء التي يمكن جعلها في سبيل الله تعالى الخروج إلى البرّ في المخيّمات الربيعيّة ، فالخروج إلى البرّ يقع في طريق المؤمن فيستطيع أن يجعله في سبيل الله ، فنسأل هنا السؤال التالي :
كيف يمكن جعل هذه المخيمات في طريق الله حتى نحصل على الثواب ؟
هذا ما يجب أن تفكّروا به حتى لا يضيع عملكم وتعبكم بلا ثواب ، وتذهب جهودكم أدراج الرياح ، وتكون نتيجة هذا العمل هباءً منثورا كما يقول الله تعالى : " وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَـاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً " (1) .
لذلك علينا أن نفكر في أنه كيف يمكن أن نجعل هذه المخيمات في سبيل الله ؟
الجواب :
إن هذا العمل يمكن جعله في سبيل الله تعالى بالالتفات إلى النقاط التالية :
النقطة الأولى :
إن وسائل إضلال الشباب كثيرة لا تُعَدُّ ولا تُحْصَى ، وكل ما يـوجـد الآن حولنا من وسائل صُنِعَتْ من أجل إلقاء حبائل الشيطان على الشباب ، فهم الجيل المهم بالنسبة لهؤلاء الذين يمشون على طريق الكفر ، يحاولون عن طريق هذه الوسائل إدخال الشباب في خط الضلال ، والوسائل التي يصنعونها وسائل جـذّابـة تجذب الشباب وتجعلهم ينشدّون إليها ، اجلس أمام التلفاز وسترى أن هناك شيئا يجذبك لرؤية هذا الفيلم ، تظل ساعات طويلة أمام الأفلام لأن هذا الفيلم يصنعونه بطريقة معيّنة تجعل هذا الشاب ينشدّ وينجذب إلى هذا الجهاز ، من خلال هذا الفيلم يستطيعون أن يجعلوا فيه بعض القضايا التي تضل الشباب .
إذن : إقامـة هذه المخيمات لا بد أن تكون عملا في مقابل خـط الضـلال ، وذلك بالتفـكير في إدخـال هـؤلاء الشباب إلى دائرة خـط الهدى ، فالقائمون على هـذه المخيمات لا بد أن يفكروا بأن الهدف الأول من إقامة المخيمات هو هداية الشباب ، أولا هداية نفس القائمين عليها ، فالقائم على المخيم لا بد أن يكون مهتديا ، ويزداد هـدى في هـذه المخيمات ، ثم هداية الإخوة المشـاركين ولـفـت أنظـارهم إلى أهمية الدين في حياة الإنسان ، فلا بد أن يلاحظ المشتركون في المخيمات أن هذا الدين له أثر جيد في حياة الإنسان أثناء إقامتهم في البر .
في رواية عن أبي عبدالله عليه السلام قال : قال أمير المؤمنين عليـه السـلام : بعـثني رسـول الله صلى الله عليه وآلـه إلـى اليمـن وقـال لـي : " . . . لـئـن يـهـدي الله عـلـى يـديـك رجـلا خير لك مما طلعت عليه الشمس وغربت . . . " (1) .
إن هدايـة إنسان واحـد له هذا الثواب أي أفضل من الدنيا ومـا فيها ، فإذا كنت تسـتطيع من خلال هذه المخيمات أن تهدي كثيرا من الشباب بحيث يدخلون في خط الهدى في مقابل خط الضلال فإن هذا الذي يكون هاديا لهم في هذا الطريق يحصل على الثواب الكثير .
النتيجة : النقطة الأولى هي أن الهدف من إقامة هذه المخيمات هو زيادة هدى القائمين عليها ، ونفترض أنهم من المهتـديـن وإلا كيف يقومـون على هذه المخيمات ؟ ، ثم إدخال هؤلاء الشباب المشتركين إلى خط الهدى .
النقطة الثانية :
إن مثـل هذه المخيمات تُذَكِّر بخيام الإمام أبي عبدالله الحسين عليه السلام حينما ذُبحَ وسُبيَتْ نساؤه ويُتِّمَ أولاده وقُتِلَ أصحـابـه ، فتخيّلـوا أنكم الآن أصحـاب الإمام الحسين عليه السلام وأنكم تعيشون أيام كربلاء ، وبذلك تعيشون التضحية والفداء ، كأن لسان حالكم يقول : " إننا مستعدون للتضحية بأنفسنا في سبيل الله ، نحن جنود الإسلام والمدافعون عن دين الله ، نحن أنصار الحسين عليه السلام ، نحن الذين نريد أن نقاتل أعـداء الله ونرفع لـواء الإسلام " ، تستطيع أن تتخيّل أنك من أنصار الله عز وجل من خلال هذه المخيمات .
يقول الله تعالى : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّه " ، وهذا أمر ، " كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَـارُ اللَّهِ " (1) .
تستطيع أن تقول لَبَّيْكَ داعيَ الله فنحن أنصار الله ، نحن أنصار الإمام الحسين عليه السلام ، تستطيع أن تتخيّل أنك في تلك المخيمات مع إحاطة الأعداء بك .
النتيجـة : النقطـة الثـانيـة هي أنك تستطيع أن تكون من أنصار الإمام الحسين عليه السلام من خلال هذه المخيمات .
النقطة الثالثة :
وبعد أن تقولوا إنكم أنصار الإمام الحسين عليه السلام ومستعدون للتضحية في سبيل الله تقولون أيضا : " نحن بانتظارك يا صاحب الزمان عجل الله فرجك حتى نكون من أنصارك وأعوانك والذابّين عنك والمسارعين إليك في قضاء حوائجـك والمحامين عنك والمقاتلين تحت لوائك والمستشهَدين بين يديك " ، فتخيّلوا أنكم الآن في خيام الإمام المهدي عجل الله فرجه منتظرين أوامـره لنصـرة الحق والهدى ومقاتلـة خط الضلال حتى يسود العدل في هذا العالم ، وبذلك تكونون من المشاركين في تحقيق حلم الأنبياء عليهم السلام في تحقيق دولة العدالة العالمية التي تنشر العدل في كل أرجاء العالم ، وبذلك تكونون من الفائزين .
إن الإنسان بين أمرين : إما أن يكون مع الإمام المهدي عليه السلام وإمـا أن يكون ضدّه ، ولا يوجد حياد بين الأمرين لأنه لا يوجد حياد بين الحق والباطل ، ولا يستطيع أي أحد أن يقف مـوقـف الحيـاد وعـدم الانحيـاز ، في وقت الظهـور يكون الإنسان بين هـذه الأمـرين : إمـا مع وإما ضدّ ، الأمر متعلِّق بالحق والباطل ولا وسط بينهما ، سينقسم هذا العالم إلى معسكرين : معسكر الحق في جهة ، ومعسكر الباطل في جهة أخرى ، والإنسان حر في أن يختار أي معسكر يريد ، ولكن نحن لا نشك أنكم ستختارون معسكر الحق وتكونون تحت لواء الحق لمقاتلة الظلم والضلال والباطل ، في رواية عن أبي عبدالله عليه السلام قال :
" مـن مـات منكم عـلى هـذا الأمـر منتظـرا لـه كان كمن كان في فسطاط القائم عجل الله تعالى فرجه " (1) .
إذن : هذه المخيمات نستطيع أن نربطها بمخيمات الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه .
نرفـع أيديـنا بالدعـاء مـن دعـاء العهد ونقول : " اللهم إن حال بيني وبينه الموت الذي جعلته على عبادك حتما مقضيّا فأخرجني من قبري مؤتزرا كفني شاهرا سيفي مجرّدا قناتي ملبّيا دعوة الداعي في الحاضر والبادي " (1) .
النتيجـة : النقـطـة الثـالثـة هي أنكم في هـذه المخيـمـات كأنكم في معسـكر الإمـام الحسين عليه السلام وفي معسكر الإمام المهدي عجل الله فرجه وجعلنا من أنصاره وأعوانه .
النقطة الرابعة :
هناك عدة فوائد واستفادات يمكن أن نستفيدها من هذه المخيمات ، منها التخلي عن بعض الأمور الدنيوية والابتعاد عن المديـنـة ، وهـذا دليـل على أن الشخص يستطيع أن يعيش لعدة أيام بدون الوسائل الحديثة التي يستعملها يوميا ، ودليل على أن كثـيرا مـن الأشـياء التي نستعملها يوميا هي حاجات ليست ضـروريـة للإنسـان ولا تتـأثر حيـاة الإنسان بتركها ، بل على العكس يمكن استفادة هـذه الفائدة وهي أنه يمكن الاستغناء عن الأشياء غير الضرورية ، فكثير من الأشياء يستطيع أن يستغني عـنها لمدة أسبوعين ، فأنتم هنـا مـدة أسـبوعين لم تشاهـدوا التلفاز ولا لعبتم الألعاب الإلكترونية ولا ولا . . . ، لقد تركتم كثيرا من الأشياء غير الضرورية .
إن التغيير الذي يعيشه الإنسان في هذا المخيم يعطيه هذه الاسـتفادة ، فهذه المخيمات نوع من التربية للإنسان المؤمن يكتشف من خلالها هذه الفائدة ، ولكن الفائدة تتم إذا استمر الإنسان على الاستغناء في حياته عن كثير من الأشياء التي لا يحتاجـها حتى بعد الانتهاء من المخيمات ، فالإنسان يأخذ من هـذه الدنـيا مـا يحتـاجه فـقط ، ومـا يحتـاجه هـو الأشياء الضرورية ، ولكن في بيوتنا توجد كثير من الأشياء التي لا نحتاجها كضرورة من ضروريات الحياة ، فالاستفادة التي يستفيدها الشخص من المخيمات أنه يترك هذه الأشياء غير الضـروريـة ، فأصـلا لماذا يشتري الأشياء غير الضرورية ؟ ، فهو لا بـد أن يترك الأشياء التي لا يحتاجها ويأخذ منها بمقدار الضرورة .
وهذا مثل الإنسان الذي يصوم في شهر رمضان فإنه يستفيد نفـس هـذه الاستفادة حيث يظهر من صيامه أنه يمكن الاستغناء عـن بعـض الأشياء التي تعوّد عليها قبل شهر رمضان ، يأتي الشهر ويقلّل الصائم من الطعام والشراب ويترك بعض الأمور المحرّمة عليه خلال نهار شهر رمضان ، فيتعوّد خلال شهر كامل عـلى ترك هذه الأشياء ، وليس من الصحيح أن الإنسان بمجرد مـا ينـتـهي شـهـر رمـضـان يـرجع مـرة أخـرى إلى الدنـيا ، فهـو تعوّد أن يترك بعض الأشياء خلال الشهر ، وهذا الشهر يكون بـرنامجا لـه لتصحيح حياته بعد انتهاء الشهر ، فالاستفادة هي أنه يمكن أن يستغني في حياته عن بعض الأشياء .
وكذلـك مـن يـدخل إلى هـذا المخيم في هـذه المدة فإنـه إذا رجـع إلى بيتـه فيما بعـد فلا بد أن يفكر أن هذه الاستفادة تبقى معـه وأنه يمكن الاستغناء عن بعض الأشياء الدنيوية ، يتركها لأنهـا ليست ضرورية له ، فليس من الصحيح أن يرجع إلى الملهيات التي كانت تلهيه قبـل الدخول إلى المخيم ، وبعد الدخول إلى المخيم من المفـروض أن هـذه الاسـتفادات تستمر معه حتى بعد الانتهاء من المخيم ، فيترك الأشياء غير الضرورية التي لا يحتاجها الإنسـان ، ويأخـذ الضروريات التي يحتاجها ويترك غير الضروريات قربـة إلى الله تعالى ، فيحصل على ثواب ، فالإنسان إذا تـرك الشيء قربـة إلى الله فإنـه يحصـل على ثواب من الله عز وجل ، إذا ترك أمرا دنيويا فإن الله تعالى يعطيه بالمقابل ثوابا في الآخرة .
النتيجـة : النقطـة الرابعـة هي أنه يمكن للشاب أن يستفيد مـن المخيمات ، وواحدة من الاستفادات هي أن الإنسان يمكن له أن يتخلى عن الأشياء غير الضرورية في الدنيا قربة إلى الله تعالى .
النقطة الخامسة :
من فوائد المخيمات الربيعية أيضا تعلّم الالتزام والنظام ، توجد هناك برامج لهذه المخيمات ، برامج يشعر المشترك منها ببعض التقييد ، هناك أوقات للنوم وأوقات للاستيقاظ ، هناك أوقات للصلاة وأوقات للمحاضرات والدروس ، هناك برامج للترفيـه والتـسـلية وبـرامج للمسابقات ، فهذه البرامج تعلّم المشترك الالتزام بما يُفْرَض عليه ، يتعلّم النظام ، ويتعلّم أن يبرمج حياته ، وهذه الفائدة لا بد أن تبقى مع الإنسان بعد الانتهـاء مـن المخيـمات ، فإذا انتـهى المخيم ورجـع إلى بيتـه عليه أن يضع لنفسه برنامجا يلتزم به ، فيقسّم البرنامج على يومه ، ولكن أهـم شـيء لا بـد أن يجـعـله الإنسـان في برنـامجه هـو القـراءة ، شـباب اليـوم لا يقـرؤون ، فلا بـد أن يجعل الشاب القراءة ضمن برنامجه ، لا بد أن يخصّص وقتا خلال يومه للقـراءة ، لا نقول قراءة الجرائد ، الإنسان يضيّع كثيرا من وقته بقراءة الجرائد ، كثير من الشباب أول ما يذهب إلى صفحة الرياضـة ، يظـل نصف ساعة أو أكثر في قراءة صفحة الرياضة ، فأقـول للشـاب بدل تضييع الوقت بقراءة صفحة الرياضة اقرأ شـيئا آخر ينفعك ، عليكم بالقراءة واكتساب العلم ، القراءة من الوسائل المهمـة التي يسـتطيع الإنسـان مـن خلالها أن يكتسب العـلم ويتعلّم دينـه ، وبالتالي يستطيع الإنسان بعد اكتساب العلم أن يتحرك إلى الله تعالى بحركة سريعة لأن العلم وسيلة من وسائل التقرب إلى الله حيث إن العلم يعطي الإنسان البصيرة في حياته وفي حركته ، بمعنى أنه يرى الأشياء بطريقة صحيحة ، يستطيع أن يُقَيِّم الأشياء تقييما صحيحا ، فعلى الشاب أن يجعل جزءا من وقته لقراءة الكتب ، العلماء لمن يكتبون إذا لم يكن هنـاك قرّاء ، تتعلّم الدين مـن خلال القراءة ، نعم السمع وسيلة من وسائل التعلّم ، ولكن القراءة أيضا وسيلة مهمة من وسائل التعلّم ، فعليه أن يطّلع على الكتب الدينية المتوفّرة .
النتيجة : النقطة الخامسة هي أن الفائدة من هذه المخيمات هي أن الشاب يتعلّم الالتزام والنظام في هذه المخيمات ، ويستمر هذا الالتزام والنظام بعد انتهاء المخيمات بأن يضع لنفسه برنامجا معيّنا يسير عليه ، وضمن البرنامج يضع القراءة كجزء مهم من هذا البرنامج .
النقطة السادسة :
من الفوائد أيضا التعلّم على الإدارة من قِبَل المشرفين على هذه المخيمات ، فهم عندما يضعون البرنامج ويحاولون القيام بتنفيذ نقاط البرنامج والتقيّد بها يتعلمون كيفيّة الإدارة ، ويكتسبون الخبرة الإدارية التي تؤهلهم لإدارة أعمال أكبر من إدارة المخيم ، يتعلمون كيفية إدارة مسجد أو حسينية ، بل وإدارة المجتـمع ، نحن بحاجـة إلى مؤمنين قادرين على الإدارة ، وليكن في أذهان القائمين على المخيم أنهم يريدون الوصول إلى درجة أنصـار الإمـام المهدي عجـل الله فرجه ، وأنصار الإمام عجل الله فرجه هم الذين يديرون المجتمع الإيماني بعد ظهوره ، فعلى المشرفين أن يكون هذا الأمر تحت نظرهم .
وبالإضافة إلى ذلك يختار المشرفون بعض الشباب للدخول معـهم في إدارة المخـيم حتى تتكوّن لديـنـا كوادر مستقبلية تدير مثل هذه الأعمال في المستقبل ، فالإنسان لا يدوم ، وبعد ذلك يأتي مكانـه أناس آخرون يديرون هذه الأعمال ، فلا بد أن نفكر بالمسـتقـبل وأن نعـرف بأننا مسؤولون عن المستقبل ولا نفكر بأنفسنا فقط ، نريد أن نخطّط للمستقبل ، وبذلك يستمر سيل المؤمـنين الكوادر ، ولا تنقطع مثل هذه الأعمال عن المجتمع ، ونريد أن نمهِّد لظهور الإمام المهدي عجل الله فرجه بتوفير الأنصار الذين يكونون قادرين على الإدارة في المستقبل ، وبذلك يسـتمر نهـر أنصـار الحجـة عجل الله فرجه ، وهذا نوع من التمهيد لظهوره عجل الله فرجه الشريف .
النتيجة : النقطة السادسة هي اكتساب المشرفين على المخيم القدرة على الإدارة وتخريج الكوادر القادرة على الإدارة لحاجة المجتمع إليهم قبل ظهور الإمام المهدي وبعد ظهوره عجل الله فرجه .
النقطة السابعة :
توجد مسؤولية كبيرة ملقاة على عاتق القائمين على هذه المخيمات ، وهي أن يكونوا قدوة لغيرهم من المشتركين ، وهذه مسـؤولية إضافيـة عـليهم لأنهم وضـعوا أنفـسهم في هـذا الموضع ، أي موضع القـدوة والمسؤولية ، والمسؤولية تكون على حسب المكانة والموقع ، فلا بـد أن يكونوا مؤهّلين لهـذا الموقـع ، ومن لا يجد في نفسه الأهلية لإدارة هذه المخيمات فلا بد أن ينسحب ويترك المجـال للآخرين ، هو عليه أن يتمرّن حتى يصل إلى الأهلية ، فإذا لم يكن في الإدارة في هذه السنة فيمكن له أن يكون فيها في السنة القادمة ، فيترك المجال لشخص قادر على تحمّل المسؤولية ولمن تكون عـنـده الأهلية وإمكانية الإدارة لا أن يجعل نفسه في موقع القدوة ويُشَوِّه صورة هذه المخيمات ، المشتركون الصغار في السـن يكون نظرهم على القائمين وتكون أعينهم على المشرفين ، فبمجـرد مـا يرتكب المشرف خطأ معيّنا فإن هذا الصغير يتـعلّم ، مثـلا إذا كان المشـرف مـن المدخّنين فإن هذا الطفل ينظر إليه ويتعلّم منه ويبرّر فعله بأن المشرف يقوم بهذا العمل ، فعلى المشرف مسؤولية إضافية ، وعليه أن يترك الصفات السيئة والعادات السيئة التي من الممكن أن يتعلمها الصغير ، على المشرف أن يكون حَذِرًا في تصرفاته ، ويراقب أفعاله وسلوكه ، نريد من القائمين أن تكون عندهم روح القدوة والإحساس بالمسؤولية .
من العادات السيئة كثرة المزاح ، فإذا كان المشرف يمزح كثـيرا مع الآخرين فهذا الطفل يتعلم المزاح الذي لا داعي له ، نـعم أحيـانـا قـد يتكلم الشـخص بطـرفة مـن أجـل إضحاك الآخرين ، ولكن لا تكون حياته قائمة على المزاح ، فلا بد أن يلتفت المشـرف إلى ذلك ، والناس على دين ملوكهم والقائمين على أمورهم .
وكذلك من الأمور المهمة هي أن المسؤول يكون ملتزما بالبرنامج ، هو أولا يقوم لصلاة الصبح حتى يتعلم المشتركون هـذه الصفـة مـنـه ، إذا كان هو نائما والصغار يقومون لصلاة الليل فكيف يكون مسؤولا ؟! ، المسؤول هو المشرف وهو الذي يـنظّم المكان والـذي يكون قـائما مسـتيقظا قبـل الآخـرين ، هو الذي تكون لـه الصّدارة في جميع الأمور ، هـذا المسؤول لا بد أولا أن يلتزم بالبرنامج الموجود في هذه المخيمات ثم يطلب من الآخرين الالتزام ، لا بد أن يكون قدوة للآخرين ، لا نريد أن ننتج من هذه المخيمات نتائج سلبية ، نريد أن نصل إلى النتائج الإيجابية من هذه المخيمات .
والهدف هو أن نعلّم هؤلاء الشباب النتائج الجيدة وإلا فإن إقامة هـذه المخيمات تكون خـلاف الغرض والهدف من إقامتها ، فيكون عـدم إقامة هذه المخيمات أفضل من إقامتها إذا كنّا نعلّم هؤلاء الشباب العادات السيئة .
هذه هي بعض الفوائد التي يمكن استفادتها من هذه المخيمات التي من المفروض أن تكون مخيمات إيمانية تعلّم الإنسان الإيمان والهدى ، ولكن تحقيق هذه الفوائد بحاجة إلى همّة وعمل وعزم وحزم حتى يمكن الوصول إلى تحقيق هذه الفوائد .
وفي الختام وفقنا الله وإياكم لما فيه خير الإسلام والمسلمين والوصول إلى تحقيق هذه الأهداف التي نريدها من خلال هذه المخيمات .
والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا أبي القاسم محمد وآله الطيبين الطاهرين .
بحـث الشـاب المؤمـن عـن الحـق (1)
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا أبي القاسم محمد وآله الطيبين الطاهرين .
أوجّه الحديث اليوم إلى الشباب المؤمن في هذا المخيم ، الشـاب بمجرد أن يبلغ أي يصـل إلى خمس عشرة سنة قمرية من عـمره أو تظهر عـليه علامات البلوغ مثل ظهور الشارب واللحية ، الـشـاب بمجرد أن يبـلغ يبـدأ عليه التكليف الشرعي ، فالله سبحانه وتعالى يبدأ حسابه للشاب من هذا العمر ، قبل هذا العمر لا يكون الإنسـان مُكَلَّفًا ، بالطبـع إذا بلغ الشاب قبل خمس عشرة سنة من عمره يبدأ الحساب عليه أيضا ، في هذه المرحلة يكون الشاب قد دخل مرحلة الرجولة ، فيجب أن تظهر عليه عـلامات الرجولة ، تبدأ عليه المسؤولية ، وأول مسؤولية على الشاب أن يختار الطريق الصحيح .
إن الشاب إذا كان مولودا من أبوين شيعيين يصير شيعيا بالوراثـة ، وإذا كان مولـودا مـن أبـوين سـنيين يصـير سـنيا بالوراثـة ، وإذا كان مـولودا مـن أبوين كافرين يصير كافرا بالوراثة ، ولكن ليس من الصحيح أن يرث الإنسان عقائده من أبـويـه ، فالشـاب إذا بلـغ يجب عـليه أن يبدأ رحلة البحث عن الحق .
يبدأ بسؤال نفسه : أي دين أختار ؟ وأي طريق أسلك ؟ ، لـيـس لمجـرد أن يكون أبي شـيعيا فـلا بـد أن أكون شيعيا ، لا بد أن يـسـأل : لماذا أبي شـيعي ؟ ولماذا صـديقي سـني ؟ ، فتبدأ رحلـة البـحث عـن طريق الحق ، يسأل : أي طريق يريده الله تعالى ؟ لماذا أعتقد أن علي بن أبي طالب إمام معصوم ؟
هذه الأسئلة لا بد أن تخطر في ذهن الشاب حتى إذا اختار طريق الحق يكون قد اختاره عن قناعة ، فيبدأ بهذه الأسئلة لأنه يريد أن يراجع المعتقدات الموجودة عنده والتي ورثها من أبويه ومن أجداده ، لماذا أصلي بهذه الطريقة ؟ لماذا أصوم في شهر رمضان ؟ لماذا أحج إلى بيت الله الحرام ؟ ، إلى آخر هذه الأسئلـة التي تخطر في ذهن الشـاب بمجرد ما يبلغ ، لماذا أعتقد بوجود الله سبحانه ؟ ، يقولـون إن هناك رسولا اسمه محمد صـلى الله عـليه وآلـه فهـل هـو حقيقـة موجود أو أنه أسطورة من الأساطير ؟ ، فتبدأ رحلـة البحث عـند هـذا الشاب ، يبدأ بالتساؤل : أي طريق هو طريق الحق ؟
هذه التساؤلات يذهب بها إلى أئمة المساجد وإلى أبيه وإلى أصدقائـه ويطلب الدليـل على إجاباتهم ، فما هو الدليل على أن علي بن أبي طالب هو الإمام بعد الرسول صلى الله عليه وآله حتى يقتنع بالجواب عن طريق الدليل ؟ ، وبعد ذلك يتخذ هذه العقـيـدة بحيث تصبح راسـخة لا تتزلزل ، لا بمجرد أن تطرح عليه شبهة يترك هذا الشيعي مذهب أهل البيت عليهم السلام ويذهـب إلى المذاهـب الأخـرى لأنـه لم يتسـاءل ولم يعتقد عن قنـاعـة ولأنـه ورث العقيـدة عـن أبويـه ، فعقيدتـه تكون متزلزلة غير راسخة ، ولا بد أن ينقل هذه التساؤلات إلى من يستطيع أن يجيبه ، إذا كان أبوه مطّلعا عارفا يستطيع أن يجيب على هذا الشاب ، وأول سؤال هو : لماذا علي بن أبي طالب هو الإمام بعد الرسول صلى الله عليه وآله ؟ من يقول إن الإمام المهدي عليه السـلام حي الآن ؟ ومـا هـو الدليـل عـلى ذلـك ؟ ، قد يقول الشـاب : " لا أدري " ، فيبدأ البحث عن الجواب مع الدليل .
يسـأل : هـل الله موجـود أو لا ؟ ، فيحصل على الجواب التالي وهو : أن كل مصنوع لا بد له من صانع ، يرى الشيء المرمي عـلى الأرض فيتسـاءل : مـن الـذي رمـاه ؟ ، فكل شـيء لا بـد لـه مـن صـانـع ، ويـتـسـاءل : مـن الـذي خـلق السـماوات والأرض ؟ ، والجـواب هـو : أن هناك قوة خلقت السماوات والأرض ، وهذه القوة يطلق عليها اسم " الله " عز وجل ، وفي اللغات الأخرى يطلقون على هذه القوة اسما آخر ، ففي اللغة الإنجليزية لهم كلمة ، وفي اللغة الفرنسية لهم كلمة ، المهم أن هناك قـوة هي التي خـلقت السمـاوات والأرض ، فيـصـيـر عـنـد الشـاب اعتقاد بهذا الأصل من أصول الدين وهو أصل التوحيد ، ويكون الاعتقـاد عـن قـناعة ، ولـو أتى شـخص وسـألك : لماذا تؤمـن بوجـود الله ؟ ، فالجواب سـهل وهـو أنـه يوجـد دليل وهو : أن لكل مصنوع صانعا ولكل مخلوق خالقا .
ويسأل : ما هو الدليل على النبوة ؟ ، نسمع أن هناك أنبياء فمـا هـو الدليـل عـلى نبـوّتهم ؟ ، والجواب بسيط هو : أن الله خلق هذا الخلق ، ومن المستحيل أن يتركهم جهلاء لا يعلمون ، فيبعث إليهم الأنبيـاء عـليهم السلام أسـاتذة لتعليمهم ، فالأنبياء عليهم السلام جاؤوا لتعليم البشر لأن البشر لا يعلمون ، فصار عندنا الاعتقاد بالأصل الثاني من أصول الدين وهو أصل النبوة .
ويسأل : ما هو الدليل على الإمامة ؟ ، والجواب هو : أن النبي صلى الله عليه وآله هو خاتم الأنبياء ، فهل نحتاج إلى أشـخـاص يـقـومـون بتـعـليم البـشـر بـعـد النـبي صـلى الله عـليـه وآلـه ؟ ، نعم الناس يحتاجون لأن هناك أسئلة لا يستطيع أن يجيب عليها إلا الإمام ، وغير الإمام لا يستطيع أن يجيب على بعض الأسئلة على أقل التقادير ، فنحتاج إلى من يقوم بتعليم البشر بعد النبي صلى الله عليه وآله لأنه خاتم الأنبياء ، فصار عندنا الدليل على الإمامة .
وإذا كان هذا هو الدليل على وجود الإمام بعد النبي صلى الله عليه وآله فنسأل : لماذا علي بن أبي طالب عليه السلام هو الإمام لأنه يمكن أن يكون شخص آخر هو الإمام كما يقول أصحاب المذاهب الأخرى الذين يقولون بوجود خلفاء بعد النبي صلى الله عليه وآله ؟
وهنا نراجع الروايات ، نحن متفقون معهم على وجود إمام بعـد النـبي صـلى الله عليـه وآلـه ، لا يوجـد اختلاف بيننا على هـذه المسألـة ، ولكن الاختـلاف بيننـا في تـعيين شخص الإمام ، مـن هـو الإمـام بعـد النبي صـلى الله عليه وآله ؟ ، هم يقولون : مـن هـو الخليفة بعد النبي صلى الله عليه وآله ؟ ، ولنقل ذلك ، فنسـأل : هـل النبي صـلى الله عـليه وآله يعيّن هذا الإمام والخليفة للناس أو أنه يتركهم ليختاروا من يريدون ؟
فيأتي الجواب بكل سهولة أنه لا بد من أن يعيّن النبي صلى الله عليه وآله هذا الإمام والخليفة ، ولا يترك الإمام لاختيار الناس لأن الناس يخطئون ، فيمكن أن يختاروا شخصا آخر ، فيأتي النبي صلى الله عليه وآله ويعيّن الإمام الذي يأتي بعده .
ويأتي السـؤال التـالي : ومـا هـو الدليل عـلى تعيين علي ابن أبي طالب عـليه السلام كإمـام ؟ ، وللحصول على الجواب نراجع كتب المسلمين سنة وشيعة ، ونجد حديث الغدير ، هذا الحديث من الأحاديث المتواترة التي رواها مائة وعشرة من صحابة النبي صلى الله عليه وآله نقلا عن كتب أهل السنة ، منهم أبو بكر وعمر بن الخطاب وخالد بن الوليد وغيرهم من الصحابة الكبار المعروفين (1) .
وتعرفون حديث الغدير حيث رفع رسول الله صلى الله عليه وآلـه يـد علي بن أبي طالب عليه السلام وسأل صلى الله عليه وآلـه الناس قائلا : " ألست أولى بكم من أنفسكم ؟ " . قالوا : بلى يا رسـول الله ! . فقال صلى الله عليه وآله : " من كنت مـولاه فعـلي مـولاه ، اللهم والِ مـن والاه ، وعـادِ مـن عاداه ، وانصر من نصره ، واخذل من خذله " (2) .
وكان أول ســؤال مـن رسـول الله صـلى الله عـليه وآلـه للمسلمين : " ألست أولى بكم من أنفسكم ؟ " ، يعني أنا مُقَدَّم عليكم وأولى بالتصرف بكم من أنفسكم ، والله تعالى يقول في كتابـه الكريم : " النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ " (1) ، ثم قـال النـبي صلى الله عليه وآله : " من كنت مولاه فعلي مولاه " .
فيكون المعنى أن علي بن أبي طالب عليه السلام أولى بالتصرف بالمؤمنين من أنفسهم ، ومعنى ذلك أنه يكون إماما عليهم ، ويكون مُقَدَّما عليهم ، فصار عندنا دليل على تعيين شخص الإمام بعد رسول الله صلى الله عليه وآله .
ويأتي السؤال التالي : ومن يقول إنه يوجد اثنا عشر إماما بعد النبي صلى الله عليه وآله ؟
هناك بعض المذاهب من الشيعة يقولون بوجود ستة أئمة أو سـبعة أئمـة ، وهناك مـن يقـف على الإمـام الصـادق عليه السلام أو على الإمام الكاظم عليه السلام ، فما هو الدليل على وجود اثني عشر إماما بعد النبي صلى الله عليه وآله ؟
نرجع إلى الروايات ، روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قـال بـمـا مـعـنـاه : " يكون بـعدي اثنا عشر إماما " أو " أميرا " أو " خليفة كلهم من قريش " (1) ، ومعني ذلك أن العدد متّفق عليه بين الفريقين سنة وشيعة ، وهذا هو الدليل على وجود اثني عشر إماما بعد النبي صلى الله عليه وآله .
ويأتي السؤال التالي : ومن يقول إن الإمام الحسن عليه السلام هو الإمام بعد الإمام علي عليه السلام ؟
في الجواب يـقـال إن الإمـام السابق يعيِّن الإمام اللاحق ، وأكثر مـن هـذا ، يوجد دليل من كتب أهل السنة على تعيين أسماء الأئمة عليهم السلام ، يوجد كتاب باسم " ينابيع المودة لذوي القربى " ، ومؤلفه الشيخ سليمان بن إبراهيم القندوزي الحنفي ( 1220 - 1294 هـ ) (2) حيث يروي أسماء الأئمـة عـليهم السـلام بالتـرتيب (1) ، وهـذا الحـديث مـن كـتـب أهـل السـنة ، فصار عندنا الدليل على وجود اثني عشر إماما بأسمائهم ، وهذا هو الدليل على أصل الإمامة .
ثم نسأل هذا السؤال : ومن يقول إنه يوجد يوم قيامة ؟ ، والجواب أيضا بسيط ، هل الخالق يكون عادلا أو ظالما ؟ ، حتما الله عـادل لا يظـلم ، هـذا الخالق لا بـد أن يكـون عـادلا ، لا يحتـاج إلى أن يظـلم لأنـه القـوي والنـاس هم الضعفاء ، فلا يحتاج إلى أن يظلمهم ، وفي الدعاء عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال :
" وإنما يحتـاج إلى الظلم الضعيف وقد تعاليت عن ذلك سـيّدي علوّا كبيرا " (1) .
القوي لا يحتاج إلى الظلم ، فإذا كان الله عادلا غير ظالم وأنـتـم تـرون أن هـنـاك أنـاسـا صـالحـون وآخـرين منحرفون فاسقون ، فإذا كان الخالق عادلا فهل يجعل مصير الإنسان الصالح مثل مصير الإنسان المنحرف ؟
الجواب هـو : " لا " ، إذن لا بد من وجود يوم لمحاسبة الناس ، الإنسان الصالح يأخذ جزاءه ويعيش في نعيم وسعادة ، والإنـسـان المنـحـرف لا بـد أن يأخـذ جـزاءه ويكـون في شـقاء وعذاب ، فلا بد من وجود يوم لمحاسبة الناس ، ونسمّيه يوم المعاد أو يوم القيامة أو يوم الجزاء .
إذن : نرى أن الأدلة قد قامت على أصول الدين الخمسة ، وهذه هي الأدلة المختلفة عرضناها بصورة مختصرة جدا .
وهكذا يعتقـد الشـاب بأصـول الديـن عن قناعة عن طريق الدليـل اعتقـادا راسـخا لا يـتزلزل حتى لو سمع كثيرا من الشبهات ، ولا بد أن العقائد عند الإنسان لا تكون موروثة ، بل يأخـذ هـذه العقـائد باقتنـاع حتى نسـميها عقيدة ، فالعقائد الموروثـة لا تسمى عقائد ، العقيدة معناها أن القلب يعقد عليها ، كأنك تربط حبـلا عـلى هـذه العقيدة ، فيقتنع الشاب بأصول الدين بواسطة الدليل .
ثم يأتي السؤال التالي :
مـا هـي الأدلـة عـلى فـروع الديـن ؟
والدليل بسيط أيضا ، الله الذي خلق الخلق هل يطلب منهم بعض الأشياء أو لا يطلب ؟
حتما سوف يطلب منهم ، فطلب منهم أشياء معيَّنة ، منها الصـلاة بطريقة معيَّنـة ، والصيام بطريقة معيَّنة ، والحج بطريقة معيَّنـة ، قد يقال إننا لا نحتاج إلى طريقة معيَّنة ، ومعنى ذلك أنه توجد طريقة أخرى ، والطريقة الأخرى تكون أيضا طريقة معيَّنة ، فلا بد من وجود طريقة معيَّنة ، فجاءت العبادات ، وجاءت فروع الدين المختلفة من صلاة وصيام وحج وغيرها .
وهكذا صار عندنا أصول دين عن قناعة ، وفروع دين عن قناعـة ، والشـاب إذا عـرف هـذه الأصـول وهذه الفروع بقوة وقناعة واعتقاد فإن هذا الشاب حتما سيكون من الصالحين ولن ينحرف ، وإذا رأى إنسـانا مـنحرفا فإنـه يشمئز منه ، وإذا رأى في المدرسة شابا منحرفا فإنه يشمئز منه لأن الشاب المنحرف عـبارة عن شـاب ضائع ليس له هدف ، والشاب المؤمن يعيش هدفا معيَّنا ، يريد أن يصل إلى يوم القيامة ويدخل إلى جنة الله تعالى ، لا يريد أن يُحْشَر مع ذاك الشاب المنحرف إلى عذاب جهنم والعيـاذ بالله ، الشـاب المؤمـن لا يعـيش بـلا أهداف ، الشاب المؤمن لا يقول عندي وقت فراغ لا أدري ماذا أفعل به ، الشاب المؤمن عنده أهداف يريد أن يحقِّقها ، يريد أن يصل إلى أهـدافـه حتى في الدنيا ، يسأل نفسه : لماذا الآخرون يحصلون على شهادات وأنا لا أحصل عليها ؟ لماذا الآخرون يدخلون إلى الجامعة وأنا لا أدخل ؟
يأخـذ الشـهادة لخدمة الناس وخدمة المؤمنين ، إذا صار طبيبا يخدم المؤمنين ، وإذا صار مهندسا يخدم المؤمنين ، في موقعه يستطيع أن يخدم المؤمنين ، فالشاب المؤمن لا يعيش بلا أهـداف ، الإنسان المنحرف يعيش بلا هدف ، هدفه فقط أن يتمتّع في هـذه الدنيـا حتى لـو كان عن طريق الحرام ، ولكن الشاب المؤمن لا يكون كذلك ، الشاب الذي يعتقد بوجود الله وبوجود النبي وبوجود الإمام وبوجود يوم الحساب هذا الشاب لا يكون شابا ضائعا بلا هدف ، لا ينجرّ خلف شهواته ، الصلاة يصلّيها في وقتها ، العبادات يؤدّيها في وقتها ولا سيّما صلاة الصـبح ، الشاب إذا كان مؤمنا يستيقظ لصلاة الصبح إذا لم تكن هنـاك موانـع ، نعم قد لا يستيقظ لعدم انتباهه حتى مع وضع جـرس السـاعة ، ولكن لا يتعمّـد تـرك الصلاة ، يحب الصـلاة ويحب أن يؤديها في وقتها ، الصلاة مواقيت للناس ، وهـذا الوقـت يلـتزم بـه الشاب المؤمن ، لا يترك عباداته ، ولا يؤجِّل الصلاة لغير سبب .
إذن : تعتقـد بـهـذه العقائـد الموجـودة عـندنا عـن طريق القناعة ، الشيعي لا يخاف من مناقشة الآخرين ، المذاهب الأخـرى تحرِّم المناقشـة حتى في أصـول الدين ، يقولـون لأتباعـهم لا تـناقـشـوا الشـيعي لأنـه يغـلبكم ، وهـذا يحـدث لأن الشيعي اعتقـد عن قناعة ، وأما الآخرون قد تكون عقائدهم موروثة ، فيحذِّرون أتباعـهم مـن مناقـشة الشـيعي لأنـه يغلبهم في النقاش ، ابتعدوا عن الشـيعي لأن الشـيعي يعتقـد بقناعة ، وعنده أدلة على كل شيء ، وحديث الآخرين يكون دائما عن الإمامة .
يقولـون لماذا تعتقـدون بالإمام عـلي عليه السلام ؟ وما هو الدليل على أنه خليفة بعد النبي صلى الله عليه وآله ؟ ولماذا تقولون أشهد أن عليّا ولي الله ؟
والجواب يوجد عند الشيعي ، والشيعي الذي يكون من أتباع أهل البيت عليهم السلام يأتي بالأجوبة من القرآن كما علّمهم أئمتهم عليهم السلام .
يقول الله تعالى : " أَلاَ إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ " (1) .
فالمؤمن المتقي يكون وليّا من أولياء الله ، والإمام علي عليه السلام باتفاق الفريقين من الشيعة والسنة كان بلا شك مؤمنا متّقيا ، فيكون عليه السلام وليّا من أولياء الله تعالى .
وهكذا نرى أنـه توجـد أدلـة على كل شيء يطرحه الشيعة إما من القرآن الكريم وإما من الروايات الشريفة ، وكثير من الروايات التي تثبت عقائد الشيعة موجودة في كتب أهل السنة .
والشاب عليه أن يسأل وأن يَطَّلِع وأن يقرأ ، والقراءة مهمّة جدّا للشاب ، وأتعجّب من الشاب الذي لا يقرأ ، لا أقول قراءة الجرائد فقط ، وأتعجّب من الشاب الذي لا يتعلّم دينه ، هناك بعض الكتب المبسَّطة في العقائد وأصول الدين ، والكتب المبسَّطة في فروع الدين ، الشاب عليه أن يتعلّم المسائل الشرعية ، وهذا واجب عليه بمجرّد ما يبلغ ، فالشباب عليهم أن يتّجهوا إلى القراءة ، هناك بعض المؤلفين كتبوا في المسائل الخلافية بين السنة والشيعة ، وبيّنوا الأدلة عليها ، ولو كان الشاب يطّلع على هذه الأدلة ما كان ينحرف ، لماذا بعض الشباب الذين يتسمّون بالشيعة يكونون منحرفين ؟
اسمـه شـيعي ولكنـه منحرف ، وهـذا الاسم لا يُدْخِلُه إلى الجنـة ، لا يظن بأنـه إذا كان اسمه " شـيعي " فإنه سيدخل الجنـة بلا حساب ، هناك حساب شديد له .
في رواية عن الإمام الباقر عليه السلام أنه قال : " . . . فوالله ما شيعتنا إلا من اتقى الله وأطاعه . . . " (1) .
الشـيـعي لا بـد أن يكون متّقيـا مطيعـا لله ، فإذا لم يكن مطـيعا لله فهذا ليس بشيعي ، اسمه فقط شيعي ، ماركة كالماركات التجاريـة ، واسم الشيعي لا يعطيه أي نتيجة لأن الله عز وجل في يوم القيامة يكشف عن قلب هذا الإنسان فيرى العقائد الموجودة في قلبه ، فإذا كان الإنسان شيعيا بالاسم وكان منحرفا فإن مصيره إلى جهنم ولا يدخل إلى الجنة .
يقول الإمام الصادق عليه السلام : " معاشر الشيعة ! كونوا زينا لنا ، ولا تكونوا علينا شينا " (2) .
هذا المنحرف يقال عنه إنه شيعي ولكنه يشوّه التشيع ، فإذا أردنـا أن نكون زينـا للأئمـة عـليهم السلام ونشرِّفهم ونظهر التشيّع بصورة صحيحة فعلينا أن نلتزم بأقوالهم ونعمل بها .
وفي رواية عن الإمام الصادق عليه السلام أنه أوصى بعض شيعته فقال لهم : " كونوا لنا دعاة صامتين " (1) .
ومعنى الرواية أنه أيها الإنسان الشيعي بتصرفاتك تظهر التشيّع ، تكون صالحا بين الناس ومعروفا بينهم بصلاحك .
إذن : الإنسان الشيعي لا بد أن يعتقد بالعقائد عن قناعة ، ويطبّق هـذه العقائـد مـن أصـول الديـن ، ويطبّق فروع الدين ويلتزم بها حتى يكون إنسانا مؤمنا صالحا ، فاسأل أولا واقتنع وبعد ذلك اعتقد حتى تكون العقيدة راسخة لا تتزلزل ولا تزول بسهولة .
والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا أبي القاسم محمد وآله الطيبين الطاهرين .
الـقـدوة (1)
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا أبي القاسم محمد وآله الطيبين الطاهرين .
في البداية أسأل السؤال التالي :
ما معنى القدوة ؟
الجواب :
إن الشخص الذي تريد أن تقلِّده وأن تكون مثله بحيث تكون صـورة مـنـه ، ويقـول الناس عنك إنك مثل فلان ، وتحاول أن تصل إلى منـزلته ، هذا الشخص الذي يكون بهذه المواصفات يعتبر بالنسـبة لهـذا الإنسـان قدوة ، أي يقتدي به ويحاول أن يكون مثله وصورة عنه .
السؤال الثاني : لماذا يحتاج الإنسان إلى القدوة ؟
الجواب :
الإنسان بطبيعته ينظر دائما إلى الشخص الذي يكون أعلى منـه ، ويحاول دائمـا أن يصعـد في الدرجات ، فإذا حاول أن يصعـد ينظـر دائـما إلى الأعـلى لـيرى مـن يوجد هناك ، فيقول : " أريد أن أصير مثل فلان " ، حتى في الأمور الدنيوية الإنسان الـذي يحاول أن يحصـل عـلى شهادة يقول : " أريد أن أكون دكتورا مثل فلان " أو " مهندسا مثل فلان " ، فالإنسان يكون دائـما في حركـة تصاعـدية ، طبعـا في نظـره الخـاص أنـه في تصاعـد ، وفي الواقع قد يكون في تسافل ، ففي نظره أن هذه المكانة وهذه الدرجة تعتبر تصاعدا بالنسبة له ، وكذا من ينظر إلى الأعلى ويـقـول : " أريد أن أكون مثل فلان " ، فطبيعة الإنـسان هي أنه يحاول دائما أن يتدرج في الدرجات حتى يصل إلى المنـزلة التي يتمناها ، فيرى شخصا معيّنا على رأس هذه الدرجة ، ويقول : " أريد أن أصير مثله " ، وإذا صار مثل فلان فعـينه تكون أيضـا إلى الأعلى ويحاول أن يصعد أكثر ، فيتخذ قدوة ثانية ويحاول أن يصير مثله ، وتدريجيا كلما صعد الإنسان إلـى درجــة يحـاول أن يــرى مــن هـو أعـلـى مـنـه درجـة ، ويـقـول : " أريـد أن أكـون مـثـلـه " ، وهكـذا الإنسـان ينظـر دائـما إلى القـدوة ، والقـدوة تـارة يكـون في الناحـيـة الإيجابية كالإنسان المؤمن ، وتارة أخرى يكون في الناحية السلبية ، فالإنسان ينظر إلى الغني الفلاني مثلا ويحاول أن يكون غنيا مثله .
إذن : الإنسان يوجد في طبيعته وفطرته اتخاذ القدوة ، ويحاول أن يكون مثل بعض الناس ويحاول أن يصل إلى مكانة هـؤلاء ، قد يكون القدوة شخص أو مجموعة ، فالحاجة إلى القـدوة حـاجـة طبيعيـة ، والإنسان بفطرته يحتاج إلى من يقتدي به ويكون مثله .
السؤال الثالث : من هو قدوة الإنسان المؤمن ؟
الجواب :
إن الإنـسـان الـدنـيـوي يتّخـذ قـدوة دنيـويـة يحـاول أن يكون مثـله ، حتى الإنسان المنحرف توجد في ذهنه صورة معينة تمثّل القدوة بالنسبة له ، ويريد أن يكون في انحرافه مثل ذلك المنحـرف الفاسـق ، فهو يتخذ لنفسه صديقا منحرفا يريد أن يكون مـثـلـه ، والإنسـان المؤمن يتّخذ صديقا مؤمنا ، ويريد أن يكون مثـل هـذا الصديق ، فالإنسان يتخذ دائما قدوة ، والقدوة قد يكون قدوة فاسدة وقد يكون قدوة صالحة .
وقـدوة الإنسـان المؤمـن هـو رسـول الله صلى الله عليه وآله ، وفـي روايـة في نـهـج البـلاغـة يـقـول أمـيـر المـؤمـنـين عـليه السـلام : " ولقد كان في رسول الله كافٍ لك في الأسوة ، فَتَأسَّ بنبيّك الأطـهـر الأطـيـب صـلى الله عـلـيـه وآلـه فـإن فـيه أسـوة لمن تـأسَّى . . . وأحبّ العباد إلى الله تعالى المتأسِّي بنبيّه صلى الله عليه وآله والمقتصّ لأثره . . . " (1) .
إذن : قـدوة الإنـسان المؤمن هـو رسول الله صلى الله عليه وآله ، يقول الله تعالى في كتابه الكريم : " لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً " (2) .
سؤال : هل النبي صلى الله عليه وآله يقتدي بأحد أو لا يقتدي ؟
الجواب :
النـبي صـلى الله عـليه وآلـه يقتـدي بالله عـز وجل ، ويقـول الله تعالى له متحدثا عن الأنبياء عليهم السلام : " أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ " (3) .
هـذا خـطـاب للنبي صلى الله عـليه وآلـه ، والله عز وجل يطـلب منه الاقتداء بهدى الأنبياء السابقين عليهم السلام ، فالأنبياء السابقون عليهم السلام كانوا مهتدين ، ورسول الله صلى الله عليه وآله يقتدي بهداهم ، والمطلوب من الإنسان أن يقتدي بالمهتدين ، ولا يقتدي بغير المهتدين .
سـؤال : وبعـد النبي صلى الله عليه وآلـه من هو القدوة للإنسان المؤمن ؟
الجواب :
القدوة هم أهل البيت عليهم السلام ، وفي رواية عن الإمام الكاظم عليه السلام قال : " ولي برسول الله أسوة ، وبأمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين ، . . . " (1) .
إن الإمام اللاحق يكون الإمام السابق بالنسبة له أسوة ، فيقتدي به ، وعن رسول الله صلى الله عليه وآله قال : " أهل بـيـتي يـفـرقـون بـين الحـق والبـاطـل ، وهم الأئمـة الذين يُقْتَدَى بهم " (2) .
فأهـل البيت عـليهم السـلام بعد رسول الله صلى الله عليه وآله هم الذين يكونون قدوة ، وهم الذين يفرقون بين الحق والباطـل ، وهم الطريق الذي إذا سلكه الإنسان كان مهتديا ومتّبعـا للحـق ، وإذا لم يسـلك طـريقـهم يكـون ضـالا ومتّبعـا للباطـل .
وكلمـة " القدوة " قد تطرح بمصطلح آخر ، وهو " المثل الأعلى " ، فالإنـسـان الذي يتّخـذ مثـلا أعلى هذا المثل الأعلى يكون قدوة لـه ، وبنفس التعبير أهل البيت عليهم السلام يكونون القدوة ، كذلك يكونون المثل الأعلى للإنسان المؤمن .
في روايـة عـن النبي صلى الله عليه وآله قال : " إنّا أهل البيت . . . فنحن كلمـة التقوى ، وسبيل الهدى ، والمثل الأعلى ، والحجة العظمى ، والعروة الوثقى " (1) .
وفي روايـة عنه صلى الله عليه وآله قال : " يا علي ! أنت حجة الله ، وأنت باب الله ، وأنت الطريق إلى الله ، وأنت النبأ العظيم ، وأنت الصراط المستقيم ، وأنت المثل الأعلى " (2) .
إذن : أهل البيت عليهم السلام هم القدوة والمثل الأعلى للإنسان المؤمن .
ويحثّ القـرآن الكريم عـلى اتّخـاذ الأنبيـاء عـليهم السلام قـدوة ، يقول الله تعالى : " قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّـذِينَ مَـعَـهُ إِذْ قَـالُـوا لِقَوْمـِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْـكُمْ وَمِمَّـا تَعْبُـدُونَ مِـنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ " (1) .
كذلك نحن ننظر إلى الأنبياء السابقين عليهم السلام ، سيدنا إبراهيم عليه السلام أبو الأنبياء يُعْتَبَر مثلا أعلى لنا ، ننظر إليه ونقتدي به ، فكما أنه قال لقومه : " إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ " ؛ كذلك نحن أيضا نتمثّل بهم ، فإذا رأيـنــا مـن لا يـؤمـن بـالله حـتى لـو كـان مـن أقـربـائنـا نقـول لـه : " نحن برآء منك " ، فنحن نتبرّأ من الذين كفروا .
سـؤال : كيف نتّخـذ أهل البيت عليهم السلام قدوة لنا ؟ هل يكفي أن يـقـول الإنسان إنـه يقتدي بأهل البيت عليهم السلام ولكن عـندما ننظـر إلى أعمالـه نجـد أنـه بعيد عنهم عليهم السلام ؟
الجواب :
لا يكفي أن يقول الشخص بلسانه : " أنا أتّبع أهل البيت عليهم السلام ، وأنا من أتباعهم وشيعتهم " ، ولكن من ناحية عمليـة إذا نظرنـا إليـه فإنـه قـد لا يكون مقتديـا بهم عليهم السلام ، فلا يكفي أن يقول الإنسان بلسانه إنه متّبع لأهل البيت عليهم السلام ، بل لا بد أن يعبّر من ناحية عملية عن الاتّباع والاقتداء ، فلا يكفي أن يقول الإنسان إنه شيعي ، ولكن عندما نـنـظـر إلى أعـمالـه فإنـه قـد لا يتعامـل مـع الناس بالحسـنى ، مـثـلا يكون لسـانـه متـعوِّدا عـلى الشتيمـة ويسـتعمل الكلمات القبيحـة ، وفي تعامله مع الناس لا يتعامل بالأخلاق ، ولا يهتم بصلاتـه في أول الوقت ، ولا يهتم بعباداتـه ، ولا يهتم بأوامر الله تعالى ، ففي الواقع مثل هذا الإنسان لا يكون متّبعا لأهل البيت عليهم السلام .
إن الاتّباع القولي اتّباع كلامي لا يقدّم ولا يؤخر ، وإنما الإنسـان الشيعي هو الذي يكون متّبعا لأهل البيت عليهم السلام بأفعاله .
في رواية عن الإمام علي بن الحسين زين العابدين عليهما السـلام قـال : " . . . ألا وإن أبغـض الناس إلى الله عز وجل من يقتدي بسنة إمام ولا يقتدي بأعماله " (1) .
إذن : من يقول بلسانه : " أنا أقتدي بسنة أهل البيت عليهم السلام " ، ولكن من ناحية عملية لا يقتدي بسنتهم فهذا من أبغض الناس إلى الله عز وجل ، والذي لا يعبِّر بأعماله عن تـشيّعه فإن الله تعالى يبغـضه ، ويكون مكروها مبغوضا عند الله عز وجل ، ويوم القيامـة يحاسـبه الله على أنه لم يقتدِ بأعمال أهـل البيت عـليهم السلام ، فلا بد أن يهتم الإنسان بأن يكون مـن ناحيـة عملية متّبعا لأهل البيت عليهم السلام ، الإنسان المؤمـن لا يقـول بلسانـه فقـط : " أنـا مقـتدي وأنـا مهتدي " ، بل لا بد أن يظهر هذا الاقتداء والاهتداء على أعماله وسلوكه وتصرفاته العملية حتى نقول إن هذا الإنسان هو فعلا مؤمن يُشَرِّف أهل البيت عليهم السلام ، أهل البيت عليهم السلام ينظـرون إلى الشـيعي الـذي يعبّـر عـنهم بأعـمالـه وسلوكه وتصرفاتـه ، فإذا لم يعبّر عـن أهـل البيت عليهم السلام بأعماله فإنه يكون مبغوضا عند الله سبحانه ، ومن يكون مبغوضا عند الله فحسابه عسير ، والله عندما يبغض شخصا فمصيره يكون إلى النار ـــ والعياذ بالله ـــ ، والإنسان الذي يكون مبغوضا عند الله لا يدخل الجنة ، إذا كان الله عز وجل يبغضه فكيف يدخل إلى الجنة ؟!
مثلا إذا كنت لا تحب شخصا فلا تحب أن يكون في بيتك ، بنفس الطريقة أبغض الناس إلى الله من يقول إنه يقتدي بأهل البيت عليهم السلام ، ولكنه من ناحية عملية لا يقتدي بهداهم ولا يهتدي بسيرتهم وسنتهم .
سؤال : هل يمكن للإنسان المؤمن أن يكون قدوة للآخرين ؟
الجواب :
نعم يمكن ذلك ، المؤمـن يسـتطيع أن يكون قـدوة لمن حوله ، بل المطلوب من الإنسان المؤمن أن يكون قدوة للآخرين .
في روايـة عـن أمـير المؤمـنين عليه السلام قال : " . . . واجعل نفسك أسوة لقريب المسلمين وبعيدهم . . . " (1) .
إن المطلوب من المؤمن أن يكون أسوة للآخرين ، لمن يكون داخـل بيتـه ولمن يكون خـارج بيتـه ، فالأب المؤمـن لا بد أن يكون في بيتـه قدوة لأبنائه ، والأم المؤمنة لا بد أن تكون في بيتها قدوة لأبنائها ، والأخ المؤمن لا بد أن يكون قدوة لإخوته ، والأخت المؤمنة لا بد أن تكون قدوة لأخواتها ، الإنسان المؤمن إذا كان مهتديا ومقتديا بسيرة أهل البيت عليهم السلام فإن الناس ينظرون إليه ويقولون : " هذا شيعي جعفري " ، والأب المؤمن أبناؤه ينظرون إليه ، والأم المؤمنة أبناؤها ينظرون إليها ، والأخ المؤمـن إخوانه ينظرون إليه ، والأخت المؤمنة أخواتها ينظرون إليها ، فدائما يحاولون أن يقلّدوا هذا الأب وهذه الأم وهذا الأخ وهـذه الأخـت ، فالإنـسـان المـؤمـن في أي مكان يكـون قدوة للآخـرين ، الموظف في وظيفته يكون قدوة للآخرين عندما يلتزم بوظيفتـه ويؤدي أعمالـه ، فإذا كان الشخص من الموظفين الذين يخرجون أثناء عملهم الرسمي فهذا لا يكون قدوة ، لا بد أن يلتزم حتى يقولوا بأن الإنسان الشيعي ملتزم بعمله ، هو قد وقّع عقدا بينه وبين الجهة التي يعمل بها ، فلا بد أن يلتزم بهذا العقـد ، إذا كان يخرج من وظيفتـه بلا إذن فـلا يجوز له لوجود العقـد بين الطـرفين ، وبذلك لا تتشوّه سمعة الشيعة ، فلا بد أن يكون المؤمن ملتزما بوظيفته .
هـذا الإنسان الذي يريد أن يكون قدوة للآخرين لا بد أن تكون فيه بعض المميّزات ، فليس كل إنسان يصير قدوة للآخرين ويتّخـذه الآخـرون قـدوة ، إذا قال إنه يريد أن يكون قدوة ، نقول لـه : " اصبر ! إذا كنـت تريـد أن تكون قدوة فلا بد أن تكون فيك بعـض الصفات ، بدون هذه الصفات لا يمكن أن تكون قدوة وإلا فإنك ستشوّه سمعة الدين ، فأولا وفِّر في نفسك الصفات الحسنة وبعد ذلك قل للناس تعالوا قلِّدوني لأني قدوة لكم " ، الإنسان قد لا يقول بلسانه ذلك ، ولكن يقول ذلك بأفعاله ، فالإنسـان بأفعاله يصير قدوة للآخرين ، فإذا وفَّر هذه الصفات في نفسه فعند ذلك نقول إن هذا الشخص يستحق أن يكون قدوة ويكون أهلا لأن يصير قدوة ، وأما الإنسان الذي يكون منحرفا فـهـو بانحرافـه يكون قدوة للمنحرفين ، ولكن الإنسان المؤمن يصير قـدوة للآخـرين بالتزامه بالإيمـان ، فمن يريد أن يكون قدوة للمؤمنين فلا بد أن يكون أولا ملتزما بدينه وإيمانه ، ونسـتطيع أن نقول للناس : " قلِّدوا هذا الشخص ، واتَّخذوا هذا الشخص قدوة " ، التزامه بالإيمان يعني صعوده في الدرجات ، فالذي يكون في الدرجة المنخفضة ينظر إلى الأعلى فيرى ذاك الشـخـص ، فيقـول : " أريد أن أكون مثل ذلك الإنسان الذي تتوفّر فـيـه هـذه الصـفات الحـسنة " ، ويحاول أن يصل إلى منـزلتـه ، فمن يريد أن يكون قدوة للآخرين لا بد أن يكون في هـذه المنـزلة في الدرجة العليا حتى يقلِّده الآخرون في أقواله وأفـعالـه ، فهل يمكن للإنسـان المؤمـن أن يكون قدوة أو لا ؟ ، نقول : " نعم ، يستطيع أن يكون قدوة " .
من الصفات التي تكون في هذا الإنسان المؤمن الذي يكون قـدوة للآخـرين أن يكون عـالمـا بدينـه ، الإنسان كيف يلتزم بدين لا يعرف عنه شيئا ؟!
أولا ادرس هـذا الدين واعرف هذا الدين وبعد ذلك تستطيع أن تكون عالما فيقلِّدك الناس ، لا بد أن يكون عندك علم حتى يرجع إليك الناس ويتخذوك قدوة لهم ، فهم دائما سوف يسألونك عن المسائل الشرعية والعقائدية والأخلاقية ، فلا بد أن تتوفّـر فيك صفات معيَّنة ، والالتزام بالدين لا يمكن أن يكون بـدون العـلم بهـذا الديـن ، فحتى تلتزم بالدين لا بد أن تعرف هذا الدين ، فإذا علمت بهذا الدين فإن الناحية العلمية عندك ويبقى أن تطبِّق هـذا الديـن عـلى حياتـك ، فالعلم مطلوب للإنـسـان المؤمـن ، المؤمـن بـدون علم لا يستطيع أن يسير لأنه يكون أعرج لا يستطيع السير ، والمؤمن عنده العلم من ناحية ، ومن ناحية أخرى عنده العمل ، فحتى يسير الإنسان يحتاج إلى علم وإلى عمل أي الجانب التطبيقي للعلم الذي تعلّمه .
روي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال : " تعلَّموا العلم فإن تعلّمـه حـسنة . . . يرفـع الله به أقواما يجعلهم في الخير أئمة يُقْتَدَى بهم ، تُرْمَقُ أعمالُهم ، وتُقْتَبَسُ آثارُهم ، وتَرْغَبُ الملائكـةُ في خِلَّتِهم ، يمـسحونهم بأجـنحتهم في صلاتهم ؛ لأن العلم حياة القلوب ونور الأبصار من العمى . . . " (1) .
فعـن طـريق العـلم يصـل هـؤلاء إلى أن يكونـوا أئمـة يُقْـتَدَى بـهـم ، فالله عز وجل يجعل بعض الناس أئمة ، فالمعصومون عليهم السلام يكونون أئمة ، وكذلك الإنسان المؤمن الذي يقتدي بـه الآخـرون يكون إمـامـا أيضا ، فكلمة "القدوة" و"المثل الأعلى" و" الإمـام " كلها مصطلحات لمعنى واحد ، فأنت من تريد أن تقلِّده ويكون قدوة لك فمعنى ذلك أنه إمام لك ، والإمام الذي تـريـد أن تتّخـذه لا بـد أن يكون عنده العلم ، فالإنسان يتّخذ الأعلم منه ليكون قدوة له ، فيصير إماما بالنسبة له ، والناس ينظـرون إلى أعمـال هـؤلاء ويحاولون اتّباع أفعالهم ، وحتى الملائكة ينظـرون إليهم ويمسحونهم بأجنحتهم في صلاتهم ، هذا هـو مكانـة الإنسان المؤمن لا فقط في الدنيا ، والعلم نور الأبصار مـن العمى لأن الإنسان الذي عنده علم يكون عنده بصيرة في أموره حتى في الأمور الدنيوية يستطيع أن يفكر بشكل صحيح فيختار الأشياء بدقة ولا يسير بشكل عشوائي بدون تفكير ، فالـشـاب الذي يريـد أن تكون حركته حركة صحيحة لا بد أن يتعلّم حتى يفيد نفسه ويفيد الذين حوله ، فيقتدون به وينظرون إلى أعماله فيقتدون بها ، هكذا يكون الإنسان المؤمن .
النظر إلى أوضاع المؤمنين اليوم :
نأتي الآن للنظـر إلى حالنا ، هل الآن حال المؤمنين نقول عنه إنـه حال يبشّـر بخير ؟ هل هناك اتجاه عام عند الناس المؤمنين بحيث إن النـاس يقتدون بالإنسان المؤمن ويرون أنه ملتزم بدينه التزاما كاملا أو أن حالنا اليوم لا يبشّر بخير ؟
الجواب :
توجـد درجة من الالتزام ، ولكنها درجة قليلة ، الناس المؤمنون الآن نسبة قليلة منهم ملتزمون بالدين التزاما كاملا ، ننظـر إلى حال الرجـال كم من الرجال ملتزمون بالدين ، وننظر إلى حال الشباب كم من الشباب ملتزمون ، وننظر إلى حال البنـات كم من البنات يلتزمن بهذا الدين ، نسبة كبيرة من البنات حجاباتهم ليست حجابات شرعية ، فهن يلبسن الملابس الضيقـة والحجابات الملونة القصيرة التي لا تغطي الشعر ، تذهب إلى الجمعية ترى امرأة تلبس حجابا شرعيا ، ولكن ترى ابنتها معـها ولكنها لا تلبس الحجاب الشرعي ، ترى الأب المؤمن وترى أن أبنـاءه غير مـلتزمين ، فشبابنا لا بد أن يلتزموا بهذا الدين ، الحال الموجـود اليوم لا يبشّر بخير ، والالتزام قليل بين المؤمنين .
هم يقولـون نقتدي بسيرة أهل البيت عليهم السلام بالقول واللسان ، ولكن من ناحية عملية لا يلتزمون ، اسأل المرأة التي تلبس حجابا غير شرعي : " هل أنت شيعية ؟ " ، تقول : " نعم أنا شيعية " ، اسألها : " بمن تقتدين ؟ " ، تقول مع أنها بهذه الملابس غـير الشرعية : " أقتدي بالزهراء عليها السلام " .
اسـأل الشـاب الـذي يـدور في الأسـواق بـلا هـدف ويغازل الـنـسـاء : " مـن أنـت ؟ " ، يـجيـبـك : " أنـا شـيـعي " ، اسـألـه : " بمن تقـتدي ؟ " ، فيقول لك : " أقتدي بأمير المؤمنين عليه السـلام " ، وهـل أمير المؤمنين عليه السلام كان يغازل النساء وهو الذي يقول بعدم السلام على المرأة الشابة حتى لا يفتتن المؤمن ؟ (1) ، وهكذا الشاب يقول بلسانه شيئا ، وبأفعاله يقول شيئا آخر .
قد ترى الشاب في المسجد والحسينية ولكن بعد الخروج من المدرسـة أين تـراه ؟ وليلـة الجمعـة أيـن يكون ؟ ، مثل هذا الشاب لا يعبِّر عن التشيّع .
نعم ، الحمد لله هناك من الشباب المتديّنين الذين لا يوجد عندهم هذه الأمور ، ولكن كثيرا من الشباب يحاولون الجمع بين الدين والدنيا وبين الإيمان والانحراف ، والجمع بينهما غير ممكن ، الإنسان إما أن يكون مؤمنا وإما أن يكون منحرفا ، ويسـتحيل الجمـع بين الأمـرين ، الإنسان لا بد أن يلتزم بهذا الدين بطريقة عملية .
إن الناحـيـة النظريـة لوحـدها لا تعـطي التـزاما للإنسـان المؤمن ، الشباب لا بد أن يلتزموا بالدين حتى نقول إن هذا الشاب شيعي ، وبذلك لا يشوِّه التشيّع ، الشاب الذي يكون منحرفا يشـوِّه سمعتـنا ، الإنسـان المؤمـن الملتزم قد لا ينظرون إليـه ، ولكن ذاك الشـاب المنحرف يشـوِّه السمعة ، فالناس ينظرون إلى الشاب المنحرف ويجعلونه المقياس .
الخلاصة :
الإنسان لا بد أن يلتزم بهذا الدين ويتّخذ أهل البيت عليه السـلام قدوة ، وكذلك هو يكون قدوة للآخرين ، وفي الآية الكريمة : " وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً " (1) ، يريد أن يقتدي الناس المتقون به .
والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا أبي القاسم محمد وآله الطيبين الطاهرين .
مسؤولية المؤمن أمام المهدي
عجل الله تعالى فرجه (1)
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا أبي القاسم محمد وآله الطيبين الطاهرين .
" اللَّهُمَّ كُنْ لِوَلِيِّكَ الحُجَّةِ ابْنِ الحَسَنِ صَلَوَاتُكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آبَائِهِ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ وَفِي كُلِّ سَاعَةِ وَلِيًّا وَحَافِظًا وَقَائِدًا وَنَاصِرًا وَدَلِيلاً وَعَيْنًا حَتَّى تُسْكِنَهُ أَرْضَكَ طَوْعًا وَتُمَتِّعَهُ فِيهَا طَوِيلاً " .
مقدمـة :
إن الإمام المهدي عجل الله فرجه إمام العصر والزمان ، هو الإمام والقائد الوحيد لك أيها المؤمن ، ولا إمام آخر لك ، هو الذي يجب اتّباعـه والسّير خلفـه ، هو الذي تعتقد أنه قد نَصَّ عليه رسول الله صلى الله عليه وآله عن جبريل عن الله تعالى ، ولم يكن لأحـد نصـيب في تعيينـه ونصبه واختياره إماما وخليفة على الناس ، هو الذي يجب على الناس معرفته والاعتقاد به ، هذا هو الإمام المهدي عجل الله فرجه وجعلنا من أنصاره .
توجـد مواضيع كثيرة يمكن طرحها حول إمام العصر والزمان عجل الله فرجه تتناول مختلف جوانب قضيته بدءا من ولادته ومـرورا بغيبتـه الصـغرى ثم غـيبته الكبرى وما يجري فيها من أمور ثم ظهوره وحكمه عليه السلام ثم ما يحدث بعد ظهوره إلى حين استشهاده عليه السلام ، وما بين هذه العناوين توجد مواضيع كثيرة يمكن طرحها وتناولها من جوانب مختلفة .
وأريد أن أطرح في هذا اليوم الموضوع التالي : وهو مسؤولية الإنسان المؤمن أمام إمام عصره وزمانه عجل الله فرجه ، فما هي المسؤولية المطلوبة من المؤمن أمام إمام زمانه عليه السلام ؟
الإنـسـان المؤمـن لا بـد أن يفكر بهذا السؤال ويجيب عليه إجابة دقيقة ، ويأتي هذا البحث ضمن الأسئلة التالية :
السـؤال الأول : مـن أيـن تـأتي هـذه المسؤولية ؟ ومن يقول إن علينا هذه المسؤولية ؟
الجواب :
إن هذه المسؤولية تأتي من الاعتقاد بأن المهدي عليه السلام هـو الإمـام الثـاني عـشر بعـد رسـول الله صلى الله عليه وآله ، وأنـه إمـامـك في هــذا الزمـان ، وأن الله تعـالى فرضـه إمامـا عـليك ، وتجب طاعته في كل ما يريده منك أيها المؤمن ، ويجب الابتعـاد عـن كل مـا يبغضه لأن حبّه وبغضه يعبِّران عن حبّ وبغض الله تعالى .
إن الإمام المهدي عليه السلام هو خاتم الأئمة كما أن رسول الله صلى الله عليه وآله هو خاتم الأنبياء ، فهو نهايـة سلسلـة الأئمـة عليهم السلام ، وهو الذي سوف يحقق حلم الأنبيـاء والأوصيـاء الذين سـبقوه والذين يمثِّلون خط الهدى ، وخـط الـهـدى يمثِّـل الأنبيـاء والأوصـياء والصـالحين عـلى مـرّ التاريخ ، وفي مقابل هذا الخط يوجد خط الضلال الذي يمثِّل الظـالمين وأتبـاع الظـالمين وحـواشي الظـالمين وبطانـة الظالمين وكل من سار في ركب الظالمين .
إن حلم خط الهدى هو تحقيق الهدى على وجه الأرض ، وتـحقيق العـدل وإزالـة الظـلم ، لذلـك تـأتي الـروايـة التي تقـول : " فيملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا " (1) ؛ لأن تحقيق العـدل هو حلم الأنبياء عليهم السلام على مرّ التاريخ ، ولم يتحقّق ذلك الحلم إلى هذا اليوم .
إذن : الإمام المهدي عليه السلام ليس إنسانا عاديّا حتى يقول الشخص أنا لا أهتم به كان موجودا أم لا ، بل هو يمثِّل سلسلة طويلة جدّا تمتد لقرون طويلة ، وهي سلسلة الأنبياء والأوصياء عليهم السلام .
إن مسـؤوليتك ـــ أيها المؤمـن ـــ تـأتي من اعتقادك بالقائد الذي هو هذا الإمام ، وليس اعتقادا بشخصه الخاص الذي يمثِّل نفسـه فقـط ، وإذا كان القائد بهذه المواصفات فإن مسؤولية المؤمن تكون كبيرة جدّا بحيث تتناسب مع عظمة هذا القائد ، وهـذا القائـد عـظيم لأنـه يمثِّل سلسلـة طويلة من الأنبياء والأوصـياء والصالحين ، فتكون مسـؤولية الإنسـان المؤمن متناسبة مع هذه السلسلة الطويلة ، وتوجد مسؤولية في تحقيق يوم العدالة على الأرض على الإمام عليه السلام وعلى المؤمن الذي يعتقد بهـذا الإمـام ، وذلك لأن هذا القائد سيسعى إلى تحقيق يوم العدل بواسطة أنصاره ، هؤلاء الأنصار الذين سيقاتلون بين يدي الإمام عليه السلام ، ويقاتلون تحت لوائه ، ويقدِّمون أنفسهم ضحايا من أجل قائدهم في هذا الطريق ، فلا بد لهم من الاستعداد وتهيئة النفس حتى يمكن لهم أن يضحّوا في سبيل هذا الدين .
إذن : السؤال الأول هو من أين تأتي هذه المسؤولية ؟ ، والجواب هـو أنها تأتي من اعتقادك بهذا الإمام الذي يمثّل خط الهـدى في مقابل خط الضلال ، فتكون المسؤولية كبيرة جدا وليست خفيفة على الإنسان المؤمن .
السؤال الثاني : ما هي هذه المسؤولية التي يحملها المؤمن حتى يستطيع أن ينجزها ويحقّقها ؟
الجواب :
هذه المسؤولية تتناسب مع عظمة القائد ، فلا بد أولا على المؤمن أن يشعر بهذه المسؤولية ، وثانيا عليه السعي قبل ظهور إمامه عليه السلام لتحقيق العدل على الأرض بالمقدار الذي يسـتطيع ، وحياتـه وطريقة معيشته لا بد أن تعبّر عن هذا السعي في تحقيق العدل ، فكما أن القائد يحمل همّ الدين ويحاول أن يحقّق هـذا الدين عـلى الأرض والذي هو دين الله تعالى ، كذلك يجب على المؤمن أن يحمل همّ دينه بحيث يحقّق هذا الدين في حياتـه ويسعى في تحقيقه في حياة الآخرين أيضا بدءًا بأولاده وأهله ، يقول تعالى : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ " (1) .
فالإنسان يبدأ أولا بنفسه ثم بأهله ثم ينتقل إلى تحقيق ذلك في حياة الآخرين حتى الذين لا يعرفهم ، الإمام عليه السلام يظهر ويحقّق العدل حتى للذين ليسوا بمسلمين ، فلنحاول أن نحقق هذا الدين في حياة الآخرين .
إن المؤمـن يحمـل همّ اهتـداء الآخـرين إلى الدين لا فقط يـقـول : " أنا أهتـدي " ، بل يقـول : " أولا أنا أهتدي ثم أنقل هـذه الهدايـة إلى الآخرين " ؛ لأن في هدايته للآخرين هذا الأمر يرجع إليه ، فكلما هدى إنسانا إلى الإيمان يحصل على الثواب ، والثواب عظيم جدا ، والمردود سيكون له هو لا فقط أن فلانا اهتدى ، بل سيكون الثواب الجزيل له ، ثواب لا يمكن تصوّر مقداره .
عن رسـول الله صلى الله عليه وآلـه مخاطبا الإمام علي عليه السلام حينما بعثه إلى اليمن : " وأيم الله لئن يهدي الله على يديك رجلا خير لك مما طلعت عليه الشمس " (2) .
هذه نتيجة هداية شخص واحد ، وهدايته خير مما طلعت عليه الشمس ، هذا هو الثواب الذي يحصل عليه الإنسان من هداية شخص واحد ، كل خيرات الأرض في مقابل هداية إنسان واحـد ، فكم يحصـل عـليه الإنسان إذا هدى أكثر من شخص واحد ؟
إذن : مسـؤوليتك أيها المؤمـن هي السـعي لتحقيق هذا الدين في نفسك أولا ثم في نفوس الآخرين ، وهكذا نكون قد حدّدنا المسؤولية .
السـؤال الثـالث : مـا هي المواصفات الـتي لا بـد أن تكون متوفّـرة في الإنسان المؤمن حتى يمكن له تحمّل هذه المسؤولية ؟
الجواب :
ليس كل شخص يكون مؤهلا لحمل هذه المسؤولية ، وليس الأمـر مجـرد كلام بأن يقول إنه مستعد لحمل المسؤولية ، أولا حقّق في نفسـك بعـض المواصفات وبعـد ذلك تحرّك لهداية الآخرين حتى لا تكون سببا في ضلال الآخرين ، وكل مؤمن عليه وجوب تحمّل هذه المسؤولية ، فيجب على المؤمن أن يسعى ، الإنسان إذا كان يدّعي أنه مؤمن فلا بد أن يسعى لتحقيق هذا الأمر ، ولكن ليس كل مؤمن يحق له أن يتحرّك هذا التحرّك ، فذلك المؤمن الذي يوفّر في نفسه مقدمات القدرة على تحمّل المسـؤوليـة هـو الذي يسـتطيع أن يتحرّك هـذا التحرّك ، فأولا يحقّـق مقدمات المسـؤولية حتى يكون أهلا لتحمّل المسؤولية ، ولا بد أولا أن يكون مهتديا حتى يستطيع أن يهدي الآخرين .
الإنسان إذا كان منحرفا لا يستطيع أن يهدي الآخرين ، فالمرأة التي لا تلبس الحجـاب بشكل صحيح هل تقول للنساء بأن يلبسن الحجاب ، فلا بد أولا أن تكون مهتدية ، وبعد ذلك تسـتطيع أن تأمـر بالمعروف وتـنهى عـن المنكر ، فالإنسان هو أولا لا بد أن يكون مهتديا حتى يستطيع أن يتحمّل هذه المسؤولية ، فـيـكـون نــورا لـهـدايـة الآخـريـن ، وأمـا إذا لـم يـكـن عـنـده نـور فــلا يستطيع أن يضيء الطريق للآخرين ، بل على العكس من ذلك فإن النتيجة تكون عكسية ، فأولا لا بد أن يكون مهتديا .
وثانيا لا بد أن يكون عنده العلم والمعرفة بما يريد أن يهدي الآخرين إليه ، الإيمان لوحده لا يكفي بل لا بد أن يكون معه العـلـم ، إلى مـاذا يريـد أن يهدي الناس ؟ ماذا يريد أن يحقق من خلال الهداية ؟ ما الذي يريد أن يهدي الناس إليه ؟ ، وإذا لم يكن عنده العلم فإنه سَيُفْسِد بدل أن يُصْلِح .
روي عن رسـول الله صلى الله عليه وآلـه أنـه قـال : " من عمل على غير علم كان ما يُفْسِد أكثر مما يُصْلِح " (1) .
فأولا الهدايـة وثانيـا العـلـم ، وقبل أن يأمر الإنسان غيره بشيء لا بد أن يحقق هذا الشيء في نفسه حتى يكون القدوة الصالحـة للآخـرين ، عـندما يقـول الإمام أبو عبدالله الصادق عـليـه السـلام : " كونـوا لنا دعاة صامتين " (1) ، فمعنى ذلك أنـك تســتطيع أن تكون داعـية من دون كلام ، فمن خلال تصرفات هذا الإنسان المهتدي العالِم بما يريد أن يفعله يقلِّده الناس بلا أي كلام صادر منه .
يقول تعالى : " أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ " (2) .
يعني أن هـذا الإنسـان الذي يريـد أن يأمر الناس بالبرّ وينـسى نفسـه هـذا إنسـان غـير عاقـل ، فإذا كان إنسانا غير عاقـل فكيف يريد أن يأمر الناس بالبر وفي نفس الوقت ينسى نفسه ؟! ، نسي نفسه وأراد أن يدعو الآخرين إلى هذا الدين ، ينجو الآخرون وهو يكون ضالا .
والنتيجة هي أن الصفة الأولى أن يكون مهتديا ، والصفة الثانيـة أن يكون عالما ، والصفـة الثالثة أن يكون متّقيا في أعماله مراقبـا لله تعالى في أعمالـه حتى يؤدي كل أعماله تقرّبا إلى الله تعالى لا لمصلحة خاصة ترجع إليه وإلا ستكون كل أعماله هباءً منثورا بلا فائدة .
إذن : يجـب على كل مؤمن أن يحمل هذه المسؤولية ، ولكن من يريد أن يسير في هذا الطريق لا بد أن يوفّر في نفسه مواصفات خاصـة حتى يكون أهلا لتحمّل هذه المسؤولية ، فإذا كان أهلا لذلك يكون بالتالي من أنصار الإمام المهدي عليه السـلام ، وأمـا مجرد القول بأنه مؤمن فهذا لا يجعله من أنصار الإمام عليه السلام .
إن الإنسان الذي همّه الدنيا فقط وهمّه أن يوفّر حاجاته الشخصيـة فقـط وأن يوفّـر حاجـات الزوجة والأولاد فقط ، الإنـسـان الـذي لا يفكّر بالفقـراء ، الإنسـان الذي لا يهمّه أن ينتشـر هذا الدين على الأرض ، الإنسان الذي لا يهتم بما يجري على المسلمين في العالم ، مثل هذا الإنسان لا يكون حاملا لهموم الإسـلام والمسلمين ، مثل هـذا الإنسان لا يمكن أن يكون من أنصار الحجة عجل الله فرجه الشريف .
في روايـة عـن الإمام الصادق عليه السلام قال : " من لم يهتم بأمور المسلمين فليس بمسلم " (1) .
كلمة " يهتم " مشتقة من الهم والحزن والغم ، يعني أن الإنسـان الذي لا يحمل الهمّ والقلق والحزن على أمور المسلمين ومـا يجـري عـليهم مـن مصـائب ومصاعـب هذا لا يَصْدُق عليه اسم " المسلم " فضلا عن " المؤمن " .
إن الذي يحمـل همّ المسلمين يسعى في قضاء حوائجهم ، ويتـابع أخبـارهم ، ويحاول أن ينصرهم بقدر ما يستطيع ، وبهذه الطريقـة يسـتطيع أن يساعـد الإمـام المهـدي عـليه السلام في مهمّتـه ، الإمـام عـليه السـلام يحمل همّ الإسلام ، والمؤمن الذي لا يحمل همّ الإسلام لا يمكن أن يكون من أنصار الحجة عليه السلام ، من المستحيل أن يكون من أعوان الإمام المهدي عليه السلام ، إذا أراد أن يكون من أنصار الإمام عليه السلام ومن أنصـار هـذا الدين ومن الذي يرفعون لواء الإسلام فلا بد أن يهتمّ بأمـور المسـلمين لا فقط يعيش لوحده كأنه على جبل ولا يوجد أحد من الفقراء والمحتاجين حوله ، وهمّه الوحيد نفسه وزوجته وأولاده وبيته فقط وكأن حدود الإيمان هو هذا ، هذا الإنسان الذي لا يحمل همّ الدين لا يكون من الأنصار ، الذي يحمل همّ الدين هو الذي يصل إلى درجة أنصار الحجة عليه السلام ، فإذا ظهر الإمام عليه السلام فهذا هو الذي يكون متهيئا لأن يكون من الأنصار لأنه متهيئ سابقا لا أنه بعد أن يظهر الإمام يقول : " سأتهيّأ وسأكون مستعدا للقتال " ، نقول : " لا ، إذا لم تتهيّأ مـن السابق فالإمام عليه السلام لا يمكن أن يقبلك ضمن جيشه " ، فالتهيّؤ لا بد أن يكون تهيّؤا سابقا .
إذا كان الإنسان لا يحمل همّ الناس ويحمل فقط همّ نفسه وزوجته وأولاده مثل هذا يعيش الأوهام والخيالات أنه سيكون من أنصـار الحجـة عليـه السـلام ، لا يظـن أنـه سيصل إلى تلك الدرجة ، يعيش في عالم الخيال كأنه يصوّر فيلما ، هذا إذا لم ينقلب للقتال ضدّ الإمام عليه السلام ، الذي يكون همّه الدنيا فقط قد ينقلب للقتال ضدّ الإمام عليه السلام ، طبعا بعدة تبريرات لأن الإنسـان يبرّر لنفسه ، إذا ظهر الإمام عليه السلام يقـول مثـلا : " ومن يقول إن هذا هو إمام العصر ؟ " ، يبدأ بهـذه الخطـوة الأولى والتبرير الأول ، ويقول مثلا : " ومن يقول إن الإمـام المهـدي سـوف يسـير بالقتـال والدم والسيف ؟ ، لا ، هـذا ليس هـو الإمـام ، هذا مُدَّعٍ للإمامة " ، ويقول كل هذا لأنه ليـس مطّـلعـا على أحـوال الإمـام عـليـه السـلام ، العلم مفقود عنـده ، فلا يعلم ماذا سيفعل الإمام عليه السلام حينما يظهر ، يقول : " هذا مثل الذي ظهر سابقا في مكة ولم يكن الإمام المهدي " ، فيبدأ بالإنكار ، ومن ثَمَّ سينضم إلى ركب الأعداء الذين يحاربون الإمام وهو لا يشعر ويظن أنه مؤمن ، لا يدري وهـو يـظـن أنـه يُحْسِنُ صُنْعًا ، من المستحيل أن الإنسان الذي ينكبّ على أمـور الدنيا ويهتمّ فقط بأموره الدنيوية أن يصير من الأنصـار لأنـه سـيخاف عـلى دنيـاه حـينما يظهر الإمام عليه السلام .
يقول تعالى : " يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ " (1) .
هذه الآية تتحدث عن وقت ظهور الإمام المهدي عليه السلام كما يقول بعض العلماء (2) ، فهي آية مستقبلية ، فحين الظهور الإنسـان الذي لم يؤمن حق الإيمان هذا الإيمان الظاهري لا ينفعـه في ذلـك اليـوم ، والإيمـان المطلـوب ليـس هو الإيمان اللـساني ، بل المطلوب الإيمان الحقيقي وهو الإيمان القلبي والإيمـان الذي تظهر آثاره على الإنسان ، فمن صار الإيمان راسخا في قلبه فهو الذي يهتمّ بأمور المسلمين كنتيجة طبيعية لإيمانـه الراسخ ، ويسعى في قضاء حوائج المؤمنين بقدر ما يستطيع ، ويحمل همّ الدين .
إذن : المؤمـن الحقيقي الـذي يوجـد في نفسه مواصفات الأنصار سيصل إلى درجة الأنصار كنتيجة طبيعية بإيجاد هذه الصفات في نفسه .
السؤال الرابع : هل الإمام عجل الله فرجه الشريف يعلم من يكون من أنصاره أو لا يعلم ؟
الجواب :
نعم ، الإمام عليه السلام عنده العلم بذلك ، ورسول الله صلى الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام عندهم اطلاع على أحوال جميع الناس بما فيهم شيعتهم ، ماذا يفعلون في يومهم وليلتهم .
يقول تعالى : " وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُون " (1) .
يقول الشيخ الطوسي قدس سره في تفسيره التبيان : روي في الخبر أن الأعمال تُعْرَض على النبي صلى الله عليه وآله في كل اثنين وخميس فيعلمها ، وكذلك تُعْرَض على الأئمة عليهم السلام فيعرفونها ، وهم المعنيّون بقوله : " وَالْمُؤْمِنُون " (1) .
وعن أبي عبدالله عليه السلام قال : تُعْرَضُ الأعمال على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أعمال العباد كل صباح ، أبرارها وفجارها فاحذروها ، وهو قول الله عز وجل : " اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ " . وسكت (2) .
وهنـاك روايـات كثـيرة ، فعن أبي عبدالله عليه السلام أنه قـال : " إن الأعمـال تعـرض علي في كل خمـيس ، فإذا كان الهـلال أكملت ، فإذا كان النصف من شعبان عرضت على رسول الله صلى الله عليه وآله وعلى علي عليه السلام " (3) .
وعن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال : " يا علي ! أعمـال شيعتك تُعْرَض في كل جمعة فأفرح بصالح أعمالهم وأستغفر لسيئاتهم . . . يا علي ! قل لشيعتك وأحبائك يتنـزّهون عن الأعمال التي يعملها عدوّهم " (4) .
أي لا تقلّـدوا الأعداء الذين ليسوا عـلى خطكم ، لا تقلّدوهم في أعمالهم .
إذن : رسول الله صلى الله عليه وآله وإمام الزمان عليه السلام يعلمان بأعمالك أيها المؤمن ، يفرحون إذا قام الشيعة بأعمال طيّبة صالحة ، ويحزنون إذا رأوهم يرتكبون السيئات والمحرمات ، فإمـام الزمان عليه السلام يراقبك ـــ أيها المؤمن ـــ في كل لـحظـة ، يعـرف مـن أنت ومـا هـو دينـك ومـا هي اهتمامـاتك ، ويعـرف إذا كنت أهـلا لأن تكون من أنصاره أو لا ، ويعلم مـا يوجد في قلبك من رغبات سواء كانت رغبات دنيوية فقط أم أنك تحمل همّ هذا الدين وهموم المسلمين ، فاحذر فإن عين الإمام عليه السلام عليك وهو يراك خلال عمرك كله ، وسيكون معك إذا كنت معه ، وسيكون معك يوم الممات وفي القبر وفي عـالم البرزخ وفي يـوم القيامـة ليُعِـينَك على أهـوالها كمـا كنت في الدنيـا مُعِينـا له في مهمّته ، فقدّم للإمام شيئا ليقدّم لك الإمام أشياء كثيرة وليجزيك الله جزاء عظيما ، وأما إذا كان الإنسان همّه الدنيا فقط فلن يحصل على الدنيا لأنها فانية ، وسيخسر الآخرة مع أنها الباقية .
إذن : علينا السـعي حتى نصل إلى الدرجة التي تجعلنا مؤهلين لأن نكون مـن أنصـار الإمام المهدي عليه السلام ، وهي مـهـمة عظيمة على الإنسان المؤمن ، ولا يكون همّه فقط الحصول على سيارة ونقال وبيجر ، ولا يكون اهتمامه الحصول على الفضـائيات في بـيتـه ، لا يكـون اهتـمـام المؤمـن بـهـذه القضايـا فقـط ، الإنسـان المؤمن مهمّته عظيمة بقدر هذا الإمام العظيم ، فلا تكون نظراتنا بحيث لا تتعدّى خطوات أرجلنا ، ولا بد أن تكون نظرتنا إلى البعيد .
وفقنا الله وإياكم لأن نكون من أنصاره عجل الله فرجه الشريف وأن يساعدنا في حمل مسؤولية هذا الدين وحمل هموم المسلمين المستضعفين حتى نكون من أعوانه عليه السلام .
والحمد الله رب العالمين وصلى الله على سيدنا أبي القاسم محمد وآله الطيبين الطاهرين .
الاستفادة من الزهراء
عليها السلام (1)
الحمد الله رب العالمين وصلى الله على سيدنا أبي القاسم محمد وآله الطيبين الطاهرين .
في مثل هذه المناسبات ما الذي نستفيده ؟ ، المفروض أن كل شخص يجيب على نفسه عن الفائدة من هذه المناسبات سواء المواليـد أم الوفيـات ، والجواب لا بـد أن يكون واضحـا وضـوحا تامّا لكل فرد فرد مِنّا .
من الممكن أن يقال إن الاستفادة هي الارتباط أكثر بأهل البيت عليهم السلام ، فنرتبط ارتباطا أكبر بهم عليهم السلام ، هذا الارتباط الأكبر بهم لا بد أن يكون له مردود ونتيجة تظهر على حياة الإنسان .
أسأل السؤال التالي : هل الله عز وجل خلق الإنسان بدون هدف أو أنه يوجد هدف من وراء خلقه ؟
الجواب :
مــن المسـتـحيـل أن يـقـول الإنـسـان إنـه مـخـلـوق عـبـثـا هـكذا بـلا هدف ، فلا بـد أن يكون هناك هدف من خلق الإنسان ، والآيـة التاليـة تبيّن هذا الهدف وهي قوله تعالى : " وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ " (1) .
إذن : هدف خلق الإنسان أن يصل إلى عبودية الله تعالى ، والعبـادة لا تعني الصلاة والصيام والحج فقط ، فلا بد أن يكون الإنسان عابدا لله وأن يصل إلى حقيقة العبودية ، فالله خلق الإنسان من أجل العبادة .
سؤال : من أين يأخذ الإنسان هذه العبادة ؟
الجواب :
يأخذ الإنسان كيفية العبادة من الله عز وجل ، ونحن لا نستطيع أن نأخذ مباشرة من الله سبحانه ، فيأتي الدور للنبي صلى الله عليه وآلـه ، فيكون عـندنا ارتبـاط به صلى الله عليه وآلـه ، ومن بـعـد النبي صلى الله عليـه وآلـه يأتي دور الأئمة عليهم السلام ، فهم أئمة ونحن مأمومون ، والإمام هو الـمُتَّبَع ، والمأمـوم هـو الـمُتَّبِع ، فالإنـسـان يكـون مأموما إذا كان تابعا للإمـام ، وأمـا إذا لم يكن تابعـا للإمـام فـلا نستطيع أن نقول عـنه إنـه مأمـوم ، لذلك فالشـخص إذا كان يَتَّبِع أهـل البيت عـليهم السلام فهو شيعي ، وإذا لم يكن مُتَّبِعا لأهل البيت عليهم السلام فهو ليس شيعيا ، والإنسان الذي يقول بلسانه : " أنا شيعي " ؛ فهذا لا يكفي لأننا ننظر إلى أعماله هل أنها تعبّر عن التشيع أو لا ، فإذا كانت أعماله لا تعبّر عن التشيع فهذا القول اللسـاني لا يدخلـه إلى الجنة ، لا بد أن يكون هناك مردود عملي يترتّب على قوله حتى يكون هذا الشخص شيعيا حقيقيا ، فيأتي السؤال التالي :
من هو الشيعي الحقيقي ؟
الجواب :
الشـيعي الحقـيقي هـو الـذي يكون فعلا متّبعا لأهل البيت عليهم السلام ، ولكن نسأل : كيف يكون الاتّباع ؟
الاتّباع يكون بهذه الكيفية : الإنسان في كل شيء يريد أن يعمله لا بـد أن يسأل نفسه : ماذا يريد الله عز وجل مني ؟ وماذا يريد رسول الله صلى الله عليه وآله مني ؟ وماذا يريد الأئمة عليهم السلام مني ؟
مثلا إذا كنت أريد أن أشتري شيئا بسيطا مثل الساعة ، فأسأل أهل البيت عليهم السلام : " ما هو نوع الساعة التي يريدون مني أن أشتريها ؟ " ، ولا يقال إن أهل البيت عليهم السلام ليس لهم دخل في شراء الساعة ، فيقال إن أهل البيت عليهم السلام لهم دخل في ذلك ، فلا بد أن يسأل نفسه : ماذا يريد أهل البيت عليهم السلام في القضية الأولى وفي القضية الثانية وفي القضية . . . ، لا بد أن يعرف رأي أهل البيت عليهم السلام في القضايا حتى يكون شيعيا ، وأما الإنسان الذي يفعل الأشياء بدون الرجوع إلى الأئمة عليهم السلام فهذا في الواقع ليس شيعيّا حقيقيا ، نعم هو شيعي لساني ، الإنسان الشيعي العـملي هو الذي يسأل دائما : ماذا يريد أهل البيت عليهم السلام مني ؟
الآن نفرش السفرة فنسأل : هل يريد منا أهل البيت عليهم السلام أن نحتفل بمواليدهم بهذه الطريقة أو بطريقة أخرى ؟
هـذا السـؤال لا بـد أن نسـأله لأنفـسنا ونجيب عليه جوابا دقيقـا ، عـندما تشـتري أي شيء لا بد أن تسأل نفسك هذا السؤال ، وعندما تذهب إلى الجمعية ماذا تشتري ؟ ماذا يريد أهل البيت عليهم السلام مني أن أشتري من الجمعية ؟ ، عندما أذهـب إلى السـوق مـاذا أشـتري مـن ملابس ؟ ما هي السيارة التي يـريــد أهـل البيــت عـليـهم السـلام مـني أن أشـتريهـا ؟ مـا هـو البيت الذي يريد مني أهل البيت عليهم السلام أن أشتريه ؟
هذه أمثلة وقِسْ على ذلك كل شيء يعمله الإنسان ، والآن يسأل كل شخص نفسه : هل أنا فعلا متّبع لأهل البيت عليهم السلام أو لا ؟
يقول الله تعالى : " لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً " (1) .
هـل أنـا فعـلا مقتـدٍ برسـول الله صلى الله عليه وآله ؟ ، لا تقـل إن الرسول صلى الله عليه وآله لم يكن رسولا لنا ، رسول الله صلى الله عليه وآلـه بعثـه الله تعـالى ليعلّمنـا مـن خـلال حياتـه ، أهـل البيت عليهم السلام من خلال حياتهم كانوا يعلّمـوننا ، فـلا بـد أن نـدرس حياتهم ، الشيعي لا بد أن يفعل هـذا ، لا بـد أن يدرس حياة أهـل البيت عليهم السلام حتى يرى أنهم عليهم السلام كيف كانوا يعيشون .
لا تقـل إن زمـانهم غـير زماننـا ، الزمـان لا يوجد فيه اختـلاف لأنه عبارة عن قطع ، الناس هم الذين يتغيّرون ، والأحداث التي تقع في الأزمنة هي أحداث من الناس لا من الزمان ، يقال إن الزمان يتغيّر ، نقول إن الزمان لا يتغيّر ، فالزمان الأول نفس الزمان الثاني ، ولكن الناس يتغيّرون في الأزمنـة ، تتـغيّـر أفكارهم فيقومـون بأعمال كثيرة بدون الرجوع إلى أهـل البيت عليهم السلام ، والإنسان المؤمن يأخذ دينه وحـيـاتـه مـن أهـل الـبـيـت عـلـيـهم السـلام ، وإذا لم يـرجـع الإنسـان إلى أهـل البيـت عليهم السلام في الأعمال التي يقوم بها فلا يصح أن يقـول عن نفسه إنه شيعي وإنه متديّن وإنه مؤمن بأهل البيت عليهم السلام ومؤمن بخط الإمامة .
هـذا الكلام موجَّه للرجـل وموجَّه للمرأة ، فالرسول صلى الله عليه وآله أسوة وقدوة للرجال ، وفاطمة الزهراء عليها السلام قـدوة للنسـاء ، وطالما أن الإنسان يحتاج دائما إلى قدوة فهؤلاء هم القدوة ، ولا بد من اتّباعهم ، نعم لا يستطيع الإنسان أن يصـل إلى منـزلتهم مهما حـاول ، ولكن عـلى أقل التقادير يحاول أن يصل ، لا يقول : "لا أقدر على ذلك" ، بل يقول : "أحاول" ، فـإذا كان الإمـام في منـزلة 100 % فالإنسان يستطيع أن يصل إلى نسـبة 20 % مثـلا ، وهـذه المناسـبات تـأتي وتذهب ، فإذا كان المؤمن قبل المناسبة بنسبة 20 % ، فبعد المناسبة لا بد أن يكون بنسبة 21 % حتى يكون هناك تغيّر عنده ، وليس الهدف أن يأخــذ الشـخص معلـومات فقط ، المعلومات بحد ذاتها لا تحرّك الإنسان ، مهما يتعلّم الإنسان ويقرأ الكتب فإنه إذا لم تؤثـر المعلـومات في حياته فهو لم يستفد من هذه المعلومات ، نعم حفظ بعض الكلمات والألفاظ .
في رواية عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال : " أفضل نساء الجنة أربع : خديجة بنت خويلد ، وفاطمة بنت محمد ، ومريم بنت عمران ، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون " (1) .
أهل البيت عليهم السلام يطرحون ويبيّنون كل ما يحتاجه الإنسان ، في كيفية تربية الأولاد ، وفي كيفية معيشة الزوج مع الزوجـة ، ومعاملـة الزوجة للزوج وبالعكس ، هناك قوانين في الديـن تحكم هذه العلاقة ، إذا تعاون كل الأطراف من أجل تطبيق هذه القوانين فالحياة الزوجية تكون سعيدة وتنتج أناسا صالحين ضمن هذه الأسرة ، والأسرة الصالحة عادة ما تنتج أناسا صالحين .
لـو نبـدأ بدراسـة حياة الزهراء عليها السلام في كل شيء تفعله فإن لها جانبان : جانب إنساني عام للرجل والمرأة ، ويستطيع الرجـال أن يستفيدوا من الزهراء عليها السلام في هذا الجانب ، وهناك جانب خاص للمرأة .
لنأخذ بعض الأمثلة من حياة الزهراء عليها السلام ، والإنسان لا بد أن يرى والمرأة لا بد أن ترى إلى أي حدّ وصلت من هـذه الأمور التي قامت بها الزهراء عليها السلام ، فالرجـل يرى زوجته إلى أي حد وصلت ، وبناته إلى أي حد وصلن ، وهو يستفيد أيضا من هذه القصص ، هناك من حياة أهل البيت عليهم السلام نتاج ، وهذا النتاج نأخذه ونطبّقه على حياتنا ونصـير مـؤمنين ، وإذا كـنـا نأخـذه ولا نطبّقـه على حياتنا فلا نكون مؤمنين واقعا ، الإنسان الذي يؤمن بأهل البيت عليهم السـلام لا بـد أن تكون حياتـه قائمة على ما يقولونه وما يقومون به .
مثلا مهر الزهراء عليها السلام كان خمسمائة درهم (1) ، فنسأل : لماذا هذه القيمة بالذات ؟ بيت الزهراء عليها السلام كيف كان ؟ ماذا كان يوجد في بيت الزهراء عليها السلام ؟
لنستفد من قصص أهل البيت عليهم السلام ، ولنحاول أن نصل إلى هذه المراتب العالية التي جعلهم الله تعالى فيها .
نريـد أن يكون بـيتنا بطريقـة معيّنة بحيث نحاول أن نكون مثـل أهـل البيـت عـليهم السلام ، لا نقول بنفس الطريقة تماما ، لا نقول إذا كانت أرضية بيتهم من التراب نضع ترابا في بيوتنا ، هناك مقـدار معيّن يمكن القيام بـه ، هناك حاجة كانت موجودة في زمانهم تتناسب مع زمانهم ، والحاجات تتغيّر حسب الزمان ، ولكن الحاجة تظل حاجة ، فننظر إلى الحاجات التي تتناسب مع زمانـنا ، وأكثر مـن هـذه الحاجة المفروض من الإنسان المؤمن أن لا يأخذه ، وهناك مقدار معيّن يعبّر عن الحاجة .
لنقـرأ مـاذا كان يوجـد في بيت الزهراء عليها السلام (1) ، كان يوجـد في بيتها سرير ، ولكن كيف كان السرير ؟ هل كما يفعل الناس الآن ؟
مثلا إذا كانت المرأة الآن عروسا فإنها تشتري ديباجة فقط بمائتي دينار أو أكثر دون النظر إلى باقي الأثاث .
وكان في بيتها عليها السلام فراشان من الخيش ، هناك مقدار حسب الحاجة يستطيع الإنسان أن يجعله في بيته ، فراش قد يكون بعشرة دنانير ، وهناك فراش بمائة دينار ، وهناك فراش بألف دينار ، هناك حاجات يستطيع الإنسان أن يقتصر فـيها على الحـد الأدنى ، ففي بيتـها فراشان من الخيش أحدهما محشوّ بليف ، والآخر محشوّ بصوف الغنم ، وأربعة مساند من الجلد حشوها من نبات طيّب الرائحة ، وستر من الصوف ، وحصير ، ورحى لطحن القمح والشعير ، وطشت من نحاس ، ومطهـرة ـــ أي إبريق ـــ ، وجرّة ، و كوز من خزف ، وقربة ماء ، وإناء للبن ، وكوب للماء ، هذا هو بيت الزهراء عليها السلام .
طبعـا الحاجات قد تتغيّر من زمان لآخر ، بدل ما نستعمل الآن جـرّة للـمـاء نـسـتعمل البرّادة الكـهربـائيـة ، ولكن البرّادة أنـواع ، فما النوع الذي يشتريه الإنسان ؟
نتعلّم من هذه المناسبات أن نستفيد من أهل البيت عليهم السلام ، ستارة قد يشتريها الإنسان بعشرين دينارا ، وهناك ستارة بمائة دينار أو مائتي دينار ، الهدف من الضوء أن ينير المكان ، فـهـو وسـيلة لإضاءة المكان ، فيضع الشخص شيئا ولا يكون الـهـدف الإنـارة ، يكون الهـدف هو الزينة ، فيضع مقدارا من المال على زينة لا يوجد لها حاجة ، الهدف هو الإضاءة ، ولكن ينقلب الهدف إلى زينة ، والوسائل تنقلب إلى أهداف .
إنـسـان يحتـاج إلى سـيارة لتكـون وسـيلة للنقل ، فتصير السيارة غـاية للظهور بمظهر معيّن وهو ما نسمّيه " الكشخة " ، البيت هدفه أن يكون مكانا لإيواء الإنسان ، فينقلب إلى هدف التفاخـر والتـنافس في البيـوت ، فيجعـل في بيتـه أمـورا فخمـة مترفـة ، وهذه الوسائل تنقلب إلى أهداف عند الإنسان ، فإذا صارت الوسـائل أهدافا فإن الإنسان لا يكون عابدا لله تعالى ولا يكون متّبعـا لأهل البيت عليهم السلام ، بل يكون متّبعا لأهوائه لأن الأهـواء تجعلـه يرغـب في كثـير من الأشياء ، فيكون المحرِّك هو الهوى ، ولا يكون المحرّك هو التقرّب إلى الله ولا اتّباع أهل البيت عليهم السلام .
ونأتي إلى بيت الزهـراء عـليها السلام مرة أخرى ، ماذا يوجد في بيتها ؟
تقول الرواية : ونشر علي عليه السلام أرض البيت بالرمل ، ونصب عليه السلام خشبة توضع عليها الثياب ، وبسط عليه السلام جلد كبش ومخدّة من الليف .
هذه هي الحاجات التي كانت في الماضي ، والحد الأدنى من الحـاجـات كان أهـل البيت عليهم السلام يأخذونها ، الزهراء عليها السلام كان بإمكانها أن تجعل بيتها أفخم مما كان ، ولكنهم عليهم السلام لم يكونـوا يسـيرون على أهوائهم ورغباتهم ومشتهياتهم ، كان بإمكان أمير المؤمنين عليه السلام أن يفعل أكثر من هذا ولكنه لم يفعل ، يقول عليه السلام (1) :
" ولو شئت لاهتديت الطريق إلى مصفّى هذا العسل ولباب هذا القمح ونسائج هذا القزّ ( يستطيع عليه السلام أن يفعل كل هذا لو أراد ، لم يكن الإمام عليه السلام فقيرا ، كان عنده أراضي ) ، ولكن هيهـات أن يغـلبني هواي ( الرغبـة موجودة عنـد الإمام عـليه السلام والهوى موجود عنده ، هناك رغبات موجودة عند الإمام عليه السلام في هذه الدنيا ، ولكن لم يكن مطيعا لهواه ، يستطيع أن يصل إلى مصفّى العسل ويلبس أفخم الثياب ويجعل في بيته أفضل الأشياء ، يقول عليه السلام : " ولكن هيهات أن يغلبني هواي " ، لم يكن الهوى والرغبات تسيّره ، ثم يقول أمير المؤمنين عليه السلام : ) ويقودني جشعي إلى تخيّر الأطعمة ( يستطيع أن يجعل أمامه سفرة ممدودة ويجعل عليها مختلف الأطعمة ) ، ولعلّ في الحجاز أو اليمامة من لا طمع في القرص ولا عهد له بالشبع ( الإنسان المؤمن يعيش مشاعر الآخرين ، وهذه قاعدة إيمانية ، لا يعيش الأنانية ، بل يشعر بالإنسان الفقير ، لا يقول : " لا شغل لي بالفقير " ؛ لأن أهل البيت عليهم السلام كان لهم شغل بالفقراء ، وهذا العمل ليس خاصا بأهل البيت عليهم السلام ، المؤمن الحقيقي له اهتمام بالفقـراء ) ، أوأبيـت مبطـانا وحـولي بطـون غـرثى وأكبـاد حرّى ؟ ( الإنسان ينام شبعان وهو يعلم أن هناك في العالم أناسا لا يحـصلـون عـلى الطـعـام ، وأنتـم تـرونهم في التلفـاز جلـد عـلى عـظم ، كُلْ ولكن اجعل فكرك مع هؤلاء الفقراء ، لو فكّر بهؤلاء لانسـدّت شـهيّته عـن الطعـام ، ويفكر أيضا بالفقراء الذين لا مأوى لهم ولا طعـام عـندهم ، فيعيش مشاعر الآخرين ، وسيرى أن نظـرتـه إلى الأشيـاء تتغيّر وحياته تتغيّر ، لماذا خلقك الله تعالى ؟ ، يجيب أمير المؤمنين عليه السلام : ) فما خُلِقْتُ ليشغلني أكل الطيّبات كالبهيمة المربوطة همّها علفها ( هناك أناس يعيشـون من أجل أن يأكلوا ، وهناك أناس يأكلون من أجل أن يعـيشـوا ، فما خُلِقْنـا فقـط مـن أجـل أن نفكر بأن غدًا ما هو طعـام الغداء وما هو طعـام العشاء ، ثم يتابع أمير المؤمنين عليه السلام : ) تكترش من أعلافها وتلهو عمّا يراد بها ( هكذا الحيوانات تأكل وتشرب وتجترّ ، والمفروض أن الإنسان لا يكون كذلك ، لا ينشغل بالأطعمة ويلهو عما يريد الله عز وجل منه ، فيلهـو عن " وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ " ، وينشغل عن إمامـه عـليه السـلام لأن فكره مشغـول بالأمور الدنيوية فقط ، فإذا كان فكره كذلك فإنه يلهو وينشغل تفكيره فقط بهذه الأمور الدنيوية ويغفـل عـن الآخـرة حتى أثناء الصلاة والصيام والحج يفكـر بالأمـور الدنيوية ، والله تعالى لا يقبل من الإنسان العبادة إلا أن يقبـل الإنسان بقلبه عليها ، الإنسان يؤدي أعمالا كثيرة ولكنـه قـد يـأتي يـوم القيامـة ويرى أن صحيفتـه خاليـة من أي عمـل لأنه أثنـاء العبـادة لم يكن مقبلا بقلبه عليها ، فأثناء الصـلاة كان يفكـر بقضـايا دنيويـة ، ويحصـل ذلك لأنه خلال اليوم يكون منشغـلا بالأمـور الدنيوية وعندما يأتي إلى الصلاة يكون تفكيره ما زال مشغولا بهذه الأمور الدنيوية .
نرجـع إلى سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء عليها السلام : كانت عليها السلام تطحن الشعير بالرحى بيدها ، وتصنع الخبز وتكنس البيت بنفسها .
في رواية أن الرسول صلى الله عليه وآله دخل على ابنته فاطمـة سـلام الله عليـها وهي تبكي وتطحن بالرحى ، وعليها كساء من الجلد ، فلما رآها الرسول صلى الله عليه وآله بكى ، هذا هو رسول الله سيد البشر صلى الله عليه وآله وهذه هي سـيدة نسـاء العـالمين عـليها السلام ، فقـال صلى الله عليه وآله : " يا فاطمة ! تجرّعي مرارة الدنيا لحلاوة الآخرة " (1) .
نعم هناك تعب في الدنيا ، ولكن في المقابل هناك ثواب في الآخرة ، الإنسان قد يمنع نفسه عن كثير من الأشياء ويحس بمرارة ، مثلا يجعل في بيته ما يحتاجه فقط ، النفس ترغب إلى أشياء أكثر ، وكلما يحصل الإنسان على شيء ترغب نفسه إلى أشيـاء أكـثر ولا تقـف عـند حدّ معيّن ، لذلك لا يملأ عيني ابن آدم إلا التراب أي أن رغباتـه تـنتهي عـندما يموت لأنه لا يشبع مـن الدنيا ، فالإنسان يريد لأن النفس تهوى وترغب لا لأن الله عز وجل يرغب ويريد .
إلى أي حـدّ أنت تـتأثر بهـذه الأشيـاء التي تقوم بها سيدة نسـاء العـالمين عـليها السـلام ، هل نقيم حياتنا على أساس حياتـهم ؟ هـل نحن فعلا مأمومون أم نحن بعيدون عن أهل البيت عليهم السلام حيث إننا لا نفكر بهم ولا بما يريدون منا ؟
نعم نقول نحب أهل البيت عليهم السلام ، ولكن ماذا فعل أهل البيت عليهم السلام ؟ ، لا علم لنا بذلك ، لو كانوا معنا مـاذا يفعلـون ؟ لا نـدري ، مـاذا يريد منا الدين ؟ ، لا ندري ، لأنه ولد شيعيا صار شيعيا لا اقتناعا بهذا الدين وبهذا المذهب الذي يمثل الدين الإسلامي الصحيح ، لو ولد سنيا لصار سنيا ، ولو ولـد يهوديـا لصـار يهوديـا ، ولو ولد مسيحيا لصار مسيحيا ، ولو ولد بوذيّا لصار بوذيّا .
في روايـة (1) : تقاضى علي وفاطمة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله في الخدمة ( أي مـا هـو دور الرجـل المؤمـن في بيتـه ؟ ومـا هي مسؤولية المرأة المؤمنة في بيتها ؟ ) ، فقضى الرسول صلى الله عليه وآله على فاطمة عليها السلام بخدمة ما دون الباب ( أي مهمة المرأة المؤمنة تكون داخل البيت ) ، وقضى على علي عليه السلام بما خلف الباب ( أي مهمة الرجل المؤمن تكون خارج البيت ) .
فدور المرأة المؤمنة يكون داخل البيت ، ودور الرجل المؤمن يكون خارج البيت ، وهذا كلام رسول الله صلى الله عليه وآله ، هل أوضاعنا اليوم هي هكذا أو لا ؟
المرأة الآن بمجرد ما تنتهي من المدرسة الثانوية تفكر بالدراسـة الجامعيـة ، وبعـد ذلك تريـد أن تعمـل في وظيفة ، فتفكير المرأة الشيعية اليوم ليس كما يريد رسول الله صلى الله عليه وآله ، حياتنا اليوم لا تعبِّر عن حياة أهل البيت عليهم السلام ، وسبب ذلك أننا لا نعرف ماذا يريد أهل البيت عليهم السلام منا ، لا نقرأ ولا نطّلع على روايات أهل البيت عليهم السـلام ، فنحن شيعة بالاسم فقط ، فكيف يكون الإنسان شيعيا وهو لا يعلم ماذا يريد أهل البيت عليهم السلام منه ؟ وكيف يلتـزم الإنسـان بشيء مجـهول عـنده ؟ ، فيلتزم بشيء خيالي وهمي ، وهل تقبل المرأة اليوم جواب فاطمة عليها السلام على كلام رسول الله صلى الله عليه وآله أو لا ؟
فقالت فاطمة عليها السلام : " فلا يَعْلَمُ ما دخلني من السرور إلا الله بإكفائي رسولُ الله تَحَمُّلَ رقابِ الرجال " .
أي دخلني من السرور ما لا يوصف وما لا حدّ له ، ومقدار هـذا السرور يعلمه الله فقط ، وهذا السرور ناتج من أن الرسول صلى الله عليه وآله كفاني الخروج خارج البيت حتى لا أختلط بالرجال ، هل هناك امرأة تقبل بذلك ؟ هل توجد امرأة الآن يحصل عندها سرور بذلك ؟ هل هناك امرأة تقبل بينها وبين نفسـها أن لا تخرج خـارج البيـت حتى لا تختلـط بالرجال ولا يراها الرجـال ؟ هـل يوجد عند أي امرأة رغبة حقيقية بأن تكون مثل سيدة نساء العالمين عليها السلام ؟ وهل تقبل أي امرأة بأن لا تخرج من البيت إلا للضرورة ؟
هـذا هـو كلام سـيد البشـر صلى الله عليه وآلـه ، وهذا هو قول سـيدة نسـاء العالمين عـليها السـلام ، ولنقـس حياتنا اليوم على حياة أهل البيت عليهم السلام .
لنأخذ قصة أخرى ، روي عن الإمام علي عليه السلام أن فاطمة عليها السلام شكت ما أصابها من أثر الرحى عندما تطحن الشـعير فأتى النبي صلى الله عـليه وآلـه مـن الإمـاء فأرادت فاطمة عـليها السلام خادمـة فقـال النبي صلى الله عـليه وآله لعلي وفاطمة عليهما السلام : " أنا أُعَلِّمُكُما خيرا ممّا سألتمانيه " ( هنـاك شيء أفضـل مـن الخادمـة ، هذه هي مقاييـس رسـول الله صلى الله عـليه وآلـه ، وهي مقاييس أخرويـة لا مقاييـس دنيويـة ، فما هو الشيء الأفضل من الخادمة ؟ ) ، قال النبي صلى الله عليه وآلـه : " إذا أخذتما مضاجعكما فكبّرا أربعا وثلاثين وسبّحا ثلاثا وثلاثين واحمدا ثلاثا وثلاثين ( وهـذه هي التسبيحـة التي تسمى " تسبيحـة الزهراء عليها السلام " ) ، فهو خير لكما من خادم يخدمكما " (1) .
من عنده هذا المقياس ؟ ، تسبيحة الزهراء عليها السلام أفضل من وجود خادمة تخدم في البيت ، تفكيرنا تفكير دنيوي ، نريـد أن نرتـاح بالمقدار الذي نستطيع ، المرأة تريد أن ترتاح من شغل البيت ، لماذا تريد ذلك ؟ ، لا تريد من ذلك أن تتفرّغ للعبادة ، بل تريد من ذلك أن تخرج إلى خارج البيت ، فالهدف هدف دنيـوي ، والزهـراء عليها السلام تريد خادمة من أجل هدف أخـروي ، فيوجـد فـرق بين هـدف الزهـراء عليها السلام مـن الخادمـة وبين هدف المرأة اليوم من الخادمة ، إذا تعبت المرأة في بيتها فإن الله عز وجل يقدّم لها شيئا مقابل ذلك .
عن أسماء بنت عميس (1) قالت : كنت عند فاطمة عليها السـلام إذ دخـل عـليها النبي صلى الله عليه وآلـه وفي عنقها قلادة من ذهب ( لا بأس أن تلبـس المرأة الذهـب بل قد يستحب لها أن تتزين بشيء ) ، فقال لها : " يا بنية ! لا تغترّي بقول الناس فاطمة بنت محمد ( فيعطونك مكانة ومنـزلة ) ، وعليك لباس الجبابرة ( قلادة الذهب للزهراء عليها السلام لباس الجبابرة لأن حيـاتـها لا بــد أن تكون كحياة أفقر إنسان في الجزيرة العربية ، ماذا تظنون أن الزهراء عليها السلام فعلت عندما سمعت قول الرسول صلى الله عليه وآله ؟ ) ، فقطّعتها الزهـراء عليها السلام لساعتها ( بمجـرد مـا سمعت كلام الرسـول صلى الله عـليه وآلـه أخرجـت القـلادة مـن عنقها وقطّعـتهـا ) وباعـتـها ليـومـها واشـترت بالثـمن رقبـة مؤمنـة وأعتقتـها ، ( المرأة يمكن أن تبيـع ذهبهـا ، ولكن سـوف تجعل قيمـة الذهـب لقضايـا دنيويـة أخرى ، فانتقلت من الدنيا إلى الدنيـا ، بـدل الذهـب تشـتري أثاثـا لبيتـها ، فلم يتغيّر شـيئا ، ولكن الزهـراء عليها السلام تصرّفت بهذا المال بما يرضي الله تعالى ، فسألت ما هو أفضل عمل أقوم به ليرضى الله عني ؟ ، ففي ذلك الزمان كان عتق رقبة أفضل عمل ، الآن لو باعت الزوجـة ذهبهـا وتصـدّقت بالثـمن لاسـتنكر زوجـها عملها ، لقال لها : " اجعلي المال للقروض الكثيرة التي تثقل ظهورنا " ، فالمقاييس الآن مقاييس دنيوية ، هدفنا الدنيا فقط ، نعيش في الدنيـا للدنيا ونريد الجنة بلا مقابل وبلا تعب ، وكأن الله تعالى سيقدّم لنا الجنة مجّانا ) ، وبلغ عمل الزهراء عليها السلام رسول الله صلى الله عليه وآله فسرّ بذلك .
وقـال النبي صلى الله عليه وآلـه لفاطمة الزهراء عليها السلام : " تجرّعي مرارة الدنيا لحلاوة الآخرة " (1) .
إن الشـخص الذي لا يشعر بأي تعب ولا يأتي بأي جهاد للنفـس في الدنـيـا لا يظنّ أنـه سيدخل الجنة ، من يكون همّه الدنيا فقط لا يظن أنه سيصل إلى الجنة ، المفروض أن الإنسان لا يعيش في الدنيا كالحيوانات يأكل وينام وكأنه لا توجد عليه أي مسؤولية .
ورأى رسول الله صلى الله عليه وآله ستارا على بيت فاطمة عليها السلام وعليها قُلْبان ـــ أي سواران ـــ من فضة ، فرجع الرسـول صـلى الله عـليه وآلـه ، فلـما رأت فاطمـة ذلـك ظنّت أنـه لم يدخل عليها لما رأى ، فهتكت الستر ونزعت القلبين وأرسلتهما إلى الرسول صلى الله عليه وآله وقال : " يا فلان ! اذهب بهذا إلى بني فـلان فاشتر لفاطـمة قلادة من عـصب (1) وسوارين من عاج (2) فإن هؤلاء أهل بيتي ولا أحب أن يُذْهِبوا طيّباتِهم في حياتهم الدنيا " (3) .
التزيّـن مسـتحب للمـرأة حتى لـو كان بشـيء مـن عصب أو عـاج ، وكلام النبي صلى الله عليه وآله موجّه لنا أيضا أن لا نُذْهِب طيّباتنا في حياتنا الدنيا بل نترك طيباتنا لآخرتنا .
سلمان المحمدي رضوان الله عليه يسألونه : أين متاعك ؟ ، فيقول : بعثته إلى دار أخرى ، الدار التي سيكون خالدا فيها ، والموجـود في بيت سلمان المحمدي آنية للأكل وطشت لغسيل الملابس وإبـريق للتطهير (1) ، ويقول سلمان : هذا متاعي وهو كثير وأسـتحي أن أقابـل رسـول الله صلى الله عليه وآلـه بهذا المتـاع الكثير .
إذن ماذا نقول نحن بما يوجد في بيوتنا ؟ ، لو نسأل سلمان رضوان الله عليه : ماذا تقول عن الأثاث الموجود في بيوتنا ؟ ، لأجاب بأن بيوتكم بيوت الجبابرة ، أذهبتم طيباتكم في حياتكم الـدنـيـا ، لماذا لا تفكرون بالآخـرة ؟ ، تفـكرون فقط بالدنيا الفانـيـة ، والتفكير بالآخرة هو المهم لأن هذا البيت يدوم له ثلاثين أو أربعين سنة لا أكثر من ذلك ، وبمجرد ما يموت يبيع أولاده هـذا البيـت ويأخـذ كل واحـد منـهم نصيبه من الميراث ، وقد أتعب نفسه وضيّع عدة سنوات في بناء هذا البيت ، هناك أشـخاص بنوا بيتا ، ولكن لم يسكنوا فيه لأنهم ماتوا قبل ذلك ، لو كان يعلم أنه سيموت هل كان يبني بيته ؟! ، وهو يعلم أنه سيموت إن عاجلا أو آجلا ، ويروى أن عزرائيل دخل على أحد الأنبياء عليهم السلام وقال له : أريد أن أقبض روحك ، فقال النبي عـليه السـلام ــ بما معنـاه ــ : اعطـني فرصة لأنك لم تعطـني علامة على أنك تريد أن تأتي لقبض روحي ، قال عزرائيل : أعطيتك علامات ، أين أبوك ؟ أين جدك ؟ أين جدتك ؟ أين خالك ؟ أين . . . ؟
إذا مات للإنسان أحد أقربائه فإن هذا علامة على أن دوره سـيـأتي ، الإنسـان الذي سـيموت لا بد أن يفكر ماذا يريد أن يأخـذ لآخرتـه ، الأمـور الدنيويـة زائلة ، خذ من الدنيا الشيء الذي تحتاجـه لتسيير أمورك الدنيوية لا أكثر من ذلك ، الكشخة أين توصـلك ؟ ، إذا ركـبت السـيارة الفخمة على ماذا تحصل ؟ ، وإذا سكنت أفضل بيت في منطقتك فماذا بعد ذلك ؟ ، فالسيارة الفاخـرة والبيـت الذي يلفـت الأنظار والأثاث الفخم كلها أمور زائلة ومصيرها الدمار والخراب ، لا نريد أن نُذْهِب طيباتنا في حياتنا الدنيا ، لا بد أن نترك شيئا للآخرة ، فهو إن عاجلا أو آجلا سينتقل إلى القبر ويُسْأل عن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقـه ، ويُسْـأل عن كل شيء ، سيُسْأل عن كل فلس فلس ، ماذا قدّمت لآخرتك ؟ ، الجواب : لا شيء .
الارتباط بأهل البيت عليهم السلام ومعرفة جوانب حياتهم أمر مهم ، وجوانب حياتهم لا بد أن نطبقها على حياتنا ، فهل نحن قريبون أم بعيدون من أهل البيت عليهم السلام ؟ ماذا نعمـل في حياتـنا ؟ مـاذا نقدم خلال اليوم لآخرتنا ؟ ، كل حياتنا تضيع في التفكير بالأمور الدنيوية حتى أثناء الصلاة نفكر بالقضايـا الدنيويـة ، وبذلك لا يحصل الإنسان على ثواب الصلاة لأن الثواب مترتّب على تفاعل الإنسان مع العبادة ، ولا يحصل عـلى الثـواب بمجـرد أدائـها ، يتفاعـل مـع الصلاة فتتغير حياته إلى غاية الصلاة التي هي الانتهاء عن الفحشاء والمنكر ، يقول تعالى : " إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ " (1) .
والصـلاة الـتي لا تـنهى عن الفحشاء والمنكر هذه ليست بصلاة ، هي مجرد حركات وأقوال كما يأتي الإنسان بأي أقوال وأفعـال أخـرى ، الإنسان يصلي ولكن ذهنه في مكان آخر ، حتى في هذه الدقائق الخمس لا يتفرّغ لعبادة الله ويكون قلبه مشغولا بالقضايا الدنيوية ، والإنسان لا بد أن يفرّغ قلبه من الأمور الدنيوية حتى يستطيع أن يعبد الله تعالى ، وإذا كان يشغل نفسه بالأمـور الدنيوية فإنه لا يستطيع الحصول على التوجّه أثناء الصلاة ، التفرّغ لا يعني أنه خلال اليوم والليلة يصلي فقط ، بل حياة الإنسان كلها تصير عبادة إذا عرف ماذا يريد منه أهل البيت عليهم السلام خلال اليوم والليلة ، فيطبِّق ما يريدون فيكـون عـابـدا لله تعـالى في كل مـفـردات حيـاتـه ، في اليقظة والنـوم ، في الأكل والشرب ، في البيع والشراء ، وفي كل ما يعمل يكون مطبِّقا لما يريده أهل البيت عليهم السلام ، مثلا يشتري ولكن يشتري أقل بكثير مما يشتري الناس لأن حاجة الإنسان تُقْضَى بهـذا القليل ، يستطيع أن يكتفي بربع ما يصرفه الناس ، شخص معاشه ألف دينار وفي آخر الشهر لا يوجد عنده شيء ، ويستطيع أن يعيش بربع هذا المبلغ في الشهر .
هذه هي فاطمة الزهراء عليها السلام ، من يريد أن يكون مثلـها يتّبعها فـيما تقول وتفعـل ، المرأة التي تريد أن تكون مؤمنة حقيقية هذه سيدة نساء العالمين عليها السلام أمامها ، وإذا اتّبعتها في الحياة الدنيوية فإن يوم القيامة تشفع لها الزهراء عـليها السـلام ، وإذا لم تتّبعها في الدنيا فالزهراء عليها السلام هناك تقول إنها لا تعرفها .
وأنت أيها الرجـل يسألك الإمام علي عليه السلام يوم القيامة عن اتّباعك له ، فهل أنت متّبع له في الدنيا ؟ ، فإذا كنت متّبعا لـه في الدنيـا فيقول لك : أنا أسقيك من ماء الكوثر ، وإذا لم تكن متّبعا فإنه لا يسقيك من ماء الكوثر ، الحياة الأخروية انعكاس للحـيـاة الدنيويـة ، فإذا كان الإنسـان متعلِّقا في الدنيا بأهل البيت عليهم السلام فإنه يكون متعلِّقا بهم في الآخرة .
والزهراء عليها السلام تلتقط يوم القيامة شيعتها كالتقاط الطير للحب الجيد من بين الحب الرديء (1) ، وهذا الالتقاط يكون للشـيعي المتَّبع ، والشخص الذي لا يكون متَّبعا لا يستحق اسم " الشيعي " ، فالشيعي الحقيقي لا يكون شيعيّا بلسانه ، شـيعي اللـسـان لا يظن أنـه سـيدخل الجنة بالهوية ، قد يكون شيعيّا بالاسم ولكن أعماله لا تعبِّر عن التشيّع .
في هذه المناسبات نرتبط بأهل البيت عليهم السلام ارتباطا عـمليا بحيث يسـتفيد المؤمن بعض الاستفادات بينه وبين الله تعـالى ، ولا شـغل لـه بالآخرين ، ولا يراقب الآخرين ، فالإنسان هـو الـذي يتغيّر ، وتغيّره لا يكون متوقّفا على تغيّر الآخرين حتى لـو كانوا أقـرب النـاس له ، وعلى أساس تغيّره يغيّر حياته بما تعلّم من أهـل البيـت عليهم السلام ، ولا بد أن نقرأ عن حياة أهـل البيـت عـليـهم السـلام ونطّـلع عـلى روايـاتهم حتى نغيّر حياتـنا ، والمؤمنون لا بد أن يغيّروا حياتهم حتى تكون حياتهم معبّرة عـن تعاليم أهـل البيت عليهم السلام ، وبدون تغيير الإنسان حياته لا يستطيع أن يقول عن نفسه إنه شيعي ، فنغيّر حياتـنا في هـذه المناسـبات ، ونسـتفيد مـن هـذه المعلومات حتى نغيّر حياتـنا العملية ، وبذلك نحصل على التوفيق في الحياة العلميـة والعملية ، والناس يقصدون من التوفيق في الحياة العلمية الحصول على الشهادة ، ومن التوفيق في الحياة العملية الحصول عـلى الـوظـيـفـة ، وأما الـمـؤمـن فـإن تـوفـيـقـه في الحـياة العـلمـية هـو الحصول على المعلومات من أهل البيت عليهم السلام ، وتوفيقـه في الحـيـاة العمليـة هو تغيير حياته بهذه المعلومات ، وبذلـك يسـتطيع أن يصعد في الدرجات العليا ، وأما مع الحياة التي يعيشها المؤمن اللساني الآن فلا يكون بإمكانه أن يُحْشَر مع رسـول الله صلى الله عـليه وآلـه ولا يستطيع أن يحصل على شفاعة أهل البيت عليهم السلام .
والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا أبي القاسم محمد وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين .
رمضـان شهر تغيير النفس (1)
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا أبي القاسم محمد وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين .
قال الله تعالى في كتابه الكريم : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ " (2) .
شـهر رمضان المبارك شهر تنـزل فيه بركات الله على عباده ، شـهر تُصْفَدُ فيه الشياطينُ ، شـهر تُغْلَقُ فيـه أبوابُ النيران وتُفْتَحُ فيـه أبـواب الجـنان ، شـهر رحمة الله تعالى وشهر الاستغفار وقبـول الأعمال ، شهر خاص بالله تعالى ومنسوب إليه سبحانه ، شـهر العتـق حيث يعتـق الله فيـه رقـاب عـباده من النار ، شهر ربيع الفقراء حيث تكثر فيه الصدقات ، شهر تغيير النفس من عاداتها وإخراجها من أسرها للعروج في ملكوت الله عز وجل .
في هـذا الشهر الفضيل من الممكن أن نتحدث عن عدة جوانب وعـدة مواضيع ، لنأت إلى جـانب واحـد وهو موضوع " تغيير النفس " ، ويأتي الموضوع ضمن الأسئلة التالية :
السؤال الأول : هل يمكن للإنسان أن يغيّر نفسه أو لا يمكن ؟
الجواب :
نعم ، يستطيع الإنسان أن يغيّر نفسه ، وإذا كان الإنسان يستطيع أن يغيّر نفسه فلماذا لا يتغيّر الناس ؟!
تجـد أن حيـاة معظم الناس بشكل عام حياة رتيبة ثابتة ، تجد قليلا من الناس يتغيّرون مع أن الإنسان قادر على تغيير نفسـه ، بالتأكيد يستطيع الإنسان أن يغيّر نفسـه وينتقل من حال إلى حـال إذا أراد ذلـك ، ولكن إذا كان قانعا بوضعه فإنه لا يسعى إلى تغيير نفسه ، الله تعالى جعل هذه القدرة للإنسان ، وإذا غيّر الإنسـان نفسـه تصاعـديّا نطـلق عـليه حالـة التكامل ، وإذا غـيّر تنـازليّا نطـلـق عـليه حالة التسافل ، فالتغيير إما أن يكون إيجابيّا وإما أن يكون سلبيّا ، فيأتي التكامل والتسافل .
إذن : الجواب على السؤال الأول هو أن الإنسان يستطيع أن يغيّر نفسه .
السؤال الثاني : إلى ماذا يغيّر الإنسان نفسه ؟
الجواب :
يغيّر الإنسان نفسه إلى الأحسن والأفضل ، فنطرح السؤال التالي : ما هو هذا الأحسن والأفضل ؟
وأطرح هذا السؤال على كل أحد وهو : ما هو هذا الأفضل الذي تبحث عنه ؟
ويأتي الجواب سريعا : وظيفة جيدة وراتب جيد وبيت جيد ، وهل يوجد غير هذا عند الناس بشكل عام ؟!
معنى ذلـك أن المقاييس مقاييس ماديـة ، عندما نقول إن هذا الشخص تحسّن وضعه فما معنى ذلك ؟
معناه أنه صعد إلى درجة أعلى في وظيفته أو أن راتبه زاد حتى لو كانت الناحية العبادية عنده صفرا ، قد يكون تاركا للصـلاة ، ومع ذلـك نقول إن وضعه تحسّن ؛ لأننا نعيش مقاييس مادية ، هذه المقاييس هي المنتشرة اليوم بين الناس ، وليست المقاييس مقاييس إلهية روحانية .
إذن : مفهوم الناس عن الأفضل والأحسن هو الحصول على وظيفـة جيـدة وراتب جيد وبيت جيد وسيارة جديدة إلى آخر هذه الأمور المادية .
هل المقاييس عند أتباع أهل البيت عليهم السلام تكون بهذه الطريقة بأن يعيشوا المقاييس المادية أو أن المقاييس الموجودة عندهم لا بد أن تكون مختلفة عن الأناس الآخرين ؟
إذا كان الإنسان يدّعي أنه شيعي من أتباع أهل البيت عليهم السـلام فالمفروض أن يعيش مقاييس من هذا المذهب الذي يقول إنـه مقتنع بـه ، فلمـاذا نعيش هـذه المقاييس المادية ؟ ولماذا لا تكون مقاييسنا مقاييس إلهية نأخذها من مصادرها وهي الكتاب الكريم والسنة الشريفة ؟
مجرّد القول : " إنني شيعي " ؛ لا يكفي للإنسان المؤمن ، فإذا كان شيعيا ويعيش مقاييس مادية فيكون عنده شيء من التناقـض لأن كلامه شيء ولكن فعله يدل على شيء آخر ، بالكلام يقـول إنه مؤمن ، ولكن الإنسان الذي يعيش مقاييس مادية فقط لا يكون مؤمنا حقيقة ، لو كان مؤمنا حقيقيا لأخذ هـذه المقاييس من أهل البيت عليهم السلام ، فمن يدّعي التشيّع عـليه أوّلا أن يأخـذ المقاييـس من أهـل البيت عليهم السلام ، وثانيا يطبّق هذه المقاييس على نفسه حتى تكون عنده النظرية وتطبيق النظريـة ، يأخـذ النظريات من أهل البيت عليهم السلام ويطبّقهـا في حياتـه ، ولكن نحن الآن في واقعنا نعيش النظرية فقط ، نؤمن بكثير من الأشياء ، ولكن من ناحية عملية نحن لا نطبّق كثيرا من هذه الأشياء ، نعم نطبّق في حدود العبادات الظاهرية ، ولكن لا نعيش حقيقة العبودية ، نتمسك بالصلاة والصيـام الظاهـريين ، نعم ظاهـرا نحن نصلي كحركات وأقوال ، ولكن لا نعيش حقيقة الصلاة ، نعم نصوم ونمسك عن الطعام والشراب ، ولكن لا نعيش حقيقة الصوم ، نعم قد نشعر بالجوع والعطـش ، ونسمع الناس يقولون : " الحمد لله لم نشعر بالجوع في شهر رمضان " ، لماذا لم يشعر بالجوع ؟
إذا لم يشعر بالجوع معنى ذلك أنه كان يأكل كثيرا ، تذهب إلى الجمعيـة التعاونية في أول شهر رمضان لا تحصل على عربة ، هل هذا الشهر هو شهر الجوع أو شهر الأكل ؟
يعيشون الصيام الظاهري فقط ، وانظر إلى السّفرة وقت الإفطار ، لا يعيشون حقيقة الصيام مع أن هذا هو المطلوب من الصائم .
المؤمـن الـذي يؤمـن بالأئمـة عليهم السلام إيمانا حقيقيا يحاول أن يغـيّر نفسـه إلى الأحسن والأفضل حسب المقاييس الإلهيـة كـما يريـد أهـل البيت عليهم السلام ، فيأخذ هذه المقاييس والنظريات منهم ثم يطبّقها على حياته ، وهذه هي أهميـة الارتبـاط بين العـلم والعمـل ، الإنسـان يعلم أوّلا ثم يعمـل ، لا يكفي أن يقـول : " أنا أؤمـن بأهل البيت عليهم السلام " ، فإذا سألته : وماذا يوجد عند أهل البيت عليهم السلام ؟ ، يجيـب : " لا أدري " ، مـا هي نظرة أهل البيت عليهم السلام إلى الصلاة ؟ وما هي نظرتهم عليهم السلام إلى الصيام وإلى الحج ؟ ، هم عليهم السلام يذكرون في رواياتهم كثيرا من الأشياء ، ولكن أين ذلك الإنسان المؤمن الذي يقرأ ؟!
لا يوجد إلا النادر النادر من القرّاء ، المؤمن مشغول دائما خارج البيت في الزيارات العائلية والديوانيات والأسواق ، الديوانيات النافعة لا بأس بهـا ، ولكن المؤمن يحتاج أن يقرأ ويطّلع بنفسه على بعض الأمور ، ينظر إلى كتب الروايات حتى يعرف ماذا يريد أهل البيت عليهم السلام منه ، فيأخذ هذه المقاييس ويجسّدها في حياته ، وبذلك نقول عنه إن هذا إنسان شـيعي بتـصرفاته ، يقـول الإمـام الصـادق عـليه السـلام : " كونوا لنا دعاةً صامتين " (1) .
إذا كنا نأخـذ المقاييس الدنيويـة عن الأحسن فهذا يعتبر فهما دنيـويـا بحتـا ، ونكون غافـلين عـن الآخـرة عندما نقيس الناس على أسـاس المقاييس الماديـة ولا ننظر إلى الناحية الروحية عندهم ، الإنسـان الأحسن هـو الذي يكون مقام قربه من الله أكثـر ، المفـروض أن تكون النظرة هكذا ، فتغيير الإنسان نفسه إلى الأحسن معناه أنه أقرب درجة إلى الله تعالى ، هذا هو الأحسن ، فمن هو الأفضل عند الله تعالى ؟
الأفضل إليه تعالى من يكون أقرب إليه عز وجل ومن يكون أكثـر إيمانـا وأكثـر تقـوى لا مـن يكون أكثـر مـالا أو جمالا ، لا بد أن تتغيّر نظرتـنا إلى الأحسـن والأفضـل ، نريد أن نغيّر أنفسنا إلى هذه الدرجة إلى المقام الأقرب إلى الله تعالى .
الآية الكريمة تقول : " لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ " ، هناك هدف من الصيام وهو أن الإنسان يصل إلى درجة التقوى ، أن يخاف الله في السـر ، لا فقـط في العلـن يتظاهـر أمـام الناس ، فيعيش في حال السر بينه وبين الله ، ماذا يفعل في الغرفة لوحده ؟
هنـا يظهـر الإنسـان المؤمن المتّقي ، قل لي ماذا تفعل في الغرفـة لوحـدك أقل لك مستواك الإيماني ، عندما يكون الإنسان لوحـده بم يفكّر ، قـد لا يرتكب محرمات ، ولكن ذهنه بأي شيء مشغـول ، قل لي بم تفكر أقـل لك من أنت ، ما هي الأفكار التي تأتي في ذهنك عـندما تكون لوحدك ، إذا كان إنسانا مؤمنا فإن أفكاره إيمانية ، وأما إذا كان تفكيره فقط في السيارة والوظيفة وغير ذلك فإن هذه قضايا دنيوية ، نعم هذه وسائل يحاول أن يحصل عليها ، ولكن لا يجعل جلّ اهتمامه في هذه القضايا .
قـد يكون معاشـه مثـلا ألـف دينـار ويظل يفكر في الأموال مع أن هذا المبلغ قد يستطيع عشر عوائل المعيشة به ، هو وزوجته يعملان وقد يحصلان على ألفي دينار وآخر الشهر لا يوجد عندهم شيء ، وإذا طلبت منه تبرعا لشهر رمضان ولو بمقدار عشرة دنانير يقول لك انتظر المعاش القادم ، والشهر القادم نسألك الدعاء فيه لأنه سينسى الموضوع .
نريد أن نصل إلى المنـزلة الأفضل والأقرب إلى الله تعالى ، فإذا تغيّرت النفـس باتجاه الله تعـالى نحصـل على مقام أقرب بعـد هـذا الشـهر ، يومـا بعـد يوم في هذا الشهر نغيّر أنفسنا باتجاه الله تعالى ، وإذا غـيّرنا أنفسنا نستطيع أن نقول إننا قد وصلنا إلى الحالـة الفضـلى والوضع الأحسن والأفضل ، فنقترب من الله تعالى تدريجيا خلال هذا الشهر .
وبعد شهر رمضان المفروض أن الإنسان قد تغيّر ، إذا كان وضعه ثابتا فمعناه أنه لم يتغيّر ، وإذا لم يتغيّر فمعناه أنه لم يستفد من هذا الشهر ، فمقدار التغيّر هو الذي يحدّد مقام هذا الإنسـان عـند الله تعالى ، نعم أسقط تكليفه الشرعي ، ولكن قد يكون ارتباطه بالأكل في هذا الشهر أكثر مقارنة بما قبل هذا الشهر لأنه خلال النهار كان يفكر بالفطور ، وبعد الفطور يفكر بالسحور ، فصار ارتباطه بالماديات أكثر مما كان قبل الشهر ، وصار عنده حالة تسافل وهو لا يشعر بها ، فمن يرتبط بالدنيا والمـادة أكثـر فإنـه تحدث عـنده حالـة تسافل ، وتظهر حالة التسافل على تفكيره وكلامه وسلوكه .
إذن : يستـطيع الإنسان أن يغيّر نفسه ، وأن يغيّرها إلى الأحسن ليس بالمقاييس المادية بل بالمقاييس الإلهية التي نأخذها من الكتاب والسنة عن طريق أهل البيت عليهم السلام .
السـؤال الثالث : هل ترغب في دخول الجنة ؟ وهل تريد أن تعيش نعيم الآخرة المذكور في القرآن الكريم ؟
الجواب :
لا يوجد أحد يقول إنه لا يرغب في دخول الجنة ولا يريد أن يعيش نعيم الآخرة ، كثير من الآيات الكريمة تتحدّث عن نعيم الجنـة ، قـد تصـل إلى مئات الآيات ، ولكن مع كل هذه الآيات التي تقـول للإنسـان إن هـذه هي الجنة نرى أن أكثر الناس غافلون ، لماذا هم غافلون ؟ ، اسألهم ألا تؤمنون بوجود هذه الجنة ؟ ، يقولون نعم نؤمن ، إذن لماذا لا تسعى للحصول على الجنة ؟
لا يسـعـون لأنهـم يعيشون حـب الدنيا وعبادة الدنيا فيغفلون عن الآخـرة ، والدنيـا والآخرة ضرّتان لا تجتمعان في قلب واحد ، وقد تسـمع من البعض أنهم يريدون الجمع بين الدنيا والآخرة مع أن الضدين لا يجتمعان ، يقولون نريد أن نحصل على الدنيا والآخرة معا فما المانع عن ذلك ؟
نقول يوجد مانع ، فإنه بمجرّد ما ينصب تفكير الإنسان في اتجاه الدنيا فإنـه يغفل عن الآخرة بنفس المقدار ، الإنسان الذي يوجّه فكره إلى الأشياء الدنيوية يغفل عن وجود الآخرة بنفس المقدار .
في روايـة عن علي بن الحسين عليهما السلام قال : " . . . ، والله ما الدنيا والآخرة إلا ككفتي ميزان ، فأيهما رجح ذهب بالآخر ، . . . " (1) .
فإذا زاد الـوزن في جهـة ونزلت الكفـة فإن الكفة الأخرى تصعـد بنفس المقدار ، إن من يعيش المقاييس الدنيوية لا يستطيع أن يتحرّك باتجاه الآخـرة لأنه يغفل عن الآخرة ، نحن نقول إننا مؤمنون بالله عز وجل وبالنبي صلى الله عليه وآلـه وبأهل البيت عليهم السلام وبالمعـاد ، ولكن لماذا لا نسـعى بنفس المقدار الذي نتقوّل به ؟
إذا سـألنا : " هـل ترغـب في دخـول الجنـة ؟ " ، من يجيب : " لا أرغب " ؛ نتركه على طرف لأنه ليس عاقلا ، نأتي إلى الشخص الذي يقول إنه يرغب نسأله : هل الإنسان بمجرّد أن يرغب يدخل إلى الجنة ؟ هل الإنسان يدخل الجنة بواسطة الرغبات ؟
إذا جلس شخص في بيته وكان يرغب أن يكون مهندسا هل يحصل على شهادة الهندسة بمجرّد الرغبة ؟ هل يستطيع أن يحصل على وظيفة عالية بالتفكير والتصورات والرغبات فقط ؟
بالطبع لا ، تريد أن تدخل إلى الجنة بالرغبة ، نقول لا يمكن ذلك ، الأماني لا تدخل الإنسان إلى الجنة ، لا بد على الإنسان الذي يريد أن يدخل الجنة أن لا يرغب فقط ، إذا كانت عند الإنسـان رغـبة فلا بـد أن يتحرّك بمقدار قوة هذه الرغبة في نفسـه ، ذاك الشـخص الذي يريـد أن يحصـل على الشهادة كم مـن اللـيالي يسـهر وكم يدرس حـتى يحصـل عـليها ، نحن نرغـب في دخول الجنة ، فلماذا لا يكون العمل بمقدار هذه الرغبة ؟
معنى ذلك أن هـذه الرغبة ضعيفة في النفس ، الإنسان يتحرك على حسـب قـوة الرغبة في النفس ، فإذا كانت الرغبة قويـة فإنـه يتحرك بمقدار هذه القوة ، وإذا كانت ضعيفة فإنه لا يتحـرك ، نعـم يـدّعـي أن عـنده رغـبة وكأنه سوف يعطى الجنة على أسـاس رغبته النفسية بدون عمل وبدون مقابل ، فإذا كانت الرغبـة موجودة عند الإنسان فلا بد أن يتحرك على أساس هذه الرغبة الراسخة في نفسه ، نعم نريد أن ندخل إلى الجنة بكل تـأكـيـد وبـكل قـوة ، فـإذا كان الكلام بكـل هـذه الـقـوة فـأيـن عـملـك ؟ ، ليكن عملك بمستوى قولك .
السؤال الرابع : أيها الإنسان الذي ترغب أن تدخل إلى الجنة ماذا فعلت وماذا قدّمت لكي تدخل إلى الجنة ؟
الجواب :
لا بد أن تقدّم شيئا وتفعل أشياء لكي تدخل إلى الجنة ، والإنسان الذي لا يقدّم شيئا لا يظن بأن الشفاعة يحصل عليها بهـذه الطريقـة السهلـة ، الشفاعـة لا تعـني أن الإنسـان يقول بلسانه : " أنا شيعي " ، فيقال له : " ادخل إلى الجنة " .
الشفاعة ليست بهذه الطريقة ، الشفاعة الأخروية تعبّر عن الشفاعة الدنيوية ، فالإنسان المتعلّق حقيقة بأهل البيت عليهم السلام في الدنيا يحصل على شفاعتهم في الآخرة ، فالشفاعة الأخروية انعكاس للشفاعة الدنيوية ، فإذا كان متمسّكا بهم في الدنيا فإنهم يشفعون له في الآخرة ، وفي بعض الروايات (1) أن المؤمـن يشفع في مثـل ربيعة ومضر ، يشفع لهم لأنه يوجد ارتباط بينه وبينهم في الدنيا حيث يأخذون منه بعض مسائل الدين ويسـتفيدون من المعلومـات التي يعطيها ، وهذه الاستفادة تنتقل من جيل إلى جيل ، ويكون هو المؤثر الأول ، ولارتباطهم به في الدنيا هـذا الارتباط ينعكس في الآخرة فيكون شفيعا لهم في الآخرة ، وليس المعنى أن المؤمن يشفع لجميع المؤمنين بلا أي ارتباط بينهم في الدنيا ، فالشفاعة تأتي من العلاقة الموجودة بينهم في الدنيـا ، وهذه العلاقة المستمرة من جيل إلى جيل تنعكس في الآخرة على شكل الشفاعة بين هذا المؤمن وبين الذين استفادوا منه ثم نقلوا هذه الاستفادة إلى الآخرين من الجيل الثـاني ، والجيـل الثـاني نقلـوها إلى الجيـل الثـالث ، وهكذا إلى يوم القيامة كل جيل ينقلها إلى الجيل الذي يليه .
وبمقدار ارتباط الإنسان بأهل البيت عليهم السلام ارتباطا حقيقيـا في الدنيـا يكون لهذا الارتباط انعكاس يوم القيامة فيقال له : " الآن تفضّل ادخل إلى الجنة " ، وبدون هذا الارتباط الحقيقي في الدنيا فإن الارتباط القولي اللساني لوحده لا يُدْخِل الإنسان إلى الجنة ، فأنت أيها المؤمن ماذا فعلت ؟ وهذا الفعل الذي تقوم به من أين أتيت به ؟
أنت تقوم ببعض الأعمال فهل أهل البيت عليهم السلام يقولون بهذا الفعل أو أننا نخترع بعض الأحكام ونسير على أساسها ؟
لا بـد أن يكون عنـد الإنـسـان مستند ودليل على ما يقوم به من أعمـال ، يرجـع إلى الرسالـة العمليـة فيجد فيها حكما شرعيا أو يرجع إلى رواية من الروايات إن كان من أهل الفحص عن الروايات فيأخذ بالرواية أو يرجع إلى آية قرآنية وإما سنة المعصوم عليه السلام ، والترتيب بالعكس بطبيعة الحال فالبحث يبدأ بالقرآن ثم السنة ومنها الروايات إن كان مجتهدا ، وإن كان مقلِّدا يبحث في الرسالة العملية ، ولا يمكن أن يعمل بحكم من اختراعه لأن الاختراع يكون إدخال شيء في الدين .
الإنسـان عندما يدّعي أنه مؤمن فهذه الأعمال التي يقوم بها لا بـد أن يكون لها مستند شـرعي من الكتاب أو السنة ، الإنسان لا يعتقد بأشياء تكون من تصوراته الخاصة ، تصوراته الخاصة دين جديد وهو يقول إنني مؤمن أي أؤمن بدين موجود ، فهذه الأفعـال التي يقوم بها لا بد أن تكون من الكتاب والسنة بطريقة مباشرة إذا كان مجتهدا يفحص في الروايات ، أو بطريقة غير مباشرة عن طريق العلماء ، والإنسان المؤمن لا يخترع بنفسه حكما جديدا ودينا جديدا .
ونسأل هنا بعض الأسئلة :
هل طريقة الحياة التي نعيشها الآن تعبّر عن مذهب أهل البيت عـليهم السـلام ؟ هل بوضعنا الحالي نعبّر عن اعتقادنا بأهل البيت عليهم السلام ؟
من يقـول : " أنا شيعي مؤمن جعفري من أتباع أهل البيت " ؛ لا بد أن يكون هناك انعكاس لاعتقاده على حياته .
نسأل كل شيعي : هل تعتبر نفسك مثالا للإنسان الشيعي في هذا الزمان ؟
الإنسان يعرف نفسه ، كل شخص منّا يذهب إلى البيت ويفكر هل أنه يمثّل ذاك الإنسان الجعفري الشيعي المطلوب في هذا الزمان أو أن حياته لا تختلف عن حياة الآخرين ؟
إن بيوتنـا لا تختلف عن بيوت الآخرين ، ومعيشتنا لا تختلف عن معيشـة الآخـرين ، فهل هو فعلا يعتبر نفسه شيعيا إماميا اثني عشريا ؟
هذا السؤال إذا أراد أن يجيب عليه لا بد أن يكون عنده مستند من الكتاب أو السنة ، هل الأمور التي يعتقد بها أخذها من مصادرها الصحيحة أو أنه كان يخترع بعض الأشياء ؟
هل إمام الزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف راضٍ عنك أيها المؤمن وأنت تعيش الآن في هذا الزمان وفي هذا المكان بوضعك الحالي ؟
هل عندك اهتمامات بالآخرة ؟ هل عندك اهتمام بهذا الدين أو أنـه غير مهم ؟ هل عندك اهتمام في أن يصل هذا الدين إلى غابات أفريقيا وإلى البرازيل وإلى أمريكا أو أن الإنسان فقط يعيش وحده ويكون اهتمامه منصبّا فقط على بيته الصغير ؟ هل يهمك أن ينتشر هذا الدين في العالم أو لا يهمك ؟
إذا كان مؤمنا حقيقيا فالمفروض أن يهتم بهذا الأمر لأن مهمـة الإمـام عجل الله فرجه نشر هذا الدين في العالم ، فإذا كان المؤمـن مهتما بذلك فإنه يكون من أنصاره ، وإذا لم يكن عنده الاهتمام بذلك فلن يكون من أعوانه ، الإمام عجل الله فرجـه ماذا يريد من شخص لا يهتم بأمر هذا الدين لأنه لن يقـوم بمساعدة الإمام عجل الله فرجه في مهمته ، إذا كان عنده اهتمام فإن الإمام عجل الله فرجه يهتم به .
أيهما تقدّم حين التعارض بين الدنيا والآخرة ؟ ، الجمع بين الدنيا والآخرة مستحيل حيث يوجد تعارض بينهما ، هل تقدم الدنيـا على الآخـرة حين التعـارض وتتـنازل عـن مقـدار مـن دينك في سبيل هذه الدنيا ؟
مثال : إنسان يؤخر صلاته بلا سبب من أجل أمر دنيوي بسـيط ، يؤخـر الصلاة بأعذار واهية ، فيقدّم هذا الأمر الدنيوي البسيط على الصلاة ، طبعا هذا مقياس وعلامة من علامات الإيمان أنه إلى أي مقدار يهتم بالصلاة ، الصلاة علامة تبيّن إيـمـان الشـخص ، فالصلاة عمود الدين (1) ، وهي عمود الدين لأن الذي يهتم بالصلاة يهتم ببقية الأشياء ، فمن يؤجل الصلاة بلا عذر إلى أي حدّ يهتم بالصلاة ؟ وإلى أي حدّ يهتم بهذا الدين ؟ ، مثل هذا الإنسان هل تستطيع أن تطلب منه أن ينشر الـصـلاة في العالم ؟ هل تستطيع أن تطلب منه أن ينشر هذا الدين في العالم ؟ ، بالطبع لا ، الإنسان إلى أي حدّ يحمل همّ هذا الدين ؟ إلى أي حدّ هو مستعد أن يضحي في سبيل هذا الدين ؟ ، الإمام الحسين عليه السلام قدّم دمه في سبيل حفظ هـذا الدين ، أيها المؤمن ماذا قدّمت في سبيل هذا الدين ؟ ، تقول له تبرّع بعشرة دنانير ؛ يقول لك لا أستطيع .
في وقت كان يتـم جمع تبرعات لعمل من الأعمال فكنا نطلب مـن بعض الإخـوة التبرع ، وكنا نبدأ بعشرة دنانير في الشهر ، فإذا قـال لا أسـتطيع قلنـا خمسـة دنانير ، فإذا قال لا أستطيع قلنا دينار ، إلى أن وصلنا إلى خمسين فلسا ، ولم نحصل حتى على هـذا الخمسـين فلسـا في الشهر ، بعض الناس يكون التفكير الدنيوي المادي مسيطرا عليهم حتى أنه لا يستطيع أن يتبرع بمبالغ بسيطة جدا .
إذن : إلى أي حـدّ أنـت مـسـتعـدّ أن تقـدّم في سـبيل هـذا الديـن ؟ ، قـد يقول شخص أنا أقدّم حياتي ، فأقول إن الإنسان يعـرف نفسـه ، " بَلِ الإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ " (1) ، يعرف أنه مستعدّ للتضحية في سبيل هذا الدين أو أنه غير مستعدّ ، الأمر ليس بالكلام بل بينـه وبين نفسـه يعرف ذلك ، إذا كان عنده استعداد حقيقي فهذا هو الذي يكون من أنصار الإمام المهدي عجل الله فـرجـه ، وأمـا الذي لا يسـتطيع أن يتـبرّع بمبلـغ زهيد جدا في سبيل هذا الدين فلا يستطيع أن يصل إلى درجة أنصار الحجة عجل الله فرجه .
هذه الأسئلة تحتاج إلى أن يجيب الشخص عليها بينه وبين نفسه حتى يعرف مقدار إيمانه ، هل هو مؤمن أو ليس بمؤمن فعـلا ؟ وكم درجـة إيمانـه ؟ وهـل أن الإيمـان داخل في قلبه أو لحـد الآن عـلى حـواف ومـشارف قلبه ولما يدخل إلى القلب ؟ ، ومن الممكن أنه بأقل شيء دنيوي يتنازل عن هذا الدين .
نحتاج إلى وقفة للمحاسبة في هذا الشهر ، والمؤمن لا بد أن يقف مثل هذه الوقفات للمحاسبة حتى يستطيع أن يغيّر نفسه ، حتى يرى أنه فعلا إنسان شيعي إمامي اثنا عشري من أتباع أهل البيت عليهم السلام أو أنه لحدّ الآن لم يصل إلى هذه المرتبة التي تؤهله لأن يقول : " إنني شيعي جعفري " .
طـبعا تغيـير النفـس ليس أمرا هيّنا سهلا ، لذلك تجد أن أكثر الناس لا يتغيّرون لأن الإنسان لا يستطيع أن يغيّر نفسه بسهولة ، وحياة كثير من الناس هكذا ، إنسان تعرفه منذ عشر سنوات ، والآن ترى أنه نفس الشخص السابق لم يتغيّر ، فقط عمره ازداد ودبّ الشيب في لحيته ، وأما أفكاره وطريقة حياته فهي هي لـم تتغيّر ، وإذا لم تتغيّر حياتـه الظاهريـة فمعنى ذلك أن حياته الباطنية لم تتغيّر لأن الإنسان أفعاله الخارجية تعبّر دائما عن معتقداته القلبية الداخلية الباطنية ، فالإنسان إذا لم يكن مكرَها ومجبـورا على أمـر وكان يتـحرك باختيـاره فأفعاله تعبّر عن اعتقاداته ، والأمور الظاهرية تعبّر عن اعتقادات هذا الإنسـان ، مثلا من يكون في فكره فقط أن يحصل على قصر يعيش فيه ما هي عقيدته ؟ ، عنده ارتباط بالدنيا لا بالآخرة ، عـنـده أمنيـة أنـه لا بـد أن يحصل على بيت بالشكل الفلاني ، وهذا ارتباط دنيوي .
إن تغيير النفس أصعب من تحريك الجبال ، ولكن تغيير النفـس يحتاج إلى مقدمة ، وهي الرغبة في هذا التغيير ، فإذا كان يوجد عند الإنسان رغبة في التغيير فإنه يستطيع أن يغيّر نفسه ، وإذا لا توجد عنده هذه الرغبة فلا يمكن له أن يغيّر نفسه ، فهل توجد عندك رغبة في تغيير نفسك أيها المؤمن ؟
إذا كانت توجد رغبة عند الشخص في التغيير فإن مثل هذه المواضيع التي نطرحهـا تنفعه ، والذي لا توجد عنده رغبة في تغيير نفسـه فمهما يحضر من مساجد ومن حسينيات ويسمع من محاضرات فإنه يسمع ويخرج وكأنه لم يسمع شيئا ، الشخص الذي يحضر إلى المساجد والحسينيات بهدف تغيير نفسه إلى الأحسن والأفضل وإلى المنـزلة الأقرب من الله تعالى مثل هذا الشخص يستفيد من المساجد والحسينيات .
تـرى شـخصا يأتي ببناتـه معـه ويحضـر إلى المسجد يوم الجمعة ، ولكنك ترى أن بناته يلبسن البنطال والقميص الضيق والحجابات غير الشرعيـة ، إذا كان مؤمنا ويحضـر إلى المسجـد بهـدف تغيير النفس فلماذا لا يريد أن يغيّر نفس ابنته ؟ ، وهذه البنـت تحضـر إلى المسجـد بـهـذه الطريقـة وتظـل على هذه الطريقة ، فلا تستفيد هذه البنت من المسجد ، ولا يستفيد الأب أيضا من المسجد مع أنك ترى آثار الشيب عليه ، وقد يكون في المساجد مدة عشرين سنة أو أكثر ، أين تغيير النفس ؟!
لا يوجد تغيير للنفس ، فعدم وجود التغيير في النفس معناه عـدم الاسـتفادة مـن المسجـد ، يحضـر الشـخص إلى المسجد ويـقـول : " حصلت على الثواب " ، فيقال له إن الثواب مترتّب على تغيير النفـس لا على الحضور فقط ، إذا كان الإنسان لا تتغيّر نفسـه فلا يحصـل على ثواب بل يظل في مرتبته ودرجته ، وفي روايـة بما معناها : " من تساوى يوماه فهو مغبون " (1) ، الذي تتساوى أيامه لا يحصل على ثواب ، مجرد الحضور إلى المسجد لا يعني الحصول على الثواب ، وإنما الأثر القلبي المترتّب على الحضور إلى المسجد هو الذي يترتّب عليه الثواب .
هذه المواضيع التي نطرحها تكون نافعة لمن يريد أن يتغيّر ، وأمـا مـن يكون راضيـا بوضعـه الحالي فهذا لا يستفيد من مثل هذه المواضيع ، مهما تكلم العلماء والخطباء عن تغيير النفس فهذا الشخص لا يستفيد من هذه المواضيع ، والإنسان لا بد أن يجيب بدقة عن السؤال التالي وهو :
هـل يريد أن يغيّر نفسـه إلى الأفضـل والأحسـن في هـذا الشـهر أو لا يريـد ؟ ، فإذا كان يريـد أن يغيّر نفسه فهذا الذي يستطيع أن يستفيد من هذا الشهر .
وفي روايـة (1) عـن جـابر عن أبي جعفر الباقر عليه السلام قال : قـال لي : " يا جـابر ! أيكتفي من ينتحل التشيّع ( أي يدّعي التشيّع ، وهـذه الروايات تأتي إلينا عبر الزمان ) أن يقول بحبّنا أهـل البيت ، فوالله مـا شيعتنا إلا من اتقى الله وأطاعه ، وما كانوا يُعْرَفونَ ـــ يا جابر ! ـــ ( الإمام عـليه السلام يذكر هنا بعـض علامـات الإنسـان المؤمـن ، وكل شـخص ينظر الآن إلى نفسـه ويسـأل : هل هذه الصفات موجودة فيه أو لا ليرى أنه شيعي أو ليس بشيعي ؟ ) .
وما كانوا يعرفون ــ يا جابر ! ــ إلا بالتواضـع والتخشّـع والأمانـة وكثرة ذكر الله والصوم والصلاة والبرّ بالوالدين والتعاهد للجيران من الفقراء وأهل المسكنة والـغـارمين والأيـتام وصـدق الحـديـث وتـلاوة القرآن وكفّ الألـسن عن الناس إلا من خير ، وكانوا أمناء عشائرهم في الأشياء " ( هذه بعض علامات المؤمن ، وتوجد روايات كثيرة تبيّن علامات الإنسان المؤمن ، والإنسان ينظر ليرى أن هذه العلامات موجودة فيه أو لا ، ثم يقول جابر الأنصاري : ) فقلت : يا ابن رسول الله ! ما نعرف أحدا بهذه الصفة .
( ولنأت إلى زماننا ، وقد يكون أشد من ذلك الزمان ، أنت تنظر إلى نفسك ، وتحب أن الناس أيضا تكون فيهم هذه الصـفـات وأن يكون وضعـهم أفضل ، ولكن ترى أن الناس مشغولون بهذه الدنيا ، تريد أن تحصل على إنسان مؤمن يحصل بينك وبينه مودّة ، ولكن لا تجد إلا القليل القليل ، تحضر الديوانيات فترى أن أحاديثهم دنيوية إما عن البيت وإما عن القسيمة وإمـا عـن الوظيفة وإمـا عـن . . . ، والمؤمن الحقيقي نادر كالكبريت الأحمر كما في الروايات (1) ) .
فقال عليه السلام : " يا جابر ! لا تذهبنّ بك المذاهب ، حسـب الرجـل أن يقـول أحـب عليّا وأتولاّه ثم لا يكون مع ذلك فعّالا ! ( فهل يكفي أن يقول الشخص إنه يحب أمير المؤمنين عليـه السلام وهو لا يكون عاملا فعّالا ) ، فلو قال إني أحب رسول الله فرسول الله صلى الله عليه وآله خير من علي عليه السـلام ، ثم لا يتّبع سيرتـه ولا يعمل بسنّته مـا نفعه حبّه إيّاه شيئا ( فإذا لا يأخذ بسيرة رسول الله صلى الله عليه وآله فهذا الحـب لا ينفعـه ) ، فاتّقـوا الله واعملوا لما عند الله ، ليس بين الله وبين أحد قرابة ، أحبّ العباد إلى الله عز وجل وأكرمهم عليه أتقاهم وأعملهم بطاعته ( فالإنسان المتّقي المطيع هو الذي يحبّه الله عز وجل ) .
يـا جـابر ! والله مـا يُتَقَـرَّب إلى الله تبـارك وتعالى إلا بالطاعـة ، ومـا معنـا بـراءة مـن النـار ولا عـلى الله لأحد مـن حجّـة ، مـن كان لله مطيعـا فهو لنا وليّ ، ومن كان عاصيا فهو لنا عدوّ ( لا يقول إنه شيعي وفي نفس الوقت يعصي الله ، من يعصي الله هـو عـدوّ لأهل البيت عليهم السلام ) ، وما تُنال ولايتنا إلا بالعمل والورع " .
( والاستثناء بعـد النفي يفيـد الحصـر أي أن هـذا الطريق فقط هو الذي يوصل إلى ولاية أهل البيت عليهم السلام ، فعن طـريق العمل والتقوى فقط يستطيع الإنسان أن يحصل على ولاية أهل البيت عليهم السلام ، ولا يحصل على ولايتهم عن طريق اللسان والقول فقط ) .
هذه رواية من الروايات ، فمن كان مطيعا لله فهو ولي لله ولرسـوله صلى الله عليه وآلـه ولأهل البيت عليهم السلام ، ومن كان عاصيا لله فهو ليس وليا لا لله تعالى ولا لرسوله صلى الله عـلـيـه وآلـه ولا لأهــل البيـت عليـهم السـلام ، ولا يظـن الإنسـان أنـه يـأتي يـوم القيـامـة ويقـولـون لـه : " هـذا ماء الكوثر اشـرب منـه ! " ، بهـذه الطريقـة السهلة لمجرد أنه يقول إنه من أتباع أهـل البيـت عليهم السلام ، فلا بد أن نلتفت إلى أنفسنا حتى لا نأتي إلى ذلك اليوم الذي " لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً " (1) .
الخلاصــة :
شهر رمضان هو شهر تغيير النفس إلى الأحسن الذي يريده الله عـز وجـل لا إلى الأحـسن حسـب المقاييـس الدنيوية ، ولكن قـبـل ذلك لا بد أن تكون عند الإنسان الرغبة في تغيير النفس حتى يستطيع أن يغيّر نفسه ويدخل إلى الجنة لأن الجنة لا تدرك عن طريق الأماني والرغبات ، والشيعي الحقيقي هو من يكون مطيعـا لله ومتّقيـا ومجسّـدا للصفات التي تذكرها الآيات والروايات عن علامات الإنسان المؤمن ، وهذا هو الذي يكون شـيعيّا حـقيقيا لا شـيعيّا لسانيـا قوليّـا فقـط ، ونسأل : هـل تريـد أن تكون مثـال الإنسـان الشيعي الحقيقي في هذا الزمان ؟
فإذا قلت : " نعم " ؛ فلا بد أن تسعى إلى تجسيد هذه الصفـات المذكـورة في الآيات والروايات في نفسك حتى تكون بالتالي شيعيّا حقيقيا .
وفي الختام يقول الله تعالى : " إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِم " (1) ، فإذا غيّر الإنسان وضعه الداخلي فإن وضعه الخارجي يتغيّر بالتّبع ، إذا سعيت إلى تغيير أوضاع الناس الخارجيـة فإن هـذا السعي قد لا يُنْتِج ، مثلا هذه البنت السافرة ألبسْهـا الحجـاب ، ولكن إذا لم تكن مقتنعـة فإنهـا ستترك الحجـاب بـعـد فـتـرة ، فلا بـد أن يكون سـعينا أوّلا في نفس الإنسـان ، فإذا استطعنا أن نغيّر نفس الإنسان فإن هذه الأمور الخارجيـة كلهـا انعكاس لهـذا الأمـر الداخلي ، فهدف العلماء هو السـعـي أولا إلـى تـغـيـير نـفوس الناس ، نقول للنساء : " الْبسْنَ الحجاب " ، ولكن نبيّن لماذا يجب أن تلبس المرأة الحجاب ، نسـعى أولا إلى تغـيير أنفـس الناس رجالا ونساء ، وبالتالي نستطيع أن نغيّر هذه المظاهر الخارجية ، وأما إذا كان هدفنا فقط السعي إلى تغيير الأمور الظاهرية دون الأمر الداخلي النفسي القلبي فإن الأمور الظاهرية يمكن أن تزول بعد فترة ، ولكن إذا غيّرنا النفـس وصارت العقائد ثابتة في أنفس الناس فهذه الأمور الخارجية تتغيّر بشكل طبيعي وكنتيجة طبيعية للاعتقاد الداخلي عند الإنسان .
والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا أبي القاسم محمد وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين .
محتويات الكتاب
فوائد المخيمات الربيعية . . . . . . . . . . . . . . . . . 5
بحث الشاب المؤمن عن الحق . . . . . . . . . . . . . . 21
القدوة . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . 40
مسؤولية المؤمن أمام المهدي عجل الله فرجه . . . . . . 57
الاستفادة من الزهراء عليها السلام . . . . . . . . . . 76
رمضـان شـهر تغيير النفس . . . . . . . . . . . . . . 106
صدر للمؤلف :
1ـــ القطر الشافي تجديد قطر الندى لابن هشام .
2ـــ خلاصة الحلقة الأولى .
3ـــ خلاصة الحلقة الثانية ـــ القسم الأول والثاني .
4ـــ دروس في علم الأصول ـــ توضيح الحلقة الثالثة ـــ الجزء الأول .
5ـــ مقالات إيمانية ـــ صدر منها أربعة أجزاء .
قريبا :
1ـــ الفقه المبسَّط .
2ـــ دروس في علم الأصول ـــ توضيح الحلقة الثانية ـــ الجزء الأول .
3ـــ الروضة الندية في شرح اللمعة الدمشقية ـــ الجزء الأول .
(1) ألقي هذا الموضوع في مخيم بدر الكبرى بتاريخ 17 شوال 1420 هـ الموافق 24 / 1 / 2000 م .
(2) الصف : 14 .
(3) بحار الأنوار ج 27 ص 108 ح 81 .
(1) بحار الأنوار ج 52 ص 125 ح 15 .
(1) الفرقان : 23 .
(1) بحار الأنوار ج 21 ص 361 ح 3 .
(1) الصف : 14 .
(1) بحار الأنوار ج 52 ص 125 ح 15 .
(1) بحار الأنوار ج 53 ص 96 ح 111 .
(1) ألقي هـذا الموضوع في مخيم الولاية بتاريخ 12 شوال 1420 هـ الموافق 19 / 1 / 2000 م .
(1) راجع كتاب الغدير للعلامة الأميني ج 1 ص 14 حيث يذكر رواة حديث الغدير من الصحابة .
(2) راجـع مسـند أحمـد بن حنبـل ج 1 ص 84 ، 118 ، 119 ، 152 ، ج 4 ص 281 ، 368 ، 370 ، 372 ، ج 5 ص 419 ، مسـتدرك الحـاكم على الصحيحين ج 3 ص 109 ، 110 ، 116 ، 371 ، 533 ، مجمع الزوائد للهيثمي ج 9 ص 104 - 108 ، السنن الكبرى للنسائي ج 5 ص 134 .
(1) الأحزاب : 6 .
(1) صحيح البخاري ج 8 ص 127 ، صحيح مسلم ج 6 ص 3 - 4 ، مسـند أحمد بن حنبل ج 5 ص 86 - 108 ، سنن أبي داود ج 2 ص 309 ، سـنن الترمذي ج 3 ص 340 ، مسـتدرك الحاكم على الصحيحين ج 3 ص 617 - 618 .
(2) في مقدمة كتاب " ينابيع المودة لذوي القربى " ج 1 ص 17 :
التعريف بالمؤلف : نكتفي بما ذكره سماحة السيد محمد مهدي السيد حسـن الخرسان جزاه الله خيرا في مقدمته على الطبعة السابقة فيما يخص حياة المؤلف ، قال سماحته : هو العالم العابد الورع البارع التقي الشيخ سليمـان بن إبراهيم المعـروف بخواجـه كلان بن محمـد معروف المشتهر ب " بابا خواجه " بن إبراهيم بن محمد معروف ابن الشيخ السيد ترسون البافي الحسيني القندوزي البلخي ، ولد في سنة 1220 ه ، ورقى مراقي العلـوم والآداب في بلخ ، وأكمل التحصيل ببخارى ، ونال الإجازات مـن أعلامها ، وسافر إلى البلاد الأفغانية والهندية ، وصاحب كبار مشايخ الطريقة ، فكمل في مقامات السلوك ، وتفقه في الدين لينذر قومـه إذا رجع إليهم ، فعاد إلى " قندوز " وأقام بها زمانا ينشر العلم والآداب ، وبنى بها جامعـا وخانقاها ومدرسـة ، وأراد السفر إلى بلاد الروم حيث كان يرغب في اسـتيطان مكة ومجـاورة البيـت الحرام ، فبـدا لـه أن ينصب بمكانـه محمد صلاح فيكون في مسند الإرشـاد خلفـا عن أخيه محمد ميرزا خواجه بن مولانا خواجه كلان ، ولأمر التدريس العالم الأفضـل ملا عوض إذ كان هذا قد بز أقرانه من تلاميذ المترجم لـه ونال شـرف الإجـازة منـه ، وهـاجر الشيخ المترجم له من " قندوز " في سـنة 1269 ه مستصحبا معه من تلاميذه نحوا من ثلاثمائة شـخص من أهل الطلب والسلوك ، وكان سفره عن طريق إيران فجاء إلى بغـداد في سنة 1270 ه فأكرم والي بغـداد مثواه ، وأعز أصحاب الفضائل قدومه فأخذوا عنه وارتووا من نمير علومه ثم عزم على التوجه إلى دار الخلافة العلية - الأستانة - وكان طريقه على الموصل وديار بكر وأورفـة وحلب ، وفي هذه البلدان أطال المكث وربما كان ذلك أكثر من ثلاث سنين حتى إذا وصل إلى قونية أقام بها ثلاث سنين وستة أشهر ، وفي مـدة مكثه بها اسـتنسخ بنفسـه الفتوحات المكية والفصوص والنصوص من النسخ التي كانت بخط مؤلفها الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي الحاتمي ، وكانت تلك النفـائس محفوظـة بدار الكتب الكائنة في مقـبرة الشـيخ الكبير العارف صـدر الدين القونوي ، وفي شهر ذي الحجـة من سنة 1277 ه خرج من قونية متوجها نحو دار الخلافة ، ولما حل بها شملته عواطف السلطان عبدالعزيز فنال من الألطاف السنية من الحضـرة العليـة السلطانيـة - كما يقـول بعـض مترجميـه - وبينـما كان متهيئا للعزيمة على الخروج نحو بيت الله الحرام صدر الأمر العـالي من جـانب السلطان بتعيينه بمسند مشيخة تكية الشيخ مراد البخـاري - وموقعها خـارج باب أدرنـة - فامتثل الأمـر وباشر بالوظيفـة فقام بالإرشـاد ونشر العلـوم من حديث وتفسير ، وكان لا يخلو في أيامه تلك من تأليف الكتب والرسائل ، ولم يصل إلينا من تأليفه سوى أسماء ثلاثة منها وهي التي أشار إليها في كتابه هذا ( ينابيع المودة ) وهي :
1- أجمع الفوائد .
2- مشرق الأكوان .
3- ينابيع المودة ، وهذا هو الوحيد الذي وصل إلينا من تأليفه .
وكان الشيخ سليمان هذا من أعلام الحنفية في الفروع ، وأساطين النقشبندية في الطريقـة ، وقد كتب ولده وخليفته الشيخ سيد عبدالقادر أفندي إلى بعض الأفاضل الذين ترجموه أن والده كان حنفي المذهب نقشبندي المشـرب ، كمـا أنه ينتسب إلى السلالة الحسينية ، ولم نقف على تفصيل نسبـه ومدى صحة دعواه ، توفي في القسطنطينية في يوم الخميس سـادس شهر شعبان سنة 1294 ه ودفن في مقبرته الخاصة في خانقاه المرادية .
(1) ينابيع المودة لذوي القربى للقندوزي الحنفي ج 3 ص 281 - 282 :
الباب السادس والسبعون في بيان الأئمة الاثني عشر بأسمائهم :
وفي فرائـد السمطين : بسنده عن مجاهد ، عن ابن عباس رضي الله عنهما قـال : قدم يهودي يقال له نعثل ، فقال : يا محمد ! أسألك عن أشـياء تلجلج في صـدري منـذ حين ، فإن أجبتني عنها أسلمت على يديك . قـال : سل يا أبا عمارة ! . . . قال : صدقت ، فأخبرني عن وصيك من هو ؟ فما من نبي إلا وله وصي ، وإن نبينا موسى بن عمران أوصى يوشع بن نون . فقـال : إن وصيي علي بن أبي طالب ، وبعده سبطاي الحسن والحسين ، تتلوه تسعة أئمة من صلب الحسين . قال : يا محمد ! فسمهم لي ؟ قال : إذا مضى الحسين فابنه علي ، فإذا مضى علي فابنه محمد ، فإذا مضى محمد فابنه جعفر ، فإذا مضى جعفر فابنه موسى ، فإذا مضى موسى فابنـه علي ، فإذا مضى علي فابنـه محمد ، فإذا مضى محمد فابنـه علي ، فإذا مضى علي فابنه الحسن ، فإذا مضى الحسن فابنه الحجة محمد المهدي ، فهؤلاء اثنا عشر .
ينابيع المودة لذوي القربى - القندوزي ج 3 ص 283 - 285 :
وفي المناقب عن واثلة بن الأسقع بن قرخاب ، عن جابر بن عبدالله الأنصاري قـال : دخل جنـدل بن جنادة بن جبير اليهودي على رسول الله ( ص ) ، فقـال : يا محمـد ! أخبرني عما ليس لله ، وعما ليس عند الله ، وعما لا يعلمه الله ؟ . . . ثم قـال : أخبرني يا رسول الله عن أوصيائك من بعـدك لأتمسك بهم . قـال : أوصيائي الاثنا عشر . قال جنـدل : هكذا وجدناهم في التوراة . وقال : يا رسول الله ! سمهم لي . فقال : أولهم سيد الأوصياء أبو الأئمة علي ، ثم ابناه الحسن والحسين ، فاستمسك بهم ولا يغرنك جهل الجاهلين ، فإذا ولد علي بن الحسين زين العابدين يقضي الله عليك ، ويكون آخر زادك من الدنيا شربة لبن تشربه . فقـال جندل : وجـدنا في التوراة وفي كتب الأنبياء عليهم السلام إيليا وشـبرا وشبيرا ، فهذه اسـم علي والحسـن والحسـين ، فمن بعد الحسين ؟ وما أساميهم ؟ قال : إذا انقضت مدة الحسين فالإمام ابنه علي ويلقب بزين العـابدين ، فبعـده ابنـه محمد يلقب بالباقر ، فبعده ابنه جعفـر يدعى بالصـادق ، فبعده ابنـه موسى يدعى بالكاظم ، فبعده ابنـه علي يدعى بالرضـا ، فبعـده ابنه محمد يدعى بالتقي والزكي ، فبعـده ابنـه علي يدعى بالنقي والهادي ، فبعده ابنه الحسن يدعى بالعسكري ، فبعده ابنه محمد يدعى بالمهدي والقائم والحجة ، فيغيب ثم يخرج ، فإذا خرج يملأ الأرض قسـطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما ، طوبى للصابرين في غيبته ، طوبى للمقيمين على محبتهم ، أولئك الذين وصـفهم الله في كتابـه وقـال : " هُـدًى لِلْـمُتَّقِـينَ الَّـذِيـنَ يـُؤْمِنُـونَ بِالْغَيْبِ " ( البقرة : 2 - 3 ) ، ثم قال تعالى : " أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ " ( المجادلة : 22 ) . فقـال جندل : الحمد لله الذي وفقني بمعرفتهم .
(1) بحار الأنوار ج 87 ص 329 ح 45 .
(1) يونس : 62 - 63 .
(1) الكافي ج 2 ص 74 ح 3 .
(2) أمالي الشيخ الصدوق ص 484 ح 17 .
(1) شرح الأخبار للقاضي النعمان المغربي ج 3 ص 506 ح 1452 .
(1) ألقي هـذا الموضـوع في مخيم الولاية بتاريخ 24 شوال 1421 هـ الموافق 19 / 1 / 2001 م .
(1) بحار الأنوار ج 16 ص 284 ح 136 .
(2) الأحزاب : 21 .
(3) الأنعام : 90 .
(1) بحار الأنوار ج 49 ص 26 ح 45 .
(2) المصدر السابق ج 28 ص 200 ح 8 .
(1) بحار الأنوار ج 16 ص 376 ح 85 ، المثـل : الحجة أو الصفة وما يتمثّل به ويضرب من الأمثال .
(2) المصدر السابق ج 36 ص 4 ح 11 .
(1) الممتحنة : 4 ، كفرنا بكم : جحدنا دينكم وأنكرنا معبودكم .
(1) بحار الأنوار ج 1 ص 207 ح 4 .
(1) بحار الأنوار ج 33 ص 550 ح 720 .
(1) بحار الأنوار ج 1 ص 166 ح 7 .
(1) بحار الأنوار ج 40 ص 335 ح 16 : عن أبي عبدالله عليـه السـلام قال : . . . وكان أمير المؤمنين عليـه السـلام يسلّم على النساء ، وكان يكره أن يسلّم على الشـابة منهن ويقـول : " أتخوّف أن يعجبني صوتها فيدخل علي أكثر مما أطلب من الأجر " .
(1) الفرقان : 74 .
(1) ألقي هـذا الموضوع في خطبـة الجمعـة في منطقـة مبارك الكبير بتاريخ 10 شعبان 1420 هـ الموافق 19 / 11 / 1999 م بمناسبة مولد الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف .
(1) بحار الأنوار ج 3 ص 268 ح 3 ، وفي كنـز العمال ح 38653 عن النبي ( ص ) : " أبشروا بالمهدي ، رجل من قريش من عترتي ، يخرج في اختـلاف من النـاس وزلزال فيملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا " . ، وفي الكامل لعبدالله بن عدي ج 3 ص 423 عن النبي ( ص ) أنه قـال : " ليبعثنّ الله من عترتي رجلا أفرق الثنايا أجلا الجبهة يملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا ، يفيض المال فيضا " .
(1) التحريم : 6 .
(2) بحار الأنوار ج 100 ص 34 ح 19 .
(1) بحار الأنوار ج 77 ص 152 ح 1 .
(1) شـرح الأخبار - القاضي النعمان المغربي ج 3 ص 506 ح 1452 : عن أبي عبد الله عليه السلام أنه أوصى بعض شيعته فقال لهم : " كونوا لنا دعـاة صامتين " . قالوا : وكيف ذلك يا ابن رسول الله ؟ قال : " تعملون بما أمرناكم به من طاعة الله ، وتنتهون عما نهيناكم عنه ومعاصيه ، فإذا رأى الناس ما أنتم عليه علموا فضل ما عندنا فسارعوا إليه ، أشهد لقد سمعت أبي عليه السلام يقول : شيعتنا فيما مضى خير من كان ، إن كان إمام مسجد في الحي كان منهم ، وإن كان مؤذن في القبيلـة كان منهم ، وإن كان موضع وديعة وأمانة كان منهم ، وإن كان عالم يقصد إليه الناس لدينهم ومصالح أمـورهم كان منهم ، فكونوا أنتم كذلك ، حبّبونا إلى الناس ، ولا تبغّضونا إليهم " .
(2) البقرة : 44 .
(1) بحار الأنوار ج 74 ص 338 ح 119 .
(1) الأنعام : 158 .
(2) بحار الأنوار ج 6 ص 34 ح 46 :
أتى أعـرابي إلي النبي صلى الله عليه وآله فقال : أخبرني عن التوبة إلى متى تقبل ؟ فقـال صلى الله عليه وآله : إن بابها مفتوح لابن آدم لا يسد حتى تطلع الشمس من مغربها ، وذلك قوله : " هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّك " ، وهي طلوع الشمس من مغربهـا ، " يَوْمَ يَأْتِي بَعْـضُ آيَـاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَـا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً " .
الخصال للشيخ الصدوق ص 274 ح 18 :
عن حفص بن غياث عن أبي عبدالله عليه السلام قال : سأل رجل أبا عبدالله عليـه السلام عن حروب أمير المؤمنين عليه السلام ، وكان السائل من محبينا ، فقال له أبو عبدالله عليه السلام : إن الله عز وجل بعث محمدا صلى الله عليه وآله بخمسة أسياف : ثلاثة منها شاهرة لا تغمد إلى أن تضع الحرب أوزارهـا ، ولن تضـع الحرب أوزارها حتى تطلع الشمس من مغربها ، فإذا طلعت الشمس من مغربها آمن الناس كلهم في ذلك اليوم ، فيومئـذ لا ينفع نفسـا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا ، . . . .
مسند أحمد بن حنبل ج 1 ص 192 :
عن ابن السعدي أن النبي صلى الله عليه وسلم قـال : لا تنقطع الهجرة ما دام العدو يقاتل . فقال معـاوية و عبدالرحمن بن عوف وعبدالله بن عمرو بن العاص إن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن الهجرة خصلتان ، إحداهما أن تهجـر السـيئات ، والأخـرى أن تهاجر إلى الله ورسـوله ، ولا تنقطع الهجرة ما تقبلت التوبـة ، ولا تزال التوبة مقبولة حتى تطلع الشمس من المغـرب ، فإذا طلعت طبع على كل قلب بما فيه وكفى الناس العمل .
كمال الدين وتمام النعمة للشيخ الصدوق ص 77 :
عـن النـزال بن سبرة عـن أمير المؤمنين عليـه السلام في حديث يذكر فيـه أمر الدجال ويقول في آخره : لا تسألوني عما يكون بعد هذا فإنه عهد إلي حبيبـي عليه السلام أن لا أخبر به غير عترتي . قال النزال بن سـبرة : فقلت لصعصعة بن صوحان : ما عنى أمير المؤمنين بهذا القول ؟ فقـال صعصعة : يا ابن سبرة ! إن الذي يصلي عيسى بن مريم خلفه هو الثـاني عشر من العتـرة ، التاسع من ولد الحسين بن علي عليهما السلام وهـو الشمس الطالعـة من مغربها ، يظهر عند الركن والمقام ، فيطهر الأرض ويضع الميزان بالقسـط فلا يظلم أحد أحدا ، فأخبر أمير المؤمنين عليه السـلام أن حبيبه رسـول الله صلى الله عليه وآلـه عهد إليه أن لا يخبر بما يكون بعد ذلك غير عترته الأئمة .
الإمامة والتبصرة لابن بابويه القمي والد الشيخ الصدوق ص 101 ح 91 :
عن علي بن رئاب عن أبي عبدالله عليه السلام أنه قال في قول الله عز وجـل : " يَوْمَ يَأْتِي بَعْـضُ آيَـاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَـعُ نَفْسـاً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ " ، فقال : الآيات هم الأئمة ، والآية المنتظرة هو القائم عليه السلام فيومئذ لا ينفع نفسـا إيمانها لم تكن آمنت من قبـل قيامه بالسيف وإن آمنت بمن تقدمه من آبائه عليهم السلام .
(1) التوبة : 105 .
(1) بحار الأنوار ج 5 ص 329 ح 28 .
(2) المصدر السابق ج 17 ص 131 ح 3 .
(3) المصدر السابق ج 23 ص 343 ح 29 .
(4) المصدر السابق ج 65 ص 41 ح 85 .
(1) ألقي هذا الموضوع في لقاء مع الأهل في 22 جمادى الثانية 1421 هـ الموافق 20 / 9 / 2000 م في منطقة الرميثية بمناسبة مولد سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء عليها السلام .
(1) الذاريات : 56 .
(1) الأحزاب : 21 .
(1) بحار الأنوار ج 8 ص 178 ح 133 .
(1) وسائل الشيعة ج 15 ص 8 ح 11 .
(1) راجع القصة في مناقب آل أبي طالب لابن شهرآشوب ج 3 ص 129 نقـلا عن أمالي الشيخ الطوسي ، قـال الصادق عليه السلام : . . . وسـكب ( أي علي عليـه السلام ) الدراهم في حجـره ( أي حجر رسول الله صلى الله عليه وآله ) فأعطى منها قبضة كانت ثلاثة وستين أو ستة وستين إلى أم أيمن لمتاع البيت ، وقبضة إلى أسماء بنت عميس للطيب ، وقبضـة إلى أم سلمة للطعام ، وأنفذ عمارا وأبا بكر وبلالا لابتياع ما يصلحها ، وكان مما اشتروه قميص بسبعة دراهم ، وخمار بأربعة دراهم ، وقطيفة سوداء خيبرية أو سرير مزمل بشريط ، وفراشان من خيش مصر حشـو أحدهما ليف وحشو الآخر من جز الغنم ، وأربع مرافق من أدم الطايف حشوها إذخر ، وستر من صوف ، وحصير هجري ، ورحاء اليد ، وسقاء من أدم ، ومخضب من نحاس ، وقعب للبن ، وشن للماء ، ومطهرة مزفتة ، وجرة خضراء ، وكيزان خزف .
وفي رواية : ونطع من أدم ، وعباء قطراني ، وقربة ماء .
وهب بن وهب القرشي : وكان من تجهيز علي داره انتشار رمل لين ، ونصب خشبة من حايط إلى حايط للثياب ، وبسط إهاب كبش ، ومخدة ليف .
(1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج 16 ص 286 .
(1) كتاب التمحيص - محمد بن همام الإسكافي ص 6 :
في الخبر أن النبي صلى الله عليه وآله رأى فاطمة الزهراء عليها السلام وعليها كساء من أجلة الإبل وهي تطحن بيديها وترضع ولدها ، فدمعت عينا رسول الله صلى الله عليه وآله فقال : " يا بنتاه ! تعجّلي مرارة الدنيا بحلاوة الآخـرة " . فقالت : " يا رسول الله ! الحمد لله على نعمائه ، والشـكر لله على آلائـه " . فأنزل الله سبحانه : " وَلَسَوْفَ يُعْطِيك رَبُّكَ فَتَرْضَى " .
تحف العقول - ابن شعبة الحراني ص 54 :
وفى الحديث أنه قـال صلى الله عليه وآله لفاطمة عليها السلام : " يا فاطمة ! تجرعي مرارة الدنيا لحلاوة الآخرة " .
مناقب آل أبي طالب - ابن شهرآشوب ج 3 ص 120 :
تفسـير الثعلبي عن جعفر بن محمد ، وتفسير القشيري عن جابر الأنصاري أنه رأى النبي صلى الله عليه وآله فاطمة وعليها كساء من أجلة الإبل وهي تطحن بيديها وترضع ولدها فدمعت عينا رسول الله صلى الله عليه وآلـه فقال : " يا بنتـاه ! تعجّلي مرارة الدنيا بحلاوة الآخرة " . فقالت : " يا رسول الله ! الحمد لله على نعمائه والشكر لله على آلائه " . فأنزل الله : " وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى " .
كنز العمال - المتقي الهندي ج 12 ص 422 :
35475- عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى على فاطمـة كساء من أوبار الإبل وهي تطحن فبكى وقال : " يا فاطمة ! اصبري على مرارة الدنيا لنعيم الآخرة غدا " . ونزلت " وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى " .
تفسير مجمع البيان - الشيخ الطبرسي ج 10 ص 382 :
عن الصادق عليه السلام قـال : دخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على فاطمة عليها السلام وعليها كساء من ثلة الإبل ، وهي تطحن بيدهـا وترضع ولدهـا ، فدمعت عينـا رسول الله صلى الله عليه وآله وسـلم لما أبصرها فقال : " يا بنتاه ! تعجّلي مرارة الدنيا بحلاوة الآخرة ، فقد أنزل الله علي : " وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى " .
شواهد التنـزيل - الحاكم الحسكاني ج 2 ص 445 :
1109- أخبرنـا أبو الحسن الشيرازي أخبرنـا أبو الحسن البصري حدثنـا محمد بن يونس حدثنا حماد بن عيسى ( قال : ) حدثنا جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر قال : دخل رسول الله على فاطمة وعليها كساء من جلد الإبل ، فلما رآها بكى وقال : " يا فاطمة ! تعجّلي مرارة الدنيا بنعيم الآخرة ( الجنة ) غدا " . فأنزل الله تعالى : " وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى " .
1110- حدثنا عبدالله بن يوسف إملاء سنة ( ثلاث مائة و ) تسع وتسعين حدثنـا أبو قتيبة سلم بن الفضـل الآدمي بمكة حدثنا الكديمي حدثنا حماد الجهني عن جعفر عن أبيه عن جابر قال : دخل النبي صلى الله عليه وآله على فاطمة وعليها كساء من جلد الإبل وهي تطحن ، فدمعت عيناه فقـال : " يا فاطمة ! تعجلي مرارة الدنيا لحلاوة الآخرة " . قال : فأنزل الله : " وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى " .
وفي هـامش الكتاب : ورواه أيضا السـيوطي في مسـند جابر من كتـاب جمع الجوامع ج 2 ص 331 قـال : ( و ) عن ابن لال وابن مردويه وابن النجار والديلمي عن جابر ( قال : ) إن رسول الله صلى الله عليـه وسلم رأى على فاطمـة كساء من أوبار الإبل وهي تطحن فبكى وقـال : " يا فاطمـة ! اصبري على مرارة الدنيا لنعيم الآخرة غدا " . ونزلت : " وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى " .
الدر المنثور - جلال الدين السيوطي ج 6 ص 361 :
وأخرج العسكري في المواعظ وابن مردويه وابن لال وابن النجار عن جـابر بن عبدالله قال : دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على فاطمة وهي تطحن بالرحـى وعليها كسـاء من حملـة الإبل ، فلمـا نظر إليهـا قـال : " يا فاطمـة ! تعجلي فتجرعي مرارة الدنيا لنعيم الآخرة غدا " . فأنزل الله : " وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى " .
فتح القدير - الشوكاني ج 5 ص 460 :
وأخرج العسكري في المواعظ وابن مردويه وابن النجار عن جابر بن عبدالله قال : دخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على فاطمة وهي تطحن بالرحى وعليها كساء من جلد الإبل ، فلما نظر إليها قال : " يا فاطمة ! تعجلي مرارة الدنيا بنعيم الآخرة " . فأنزل الله ( الآية السابقة ) .
(1) بحار الأنوار ج 43 ص 81 ح 1 .
(1) ذخائر العقبى لأحمد بن عبدالله الطبري ص49 ، صحيح البخاري ج4 ص208 ، صحيح مسـلم ج8 ص84 ، مسـند أحمد بن حنبل ج 1 ص136 ، مسند أبي داود الطيالسي ص16 ، صحيح ابن حبان ج 15 ص363 ، ينابيع المودة للقندوزي الحنفي ج2 ص138 .
(1) ذخـائر العقبى لأحمـد بن عبدالله الطبري ص 51 ، بحار الأنوار ج 43 ص 81 ح 2 .
(1) مرّت المصادر سابقا ص 90 - 92 .
(1) النهاية في غريب الحديث لابن الأثير ج 3 ص 245 : العصب - بفتح الصاد - وهي أطناب مفاصل الحيوانات ، وهو شيء مدوّر ، فيحتمل أنهم كانوا يأخذون عصب بعـض الحيوانات الطاهرة فيقطّعونه ويجعلونه شبه الخرز ، فإذا يبس ينّخذون منه القلائد ، وذكر بعض أهل اليمن أن العصب سن دابة بحرية تسمى فرس فرعون يتّخذ منه الخرز .
(2) العاج : ناب الفيل .
(3) ذخائر العقبى لأحمد بن عبدالله الطبري ص 51 ، بحار الأنوار ج 43 ص89 ح10 ، مسند أحمد بن حنبل ج5 ص275 ، سنن أبي داود ج2 ص291 .
(1) بحار الأنوار ج 22 ص 381 ح 14 .
(1) العنكبوت : 45 .
(1) بحار الأنوار ج 8 ص 52 .
(1) ألقي هذا الموضوع في محاضرة في منطقة الأحمدي بتاريخ 4 رمضان 1421 هـ الموافق 2 / 12 / 2000 م .
(2) البقرة : 183 .
(1) شرح الأخبار - القاضي النعمان المغربي ج 3 ص 506 ح 1452 .
(1) تفسير نور الثقلين ج 5 ص 204 ح 10 .
(1) بحار الأنوار ج 8 ص 38 ح 16 :
عن أبي جعفر عليه السلام : " وإن المؤمن ليشفع في مثل ربيعة ومضر " .
بحار الأنوار ج 64 ص 72 ح 43 :
عن أبي عبدالله عليـه السلام : " لا تزهدوا في فقراء شيعتنا فإن الفقير منهم ليشفع يوم القيامة في مثل ربيعة ومضر " .
ميزان الحكمة ج 2 ص 1476 :
عن رسـول الله صلى الله عليه وآله : " في المؤمنين من يشفع في مثل ربيعة ومضر ، وأقل المؤمنين شفاعة من يشفع لثلاثين إنسانا " .
(1) بحار الأنوار ج 65 ص 332 ح 10 :
عن أبي جعفر الباقر عليه السلام : " . . . إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال : الصلاة عمود دينكم " .
(1) القيامة : 14 .
(1) بحار الأنوار ج 75 ص 327 ح 5 :
عن الإمـام الكاظم عليـه السلام : " من استوى يوماه فهو مغبون ، ومن كان آخـر يوميه شرهما فهو ملعون ، ومن لم يعرف الزيادة في نفسه فهو في نقصان ، ومن كان إلى نقصان فالموت خير له من الحياة " .
(1) بحار الأنوار ج 67 ص 97 ح 4 .
(1) بحار الأنوار ج 64 ص 159 ح 3 :
عن أبي عبدالله عليه السلام : " المؤمنة أعز من المؤمن ، والمؤمن أعز من الكبريت الأحمر ، فمن رأى منكم الكبريت الأحمر ؟! " .
(1) الأنعام : 158 .
(1) الرعد : 11 .