
مَـقَالاَت إِيمَـانِيَّة
الجزء الرابع
* الاحتفال بأعياد الميلاد *
* مفهوم العيد*
* الحجاب الإيماني *
* العمل الفردي والعمل الجماعي *
* من علامات الإيمان *
الشيخ محمد أشكناني
الطبعة الأولى
1424 هـ ـ 2003 م

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ
اللَّهُمَّ كُنْ لِوَلِيِّكَ الحُجَّةِ ابْنِ الحَسَنِ صَلَوَاتُكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آبَائِهِ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ وَفِي كُلِّ سَاعَةِ وَلِيًّا وَحَافِظًا وَقَائِدًا وَنَاصِرًا وَدَلِيلاً وَعَيْنًا حَتَّى تُسْكِنَهُ أَرْضَكَ طَوْعًا وَتُمَتِّعَهُ فِيهَا طَوِيلاً
بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ
اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ
موقع ديوانية الشيخ محمد أشكناني :
www.alashkanani.com
عنوان المراسلة :
محمد حسين أشكناني
بيان ـ ص . ب 66691
دولة الكويت 43757
Mohammad H. Ashkanani
BAYAN – P.O.BOX 66691
STATE OF KUWAIT 43757
البريد الإلكتروني للمؤلف :
mohashk14@hotmail.com
البريد الإلكتروني للديوانية ولجانها :
mail@alashkanani.com
الاحتفـال بأعيـاد المـيلاد (1)
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا أبي القاسم محمد وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين .
نعيش في هذا اليوم مولد الإمام الحسن عليه السلام ، هذه المناسبات نحاول من خلالها الارتباط بأهل البيت عليهم السلام ، من خلال هذه المناسبات يحدث عندنا الارتباط بأهل البيت عليهم السلام ، ونحاول أن نستفيد منهم في تقوية هذا الارتباط ، إذا ارتبطنا بأهل البيت عليهم السلام فمعنى ذلك أننـا نرتبط بالله تعالى أكثر ، فنحاول أن نستفيد من هذه المناسبة لربط أهل البيت عليهم السلام بالأشياء الموجودة حولنا ، كيفية معيشتنا وحياتنا يجب أن نأخذها من أهل البيت عليهم السلام ، أوّلا أذكر رواية عن ولادة الإمام الحسن عليه السلام ، ثم أحاول أن أربط هذه الولادة بشيء يفعله بعض الناس ومنهم بعض المؤمنين .
عن زيـد بن عـلي عـن أبيـه علي بن الحسين عليهما السلام قال : " لَمَّا ولدت فاطمة الحسن عليهما السلام قالت لعلي عليه السلام : سَمِّهِ ! فقـال : ما كنت لأسبق باسمه رسول الله . فجاء رسول الله صلى الله عليه وآله فأخرج إليـه في خرقة صفراء ، فقال : ألم أنهكم أن تلفّوه في خرقـة صفـراء ؟ ، ثم رمى بها وأخذ خرقة بيضاء فلفّه فيها ، ثم قـال لعـلي عليه السلام : هل سمّيته ؟ فقال : ما كنت لأسبقك باسمه . فقـال صلى الله عليه وآله : ومـا كنت لأسـبق باسمـه ربي عز وجل . فأوحى الله تبـارك وتعـالى إلى جـبرئيل أنـه قـد ولد لمحمد ابن فاهبط فاقرأه السلام وهنّئه وقل له : إن عليّا منك بمنـزلة هارون من موسى فسمّه باسم ابن هارون . فهبط جبرئيل عليه السلام فهنّأه من الله عـز وجـل ثم قـال : إن الله تبارك وتعالى يأمرك أن تسمّيه باسم ابن هارون ، قال : وما كان اسمه ؟ قال : شبر . قال : لساني عربي . قال : سَمِّهِ الحسن . فسمّاه الحسن " (1) .
إذن : تسمية الإمام الحسن عليه السلام كانت من قِبَل الله عز وجل ، وتوجد رواية أخرى مشابهة لهذه الرواية أن تسمية الإمام الحسين عليه السلام كانت أيضا من قِبَل الله عز وجل ، وهذا يدل على عظيم اهتمام الله عز وجل بأهل البيت عليهم السلام حتى بأسمائهم .
بهذه المناسبة التي نحتفل بها بمولد الإمام الحسن عليه السلام نحـاول أن نستفيـد منهـا بربـط هـذا الموضوع بموضوع الاحتفال بأعياد الميلاد ، قلنا سابقا إنه توجد شجرتان إحداهما شجرة الإيمان ، والأخـرى شجـرة الكفـر ، والأشياء التي يفعلها الإنسان المؤمن يأخذها دائما من شـجرة الإيمان ، هذه الشجرة التي أصلها التوحيـد ، وهي تتمثّل بأهـل البيت عليهم السلام ، إن أقوالنا وأفعالنا لا بد أن نأخذها من أهـل البيت عليهم السلام ، وبذلـك نسـتطيع أن نرتبـط بشـجرة الإيمان ، وهذه الشجرة لها ثمار مختلفة ، نحاول أن نستفيد من هذه الشجرة حتى نأخذ الثمار المختلفة منها ، فنبدأ بذكـر بعض الثمار الإيمانية بحيث نربط هذه الشجرة بالأفعال التي نقـوم بهـا ، إن كثيرا من الأفكار التي يؤمن بها الناس في الواقع لا تعبِّر عن شجرة الإيمان ، يأخذون هذه الأفكار من شجرة الكفر ويظنون بأنها من شجرة الإيمان ، فنأتي إلى هذه المناسبة ونسميها " احتفال بمولد الإمام الحسن عليه السلام " ، نريد أن نربط هذا الموضــوع بالاحـتـفـال بأعـيـاد مـيـلاد الأبـناء ، ونـحـاول أن نـرى مـا هــو رأي أهل البيت عليهم السلام بهذه الاحتفالات التي تقام بمناسبة أعياد ميلاد الأبناء ، وأول ما يأتي في الذهن الإشكال التالي :
لماذا تقيمون الاحتفالات بمواليد أهل البيت عليهم السلام ؟ وما هو الفرق بين الاحتفال بمواليد الأئمة عليهم السلام وبين الاحتفال بمولد ابني ؟ فهل من حقّكم أن تحتفلوا بهم وليس من حقّنا أن نحتفل بأبنائنا فذاك عيد ميلاد وهذا عيد ميلاد ؟
الجواب :
إن كل ما يذكّرنا بالله عز وجل نأخذ به ، والارتباط بأهل البيت عليهم السلام يذكّرنا بالله عز وجل لأنهم اللسان الناطق له تعالى والمعبِّرون عن إرادة الله ، وهم أبواب الله وأمناء الرحمن ، فكل ما يربطنا بهم عليهم السلام يكون مستحبّا ومطلوبا لأنه ارتباط بالله عز وجـل ، والارتبـاط بالله تعالى مطلوب للمؤمن ، فكلما ارتبطنا بأهل البيت عليهم السلام أكثر ارتبطنا بالله عز وجل أكثر .
إن الاحتفال بمواليد أهل البيت عليهم السلام يكون مستحبّا لأنه يربطنـا ويقرّبنـا إلى الله تعـالى ، فيكون الاحتفـال بمواليدهم من باب الاستحباب .
وهنا يأتي السؤال التالي الذي يطرحه بعض أتباع أهل البيت عليهم السلام :
ولماذا لا نحتفل بمواليد أبنائنا لأنه إن لم يكن مستحبّا فهو على الأقل مباح ؟
الجواب :
نطرح هذا السؤال على أهل البيت عليهم السلام لنعرف كيف ينظرون إلى هذا الموضوع ، ونحتاج هنا إلى بعض الروايات حتى نرى كيف ينظرون عليهم السلام إلى الاحتفال بميلاد الشخص ، وبذلك نستطيع أن نقـرِّر لمـاذا لا نحتفـل بموالـيـد الأبناء ، وهذه العادة جارية حتى بين بعض المؤمنين ، هذا المؤمن يفترض فيه الإيمان ويكون من روّاد المساجد والحسينيات ، ومع ذلك يقيم الاحتفالات بمناسبة ميلاد أبنائه ، نحاول أن ننظر إلى شجرة الإيمان لنرى ماذا تقول لنا وأهل البيت عليهم السلام ماذا يقولون في هذا الموضوع ، الإنسـان المؤمن كل ما يعرض له في حياته لا بد أن يسأل أول سؤال وهو ما هو تكليفي الشرعي في هذا الشيء ؟ وما هو رأي أهل البيت عليهم السلام في هـذا الموضـوع ؟ ، وبالتـالي يفعل هذا الشيء أو يترك هـذا الشيء حتى لو كان أمرا مباحا ، فلو قلنا إن الاحتفال بمواليد الأبناء مباح ، ولكن الإنسان المؤمن لا يفعل كل المباحات ، وإنما يأخـذ المباحـات التي من خلالهـا يرتبـط بالله تعـالى أكثر ، والمؤمن لا يضيّع حياتـه في المباحات ، وتعلمون أن الكثير من المؤمنين الذين يفترض فيهم الإيمان ويفترض فيهم اتّباع أهل البيت عليهم السلام يقيمـون الاحتفـالات بمواليـد أبنائهم ويسمّون ذلك " عيد الميلاد " ، فكيف يجب علينا أن ننظر إلى هذا الأمر ؟
يأتي الحديث عن ذلك ضمن النقاط التالية :
النقطة الأولى : لماذا لا نحتفل بمواليد أبنائنا ؟
يقولون أنتم تحتفلون بمواليد أهل البيت عليهم السلام فلماذا لا نحتفل نحن بعيد ميلاد أبنائنا ؟
الجواب :
إن القياس بين أهل البيت عليهم السلام وبين ابنك قياس مع الفارق لأنه في الواقع هذا الاجتماع ليس من باب الاحتفال بأعياد ميلاد أهل البيت عليهم السلام ، فالعنوان عنوان خاطئ ، وإنما هذا الاحـتـفـال والاجتمـاع من بـاب تذاكـر أمـرهم وإحيـاء ذكـرهم عليهم السلام ، وهـو ذكـر لله تعـالى لأنـه يـؤدي إلى ارتبـاط أكبـر بهم عليهم السلام ، وبالتالي هو ارتباط أكبر بالله عز وجل ، وفيه تقرّب لله عز وجـل ، لذلك فالاجتمـاع بهـذه المنـاسبات مسـتحب لتـرتب الثـواب عليـه ، وأما الاحتفال بمواليد الأبناء فإنه ليس مستحبّا ولا يترتب عليه الثواب حتى ندعو إليه ، فلا بد من تصحيح العنوان حتى لا يأتي هذا الإشكال ، فالعنوان الصحيح هو الاحتفال بتذاكر أمر أهل البيت عليهم السلام وإحياء ذكرهم عليهم السلام ، وهو ذكر لله تعالى ، فالعنوانان مختلفان ، هذا العنوان هو العنوان الظاهري ، ولكن في الواقع لا نريد ظاهر هذا العنوان ، وإنما هو عنوان ظاهري لشيء آخـر وهـو ارتباط بأهل البيت عليهم السلام ، فيكون هذا الاجتماع مستحبّا لأنه ذكر لهم وإحياء لأمرهم عليهم السلام .
في رواية عن خيثمة الجعفي قال : دخلت على الصادق جعفر ابن محمد عليهما السلام . . . فقال : " أبلغ موالينا السلام وأوصهم بتـقـوى الله ، وأن يعـود غنيّهـم فقيرهم ، وقويّهم ضعيفهم ، وأن يعود صحيحهم مريضهم ، وأن يشهد حيّهم جنازة ميّتهم ، وأن يتلاقوا في بيوتهم ، وإن لقاء بعضهم بعضا حياة لأمرنا ، رحم الله عبدًا أحيا أمرنا ، يا خيثمة ! إنّا لا نغني عنكم من الله شيئا إلا بالعمـل ، إن ولايتنـا لا تـنـال إلا بالورع ، وإن أشـد النـاس حـسـرة يـوم القيامة من وصف عدلا ثم خالفه إلى غيره " (1) .
إن الفقرة التي نريدها هي : ( وأن يتلاقوا في بيوتهم ، وإن لقاء بعضهم بعضا حياة لأمرنا ، رحم الله عبدًا أحيا أمرنا ) ، ولا توجد خصوصية للبيوت ، فيمكن أن يتلاقوا في المساجد أو في الحسينيات ، فتلاقي المؤمنين يكون من باب لقاء بعضهم بعضا لأن لقاء المؤمنين حياة لأمر أهل البيت عليهم السلام ، فرحم الله عبدا أحيا أمرهم ، وهذا الاجتماع إحياء لأمرهم عليهم السلام ، وهذا هو العنوان الحقيـقي المطلـوب ، وليس العنـوان هـو " الاحتفـال بعيد الميلاد " حتى يأتي الإشكال السابق ، والاستحباب يأتي من هذه الجهة لأن هدف الاجتمـاع هدف أخـروي ، وأمـا الاحتفـال بمواليـد الأبنـاء فإنه لا يوجـد فيـه استحبـاب ، فهدفـه هـدف دنيـوي ، وهذه العادة أتت من الغـرب ، وهـو تقليد أعمى لما يفعله الغربيّون مع أبنائهم ، وهنا لا بد من الحذر في التعامل مع ما يأتي من الغرب ، ويجب النظر إلى سلوكيّات الغربيين نظـرة صحيحة لأنه توجد عندنا شجرة الإيمان في مقابل شجرة الكفر ، إن الشجرة الإيمانية لها ثمار حقيقية ، وشجرة الكفر لها ثمار وهمية خيالية ، وهي عبارة عن سراب ، فكل أعمال الكافرين عبارة عن سراب ، يقول تعالى :
" وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَ هُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ " (1) .
فكل مـا ينتجونها للناس عبارة عن سراب ، ومنها المخترعـات الحديثـة ، فكيف نتعـامل مـع المخترعـات الحديثة ؟ ، لا بـد أن نعرف رأي أهل البيت عليهم السلام بهذه المخترعات ، ولا بد أن نربط هـذه المخترعـات بعقائد الغرب وليس مفصولا عن عقائدهم ، منهـا الفضائيـات التي دخلت إلى كل بيت تقـريبا ، والمؤمن يأتي بـهـذه المحطات إلى بيته ، ولكنه يجب أن يراقب أبناءه ماذا يشاهدون ، نعم يمكن الاستفادة من الفضائيات بتوجيهها إلى الاتجـاه الذي يوافـق عليـه الدين ، الشاب الذي تكون غريزته الجنسية طاغية إذا تركناه بلا رقابة فإنه يتّجه إلى المحطات التي تعرض أمورا محرّمة تثير غريزته ، فسلوكيّات الغربيين يجب أن ننظـر إليها بحذر ، يجب أن نحلِّلها بدقة حتى نعرف كيف ينظرون إلى الأشياء ، ونظرتهم يجب أن لا تكون عندنا ، ومن سلوكيّات الغربيين الاحتفال بأعياد ميلاد أبنائهم ، فاسأل نفسك :
لماذا يحتفل الغربيون بأعياد مواليد أبنائهم ؟
الجواب :
إن سلوكيّات الغربيين قائمة على عقائد معيّنة ، هذه العقائد تعتبر من شجرة الكفر ، فهي عقائد دنيوية بحتة ، إنهم يعتقدون بأن الحياة الدنيا فقط هي الموجودة وأنه لا توجد حياة أخرى بعد هـذه الحيـاة ، فـهـم بألسنتهم يقولون إنهم مسيحيون ، ولكن في الواقع لا يعتقدون بعقائد المسيح عليه السلام ، فهم لا يعتقدون بوجود الآخـرة ، فأعمـالهم لا تـدل على الاعتقـاد بالله ولا الاعتقاد بالنبوة ولا الاعتقـاد بالمعـاد ، ولا يعتقدون بوجـود حساب في عالم آخر على مـا يفعلونـه في الدنيـا ، ويعتقـدون بأن الحياة تنتهي بمجرّد الموت ، لذلك فهـم يريـدون أن يشعروا بالسعادة التامة الكاملة في حياتهم القصـيرة ، فيسـعون إلى إفراغ شهواتهم وتحقيق رغباتهم حتى لو كانت بطـرق محرّمة ، لذلك انتشـر الفساد والانحراف والزنا واللواط والخمور والمخدرات بينهم ، من أجل ذلك فإن احتفالهم بأعيـاد الميلاد مرتبــط بهذه العقيدة الدنيوية ، فهم يخترعون طرقا ووسـائل مختلفـة للشعـور بالسعـادة في الدنيـا ، وهذه الوسائل تعبِّر عن التعلّق بالدنيا فقط ، ولا يكون لها مردود أخروي لأنهم لا يعتقـدون بالآخـرة ، مـن هـذه الطـرق الاحتفال بأعياد الميلاد الذي هو منطلق من هذا الارتباط القوي بالحياة الدنيا وعدم الاعتقاد بوجود الآخرة ، فهم يحاولون إدخال السرور في قلوب أبنائهم لأن هـذه العقيـدة تنتقـل إلى أولادهم ، فيحاولـون إشعارهم بالسعادة حتى لا يصابوا بالهمّ ، فهمّهم الدنيا فقط ، فعملهم مبني على الاعتقـاد بالدنيـا وعدم وجـود الآخرة ، والمخترعات الحديثة مرتبطة بـهـذه العقيـدة ، فيريدون أن يعيشـوا حيـاة سعيدة مرفَّهة لا عناء فيها ، فتجلس في مكانك وتضغط الأزرار وكل شيء يكون جاهزا أمـامك ، إذن مـا يأتي من الغرب لا بـد من التعـامل معه بحـذر ، قـد يضرّ الإيمـان بالله تعـالى إذا لم يعرف المؤمن كيف يتعامل معه تعاملا صحيحا ، ويضرّ علاقته بالآخرة لأن هذه الأشياء تربط الإنسـان بالدنيـا وتجعـله غافـلا عن الآخرة إذا لم يعرف كيف يوجّههـا إلى الله تعالى وإلى الآخرة ، وعقائد الغرب مبنيّة على الكفر ، وأعمالهم مبنيّة على شجرة الكفر ، وهذه الشجرة تنتج ثمارا كثيرة ، وهذه الثمار الناتجة من شجرة الكفر تنتقل إلى المسلمين الذين لا يفكِّرون بأن هذه الثمار مرتبطة بعقائد الغرب ، قد يأخذ المسلمون بعض الجزئيات لا كل الأعمال ، ولكن هذه الجزئيات لها جذور تنتهي إلى شجرة الكفر ، فلا بد قبل أخذ أي شيء أن نعرض هـذه الأشيـاء على الدين الحق ، وهو الدين الذي أتى به رسول الله صلى الله عليه وآله ثم انتقل إلى أهل البيت عليهم السلام ، فنأخـذ الأحكام الإلهية منهم ، والمؤمن لا بد أن يعرض مفردة مفـردة عليهم عليهم السلام ليقولـوا لنـا مـاذا نأخـذ وماذا نترك ، واحتفـال الغربيين بميـلاد أبنـائهم ليس مفصولا عن عقائدهم ، فلا بد أن نرجع إلى جذور اعتقاداتهم .
إن الإنسـان المؤمـن بالله تعالى لا يكون نظره إلى الدنيا فقط لأن الدنيا طريق إلى الآخرة ، والإنسان لا ينشغل بالطريق عن الهدف الذي يريد الوصول إليه ، كمن يريد أن يسافر فإنه لا يهتم بتزيين الطريق ، نعم يريد طريقا ممهَّدا بحيث يوصله إلى المدينة التي يريدهـا ، وكذلك الدنيا يستغلها المؤمن للوصول إلى الآخرة سالما غانما ، فإذا انشغل ببعض الأشياء التي تجعله غافلا عن الآخرة فإنه لن يصل إلى الهدف ، ومن هذه الأشياء التي تشغل الإنسان عن الآخرة ما يعمله وما ينتجه الغربيون ، والمسلمون والمؤمنون يأخذون نتاج الغرب بلا تفكير ، ولا يربطون هذه الأشياء بعقـائد الغرب ، فاحتفـالهم بأعيـاد الميـلاد ارتبـاط بالدنيا ، وأما نظر المؤمن فإنه يكون دائما إلى الآخرة لأنه يحاول الحصول على الثـواب بكل طريقـة ، ومنهـا الاجتماع من أجـل تذاكر أمر أهل البيت عليهم السلام ، والتشـبّه بالأجنبي لا يكون فـيـه ثواب قطعـا ، بل هو محـرّم إذا قصد الشخص هذا التشبّه وأراد أن يكون مثلهم .
إذن : الغربيون يحتفلون بأعياد ميلاد الأبناء لأنهم مرتبطون بهذه الدنيا فقط ، فمقاييسهم مقاييس دنيوية كافرة ، وأمـا المؤمن فهدفه الأول والأخير هو آخرته ، ولا يوجد عنده هدف آخر ، وأما هذه الدنيا الفانية فهي وسيلة إلى الآخرة وليست غاية بنفسها ، يقول الله تعالى :
" وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً " (1) .
هكذا الإنسان المؤمن الذي يرى الأشياء بهذه الطريقة ، الآيات القرآنية وروايات أهل البيت عليهم السلام متروكة على الأرفف ، المؤمنون اليوم لا يقرؤون روايات أهل البيت عليهم السلام ليعرفوا ماذا يريد أهل البيت عليهم السلام منهم حتى يكون أحدهم إنسانا مؤمنا معتقـدا بإمامتهم ، كثير من الأشياء يأخذها المؤمنون وهم غافلون عن إيمانهم .
إن المؤمن لا يأخذ أموره من أتباع الأديان الأخرى المنحرفة ولا يتّبع ملّتهم ، المؤمن عنده أهل البيت عليهم السلام ، هم المصدر للأشياء التي يقوم بها ، ومن هذه الأمور أن لا يتشبّه باليهود والنصارى والكفار لأن التشبه بهم حرام ، مثل قصّات الشعر واللبـاس المعيَّن ، ترى إنسـانا يدَّعي أنـه مؤمـن وهـو يلبس ما يسمّى بـ " الشورت " وله قصة شعر تشبه أحد الممثّلين أو المغنّين الغربيين الفسقة ، وقد يذهب إلى المسجد بهذا اللباس ، أين هذا الشكل من المسجد ؟ ، فيذهب إلى المسجد بهذه الطريقة التي لا تعبِّر عن الإيمان والاعتقاد بالإمامة ، هذا مثال من الأمثلة ، وتوجد هناك أمـور كثيرة في حيـاة الناس لا تعبِّر عن الإيمان ، فالتشبّه بهم غير جائز ، وتقليدهم في أفكارهم وأعمالهم غير صحيح لأن أفكارهم قـائمـة عـلى تـلك العقـائد الكافـرة ، فلا نتشـبّه بهم في طريقـة حياتنـا ، فطريقة حياتنا لا بد أن تكون مختلفة عن طريقتهم في الحياة ، لا بد أن تكون كيفية حياتنا معبِّرة عن الإيمان بالله تعالى وانعكاسا للإيمان بالنبوة والإمامة والمعاد ، الله تعالى يريد من المسـلمين أن يكونـوا متـميّزين عـن أتبـاع الديانـات الأخـرى ، فالمسلم له شخصية متميّزة ، فهو لا يقلِّد الآخرين في آرائهم وسلوكيّاتهم وتصرفاتهم في هذه الدنيا ، فلقد بيّن له دينه كل ما يحتاجه من أمـور ، وديننا ليس ناقصا حتى نكمله من الأديان الأخرى ، وكل ما تريده موجـود في هذا الدين ، من أصغر شيء ككيفية دخول الحمّام وكيفية الجلـوس فيه ، وتجد روايات عن كيفية دخول الحمّام برجلك اليسـرى مثـلا ، إذا كانت الأمـور الصغيرة قد بيّنتها الروايات فكيف بالأمـور الكبيـرة ؟ ، فكل شيء موجـود في الروايـات ، ولكن نحتاج إلى البحث في هـذه الكنـوز حتى نستخرج اللآلئ من تلك الروايات ، بحـار الأنـوار ذو المائـة وعشـرة مجلدات للعلامـة المجلسي قدس سره مثلا جزء بسيط من الكنوز العظيمة الموجودة عند أتباع أهل البيت عليهم السلام ، ولكن يحتـاج المؤمن إلى مراجعـة هـذه الكنـوز حتى يقيم حياتـه على أساس هذا الدين .
في رواية عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال : " . . . ولا تَشَبَّهُوا باليهود " (1) .
اليهود هنا من باب المثال الأوضح ، فلا تتشبهوا باليهود ولا بالنصارى ولا بالمجوس ولا بغيرهم ، فلا نتشبّه بالأقوام الآخرين .
وعن رسول الله صلى الله عليه وآله قال : " من أحبّ قوما حُشِرَ معهم ، ومن أحبّ عمل قوم أُشْركَ في عملهم " (2) .
إذا كان عند المسلم ذرّة حب لأهل الكفر فلينتبه ، فإذا أحب قومـا حُشِـرَ معهـم ، الحب لا بـد أن يكـون موجَّها للمؤمنين فقـط ، الحب لا يوجِّهـه المؤمـن للغـربيين المشركين الكفرة ، وإذا يحب أعمـالهم فلينتبه ، معنى ذلك أنه سيحشر معهم ويحاسب معهم ، ففي يـوم القيامـة يقـال لـه اذهب إلى هـؤلاء اليهود والنصارى الذين قلّدتهم وأحببت أعمالهم .
في رواية عن نوف البكالي قال : أتيت أمير المؤمنين عليه السلام وهو في رحبة مسجد الكوفة فقلت : السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته . فقال : وعليك السلام يا نوف ورحمة الله وبركاته . فقلت لـه : يا أمير المؤمنين ! عظني ، فقال : " . . . ، يا نوف ! إن سـرّك أن تكون معي يوم القيامة فلا تكن للظالمين معينا ، يا نوف ! من أحبّنا كان معنا يوم القيامة ، ولو أن رجلا أحب حجرا لحشره الله معه ، . . . " (1) .
إن على المسلم أن لا يأخذ عاداته وأعرافه الاجتماعية من اليهود والنصارى وغيرهم لأن منطلقاتهم دنيوية بحتة ، فهم لا يؤمنون بوجـود الآخـرة أصـلا ، وأما المؤمن الحقيقي فإن همّه يكون في الآخرة ، ونظره دائما باتجاه الآخرة ، وعمله يصبّ في اتجاه الآخرة ، مثلا سلمان المحمّدي رضوان الله عليه يدخلون إلى بيته ويسألونه أين متاعك ؟ فيقول بما معناه : أرسلته إلى بيتي في العالم الآخر ، هكذا يكون الإنسـان المؤمن ، وهـؤلاء يمثِّلـون أنوارا في طريقنا ، فلا بـد أن نأخذ بهذه الأنوار حتى نصل إلى المكان الذي نريد أن نُحْشَر فيه مع محمد وآل محمد عليهم السلام .
نرجع إلى السؤال السابق : أنتم تحتفلون بمواليد أهل البيت عليهم السلام فلماذا لا نحتفل بمواليد أبنائنا ؟
وقد أجبنا عن هذا السؤال ، وأنا أسألكم بالمقابل : لماذا تريدون أن تحتفلوا بمواليد أبنائكم ؟ وما هو المبرِّر والسبب للاحتفال بمواليد الأبناء ؟ ، فنأتي إلى النقطة الثانية .
النقطة الثانية : لماذا الاحتفال بمواليد الأبناء ؟
يجيب لأن ابني كبر سنة عن العام الماضي ، وفي كل مرة يكبر سنة عن العام الذي قبله فإننا نحتفل بذلك ، فعمره زاد سنة عن العام الماضي ، وبعد مرور سنة أخرى أحتفل بمناسبة بلوغه سنتين من عمره .
ولكن أخي المؤمن . . أختي المؤمنة . . أسأل سؤالا : هل صحيح أننا نكبر في كل عام أو أننا نصغر في كل عام ؟ هل العمر يزداد في كل سنة أو أنه ينقص ؟
انظروا إلى الأمور نظرة صحيحة حتى تكون آراؤكم وتصرفاتكم قائمـة على التفكير الصـحيح ، عندما يجيب إن عمر ابنـه زاد نقـول لا ، إن عمـره لم يزدد بل نقـص ، عليك إثبات أنه زاد ، ولا يوجـد عندك دليل على زيادة عمره ، وأنا سأعطيك دليلا على أن عمره نقص ، وإليك الدليل ، أولا فكِّر تفكيرا صحيحا ، وبعـد التفكير الصـحيح نسـتطيـع أن نجيب بأن هـذا الجـواب صـحيح أو خاطئ ونصل إلى الجواب الصحيح .
إن ابنـك عندمـا يولـد يكون مقدّرا له أن يعيش 60 سنة مثـلا ، وبعـد سنة يكون عمره 59 سنة ، فهو لم يكبر سنة بل نقص عمـره سنـة ، وبعد عشر سنوات يكون عمره 50 سنة ، فعمر الإنسان إلى نقصان وليس إلى زيـادة ، وهو يقول إن الاحتفال يقام بمناسبة زيادة عمـره ، أقـول له انتبه إن عمره ينقص ، والإنسان يقترب إلى نهايته يوما بعد يوم ويصغر عمره لا أنه يكبر ، فهذا الاحتفال ليس احتفالا بعيد الميلاد ، بل هو احتفال بالاقتراب من القبر ، فيكون احتفالا بعيد الوفاة لا بعيد الميلاد ، فهو يشعر بالسعادة لأن ولده كبر ، مع أن المفروض أن يحزن لأن ابنه نقص عمره .
عن النبي صلى الله عليه وآله قال : " يا أبا ذر ! إنكم في ممرّ الليـل والنهـار في آجـال منقوصـة وأعمـال محفـوظة ، والمـوت يأتي بغتـة ، ومن يزرع خيرا يوشك أن يحصد خيرا ، ومن يزرع شرّا يوشك أن يحصد ندامة ، ولكل زارع مثل ما زرع " (1) .
فنحن في أعمار منقوصة ، هكذا ينظر أهل البيت عليهم السلام إلى أن عمر الإنسان إلى نقصان لا إلى زيادة ، فلماذا الاحتفال بمواليد الأبناء ؟!
جاء رجل إلى علي بن الحسين عليهما السلام يشكو إليه حاله فقـال لـه عليه السلام : " مسكين ابن آدم ، له في كل يوم ثلاث مصائب لا يعتبر بواحـدة منهـن ، ولـو اعتبـر لـهانت عليـه المصائب وأمر الدنيـا ، فأما المصيبة الأولى فاليوم الذي ينقص من عمره ( إن اليوم الذي ينقص من عمر الإنسان يعتبره الإمام عليه السلام مصيبة وهو يحتفل بهذه المصيبة التي حلّت بولده ، فإذا كان نقصان يوم واحد من العمر مصيبة على الإنسان فكيف بنقصان 365 يوما ؟ ، وهـذه الـنظـرة إلى العمـر من ثمـار شجـرة الإيمان ) . قال : وإن ناله نقصان في ماله اغتمّ به ، والدرهم يُخْلَف عنه ( فالتاجر مثلا قد يخسـر مالـه ، ولكن يكسب المـال مـرة أخـرى ) ، والعمـر لا يـردّه شيء ، والثانيـة أنـه يسـتوفي رزقه ، فإن كان حلالا حُوسِبَ عليه ، وإن كان حرامـا عُـوقِبَ عليـه ( إذا كان الإنسـان يريد مالا أكثر فليكن لـه ذلك ، ولكن لينتبه أن حسابه سوف يطول ، الفقير مصيبته هيِّنة لأن لا مال لـه ، والغني محاسب حتى إذا كان ماله مـن حـلال ، وفي روايـة يسـأل الإنسـان عن خمس ، منها ماله من أين اكتسبـه وفيم أنفقه ) . قال : والثالثة أعظم من ذلك . قيل : ومـا هي ؟ قـال : مـا من يـوم يمسي إلا وقـد دنا من الآخرة مرحلة لا يدري على الجنة أم على النار ( الإنسان لا يدري أنه إذا أصبح هـل يبقى إلى الليل أم لا ، وأنـه إذا أمسى هل يبقى إلى الصباح أم لا ، فإن عزرائيل تحت الخدمة لا يمل من عمله ، فإذا أتى الأمر الإلهي بقبض روح فلان من الناس فإن عزرائيل على أتم الاستعداد لتنفـيذ الأمـر ، ولا يغترّ الإنسـان أنـه الآن في عنفوان شبابه ، فكم مـن الشـبـاب ماتـوا ولم يكونـوا يتوقّعـون أن يموتوا ، فالإنسان لا بد أن يتوقّع الموت في كل لحظة ، وهذه المصيبة أعظم من المصائب السـابقـة ) . وقـال : أكبر مـا يكـون ابن آدم اليـوم الذي يلـد مـن أمـه " (1) .
إذن : أكبر ما يكون الإنسان حينما يولد ، وعمره إلى نقصان يوما بعد يوم .
وهناك نقاط أخرى يمكن بحثها أتركها إلى مجالات أخرى وفرصة ثانية في المستقبل إن شاء الله تعالى .
الخـلاصــة :
يوجد خط أهل البيت عليهم السلام في طرف ، وفي الطرف الآخر توجد كل الأديان والمذاهب الأخرى التي تخالف مذهب أهل البيـت عليهم السلام ، فإذا أراد الإنسـان أن يكون مؤمنا فلا بد أن يعرض مـا يريد أن يفعلـه على أهـل البيت عليهم السلام ، فيسألهم دائما عن نظرتهم إلى الأشيـاء ، ويأخـذ الجواب منهم ويطبِّقه على نفسه وعلى حياته ، كثير من الأفكار والاعتقادات والأعراف الموجودة بين المسلمين أفكار وعقائد وأعراف كافرة يأخذها المسلمون من شجرة الكفر ، فالمؤمن لا بد أن يعرض دينه على أهل البيت عليهم السلام ، وبعد أن يوافق أهل البيت عليهم السلام يقوم بهذا الفعل ، وإذا لم يوافق أهـل البيت عليهم السلام فإنـه يترك هذا الفعل ، ومقاييس الغرب مقاييس كافـرة ، وما يقدِّمه الغرب للمسلمين لا بد من التعامل الحذِر معه .
إن المؤمـن لا يأخـذ دينـه وآراءه وسلوكيّاته من الغربيين الذين مقاييسهم مقاييس دنيويـة فقـط ولا ينظـرون إلى الآخرة ، وأمـا المؤمن الذي يعتقد بالله تعالى ويعتقد بالنبي صلى الله عليه وآله ويعتقد بالإمامة ويعتقد بالمعاد فإن مقاييسه تكون مختلفة عن مقاييس الغرب لأنه يأخذ بمقاييس أهل البيت عليهم السلام ، لذلك فإن آراءه وأفكاره وأقـوالـه وكلامـه وسـلوكيّاتـه وتصـرّفاته تكون مختلفة عن كل أتباع الديانات والمذاهب الأخرى لأن نظر المؤمن يكون دائما إلى الآخـرة ، وأمـا نظـر غير المؤمن فإنه يكون إلى الدنيا فقط ، ومن يريد أن ينجو يوم القيامة فعليه أن يأخذ بدين الله تعالى عن طريق أهل البيت عليهم السلام فقط ، وبدون هذا الطريق لا يمكن للإنسـان أن يحصل على النجاة في يوم الحساب ، والمؤمن من أتباع أهـل البيـت عليهم السلام لا بـد أن يكون متميِّزا عن الآخرين البعيدين عن أهل البيت عليهم السلام ، وإليك هذه الرواية :
عن علي بن أبي زيد عن أبيه قال : كنت عند أبي عبدالله عليه السلام فدخـل عيسى بن عبـدالله القمي فرحب بـه وقرب من مجلسه ، ثم قال : " يا عيسى بن عبدالله ليس منا ـــ ولا كرامة ـــ من كان في مصر فيه مائة ألف أو يزيدون وكان في ذلك المصر أحد أورع منه " (1) .
إذن : الإنسان الشيعي لا بد أن يكون أفضل شخص إذا عاش في مكان ، يكون مختلفا عن الآخرين ، لا يكون كما يكون الناس ، لا يقول حشر مع الناس عيد ، كن فوق الناس حتى ترى الأشياء بطريقة مختلفة عنهم .
ليس كل ما يفعله الناس نحن نفعله ، لا نُلْبس بناتنا ما يلبس النـاس بناتهم ، ليس من الضرورة أنه إذا نزلت أزياء جديدة في السوق فلا بد أن تلبس البنت هذه " الموضة " ، فالبنطال والقميص الضيق ليس لباسـا شـرعيّا ، طريقـة حجاب المرأة وضّحها أهـل البيت عليهم السلام ، فديننا نأخـذه من أهـل البيت عليهم السلام ، فأهل البيت عليهم السلام هم المثال والقدوة ، إذا أرادت المرأة أن تكون مثل سيّدة نساء العالمين فاطمة الزهراء عليها السلام فلا بد أن تنظر إليها وتقلّدهـا حتى تكون فعـلا من الأتباع الحقيقيين لأهل البيت عليهم السلام حتى تحشـر معهم عليهم السلام ، وقـد تمسّـكت الزهراء عليها السلام بحجابها الشرعي ، فكيف تقـول المرأة إنها شيعية وتكون سافرة ؟ ، فالإيمـان والسفـور والحجـاب غير الشرعي ووضع المساحيق على الوجه مع وجود الرجال الأجانب لا يلتقيان .
في رواية قال النبي صلى الله عليه وآله لفاطمة عليها السلام : " أي شيء خير للمرأة ؟ " قالت : " أن لا ترى رجلا ولا يراها رجل " (1) .
إذا أراد الشخص أن يأخذ قليلا من دينه من أهل البيت عليهم السلام وقليلا من غيرهم فإن هذا الدين يكون طينا لا دينا ، فالدين هو الدين الخالص الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وآله ثم انتقل إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام ثم إلى بقية الأئمة عليهم السلام ، وإذا أراد الشخص الخلط فإن الدين لا يكون دينا خالصا بل دينـا مخلوطا بشوائب كثيرة ، وإذا أراد الشخص أن يخلط بين شجرة الإيمان وشجرة الكفر فلا يكون مؤمنا حقيقيا .
وفّقنا الله وإياكم لأن نكون من المؤمنين الصالحين الذين يكونون من أتباع أهل البيت عليهم السلام حقيقة ، وبذلك سوف نحشر معهم يوم القيامة ونكون من الفائزين .
والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا أبي القاسم محمد وآله الطيبين الطاهرين .
مـفهـوم العـيـد (1)
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا أبي القاسم محمد وأهل بيته الطيبين الطاهرين .
وصلنا إلى نهاية شهر رمضان المبارك وانتهينا من ليالي القدر التي يقدّر الله تعالى لكل شخص فيها ما يكون له في السنة من خير أو شر أو مضرة أو منفعة أو رزق أو أجل ، فيتساءل الإنسـان ما هو قدري يا ترى في السنة القادمة ؟ هل سأكون إلى خيـر أم لا ؟ هـل استطعت أن أستفيـد من ليـالي القدر لبناء مستقبلي خلال السنة القادمة إلى شهر رمضان القادم ؟
في ليالي القدر يبني الإنسان مستقبله ، في ليالي القدر عندمـا يقدّر الله عز وجل شيئا فإن هـذا القدر أتى من نفس الإنسان ، في هذه الليالي ماذا فعل ؟ ، فقدرك أيها الإنسان أنت تبنيـه بنفسـك ، نعم الله عـز وجل يقـدّر ، ولكن أنت الواسطة في بنـاء مستقبلك ، فالإنسان هو الذي يبني قدره ، فإذا استفاد من ليالي القـدر في شهـر رمضـان في بناء مستقبله فقدره سيكون إلى خير ، وأمـا الإنسان الذي ضيّع هذه الليالي فإن قدره سيكون إلى شـرّ .
إذن : فالقدر أنت تبنيه لا أن الله عز وجل يفرض عليك قدرا معيّنا ، لذلك طلب الله عز وجل من الإنسان أن يقوم بأعمال معيّنـة في هـذه الليالي حتى يستطيع أن يبني قدره بنفسه ، على كل حال بيان هذا الأمر يحتاج إلى موضوع خاص .
هذه هي نهاية شهر رمضان ، ونحن مقدمون على العيد ، فمـا هي نظـرتك أيهـا المؤمن إلى العيـد ؟ وماذا يعني العيد لك ؟ وما هو مفهومك عن العيد ؟ هل العيد يعني فقط لبس الثياب الجديدة وتبـادل الزيـارات مع الأهـل والأصـدقاء ؟ هل هذا هو مفهـوم العيد أم لا بد أن نلتفت إلى بعض الأمور التي من خلالها يمكن أن نستفيد من العيد ولا نغفل عنها لنتحرّك إلى الله تعالى ونستفيد من العيـد كوسيلة للتقرّب إلى الله والدخول إلى جنات الله الخالدة ؟ ، فكما كان شهر رمضان وسيلة للتحرك إلى الله تعالى ، وكما كانت ليالي القدر وسيلة للتحرك إلى الله تعالى ، كذلك فإن العيد وسيلة للاقتراب إلى الله عز وجل أكثر .
ويأتي الموضوع ضمن النقاط التالية :
النقطة الأولى : الثياب الجديدة في العيد :
في رواية : أن الإمامين الحسن والحسين عليهما السلام دخلا يوم عيد إلى حجرة جدهما رسول الله صلى الله عليه وآله فقالا : يا جدّاه ! اليـوم يوم العيـد وقـد تزيّن أولاد العرب بألوان اللباس ، ولبسوا جديد الثياب ، وليس لنا ثوب جديد ، وقد توجّهنا لذلك إليك . فتأمّل النبي صلى الله عليه وآله حالهما وبكى ، ولم يكن عنده في البيت ثياب يليق بهما ولا رأى أن يمنعهما فيكسر خاطرهما ، فدعا ربّه وقال : إلهي ! اجبر قلبهما وقلب أمّهما . فنـزل جبرئيل عليه السلام ومعـه حلّتان بيضاوان مـن حلل الجنة ، فسرّ النبي صلى الله عليه وآله وقال لهما : يا سـيدي شبـاب أهـل الجنة ! خذا أثوابا خاطها خيّاط القدرة على قدر طولكما . . . (1) .
نسأل : ماذا نستفيد من هذه الرواية ؟
الجواب :
إن اللباس الجديد مطلوب في العيد حتى يدخل السرور في قلـوب الأطفـال ، الكبار أيضا يفرحون ، ولكن هل وضعنا في هذا البلد هـو هكذا ؟ أي هل يشعر الأطفال بالسعادة لأنهم لبسوا الملابس الجديدة في العيد ؟ ، حينما كنا صغارا كنا نحصل على ملابس جديـدة مرتين في السنة ، في عيد الفطر وفي عيد الأضحى ، وكنـا خلال السنة نتناوب على الدشداشتين اللتين حصلنا عليهما ، إن أولادنا يلبسـون في كل يوم ثوبـا جديدا ، تجد أن الطفل دائما عليه ثياب جديدة ، وعندما يحصل على ثياب العيد لا يفرق عنده شيء ، فلا يشـعرون بتلك السعادة المطلوبة من العيد لأن لباسهم قبـل العيد وبعد العيد لا يختلفان ، نعم يشعرون بالعيد ولكن ليس كما كنا في السابق .
ومن باب تربية الأولاد لا تجعل طفلك يحصل على كل شيء يريده ، دع طفلك يشعر بالحرمان في بعض الأوقات حتى يشعر بالآخـرين المحرومين ، مثـلا عندمـا تأخـذه إلى محـل الألعاب وتقول لـه اختر مـا تريـد ، ليـس بالضـرورة أن يحصل الطفل على كل اختراع جديد ينـزل في السوق ، إذا لم يحس بالحرمان وهو صغير لن يشـعر بالفقراء إذا كبر لأنه لا يفكر بأي شخص آخر ، فقط يفكر بنفسه ويعيش الأنانية .
أخي المؤمن ! في هذا اليوم لا بد أن تفكِّر بأطفال الفقراء وأيتامهم حينمـا تشتري ثيابا جديدة لأطفالك ، اشتر لهم كما تشـتري لأطفـالك ، وأدخل على أهل بيت من الفقراء السرور ، وبذلـك تكون قـد استفدت من العيد للتقرب إلى الله عز وجل ، وتكون قد طبّقت الآية الكريمة التي تقول : " إِنَّمَـا الْمُؤْمِنُـونَ إِخْـوَةٌ " (1) .
إن الله عز وجل فرض زكاة الفطرة من أجل هذا ، ولكن الإنسـان المؤمن لا يدفع زكاة الفطرة والخمس فقط ، بل يدفع أكثر من ذلك ، في رواية عن الآية الكريمة : " وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ " (2) ، عن الإمام الصادق عليه السلام قال : . . . فالحق المعلـوم من غيـر الزكاة وهـو شيء يفرضـه الرجل على نفسه في مالـه ، يجب عليـه أن يفرضـه على قـدر طاقته وسعة ماله ، فيؤدي الذي فرض على نفسه إن شاء في كل يوم وإن شاء في كل جمعة وإن شاء في كل شهر . . . (3) .
إن هذا ليس الزكاة المفروضة بل إن المؤمن يفرض على نفـسـه أن يتصـدق في كل يـوم أو في كل أسبـوع أو في كل شهر ، فيجعـل المؤمن جزءا ونسبة من معاشه للتصدق على الفقراء ، لا تفكر أن المال يذهب إلى الفقير ، المال يرجع إليك لأن ثواب هذا المـال يرجـع إليك ، وثواب هذا المقدار القليل من المال أكثر من هذا المقـدار بأضعاف مضاعفة ، أنت تشتري العافية بالصدقة ، لا فقط أن الشخـص يتصدق حينما يصبح مريضا ، بل يشتري العافية قبل أن يـقـع مريضـا ، والمؤمـن صدقته ودعاؤه في أيام الرخاء ينفعانه حين وقوع البلاء .
في رواية بما معناها أنه إذا وقع البلاء فإن الإنسان يدعو فلا يستجاب لـه ، تقول الملائكة إن هذا صوت جديد لم نسمعه من قبـل ، وإذا كان الإنسان يدعو في أيام الرخاء فإذا وقع البلاء تقول الملائكة نعم هذا صوت كنا نسمعه دائما من قبل ، فيستجاب له .
عن الإمام الصادق عليه السلام قال : من تقدم في الدعاء استجيب لـه إذا نـزل بـه البـلاء ، وقـالت الملائكة صوت معروف . ولم يحجب عن السمـاء ، ومـن لم يتقـدّم في الدعاء لم يستجب له إذا نزل به البلاء ، وقالت الملائكة إن ذا الصوت لا نعرفه (1) .
وعنـه عليه السلام أيضـا قال : إذا دعا العبد في البلاء ولم يدع في الرخاء حجبت الملائكة صوته وقالوا هذا صوت غريب أين كنت قبل اليوم (2) .
إذن : في أيام العيد لا بد أن نفكر بأطفال الفقراء ، هذا الفقير لا يستطيع أن يشتري ثيابا جديدة لأطفاله ، لا بد علينا كمؤمنين أن نعيش مشاعر الآخرين ، يوجد في العالم اليوم كثير من العوائل الفقيرة المشرّدة والمهجَّرة ، لا بد أن نفكر بهم ، لا فقط نلبس أولادنا الثيـاب الجديـدة ، كما تشتري لطفلك اشتر بعض الثيـاب لتدخل السرور في قلوب الفقراء ، بهذه الطريقة تكون استفدت من العيد ، بذلك نكون من مصاديق الآية السابقة ، هل تشعر بهذه الأخوّة وأن عندك إخوة مؤمنين لا يستطيعون أن يشعروا بالسعادة في يوم العيد ؟
اجعل مشاعرك مع المؤمنين ، لا يعيش الإنسان لوحده أنانيا في حياتـه ، فقـط يفكر بزوجتـه وأولاده ، يصـرف على الزوجة والأولاد فقط ، وقد لا يفكر بإخوانه الأشقاء من أمه وأبيه ، الآن وضعنا هكذا ، قد يكون عنده أخ فقير ومعاشه على قدر حاله ، عندما يذهب إلى السوق لا يفكر أن عنده أبناء أخ لا يستطيعون أن يلبسوا ثيابا جديدة في العيد ، فهل مثل هذا الإنسان يصدق عليه كلمة " مؤمن " ؟
إن الإنسان المؤمن الذي لا يشعر بحاجات إخوانه في الدين يكون مؤمـن اللسـان لا مؤمـن الفعـل ، لـو كان مؤمنا حقيقة لطبَّق هذه الآيات والروايات ، نحن نحفظ كثيرا من الآيات والروايات ، ولكن مقدار العمل أقل بكثير مما نحفظه ، شخص عمره أربعون سـنة مثلا يحضر إلى المساجد والحسينيات نرى أن حياته لا تعبِّر عن هـذا الإيـمان الذي يفترض أن يكون في قلبـه ، يعيش حياته كما يعيش الآخـرون لا فـرق بينـه وبينهم ، لا يوجـد في حياته شيء يختـلف عن الآخرين من المذاهب والأديان الأخرى ، فهذا الإيمان مـاذا قدّم له ؟ ما هو قيمة الإيمان ؟ هل الإيمان أن يقول الإنسان بلسانه أنا مؤمن أو أن الإيمان له ثمار خارجية تظهر على المؤمن ؟
إذن : لا بد أن يفكر المؤمن بالفقراء وأولاد الفقراء .
وهذا رسولك الأكرم صلى الله عليه وآله لم يكن يملك شيئا لكي يلبس الحسنين عليهما السلام ثيابا جديدة ، يبكي لأنه لا يستطيع أن يحصل على ثوب جديد للإمامين عليهما السلام ، هذا رسول الله صلى الله عليه وآله فكيف بالإنـسـان العادي ؟ ، حتما حزن الإنسان العادي يكون أكبر من حـزن رسول الله صلى الله عليه وآله ، هكذا كانت حياة رسول الله صلى الله عليه وآله ، لم يكن عنده بالبيت شيء حتى يلبس الإمامين عليهما السلام .
نحاول أن نتأسّى برسول الله صلى الله عليه وآله ، إن هذه الأموال الموجـودة في يدك لم تكن بيـد رسـولك صلى الله عليه وآله ، لم يكن صلى الله عليه وآله غنيّا بماله ، كان يأكل في اليوم قبضة من تمر ، القبضة كم تمرة فيها ؟ ، عشرة تقريبا ، وهكذا كانت حياة أمير المؤمنين عليه السلام ، نسأل لو كانت هذه الأموال بيد الرسول صلى الله عليه وآله الذي تتّخذه أسوة وقدوة فماذا تظن أن الرسول صلى الله عليه وآله سيفعل بها ؟ هل سيفكر بنفسه وأولاده فقط أم أنه سيجعل جزءا منه لأولاد المسلمين ؟ ، النبي صلى الله عليه وآله سيفكر بأولاد المسلمين قبل أن يفكر بأولاده ، يعيش مشاعر الفقراء أولا ، يقدّم الآخرين ولو كان به خصاصة أي الفقر الشديد ، من صفات المؤمن أنه يفكر بالآخرين حتى لو كان يعيش الفقر ، ولا يقول أنا فقير أفكر بنفسي فقط ، والآية تقول : " وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ " ، أوّلا فكّر بالآخـرين ثم فكّـر بأولادك وليس العكس ، وبذلك نكون معبّرين عن حياة رسول الله صلى الله عليه وآله .
اجعـل نظـرك دائما إلى رسولك صلى الله عليه وآله وأئمتك عليهم السلام ، وبذلك تكون من المتّبعين لهم ، وإذا كانوا عليهم السلام يقومون بأعـمـال نحن لا نلتفت إليهـا فلا نكون مـن المتَّبعـين لهم ، فهم الأئمـة ونحن المأمومون ، فلا بد أن نتبع حركاتهم وأفعالهم حتى نكون فعلا من المتّبعين ، وأما أن تكون حياتنا الظاهرية مشابهة لحياة الآخرين فهذا معناه أننا لم نرتبط بهم عليهم السلام كمؤمنين بهم ولا نكون من الأتباع الحقيقيين للأئمة عليهم السلام ، وإنما نكون مسلمي اللسـان لا مسـلمي الجنان فعلا وحقيقة ، فكلمة " الأئمة " لا تصدق عليهم بالنسبــة لـنـا ، ونحن لا تصـدق علينا كلمة " مأمومون " لأنهـم يعيشون في وادٍ ونحن نعيش في وادٍ آخر ، حياتنا الآن لا تعبِّر عن الاتبـاع تمامـا ، نعم هنـاك كثيـر من الإخـوان يحاولون ، ولكن قـد يكون الكثير مـن المؤمنين من الغافلين ، يغفلون عن أنهم مأمومون وأن لهـم أئمـة يجب اتبـاعهم ، فنعيش العيد ولكن نغفل عـن مفهـوم العيـد وجوانب العيد ، كيف يريد أهل البيت عليهم السلام هذا اليوم منّا ؟
إذن : النقطة الأولى أننا نفكر بأولاد الفقراء كما نفكر بأولادنا ، بل هم مقدَّمون على أولادنا .
النقطة الثانية : معنى العيد :
العِيدُ مشتقّ من العَوْد من يَعُودُ عَوْدًا ، قلبت الواو إلى ياء ، فماذا نفهم من كلمة " العَوْد " ؟
يقولون إن العَوْد يعني كثرة عوائد الله تعالى في يوم العيد ، عوائـد الله هي المُعْطَيَـات أي مـا يعطيـه الله في هذا اليوم من الرحمة والبركة والخير ، وقـد يعني عود السرور إلى القلوب ، ولكن الأفضـل أن نقـول إن معنـاه العـودة إلى الله تعالى ، إن المؤمن حينما يدخل شهر رمضان يكون صائما ثم تأتي ليالي القدر ، ويستفيد منهـا ليقترب إلى الله عـز وجل ، فإذا انتهى مـن شهر رمضان ودخـل العيد فهو قد عاد ورجع إلى الله واقترب منه ، وهذا هو مفهـوم العيد ، والمؤمن لا بد أن يشعر بهذا الاقتراب بعد نهاية الشهر ، يدخل إلى الشهر بحالة ، ويخرج من الشهر بحالة أخرى جديـدة ، يحس بأنـه اقترب إلى الله تعـالى ، ويشـعر بأنـه قد عاد إلى الله عز وجل لأنه قد ترك كثيرا من الأشياء باختياره حيث استطاع أن يرتكبها ولكنه لم يفعل ، ترك كثيرا من زينة الحياة الدنيا والملهيات التي تلهيه عن ذكر الله تعالى ، فينتهي هذا الشهر ويدخل العيد ، فيعود المؤمن إلى الله عز وجل ويرجع إليه ويقترب منه تعالى ، هذا هو مفهوم العيد وهو العودة إلى الله عز وجل ، والآن راجع نفسـك إلى أي مقـدار استطعت أن تعـود إلى الله عز وجل ؟ هل استفدت من هذه الليالي في الاقتراب إلى الله تعالى ؟
وأما اللباس والزيارات فهي أمور خارجية ظاهرية من مظـاهر العيـد وهـو مطلوب ، ولكنه مطلوب مع الأمر الباطني الذي هو عَوْد ورجوع إلى الله تعالى ، فما قيمة اللباس الجديد إذا كان الإنسان قد ضيّع ليالي القدر في الخيمات الرمضانية والسهرات المحرمة وفي الأكل والشرب ومتابعة برامج التلفاز إلى الفجر ؟ فما فائـدة العـيـد لهذا الإنسان الذي ضيّع ليالي القدر المباركة ؟ وما قيمة العيد له إلا اللباس الجديد وزيارة الأهل فقط ؟
يعيش هذا الشخص ظواهر الأمور ، وأكثر الناس يعيشون ظـواهر الأشياء حتى من العبادات ، يقول انتهيت من الصلاة وانتهيت من الصيـام وانتهيت من الحـج ، يرجـع من الحـج كما هو هـو ، الحـج الذي يستـفيد منـه المؤمن في مغفرة ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، يحصل على هذه المغفرة إذا هو غيَّر نفسه ، وأما إذا يرجع وتكون حياته كما كانت قبل الذهاب إلى الحج والتخلي عن زينـة الدنيـا ، فهـو يلبس الإزار والرداء فقـط ، وأول ما ينـزع الإنسـان في الحج ثيابه كأنه يقول يا ربي أنا تخلّيت عن الدنيا ، فيعـيش في الحـج كمـا يعيـش الفقـراء ، فالغني يكون إلى جانب الفقـير ، لا تدري أيـا منهمـا هو الفقير وأيهما هو الغني ، يعيش شهر رمضان ويقول يا ربي تخلّيت عن الدنيا ، فبعد هذا الشهر يعيش الإنسان بينه وبين ربه ، ويستحب أن يقوم ليلة العيد حتى يحاسـب نفسـه ، ويسأل نفسه مـاذا استفدت من شهر رمضان المبارك ؟ هل استفدت شيئا أم أنه في الشهر كله كنت أمام التلفاز ؟
إن البرامج والأفلام والمسلسلات التي تجعل في شهر رمضان أكثر من الأيام العادية ، والأكلات الموجودة في الجمعيات في شهر رمضان أكثر من الأيام العادية ، ومعنى ذلك أننا نعيش حياتنا ونرتبـط بأشيـاء تذكرنـا وتربطنـا بالدنيا أكثر خلاف الحكمة من شهر رمضان ، الهدف من شهر رمضان هو أن تبتعد عن الدنيا ، ولكن كل الأشيـاء التي تعيشهـا في شهر رمضان تربطك بالدنيا ، قليل من الناس يستطيعون أن يبتعدوا عن هذه القيود الاجتماعية القوية ، كم بيت من المؤمنين يكون على مائدة إفطارهم قليل من الطعام ؟ ، قد يكونون قليلين جدا ، فهذه الأكلات الرمضانية بأنواعهـا المختلفـة من الطعام والشراب والمائدة مملوءة ، وقد يكون عدد أفراد الأسرة قليلا جدا وتجد أن السفرة ممدودة من أول الغرفـة إلى آخرها ، وهذا يدل على أن الناس يعيشون مظاهر الشهـر فقـط ، صيام ظاهري وامتناع عن الأكل والشرب ظاهرا ، فلا يعيشون هذا الامتناع نفسيا وباطنيا ، فبمجرد ما يحين وقت الإفطار نجد الهجوم العسكري على الأكل والشرب ، فيأكل عشرة أصناف من الطعام ويشرب خمسة أصناف من السوائل قبل أن يذهب لصلاة المغرب ، ولكنه إذا أكل لا يستطيع أن يتحرك ، ويظل فتـرة طويلة أمام التلفاز ويشاهد حتى الأفلام المخصّصة للأطفال ، وينتظـر إلى أن يخـف ضغـط الأكل على معدتـه حتى يستطيع أن يقـوم للصـلاة ، وبعـد ذلك يأتي الشاي العادي وشاي الليمون وشاي الزعفران وشاي الدارسين ، فحياتنا الآن هكذا ، جوع مصطنع وعطش مصطنع ، فنُقْدِمُ على الطعام ونحن لا نشعر بالجوع ، ولا نتوقف إذا شبعنـا مع أنـه في الروايـة أن من صفـات المؤمـن أنه يتوقف عن الأكل قبل أن يشبع .
روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال : نحن قوم لا نأكل حتى نجوع ، وإذا أكلنا لا نشبع (1) .
ولكن نحن نمتلئ بالطعام ولا نقف بحيث إن الشخص لا يستطيع أن يتنفس ، وحياة المؤمنين بشكل عام هكذا ، ادخل إلى بيت أحد المؤمنين وقت الإفطار تجد هذه السفرة الممدودة ، فأين التـأسي برسـول الله صلى الله عليه وآله وبأميـر المؤمنـين عليه السلام حينما يقـول : ولعل بالحجاز أو اليمامة من لا طمع له في القرص ولا عهد له بالشبع ، أوَ أبيت مبطانا وحولي بطون غرثى وأكباد حرّى (1) ؟
إذن : نحن الآن حياتنا لا تعبِّر عن الاتّباع للأئمة عليهم السلام ، لنحاول أن نعيش كما كان يعيش أهل البيت عليهم السلام ، لا تَقُلْ إن زماننا غير زمانهم ، أنت تستطيع أن تكون أمّة في هذا الزمان كما كان سيدنا إبراهيم عليه السلام أمّة في زمانه ، النبي إبراهيم عليه السلام كان لوحـده ولم يـقـل إن زمـاني غير زمان مـن كان قبلي ، كان مؤمـنـا لوحـده ، وأنت تسـتطيع أن تكون المؤمـن الوحيد في هذا الزمـان ، فكن كذلك ، وما الغريب في أن تكون المؤمن الوحيد في زمانك ؟ ، لا نقـول لا تجعل في بيتك شيئا ، نقول اجعل ولكن اجعل بمقدار حاجتك ، لا نقول اجلس على الحصير كما كانوا في ذلك الزمـان ، نعم اشـتر السجادة ولكن السـجادة البسيطة ، من خلالها تحاول أن ترتبط برسول الله صلى الله عليه وآله ، فنستفيد من شهر رمضان هـذه الاستفـادات ونُقْدِم على يـوم العيد وقد عدنا ورجعنا إلى الله عز وجل .
هذا الشخص الذي سهر بالأعمال المحرمة في هذا الشهر يـوم العـيـد لا يكون عيـدا لـه بل يكون مصيبة عليـه لأنـه ابتعد عن الله عـز وجل ، نعم ظاهريـا هـو يوم عيد ، ولكن باطنيا ليس عيدا له لأنه لم يقترب من الله تعالى في هذا الشهر الفضيل .
في روايـة عـن أمـير المؤمنين عليه السلام أنـه قال : إنما هو عيد لمن قبل الله صيامه وشكر قيامه ، وكل يوم لا يُعْصَى الله فيه فهو يوم عيد (1) .
إذن : أيها المؤمن ! إن اليوم الذي لا تعصي فيه الله هو يـوم عيـد لك ، فكن حريصـا على ذلك ، فيستطيع المؤمن أن يعيش في كل يـوم عـيـدا ، ويأتي إلى شهر رمضان ويصل إلى يوم عيد الفطر فيكون له عيدا أكبر من الأيام العادية ، والمؤمن لا يعصي متعمدا ، فيعيش العيد في كل يوم من أيام حياته ، ففي نهاية اليوم يرجع إلى الله لأنه يحاسب نفسه ، وفي ليلة العيد يحاسب نفسه أيضا ، فيسأل نفسه ماذا استفدت من هذا الشهر ؟
ويسـتطيع أن يعدِّد الفوائد لأن الإنسان على نفسه بصيرة ولـو ألقى معاذيره ، وحتى القيام في ليالي شهر رمضان إذا لم يُحْدِث تغييرا في النفس فإنه لا ينفع الإنسان ولا يستفيد منه ، فالقرآن الكريم والأدعية عبارة عن كلمات ، ويمكن للشخص أن يختم القرآن ، ولكن بعد أن يختم يسأل نفسه ماذا استفدت من القرآن ؟ مـا هـو التغيّر الذي حدث في حياتي بتأثير القرآن ؟ ، إذا لم يتغيّر شيء في حياته فهذه الختمة لا قيمة لها لأنها لقلقة لسان وقراءة كلمات دون الاستفادة من المعاني ، ولم تدخل الكلمات إلى قلب هذا الإنسان ، فلم تتغيّر حياته وظلّت كما هي ، ينتهي من قـراءة القـرآن ولا يستفيد منه ، وينتهي من العبادات ولا يستفيد منها لأن حياته الخارجية لم تتأثر ولا تعبِّر عن هذه الاستفادات ، فحياتـه قبـل الختمـة مثـل حياته بعد الختمة ، حياته قبل شهر رمضـان مثـل حياته بعد شهر رمضان ، فهذا الإنسان لم يستفد من الشهر المبارك .
إذن : حياتنا لا بد أن تتغيّر ، الآن أكلك لا بد أن يكون بشكل مختلف عما كان قبل دخولك إلى الشهر ، المفروض أن عبادتك تزداد كما ازدادت في شهر رمضان ، الآن لا تقتصر على الصلاة الواجبة ، فتقول انتهى شهر رمضان ، لا إن شهر رمضان عبارة عن برنامج يعوّدك على الاتجاه إلى الله تعالى من خلال العبادة ، فإذا كنت قد تعوّدت على بعض الأعمال في ليالي الإحياء استمر عليها ولو تكون الآن بشكل أقل ولكن لا تقطعها ، إذا كنت تسـهر في تلك الليـالي الآن لا نقـول لك اسهر في تمام الليل لكن اجعـل وقتـا من الليل للاتجاه إلى الله عز وجل ، إذا لاحظت التغيّر في نفسك فإن يوم العيد يكون عيدا لك ، وتستمر على برنامج شهر رمضان خلال السنة ، فشهر رمضان والصلاة والحج تجعلك تتغيّر وفي كل يوم تكتسب شيئا جديدا .
عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال : من استوى يوماه فهو مغبـون ، ومن كان آخـر يوميه خيرهما فهو مغبوط ، ومن كان آخر يوميه شرهما فهو ملعون ، ومن لم ير الزيادة في نفسه فهو إلى النقصان ، ومن كان إلى النقصان فالموت خير له من الحياة (1) .
لا بد أن تكون أيام المؤمن غير متساوية ، دائما يتقدم في حياتـه باتـجاه الله عـز وجل ، فيقترب يوما بعد يوم إلى الله ، فاليـوم ليس كالأمس لأنه اقترب في هذا اليوم إلى الله أكثر من الأمس ، فنستفيد هذه الاستفادات .
في رواية عن الإمام الباقر عليه السلام يخاطب الراوي واسمه عبدالله بن دينـار يقـول : يـا عبدالله ! مـا مـن عيد للمسلمين أضحى ولا فطـر إلا وهـو يتجدد فيه لآل محمـد صلى الله عليه وآله حـزن . قلت : فلم ؟ قال : لأنهم يرون حقّهم في يد غيرهم (2) .
إن أيام العيد أيام حزن أيضا لرسول الله صلى الله عليه وآله ، يرجـع المؤمن إلى الله عز وجل ، ولكن يعيش أيضا أحزان آل محمد صلى الله عليه وآله لأن حقهم في يد غيرهم ، هذه المآسي التي مَرَّت على أهـل البيـت عليهم السلام لا بـد أن نعيشها في يوم العيد أيضا ، فهم ظُلِمُوا ، ونحن لا بد أن نشعر بهذا الظلم الذي وقع عليهم وما زال واقعا على أتباعهم إلى اليوم .
أيها المؤمن ! إذا كنت لا تشعر بالظلم فراجع إيمانك ، إذا كانت الأمـوال تجري في يـدك وتعيش حياة أنت مرتاح فيها ولا تشعر بالظلم فراجـع إيمانـك ، هـذه الأموال التي تجري في اليد لا قيمة لهـا ، لا بـد أن يشعر الإنسان بالظلم ، إمامك عجل الله فرجه الآن غائب لأنك أنت أيها المؤمن لم تتهيّأ لظهوره ، لو كان يوجد من المؤمنين من هم مستعدون للتضحية في سبيل الله لظهر الإمام عجل الله فرجه ، فهناك نقص فينا ، يجب علينا أن نعالج النقص فينا حتى يظهر الإمام عجل الله فرجه ، الآن أنت تعيش مظلوما ، هل تشعر بهذا الظلم الواقع عليك ؟ ، إذا قلت لا أشعر بالظلم فأنت لم ترتبط بإمامك الغائب ، لا بد أن تحس بالظلم وتعيش أحزان رسول الله صلى الله عليه وآله ، قُتِـلَ أميـر المؤمنـين عليه السلام ، وسُمَّ الإمام الحسن عليه السلام ، وذُبِحَ الإمام الحسين عليه السلام ، وسار بقية الأئمة عليهم السلام بنفس الطريقة وعلى نفس المنهاج .
خطب الإمام الحسن بن علي عليهما السلام بعد قتل أبيه عليه السلام فقال في خطبته : لقد حدثني حبيبي جدي رسول الله صلى الله عليه وآله أن الأمر يملكه اثنـا عشـر إمامـا من أهل بيته وصفوته ، ما منّا إلا مقتول أو مسموم (1) .
تعيش في يوم العيد هذه الأحزان ، ولا تنس في يوم العيد إمامك الغائب عجل الله فرجه ، أنت الآن إنسان مظلوم ولا بد أن تشعر بهذا الظلم ، ارتبط بإمام زمانك في هذا اليوم ، لا تنس أنه غائب وأنه يعيش الأحزان لأن الله تعالى لم يأذن له بالظهور من أجل نصرة الحق ، فأنت يجب أن تنصر الحق ليظهر الإمام عجل الله فرجه وتعدّ نفسك لظهور الإمام عجل الله فرجه .
عن سدير الصيرفي قال : دخلت على أبي عبدالله عليه السلام فقلت لـه : والله مـا يسـعك القعـود . فقـال : ولم يا سدير ؟ قلت : لكثـرة مواليـك وشيعتـك وأنصارك . . . فقال : يا سدير ! وكم عـسى أن يكونـوا ؟ قلـت : مائـة ألـف . قـال : مائـة ألف ؟ قلت : نعـم ، ومـائتي ألف . قـال : مائتي ألف ؟ قلت : نعم ونصف الدنيا . . . فسرنا حتى صرنا إلى أرض حمراء ونظر إلى غلام يرعى جـداء فقـال : والله - يا سـدير - لو كان لي شيعة بعدد هذه الجداء ما وسعني القعود . ونزلنا وصلّينا فلما فرغنا من الصلاة عطفت على الجداء فعددتها فإذا هي سبعة عشر (1) .
يعني أن الإمام عليه السلام يريد هذا العدد من الأنصار حتى يقوم بالسيف ، ونحن نعلم أن أنصار الحجة عجل الله فرجه ثلاثمائة وثلاثـة عـشـر قائـدا غيـر الجنود ، فأنت يجب أن يكون سعيك للوصول إلى مقام القادة ولا تقنع بأن تكون جنديا من الجنود ، وبذلك تقترب من الإمام عجل الله فرجه .
إذن : في يوم العيد نذكر هذه الأحزان ونحاول الارتباط بأهل البيت عليهم السلام من خلال الرجوع إلى الله عز وجل والارتباط برسول الله صلى الله عليه وآله ، فهذه الاستفادات نستفيدها من يوم العيد لا فقط لباس جديد وزيارات بين الأهل ، نلتفت إلى هذا الجانب حتى يكون العيد وسيلة للاقتراب إلى الله تعالى .
والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا أبي القاسم محمد وأهل بيته الطيبين الطاهرين .
الحـجـاب الإيمــاني (1)
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا أبي القاسم محمد وأهل بيته الطيبين الطاهرين .
قال الله تعالى في كتابه الكريم : " يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَـاتِكَ وَنِسَـاءِ الْمُؤْمـِنِينَ يُدْنـِينَ عَلَيْهِـنَّ مِـنْ جَـلابِيبِهِـنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُـعْرَفْـنَ فَـلا يُؤْذَيـْنَ " (2) .
قد يُتَعَجَّب من الموضوع ويقال إننا سمعنا عن " الحجاب الإسلامي " وأنـه يكون بكيفيـة وطريقة معيّنة ، ولكننا لأول مرة نسمع عن " الحجاب الإيماني " ، فهل هناك شيء يسمى بالحجاب الإيماني ، ومـا هو المقصود منه ؟ وهل يختلف عن الحجاب الإسلامي ؟
قبل الدخول في الموضوع لا بد من التمهيد بمقدمة ضرورية ذكرتها سابقا ، وأذكرها باختصار حتى أدخل في الموضوع ، إن الإيمـان مترابط الأجـزاء ، فنأخذ كل الأجزاء ، وهذه الأجزاء تمثّل شجرة الإيمان ، وفي تعاملنا مع الله عز وجل لا نقول إن هذا الأمر اقتنعت بـه ، وذاك الأمـر لم أقتنع به ، بل يجب علينا طاعة الله في كل أمر يأمرنا به حتى لو لم نعرف المصلحة من وراء هذا الأمر ، هذا الأساس لا بد أن يكون بأيدينا حتى ندخل في الموضوع .
نحن نسمع بعض الأقوال من كثير من النساء ، من هذه الأقوال : أنا غير مقتنعة بالحجاب ، أو الحجاب يمنعنا من حرية الحركة ، أو عندما أذهب إلى الحج فسوف أتحجّب ، أو إن ابنتي صـغيرة على الحـجـاب فإذا صـار عـمـرها 18 سـنة فسـتتحجّب ، أو دع ابنتي تستأنس بالحياة وبعد ذلك تتحجّب ، إلى غير ذلك من الأقوال ، والعجيب أن بعض هذه الأقوال نسمعها من نساء يُفْتَرَض فيهن الإيمان لأن ظاهرهنّ يدل على ذلك ، فهذه المؤمنة تلبس الحجاب الشرعي وتقول بأنها مقتدية بالزهراء عليها السلام وتحضر المساجد والحسينيات .
فنقول لهنّ إن الله سبحانه فرض الحجاب كثمرة من ثمار شجرة الإيمان ، فمن تؤمن بشجرة الإيمان عليها أن تأخذ بهذه الثمرة وإلا فهي في الواقع ليست مقتنعة بشجرة الإيمان ، فالله سـبحانه لم يجعل الحجاب عُرْضَة للاقتناع ولعدم الاقتناع ، ولم يجعل الاقتناع شرطا من شروط لبس الحجاب ، فلبس الحجاب واجب على المرأة كما أن الصلاة واجبة عليها ، فالصلاة واجبة شـرعا والحجاب أيضـا واجب شرعا ، فلماذا تقبل السافرة بالصلاة ولا تقبـل بالحجاب ؟ ولماذا لا تقول هذه المرأة إنها لا تصلي لأنها غير مقتنعة بالصلاة أو بالصيام أو بالحج ؟ ، فكما أن الصلاة ليست خاضعة للاقتناع وعدم الاقتناع كذلك الحجاب غير خاضع للاقتنـاع وعـدم الاقتناع ، والإيمان لا يقبل بشكل متجزئ بحيث يأخـذ الشـخص جـزءا ويتـرك جـزءا آخـر ، فالإيـمان مترابط الأجـزاء ، ومن التي تستطيع أن تضمن حياتها إلى وقت الحج ؟ وماذا سيكون مصيرها إذا ماتت قبل الحج ؟ ، هذه المرأة سوف تحشر يوم القيامة وهي مخالفة لأمر من أوامر الله تعالى ، فماذا سيكون المصير ؟
إن الحجاب واجب غير معلَّق على واجب آخر ، فهو ليس معلَّقا على الحج حتى تقول هذه المرأة إنه بعد ذهابها إلى الحج سـوف تتحجب ، بمجرد أن تبلغ المرأة تسع سنوات هجرية يجب عليها لبس الحجاب ، ويجب على الأب والأم أن يلبساها الحجاب .
إن الإيمان كل مترابط لا يتجزأ ، فالمؤمن حقا الذي يكون عنـده حق الإيـمان لا الإيمـان المتـردد المتزلزل المتذبذب هو الذي يقبـل كل أوامـر الله ، ويبتعـد عـن كل نواهي الله ، فالإيـمان في واقعـه ليـس عبـارة عـن الأعمال الخارجية ـــ أي أعمال الجوارح ـــ التي نؤديهـا ، وإنمـا ينظـر الله عز وجل إلى قلب الإنسان ونفسه أو مـا يسـمى بالصورة الداخلية للإنسان ، فهذه النفس لو كانت مؤمنة فإنهـا بشكل طبيعي تنتج منهـا هذه الأعمال الإيمانية .
إن مجرد العمل الخارجي لا يدل على الإيمان الواقعي الحقيقي ، الإيمان لا بد أن يكون منطلقا من القلب ومن داخل النفس ، هذا هو الإيمان ، وبعد ذلك تأتي الأعمـال الخارجيـة المتـرتبـة على الإيمان القـلـبي ، فالمؤمـن يكون أولا قلبـه مؤمنـا بالله ثم تأتي الأعمال الخارجية من العبادات كالصـلاة والصيام والحج ومـن المعامـلات التي يقوم بها المؤمن ، وهـذه الأعمـال الخارجية تكون ناتجة من الإيمان القلبي ، يقول الله تعالى :
" أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ " (1) .
يقول السيد العلامة الطباطبائي قدس سره في الميزان في تفسير الآية السابقة : " إن الشجرة الطيبة هي الاعتقاد الحق الثابت أو شجرة التوحيد أو القول بالوحدانية والاستقامة عليه ، فالاستقامة عليه هـو حق القول الذي له أصل ثابت محفوظ عن كل تغير وزوال وبطلان وهـو الله عـز اسمـه ولـه فـروع مـن عقائد حقة وأخلاق زاكية وأعمال صالحة " .
إن الاعتقاد الحق والإيمان الحق مثل الشجرة ، يمثلها القرآن الكريم بالشجرة التي لها أصل ثابت ولها جذور ثابتة في الأرض ولها فروع تتجه إلى السماء ، وهذه الفروع لها ثمار ونتاج طيب ينتج من الجذر الذي هو أصل ثابت في الأرض .
إن من تمكّن الإيمان من قلبه وكان الإيمان ثابتا في قلبه فالنتاج الطيب والثمار الصالحة تأتي بشكل طبيعي نتاجا لهذا الإيمـان ، لذلك ففي خطبـة المتقين في نهـج البلاغـة يقـول الإمـام علي عليه السلام إن المؤمن " الخير منه مأمول والشر منه مأمون " ، لأنه لا يتوقع أن يأتي الشر من المؤمن بل دائما يتوقع منه الخير .
إذن : هذه الشجرة الإيمانية التي أصلها ثابت وفرعها في السماء وتؤتي الثمار الطيبة في كل حين بإذن ربها ، هذه الشجرة الإيمانيـة المفروض أن تكون عـنـد المؤمـن الذي يؤمن حق الإيمان بالله تعالى ، ولا يكون المؤمن مؤمنا إلا بعد الإيمان بهذه الشجرة الإيمانية ، وفي مقابلها توجد شجرة الكفر التي ليس لها أصل ثابت وليس لها قرار بل هي اجتثت من فوق الأرض وإن كان يُظَنُّ أن لها جذورا ثابتة في الأرض ، هذه الشجرة الإيمانية لا بد أن تكون عند الإنسان المؤمن ، وبعد أن يؤمن بهذه الشجرة سيسلّم هذا المؤمن بشـكل طبيعي بأوامـر الله ويبتعـد عن نواهي الله لا بشكل مصطنع ، فتَنْتُج أعمالٌ خارجية لأن الإيمان ثابت في قلبه مترسخ في نفسه ، هـذا المؤمن الذي يؤمن بهـذه الشجرة بهذه الكيفية هذا الذي يحشر يـوم القيامة له نور يسعى بين يديه ، هذا المؤمن هو الذي يحشر على هذه الصورة وعلى هذا الاعتقاد الحق .
لا بد على المؤمن أولا أن تكون هذه الشجرة الإيمانية موجودة عنده ، وهذه الشجرة لا تأتي إلى المؤمن من دون علم ، لا بد أن يعرف هذه الشجرة كيف هي وما هي الثمار الموجودة عليها حتى يأخذها ، وأما المؤمن الذي يسير على جهل فقد يأخذ من شـجرة الكـفر ويظن أنها من شجرة الإيمان ، فمن يتمكن الإيمان من قلبه على أساس العلم لا تحصل عنده حالة التردد بل يسلّم بأوامر الله تعالى ، وأما الذي عنده إيمان ناقص فلا يعرف ثمار شـجرة الإيمـان المطلوبة منه كمؤمن ، فهذه الشجرة إذا توفرت عند المؤمن فإنه سيكون منقادا ومطيعا لله ويسلم بكل ما يأتي من الله تعالى ، كل الأوامر يأخذها ، وكل النواهي يتركها .
وأما قول تلك المرأة إنني إذا اقتنعت أتحجب أو إذا ذهبت إلى الحج أتحجب فإنه يدل على وجود خلل في الشجرة الإيمانية عندها ، هي تدعي أنها موالية لأهل البيت عليهم السلام وأنها شيعية ، فيقـال عنها " شيعية " ولكنها ليست ملتزمة بثمرة من شجرة الإيمان ، الشجرة لا بد أن تؤخذ ككل لا كجزء ، الشجرة إذا أخذ بعض أجزائها فإن هذا الإنسان واقعا لا يؤمن بالله حق الإيمان ، نعم يؤمـن ببعـض الأجـزاء التي تكون لصـالحه ، فيأخذ من الدين بما لا يضر دنياه ، فالذي لا يؤمن بكل ثمار هذه الشجرة يريد أن يسيِّر الدين على حسـب رغبـاته وأهوائه ، فهو يريد أن يأخذ من هـذه الشجـرة بما لا يضـر دنياه ، فإذا أضر بدنياه ترك هذه الثمرة المعيّنة التي من المفروض أن يؤمن بها ، فإذا هذه المرأة الشيعية المواليـة أخذت بثمـار هذه الشجرة المتجهة إلى الله عز وجل بواسطة حركة المؤمن فإنها تأخذ بالحجاب الإيماني بشكل طبيعي .
أقول الحجاب الإيماني ولا أقول الحجاب الإسلامي ، نعم الحجاب الإسلامي هو قطعة من القماش توضع على الرأس ، ويشترط في لباس المتحجّبة أن لا يكون ملفتا لأعين الرجال ولا يثير فيهم الشهـوة وغيـر ذلك من الشروط ، ففي الحجاب الإسلامي يُنْظَر إلى المظهر الخارجي ولا يُنْظَر إلى داخل قلب هذه المرأة ، ونحن نريد أن ننطلق من داخل النفس إلى الأعمال الخارجية .
أقول : أيها المؤمن ! أولا رَسِّخ هذه الشجرة الإيمانية في نفسـك ، وبعـد ذلك تحـرَّك ، وسـوف ترى أنك تقبل كل العبادات وكل المعـاملات وكل الأوامـر الإلهية بشكل طبيعي لأنك آمنت بالشجرة وبثمار الشجرة الإيمانية ، فالمؤمن هو الذي يطيع الله وينقـاد ويسـلّم لـه سـبحانه تسليما كاملا ، ولن تدخل الشكوك في قلبـه ، ولن يقـول إن أوامـر الله تدور مدار الاقتناع وعدم الاقتناع ، بل يكون مطيعا لله عز وجل طاعة تامّة .
إن المرأة التي تؤمن بالشجرة الإيمانية تكون مطيعة لله تعالى وتلبس الحجاب الشرعي الذي يريده الله عز وجل ، ولن تركض خلـف الحجابـات التي يرسمهـا أعوان الشيطان ليخرجوا المرأة من دينهـا ويبـرزوا جـزءا مـن شعـرها ورقبتهـا ويظهـروا مفـاتنها ، وتلبس ملابس ضيقة أو ملابس ملوّنة ، وتحذير إلى المؤمنات اللاتي يلبسن بناتهن هذه الحجابات اليوم ، تجد الأم ملتزمة بالحجـاب الشرعي ، ولكن ابنتها التي تسير معها تلبس تلك الحجابـات التي هي مـن ثمـار شجرة الكفر لا من ثمار شجرة الإيمان ، إن الحجاب الذي يبرز مفاتن المرأة هو ثمرة من ثمار شجرة الكفر ، إن الحجاب الشرعي جزء من الشجرة الإيمانية التي أرادها الله تعـالى ، وهـو فـرع من فروعها التي تكون في السماء ، وهو من ثمار وأُكُل هذه الشجرة الإيمانية ، وإذا آمنت المرأة بشجرة الإيمان فإنها ستتّجه إلى الحجاب الإيماني بشكل طبيعي ، فتَلْبَسُ الحجـاب وتُلْبس ابنتَها الحجاب لأنها انطلقت من النفس ، نفس آمنت بالله فأخذت أوامر الله عز وجل ، ومن أوامر الله الحجاب كمصداق لأوامـر الله تعـالى ، وننظر أيضا إلى المصاديق الأخرى التي تكون من ثمار الشجرة الإيمانية ونأخذها .
لا بد على المؤمن أن يراجع الآيات الكريمة والروايات الشريفة التي تحدد لنا ثمار شجرة الإيمان وثمار شجرة الكفر ، فيجب على المؤمن أن يتعلم ويعلم ، لذلك تأتي الروايات التي تحث على طلب العـلم حتى يسـير المؤمن على بصيـرة لا على جهـل ، فيأخـذ بالخطـأ والاشتباه ثمرة من شجرة الكفر ويجعلها ضمن شجرة الإيمان لأنه جاهل بأن هذه الثمرة من شجرة الكفر .
مـا معـنى الحـجـاب ؟
الحجاب هو السِّتْر والمَنْع ، واحتجب الملك عن رعيّته بمعنى أنهم لا يرونه ، والأعمى يسمّى محجوبا لأنه لا يرى شيئا (1) .
من هذا المعنى اللغوي للحجاب نأتي إلى المعنى الاصطلاحي له ، نفهم من المعنى اللغوي أن حجاب المرأة يكون مانعا وحاجزا بينها وبين شيء آخر ، فما هو هذا الشيء الآخر ؟
إن الحجاب قطعة من القماش تلبسها المرأة من أجل أن يكون مانعا بينها وبين الرجال ، فالحجاب شُرِّعَ من أجل أن تمنع المرأةُ الرجـالَ من رؤية شعرها وبدنها ومفاتنها ، ولكن هل الحجاب هو هذا فقط ؟ هل معنى ذلك أن المرأة تختلط بالرجال الأجانب كيفما شاءت وتتحدث معهم في أي موضوع تريد من غير ضرورة وتمزح وتضحك معهم بكلمات معسولة بلا حساب ؟ هل قطعة القمـاش على رأسهـا هو الحجاب الشرعي المطلوب ؟ هل المرأة المؤمنة هي التي تضع قطعة قماش على رأسها فقط ؟
بالطبع لا ، إن قطعة القماش لوحدها لا تسمّى حجابا شرعيا ، فلو وضعنا قطعة القماش على رأس امرأة منحرفة فهل نقول عنها إنها متحجّبة بالحجاب الشرعي ؟
لا ، لأن الحجاب ليس قطعة من القماش فقط ، فالمرأة تأخذ بهذا الأمر الظاهري ، وللأسف فإن المسلمين يربّون بناتهم على قطعـة القمـاش ولكن لا يربّونهنّ على الشجرة الإيمانية ، وترى البنت تلعب مع الأولاد حتى لو بلغت 13 سنة أو أكثر ، فقطعة القماش هي الفارق بينها وبين الولد ، وتكبر وتتعوّد على هذه الطريقة ، فتجد أنها تكلم الرجال كرجل دون استحياء ، فقطعة القماش لوحدها لا تسمى حجابا شرعيا ، فمن نرى من النساء حينما تلبس قطعة قماش ونطلق عليها كلمة " مُحَجَّبَة " فإن هذا القول خاطئ لأن تسميتها بهذه الصفة ليست منطلقة من شجرة الإيمـان .
إن المطلـوب من المرأة أكثـر من قطعة القماش لأن الحجاب إذا نظر إليه كقطعة قماش يكون أمرا ظاهريا كغيره من العبادات التي تعتبـر أعمـالا ظاهرية خارجية إذا نظر إليها كحركات وأقوال ، والحجاب يُعْتَبَر من شجرة الإيمان ، ولا يمكن النظر إلى الحجاب كأمـر مفصـول عن باقي ثمـار الشـجرة ، فكما أن باقي الأمور منطلقة من أساس الشجرة ، كذلك الحجاب يكون منطلقا من أسـاس شجرة الإيمان ، فأولا نأخذ الشجرة وبعد ذلك نأخذ مصاديق الشجرة ، فالأساس هو الإيمان ، وكل الثمار منطلقة من شيء واحد هو جذور هذه الشجرة ، والذي يؤمن بهذه الشجرة لا يأخذ ثمرة دون ثمرة ، فإذا قالت رواية إن هذه ثمرة من شجرة الإيمـان ، وجاءت رواية أخرى وذكرت أن هذه ثمرة أخرى من شـجرة الإيمـان فلا بد أن نقبل الثمرتين ولا نأخذ ثمرة واحدة منهمـا ، ولا نقـول إن الثمـرة الثانية لسـت مقتنعـا بها ولا أريدها لأنها تضر بدنياي .
وكذلك الحجاب له ارتباط بباقي ثمار الشجرة لأنها كلها تسير في اتجاه واحد ، فكما أن الشجرة تكبر وترتفع وتتّجه إلى الأعلى كذلك فإن جميع الأشياء في الشجرة لها اتجاه واحد وهو السير باتجاه الله تعالى على طريق الكمال لملاقاة الله تعالى ، والمؤمن في مسيره باتجاه الله تعالى يبحث عن الكمال ، يقول تعالى :
"يَا أَيُّهَا الأِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ" (1) .
إن هذه الشجرة كناية عن الإيمان ، فنحن نمثّل الإيمان بالشجرة من أجل تقريب الصورة إلى الذهن ، فنفهم هذه الصورة الماديـة حتى يتوضّح لنا معنى الإيمان ، وهذه الأفرع التي تتجه إلى السماء معناها أنها تتجه إلى الله تعالى ، وهذه الأعمال الظاهرية تحتاج إلى نية التقرب إلى الله تعالى ، والسماء كناية عن الله سبحانه ، وفي الواقع الله سبحانه موجود في كل مكان .
وتكبر هذه الشجرة وتتجه الأفرع إلى السماء لأن المؤمن طالما أنه أخذ بهذه الشجرة - وإحدى ثمرات هذه الشجرة نية القربى إلى الله تعالى في جميع الأعمال - فإنه يتقرب إلى الله تعـالى بكل عمل يقوم به حتى المباحات ، المؤمن لا يضيع أعماله في المباحـات ، يسـتطيع أن يتقرب ببعض المباحات إلى الله تعالى ، نعم بعض المباحات قد لا يمكن تحويلها إلى مستحبات ، قد أمشي من هنـا إلى هنـاك ، وهنا لا يمكن أن أقول إنني أتقرب بهذا المشي إلى الله استحبابا إلا إذا كان الهدف من المشي أمر مستحب كقضاء حاجة أحد المؤمنين أو السير إلى المسجد الذي وردت فيه رواية أن كل خطوة فيها كذا مقدار من الثواب ، فينقلب المشي المباح إلى مستحب لوجود الغاية المستحبة ، والمؤمن لا يضيّع عمره في المباحات ليأتي يوم القيامة ولا ثواب لديه ، بل كل أعماله تكون موجّهة إلى الله عز وجل .
نعم قام بأعمال خارجية كثيرة ، ولكن هذه الأعمال الخارجية لا قيمة لها إذا لم تكن منطلقة من النفس المؤمنة ، نعم قد يقول أصلي قربة لله تعالى ، ولكن هل نفسك فعلا معتقدة بهذا الاعتقاد أو أنه مجرد لقلقة لسان ؟ ، لذلك فإن الشخص خلال صلاته يفكر بثلاثين موضوعا ، إذا كان متقربا لله بهذه العبادة فلماذا يتشتّت ذهنه إلى أمور أخرى ؟ ، لو كان ملتفتا إلى أن الصلاة من ثمار شـجرة الإيمان فلا بد أن يلتفت إلى أن الصلاة لا تقبـل إلا بقـدر ما يُقْدِم الإنسـان بقلبـه عليهـا ، فالصلاة عمل خـارجي ، والصيـام عمـل خارجي ، والحج عمل خارجي ، وقيمة هذه الأعمال تكون بقدر ما يُقْدِم الإنسان بقلبه عليها بمعنى أنه يلتفت إلى أن هـذه العبادة من شجرة الإيمان ، فيصلي وهو ملتفت إلى ذلك ، فلا يذهب ذهنـه إلى الشـرق والغرب ، فإذا آمن الإنسان بهـذه الشجرة فإنه لا يأخذ شيئا منها ويترك شيئا آخر ، فلا يأخذ أو يترك بحسب ما يوافق أهواءه ورغباته ودنياه ، بل يأخذ ويترك حسـبما يريـد الله عـز وجل ، لذلك لا يمكن أن تكون المرأة متحجّبة وتكون تاركـة للصـلاة لأن الصلاة أيضا من ثمار الشجرة الإيمانية ، والشجرة تؤخذ ككل لا بشكل متجزّئ ، يقول الله تعالى : " أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ " (1) .
إن المرأة المتحجّبة بحجاب الله تعالى لا بد أن تكون مصلّية أيضـا ، ولا بـد أن تأخذ بكل ثمار شجرة الإيمان ، ومن الثمار مثلا الزهـد ، فأيـن الزاهـدون اليـوم ؟ أين الذين يأخـذون من الدنيا بقـدر حاجتهم ؟ ، وأما الناس فإنهم يأخذون من الدنيا لا بقدر حاجـتهم بل بقـدر مـا يسـتطيعون ، ونقـول قلوبنا ليست متعلّقة بالدنيـا ، نعم نغوص في الدنيا ونتغلغل في الدنيا ومع ذلك نقول قلوبنـا ليسـت متعلقـة بالدنيـا ، ألا يوجد تناقض بين قولين : أن يقـول إنني آخذ من الدنيا بقدر ما أستطيع وأن يقول إنني لست متعلقـا بالدنيـا ؟ ، والقـول الأول وهـو " أنـني آخـذ مـن الدنيـا بقـدر مـا أستطيع " ليس من شجرة الإيمان ، فشجرة الإيمان تقول لك خـذ من الدنيا بقدر حاجتك فقط لا أكثر من ذلك ، إذا كنت تريد أن تكون إنسانا مؤمنا فخذ من الدنيا بقدر حاجتك لا أكثر ، تلبس بقدر حاجتك ، وتبني بيتك بقدر حاجتك ، وتشتري سيارة بقدر حاجتك ، فقد يكون البيت مكوّنا من أربعة طوابق ولا يستعمل إلا طابقـا واحـدا ، يشتري الشخص ملابس يدور عليها الحول ولا يلبسهـا لأنه لا يحتاجهـا أو يستعملها استعمالا مصطنعا حتى يتهرّب من الخمس ، قد يلبسها مرة واحدة ، ولكن هذه ليست حاجة حقيقية ، فهذا الثوب في الواقع عليه الخمس ، نسير على أساس الحاجات المصطنعة ، نأكل لأنه يوجد عندنا جوع مصطنع ، يقدم على الطعام وهو ليس جائعا لأنه يريد أن يلتذّ بألوان الأطعمة ، نشرب لأنه يوجد عندنا عطش مصطنع ، نلبس لحاجة مصطنعة ، نأخذ من شجرة الكفر ونظن أننا مؤمنون .
لا بد أن نراجع حياتنا لنرى أولا هل أننا فعلا نؤمن بهذه الشـجرة الإيمـانية ، وثانيـا نتعلم لنعـرف ثمار هذه الشجرة لأن أعوان الشيطان عندما يقدّمون شيئا لا يقدّمونه بعنوان أنه من شـجـرة الكفـر بل بعنـوان أنـه من شجرة الإيمان ، ويلبسونه غطاء من شجـرة الإيمان ، وقد يأتـون إلى بـعض الروايات ويستغلونها لترسيخ ثمار شجرة الكفر ، مثلا في رواية :
عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال : " إن الله يحب إذا أنعم على عبد أن يرى أثر نعمته عليه . . . " (1) .
يقولون حسب هذه الرواية إن الله عز وجل يحب أن يَظْهَر أثر نعمته على عبده ، فلا بد أن تبني بيتا بطريقة فاخرة حتى يظهر أثر نعمة الله عليك ، وتلبس لباسا فاخرا ، وتركب سيارة مرفّهة ، وتصرف الأموال الكثيرة من أجل إظهار نعمة الله عليك أمـام الناس ، ألا يفسرون الرواية بهذا التفسير ؟ ، ولكن هل هذا هو التفسير الصحيح ؟
بالطبع لا ، هذا تلبيس لثمار شجرة الكفر برقيقة من ثمار شجرة الإيمان ، شجرة الكفر تقدّم الثمار مع آية كريمة أو رواية شريفة حتى تظهر الثمار بشكل جذّاب ملفت للنظر ، ما هو أثر النعمة الذي لا بد أن يظهر على العبد ؟
لا بـد أن نعرف أولا أن الدين الإسلامي لا يدعو إلى الدنيا أبدا ، لا يمكن أن تأتي رواية وتقول أيها المؤمن يجب أن تُظْهِرْ دنياك للآخرين ، وراجعوا الآيات والروايات التي تتحدث عن الدنيا والآخـرة وتقـارن بينهما ، فلا يمكن أن تأتي رواية تدعو الناس للتعلّق بالدنيا ، فلا بد أن نفسر هذه الروايات تفسيرا صحيحا ، وللوصـول إلى التفسـير الصـحيح لظهور أثر النعمة على العبد لا بد أن نراجع الروايات الأخرى ، حق النعمة أن تشكر الله عز وجل ، إذن فظهور أثر النعمة عليك أن تكون شاكرا لله لأن الله أعطاك هذه النعمة لا أن تظهر هذه النعمة أمام الآخرين ، وهكذا تُفْهَم الروايات بشكل خاطئ لأننا لا نتعلم ولا نسأل أهل العلم ، فيقرأ الشخص الروايـة ويفهم مـا يريـد ، وقـد تقرؤون مثل هذه الروايات في الجرائد وقد تسمعونها على المنابر وتفسّر بالتفسير الدنيوي .
ومن الروايات التي تفسر تفسيرا خاطئا :
عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال : " إن الله جميل يحب الجمال ، . . . " (1) .
فيقال لا بد أن تظهر بشكل جميل ، وتلبس لباسا جميلا ، وتبني بيتك بطريقة جميلة ملفتة للأنظار ، وتركب سيارة جميلة ، أليس هكذا تفسر هذه الروايات بهذا التفسير الخاطئ ؟ ، هذا التفسير يتناسب مع شجرة الكفر .
إذن : علينا أولا أن نعرف ثمار شجرة الإيمان ، لا أن نأخذ ثمرة من شجرة الكفر ونجعل لها غلافا من شجرة الإيمان ، وفي الواقع يوجد في داخل هذا الغلاف الإيماني ثمرة من شجرة الكفر .
والنتيجة هي أن الحجاب الإيماني لا ينظر إليه بشكل مفصول عن أُكُل الشجرة الإيمانية والثمار الأخرى لشجرة الإيمان لأنها كلها تكون منطلقة من النفس المؤمنة ، من الشجرة التي ترسّـخت في نفس المرأة ، وكذلك بالنسبة للرجل لا بد أن تترسخ هـذه الشجرة في نفسه حتى يحصل على الثمار الخاصة به أو الثمار المشتركة بينه وبين المرأة .
حجـاب المرأة مـانع من الاختلاط بين الرجـال والنسـاء :
إن الحجاب بمعنى الحاجز أي أنه يضع حاجزا بين المرأة والرجال الأجانب ، لا الرؤية فقط بل هدف الحجاب هو منع الاختلاط بين الرجال والنساء ، كالجلوس على سفرة واحدة والمزاح مع زوجـة الأخ أو أخت الزوجة أو ابنة العم أو ابن العم أو أخي الزوج بشـكل يثيـر الشهوات ، لا لأن الاختلاط في نفسه محرّم بل لأنـه يؤدي تدريجيـّا إلى انتشـار الفسـاد والحـرام بين الجنسين ، ودليل ذلك الوجـدان ، فنحن نرى أن المجتمعـات التي ينتشر فيها الاختلاط أكثر نرى أن الفساد منتشر فيها بشكل أكبر ، فالاختلاط من العوامل المسـاعدة على انتشار الفساد ، وانتشار الفساد يتناسب طرديّا مع انتشار الاختلاط .
ولو قارنّا بين مجتمعنا الحاضر ومجتمعنا السابق لرأينا هذا الفرق واضحا وضوح الشمس لا ينكره إلا معاند ، وعندما انتشر الاختلاط انتشر الفساد ، لذلك فإن الحجاب هدفه منع الاختلاط المحرّم بين الجنسين ، وأسأل هنا : كيف تكون المرأة متحجّبة وهي تمازح الرجال الأجانب وتضحك معهم وتثير شهواتهم بحركاتها وضحكاتها ؟ هل هي حقيقة محجّبة أم أنها لا تفترق عن المرأة السافرة إلا بقطعة قماش على رأسها ؟ ، نعم الاختلاط بحد الضرورة هـو المطلـوب .
وقد يأتي شخص ويستدل بأن الاختلاط موجود في السوق مثلا ، ولكن المرأة التي في السوق أنت لا تتكلم معها ، وإذا وصل الاختلاط بالنساء - حتى لو كان في السوق - إلى المزاح وإثارة الشهوات فهذا هو المحرّم .
حجـاب المـرأة مـانع مـن ارتكاب الذنوب :
ولنصعد درجة أكبر من السابق ، فالحجاب يكون حاجزا لرؤية الرجال الأجانب للمرأة ويمنع الاختلاط بينهما ، ولكن هذا عمل خارجي ، وهذا العمل الخارجي لا بد أن يكون منطلقا من النفـس المؤمنـة ، وأكثـر من ذلك فإن الحجـاب يكون مانعـا للمرأة عـن ارتكاب الذنـوب والدخـول في المحرّمـات لـو التـفتت المـرأة إلى أنهـا أخـذت ثمرة من ثمـار شـجرة الإيـمان وأن الدافـع لها هو إيمانها واعتقـادها وأن الله عـز وجـل يراهـا ، فإذا لم تحترز من الذنـوب فإن الله تعـالى يراهـا بالحالـة التي ترتكب فيها الذنوب مع أنها تلبس اللباس الشرعي .
وهـذا الكلام يوجّه أيضا للرجل الذي يدّعي أنه مؤمن متديّن ، ولكن في الخلوات ماذا يفعل ؟ ، وهو المهم أن الإنسان في خلواتـه ماذا يفعل لا أمام الناس ؟ ، فأمام الناس قد يتصنّع الإنسـان كثيـرا من الأفعـال ، لذلك تأتي الأدعيـة بأن يجعل الله تعالى باطن المؤمن خيرا من ظاهره كما في الدعاء مخاطبا الله تعالى : " واجعل سريرتي خيرا من علانيتي " (1) .
إن المرأة إذا التفتت إلى أن الحجاب مـن ثمار شجرة الإيمان فإنها ستفعل الواجبات ولن ترتكب الذنوب والمحرمات ، وكذلك الرجـل أيضـا إذا التفت إلى الشـجرة الإيمانيـة فإنه لن يرتكب الذنـوب لأنـه انطـلـق من الإيـمان بالله عـز وجل ، فهذا الإيمان يكون حاجزا عن ارتكاب الذنوب ويدعوه إلى فعل الواجبات .
إذا كان المنطلق هو الاعتقاد الحق والإيمان الحق فإن المرأة كمـا أنهـا أخذت بالحجـاب الإيـماني بشـكل طبيعي فإنها ستأخذ بباقي ثمـار الشجرة بشكل طبيعي أيضا ، وبالتالي ستسعى إلى رضا الله تعـالى في كل مـا تعملـه وتتجنّب كل مـا يسخط الله تعالى ، فتكون هـذه المرأة المؤمـنـة عاملة بالواجبات تاركة للمحرّمات ، بل إنها أكثر من ذلك فإنها ستأخذ بالمستحبات وتترك المكروهات كنتيجـة طبيعيـة لاعتقادها وإيمانها بالله تعالى ، وتلتفت إلى شـجرة الكفر التي لها ثمار تغلّف بغلاف إيماني وتترك هذه الثمار التي تنتمي إلى شجرة الكفر .
وأما اليوم فالملاحظ أن كثيرا من النساء المسلمات بالإسلام الظـاهري اللسـاني يلبسـن الحجاب ، ولكن ليس الحجاب الشرعي لأن إحداهن كمثال لهن تظهر جزءا من شعرها ورقبتها ، وتلبس الملابس الضيّقة المزركشة بألوان ملفتة لأنظار الرجال ، وتضع المساحيق على وجهها ، فبدل أن يكون الحجاب حاجزا لها عن الرجل الأجنبي ، نرى العكس من ذلك فإنه جاذب للرجال ، وهذه الأعمال كلها من المحرّمات ، فأعمالها لا تعبّر عن شجرة الإيمان وإن ادّعت أنها مؤمنة ، بل هي تعيش وتقتات على شجرة الكفر والفسق ، وتأخذ بثمار شجرة الكفر ، فكيف تدّعي الإيمان ؟!
إذا أرادت المرأة أن تكون مؤمنة حق الإيمان فعليها أن تأخذ بالحجاب الإيماني كفرع من فروع شجرة الإيمان ، وأخذ الحجاب يكـون منطـلقـا مـن إيمـانـها بالله تعـالى واعتقـادها بالشـجرة الإيمانيـة ، ولا يمـكـن أن تكـون المرأة مؤمنـة حـق الإيـمان إلا بأخذ كل ثمار الشجرة الإيمانية .
وأوجّه نصيحة إلى كل أب وأم أن يلبسا ابنتهما الحجاب الشـرعي عندما تبلغ تسع سنوات هجرية قمرية حتى تنشأ عليه منذ الصـغـر لا أن تُلْبس الأم ابنتها حجابا غير شرعي كما هو حاصل الآن وتقول إنها ستلبس إذا كبرت ، ولكن هيهات ذلك إذا كبرت فإنها لن ولن تلبس الحجاب الشرعي .
إن الإنسـان إذا آمـن بالتشيع فإن التشيع له متطلبات تذكرها الروايات ، ومنها هذه المتطلبات ما تذكرها الروايتان التاليتان :
عن محمد بن عجلان قال : كنت عند أبي عبدالله عليه السلام فدخل رجل فسلّم ، فسأله : كيف من خلّفت من إخوانك ؟ قال : فأحسن الثناء وزكى وأطرى . فقال له : كيف عيادة أغنيائهم على فقـرائهم ؟ فقـال : قليلـة . قـال : وكيف مشـاهدة أغنيائهم لفقرائهم ؟ قـال : قليلـة . قال : فكيف صلة أغنيائهم لفقرائهم في ذات أيديهم ؟ فقـال : إنك لتذكر أخـلاقا قَلَّ ما هي فيمن عندنا . قال : فقال : فكيف تزعم هؤلاء أنهم شيعة (1) ؟!
عن أبي إسماعيل قال : قلت لأبي جعفر عليه السلام : جعلت فداك إن الشيعـة عندنـا كثيـر . فقـال : هـل يعطف الغني على الفقـير ؟ وهـل يتجـاوز المحسن عن المسيء ويتواسون ؟ فقلت : لا . فقال : ليس هؤلاء شيعة ، الشيعة من يفعل هذا (2) .
هـذا القـول كبير ، لا فقط نقرأ الرواية أو نسمعها ، بل لا بـد أن نطبقهـا على أنفسنـا ، الإمـام عليه السلام قـد يقـول عنـا اليـوم : " أنتم لستم بشيعة " ، فيجب أن نعرف من هو الإنسان الشيعي والمؤمن الحقيقي ، لا بـد من مـراجعـة الروايـات وتطبيقها على أنفسنا ، وقد لا نجد مصاديق هذه الروايات في أنفسنا ، فكيف ندّعي أننا شيعـة وموالون لأهل البيت عليهم السلام وأننا معتقدون بالإمامة ؟
راجعوا ثمار شجرة الإيمان ، ويمكن البحث في الأقراص الكومبيوترية عن كلمة " شيعي " واشتقاقاتها ، وكذلك " المؤمن " واشتقاقاتها ، استخرج صفات الشيعي وصفات المؤمن ، ولا تراقب الآخرين بل انظر إلى نفسك ، هل أنت مطبِّق للتشيع والإيمان ؟
نحن الذين ندّعي التشيع والإيمان لماذا نبني بيوتنا كما يبني السـني الذي لا يعتقـد بالإمامـة كأصل من أصول الدين ، ونعيش كما يعيش المسيحي واليهودي بل حتى الكافر بالله سبحانه ، فإذا كانت طريقة حياتنا كطريقة حياتهم فماذا أعطانا الاعتقاد بالإمـامـة ؟ ، مــن نـاحيـة نظـريـة نؤمـن بالإمـامـة ، ولكـن المطلـوب هـو الناحية العملية المترتبة على الاعتقاد القلبي .
إن المـرأة التي تـدّعـي التشـيّع والـتي لم تلبـس الحجـاب أصـلا أو لم تَلْبَس الحجاب الشرعي أو لم تُلْبس ابنتها الحجاب الشرعي تأتي يـوم القيامـة وتقـابل فاطمـة الزهـراء عليها السلام فتقول عليها السلام لهـا : أأنت شيعية ؟ فتقول : نعم . فتسألها عليها السلام : ولماذا لم تَلْبَسي - أو تُلْبسي - الحجاب بالطريقة الشرعية ؟!
فبماذا تستطيع أن تجيب الزهراء عليها السلام ؟ ألا تستحي منها عليها السلام وهي تدّعي أنها تحب سيدة نساء العالمين عليها السلام ؟ ماذا ستفعل هذه المرأة في يوم الحسرة والندامة ؟
والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا أبي القاسم محمد وأهل بيته الطيبين الطاهرين .
العمل الفردي والعمل الجماعي (1)
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا أبي القاسم محمد وأهل بيته الطيبين الطاهرين .
كان السؤال عن العمل الفردي والعمل الجماعي : أيهما أفضل : العمل الفردي أو العمل الجماعي ؟
مــن هــذه الجمـلـة إذا قـلنـا إن هــذا " أفضـل " مـن ذاك فـلا بد أن يكون لدينا مقياس كما في الميزان حينما نقول إن هذا أثقل من ذاك ، فلا بد من وجود مقياس لترجيح شيء على شيء آخر ، الأفضـليـة تحتـاج إلى مقـيـاس وميـزان حتى نقـول إن العمـل الفـردي " أفضل " من العمل الجماعي أو العمل الجماعي " أفضل " من العمل الفردي .
إذن : علينا أولا أن نحـدّد هذا المقياس ، فليس من الصحيح أن نقـول إن هذا العمل أفضل من العمل الآخر من دون أن نبيّن سبب اختيـار وتقديم هذا العمل على ذاك ، فالمهمة الأولى هي أن نحدّد المقياس الذي به نفضّل عملا على آخر .
نبدأ بتحديد المقياس ثم نطبّق هذا المقياس على العمل الفردي والعمل الجماعي لتحديد أيهما أفضل ، ونستطيع أن نتناقش في تطبيق هذا المقياس على العمل .
حينمـا يؤدي الإنسـان أي عمل فإنه تترتب عليه ثلاث نتائج هي :
النتيجة الأولى : النتيجة الخارجية :
إنسان يبني مسجدا فترى المسجد في الخارج ، إنسان يصلي فترى صلاتـه في الخارج ، حينما تقيم دورة صيفية للشباب فإنك ترى أثر الدورة في الخارج ، ترى الشباب المشاركين ، وتحدّد عدد الأساتذة ، وتحدّد المنهج الذي تريد تدريسه لهم .
إذن : أول نتيجة لأي عمل هو النتيجة الخارجية الملموسة ، وهي نتيجة دنيوية .
النتيجة الثانية : النتيجة الداخلية القلبية النفسية :
ويمكن أن نعرّف هذه النتيجة بهذه الكيفية ، إن الإنسان يتأثر بالأعمال التي يؤديها إما سلبا وإما إيجابا ، فتحدث لدى الإنسان تأثر نفسي بالعمل الذي يؤديه إما تأثرا سلبيا وإما تأثرا إيجابيا ، ولنطلق على التأثر الإيجابي " التكامل" باتجاه الله عز وجل ، ونطلق على التأثر السلبي " التسافل " ، فيوجد تكامل أو تسافل ، نحن الآن لا نناقش كيف يتأثر بالعمل ، نريد أن نرى النتـائج فقـط ، لنحدّد النتـائج أولا ثم نأتي لنطبق على العمل الفردي والعمل الجماعي لنرى كيفية التأثر بالأعمال .
إذن : هـنـاك تـأثـر نفـسي مـن أي عمـل يؤديه الإنسان ، مثلا أنت تصـلي فـلا بـد أن تتـأثر بالصـلاة ، إنسـان يشـرب الخمـر فلا بـد أن يتـأثر بعملـه ، فالصلاة مع الالتفات إلى نية التقرب إلى الله عـز وجـل يحدث عند الإنسان تكاملا ، وشرب الخمر يحدث عنـد الإنسـان تسافلا ، الإنسان الذي يبني مسجدا على حسابه فإن ذلك يحدث تأثـرا عنـده ، فإذا بنـاه لله تعـالى فهـو يتكامل ، وإذا بناه للنـاس ريـاء فهـو يتسافل ، ونرى هنا أن العمل واحد ، فتكون النتيجة الخارجية واحدة ، ولكن التأثر النفسي مختلف من شخص لآخـر .
النتيجة الثالثة : النتيجة الأخروية :
النتيجة الأخروية يقصد بها الثواب والعقاب ، فالإنسان عندما يقوم بعمل يحصل على ثواب ، وإنسان يقوم بعمل آخر فيحصل على ذنب وعقاب .
سؤال : النتيجة الأخروية مترتبة على ماذا ؟ هل هي مترتبة على النتيجة الخارجية أو على النتيجة الداخلية النفسية ؟
الجواب :
لا يمكن القول بأن النتيجة الأخروية مبنيّة على النتيجة الخارجيـة فـقـط ، بمعنى أن الإنسـان بمجرد ما أن يصلي يحصل على ثـواب حتى لـو لم يكن ملتفتا مـدة أدائـه إلى صلاته ، وأن إنسانا يبني مسجدا يحصل على ثواب حتى لو كانت نيته الرياء ، ولكن نقول إن الإنسان عندما يؤدي أي عمل فإنه يتأثر به سلبا أو إيجابا ، وعلى أساس هذا التأثر النفسي إما أن يحصل على ثواب إذا تأثر إيجابا وأدى العمل قربة لله تعالى ، وإما أن يحصل على عقاب إذا تأثر سلبا وأدّى العمل لغير الله تعالى .
إن الإنسان في الدنيا يتجه إلى اتجاه معيّن ، هناك حركة للإنسان ، وهي إمـا حركة تكامل وإما حركة تسافل ، فما هو هدف الإنسان ؟
المفـروض أن يكون هدف الإنسان هدفا واحدا وهو الله تعالى ، هدفـه الحصول على رضا الله تعالى ، لذلك نقول نصلي قربـة إلى الله ونصـوم قربـة لله تعالى ونحـج قربـة لله تعـالى ، ومعنى ذلك أنـه توجـد حـركة للإنسـان حتى يقتـرب من الله عز وجـل ، والحركة تكون باتجاه الله تعالى ، فغاية الإنسان أن يصل في النهاية إلى الله عز وجل ، يقول تعالى : " يَاأَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاَقِيهِ " (1) .
توجد عند الإنسان حركة فيها كدح وتعب لأن الحركة تستلزم التعب ، فلا توجد حركة بلا تعب وبذل جهد ، نريد أن نتحـرك إلى الله عز وجل فلا بد من وجود وسيلة إما أن تقدمني إلى الأمام أو تؤخرني إلى الخلف ، فيحتاج الإنسان في حركته إلى وسيلة للانتقال ، فطالما أنه يوجد كدح إلى الله فإنك تحتاج إلى وسائل تتحرك بواسطتها إلى الغاية ، فلا بد من وجود وسائل للتحرك ، والله عز وجل يحدّد لك وسائل الحركة ، فيقول لك إن هذه الوسيلة تقدّمك ، والوسيلة الأخرى تؤخرك ، إذا صلى الإنسان يتقـدم ، وإذا سـرق يتأخر ، فعندنا وسائل على الطريق تحركنا إلى الأمام أو إلى الخلف .
وكذلك فإن الطـريق يحتـاج إلى حدود كالرصيف ، الغاية من الحـدود أن لا تخـرج من الطريق إلى خارجه ، إذا أراد الإنسان أن يتجـه إلى الله تعـالى فهناك رصيف يحدّه من الخروج ، يقول له أنت الآن خارج عن الطريق ، انتبه وارجع إليه ، وأيضا في نفس الطريق هناك تنبيه آخر ، فإذا رجع إلى الخلف فإنه يوجد إنذار يقـول لـه انتبه أنت الآن تتسافل ولا بد أن تتقدم إلى الأمام ، وهذه صورة تقريبية للحركة على الطريق باتجاه الله تعالى .
إذن : يوجد هدف وهو الله عز وجل ، وتوجد وسائل يحددهـا الله عز وجل بأنها تحرك الإنسان على الطريق إلى الأمام أو إلى الخلف ، وعندنـا حـدود للطـريق تمنع الإنسـان عن الخـروج مـن الطريق إلى غايات أخرى ، لأنه بمجرد ما أن يخرج الإنسان خـارج الطـريق فمعنى ذلك أن له غاية أخرى غير الله تعالى ، فيكون عنده انحراف وضلال .
وبعد معرفة النتائج والهدف والوسائل نرى أن النتيجة الأخروية هي المهمة ، فالإنسان المؤمن يحاول أن يحصل دائما على الثـواب في جميع أعماله ، لذلك يحاول أن يجعل أعماله كلها قربة لله تعالى وفي سبيل الله عز وجل ، وبالتالي يحصل على الثواب ، والإنسـان المؤمـن لا يضيّع حياتـه في المباحات ، فدائما يتقرب إلى الله تعالى بالأعمال التي يؤديها .
إن النتيجة الأخروية هي المهمة للإنسان الذي يعيش في الدنيـا لأن الدنيـا عبـارة عـن ممـر إلى الآخـرة ، فالإنسـان لا يعيـش في الدنيا خالدا ولا تكون الدنيا هدفه ، فالدنيا ممر ينقلك إلى الآخرة ، لذلك تأتي الروايات التالية عن أهل البيت عليهم السلام ، الروايات الشريفة التي هي كنوز أهل البيت عليهم السلام :
عن أحدهم عليهم السلام أنه قال : " الدنيا مزرعة الآخرة " (1) .
وعن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال : " الدنيا ممر والآخرة مقر " (2) .
وعن الإمـام الصـادق عليه السلام : " دار الدنيا دار زوال ودار الآخرة دار قرار " (3) .
إن الدنيا ليس لها قيمة ، إذا كان يريد أن يتعلّق بالدنيا فإنه يخسر الآخرة ، وإذا أراد أن يتعلق بالآخرة فلا بد أن يتخلى عن الدنيـا ، وفي روايـة بهـذا المعـنى أن الإنسـان المؤمـن يفرّغ قلبه عن الدنيا ليفرغ قلبه للآخرة ، وذلك حتى يتحرك إلى الآخرة .
عن أبي عيينة عن أبي عبدالله عليه السلام قال : سألته عن قـول الله عز وجل : " إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ " (4) . قال عليه السلام : " القلـب السـليم الذي يلقـى ربه وليس فيه أحد سواه " . قال عليه السلام : " وكل قلب فيـه شـرك أو شـك فهـو سـاقط وإنمـا أرادوا الزهد في الدنيا لتفرغ قلوبهم للآخرة " (5) .
والنتيجة النفسية تأتي أهميتها باعتبار أنها تحدد الثواب والعقـاب ، والنتيجة النفسيـة تكون مبنيّة على النتيجة الخارجية لأنه يوجد للإنسان تكامل أو تسافل مترتب على العمل الخارجي ، فإذا تكامل حصّل على الثواب ، وإذا تسافل حصّل على العقاب .
إذن : النتيجة الأخروية مترتّبة على النتيجة النفسية ، والنتيجة النفسية مترتّبة على النتيجة الخارجية ، فالإنسان حينما يقـوم بعمـل فإنـه يتأثـر نفسيا ، وبالتالي يحصل على الثواب أو العـقـاب ، وكـل عمـل يقـوم بـه الإنسـان يتأثـر بـه حتى في مجلسـنا الآن ، كل أسـبوع تجتمعون فلا بـد أن يوجد تأثر ، فأنتم تستفيدون من هذه الجلسات للتحرك إلى الله عز وجل ، فالجلسات نوع من الوسائل التي يمكن أن يستفيد منها الحاضر في التكامل .
تطبيق النتائج الثلاث على العمل الفردي والعمل الجماعي :
الآن نأتي لنطبق هذه النتائج على العمل الفردي والعمل الجماعي ، العمل الفردي والعمل الجماعي وسيلتان للتحرك إلى الله عـز وجـل ، مـن خـلال العمـل الفـردي قـد يتكامل الإنسان وقد يتسافـل وقـد يخـرج خـارج الحدود فلا يكون الله عز وجل هدفا وغاية له ، وكذلك مـن خـلال العمـل الجمـاعي قـد يتكامل وقد يتسافـل وقـد يخـرج خـارج الحـدود فلا يكون الله عـز وجـل هو الهدف والغاية .
ومثال العمل الفردي : إنسان يصلي لوحده ، وهذا عمل خـارجي ونتيجـة خارجية ، وهـو يتأثر نفسيا ، فإذا كانت صلاته لله تعـالى وتأثـر إيجابيـا وتكامل من خلال أدائه للصلاة فإنه يحصل على الثـواب ، وإذا صلى ريـاء فإنه يتأثر سلبيا ويتسافل وتكون صلاتـه باطلة غير مقبولة عند الله فيحصل على العقاب إذا لم يقض هذه الصلاة .
وبالنسبة للعمل الجماعي بنفس الطريقة ، جماعة يقومون بعمل معيّن ، تحدث عندهم نتيجة خارجية ، مثلا يقيمون دورة صيفية للشباب ، كل واحد من المشاركين في هذا العمل الجماعي يتأثـر بالعمـل ، أحد المشاركين يدخـل في العمل تقربا إلى الله فيتكامل ويحصل على الثواب ، وشخص آخر يشارك في الدورة حتى يُعْرَف ويشتهر فيتسافل ويحصل على العقاب لأنه قام بهذا العمل ريـاءً ، فالعمل الخارجي واحد والنتيجة الخارجية واحدة ولكن اختـلفت النيّات فاختلفت النتيجـة النفسية من شخص لآخر ، وترتب على اختلاف النتيجة النفسية اختلاف النتيجة الأخروية من فرد لآخـر ، فشـخص استفـاد من الوسيلة للتحرك إلى الله ، وشخص آخر لم يستفد من الوسيلة فتسافل وابتعد عن الله عز وجل .
لا شك أن النتيجة الخارجية للعمل الجماعي أفضل من النتيجـة الخارجيـة للعمل الفردي ، والتأثير الخارجي للعمل الجماعي أكبر مـن التأثير الخـارجي للعمل الفردي ، فكلما ازداد عدد الأفراد المشاركين في العمل الجماعي فإن التأثير في الخارج يكون أكبر ، فالدورة الصيفيـة التي يشارك فيها مائة شخص تأثيره الخارجي أكبر من الدورة الصيفية التي يشارك فيها عشرة أشخاص ، فمن حيث النتيجة الخارجية يكون العمل الجماعي أفضل من العمل الفردي ، هذا هو المقياس الأول ، ولكن نسأل :
هل النتيجة الخارجية هي النتيجة التي يطلبها المؤمن ؟
الجواب :
لا ، ليس المطلوب هو القيام بدورة صيفية وجمع أكبر عدد ممكن مـن الأشـخاص فقـط ، بل المطلـوب أكبر مـن هذا ، المطلوب هـو النتيجـة الثانيـة وهي النتيجـة النفسية ، المقياس الإيماني ليس هو النتيجة الخارجية فقط دون النظر إلى النتيجة الثانية والنتيجة الثالثة .
إن النتيجـة الخارجية ينظر إليها غير المؤمنين ، فالناس غـيـر المؤمنـين ينظـرون إلى الأعمـال مـن حيث النتيجة الخارجية فقـط ، فيقولون إن هذا الإنسان عظيم لأنه اخترع الطائرة ، وذاك عظيم لأنـه اخترع الكومبيـوتر ، لذلك يقـال إن الشعب الياباني عظيـم لأنهـم متخصصون في الأجهزة الإلكترونية ، ونمدح اليابانيين من أجل ذلك ، ونمدح الأمريكيين لأنهم سيطروا على العالم من خـلال النظـام الدولي الجديـد ، هـذه نتيجة خارجية أنهم استطاعوا أن يسيطروا على العـالم ، ولكن هـل هـذا هـو المطلوب عند الله تعـالى ؟ وكيف يجب أن ينظر المؤمن إلى الأمور ؟
ليس هـذا هـو المطلوب من قِبَلِ الله تعالى ، لو عشت في عـالم فيـه كومبيوتر أو ليس فيـه كومبيوتر ، مـا هـو الفرق بين العالمين عند الإنسان المؤمن ؟
لا توجد عندنا روايات تدعو إلى الاختراعات وإلى تطوير الحياة المادية ، ولم يكن أئمة أهل البيت عليهم السلام يدعون إلى ذلك لأن هـذه كلها نتـائج خارجية ، والنتيجة الخارجية لوحدها لا قيمة لها ، ليس مهمّا أن يجلس الإنسان أمام الكومبيوتر أو لا يجلس ، الإمـام عليه السلام لا يهتم بأن يجـلس الإنسـان على حصير أو على سجاد لأن لا فرق عنده بين الأمرين ، كان الأئمة عليهم السلام يركّزون على شيء أكبر من هذا لأن هذه هي الحياة الدنيا الزائلة ، وعند الله تعالى لا يوجد فرق بين الجلوس على حصير أو الجلوس على سجاد ، المهم أنت ماذا تقدم لله عز وجل سواء كنت تصلي على حصير أم على سجاد ؟
أنت تحصل على ثواب الصلاة إذا كنت ملتفتا إلى صلاتك سواء صليت على حصير أم على سجاد ، نعم توجد روايات عن الصلاة على التربة الحسينية وأن السجود عليها يخترق الحجب السبع وينوّر إلى الأرضين السبع (1) ، لكن هذا ليس من أجل أن التربة الحسينية شيء مادي ، هذه التربة مرتبطة بأمر ديني وهو الإمامة التي هي أصل من أصول الدين .
إذن : مـن حيث النتيجة الخارجية العمل الجماعي أفضل من العمل الفردي .
نأتي إلى النتيجـة الثانيـة وهي النتيجـة النفسـية عند الإنسـان وهي مترتبـة على النتيجـة الخارجيـة لأنه لا بد أن تقوم بعمل معيّن حتى تتأثر ، والتفكير أيضا عمل حتى لو لم تقم بأي جهد عضلي ، فيقصد من العمل عنوانه العـام الذي ينطبق على الفعـل وعلى غيـره ، مثـلا في روايـة عـن أميـر المؤمنين عليه السلام أنه قال : " تفكر ساعة خير من عبادة سبعين سنة " (2) .
ونسأل هنا :
من حيث النتيجة النفسية أيهما أفضل العمل الفردي أو العمل الجماعي ؟
الجواب :
من حيث النتيجة النفسية إذا استفدت من العمل الفردي أكثر من العمل الجماعي فإن العمل الفردي يكون بالنسبة لك أفضل من العمل الجماعي ، وإذا استفدت من العمل الجماعي أكثر من العمـل الفـردي فإن العمل الجماعي يكون بالنسبة لك أفضل من العمل الفردي ، فلا يوجد جواب واحد يشمل جميع الناس من حيث النتيجة الداخلية القلبية النفسية .
إن الوسائل التي يستفيد منها المؤمن في التحرك إلى الله عـز وجل هي الأفضل بالنسبة له ، هذه هي القاعدة العامة ، فللمؤمن الأول يكون العمل الفردي أفضل ، وللمؤمن الثاني يكون العمل الجماعي أفضل .
إذن : من حيث النتيجة النفسية لا يُفَضَّل شيء على آخر لجميع الناس إلا بقدر الاستفادة منها من الفرد في الحركة إلى الله تعالى ، فما يساعدك على التكامل يكون هو الأفضل بالنسبة لك ، وما يكون أفضل لك قد لا يكون أفضل لشخص آخر .
ومن حيث النتيجة الثالثة نسأل :
من حيث النتيجة الأخروية أيهما أفضل العمل الفردي أو العمل الجماعي ؟
الجواب :
طالما أن النتيجة الأخروية مترتبة على النتيجة النفسية ، والنتيجة النفسية تُحَدِّد النتيجة الأخروية فالأمر يفترق من إنسان لآخـر ، فإذا اسـتفاد من العمل الفردي أكثر يكون ثواب العمل الفردي أكثر ، وبذلك يكون العمل الفردي أفضل بالنسبة له ، وإذا اسـتفاد من العمـل الجمـاعي أكثر يكون العمل الجماعي أفضل بالنسبة له ، فالوسيلة التي يستفيد منها أكثر من حيث النتيجة النفسية تكون أفـضل أيضا من حيث النتيجة الأخروية بالنسبة له .
المقارنة بين العمل الفردي والعمل الجماعي :
بعد أن انتهينا من تحديد النتائج نأتي لنقارن بين العمل الفـردي والعمـل الجماعي ، مثـلا إنسـان يصلي لوحده في مكان مغلق لا أحـد يراه ، هـذا الإنـسـان يسـتطيع أن يلتفت إلى الله عز وجل أكثر من الإنسان الموجود في مكان ويكون فيه أناس آخرين كالمسجد مثلا ، ففي المسجـد يوسـوس الشيطان للإنسان : " إن الناس يراقبونك ولا بـد أن تـؤدي الصـلاة بـدقـة ليـقـال عنـك إنـك مؤمـن صـالح " ، مثـل ذلك الشـخص الذي كان يصلي في المسجد فقال بعض النـاس خلفـه : " مـا أحسـن صلاتـه ! " ، فقطع صلاته والتفت إليهم وقال : " وأزيدكم ، أنا اليوم صائم أيضا " ، إن الإنسان يتأثر بمن حوله ، والشيطان يجد منفذا للدخول إلى الشـخص إذا أحـاط بـه النـاس ، فيقـول لهذا الشخص : " التفت إلى الناس " ، بدل أن يلتفت إلى صلاته .
فمن هذه الجهة مخاطر العمل الجماعي أكثر من مخاطر العمل الفردي ، فإذا اشترك مع جماعة في عمل معين ، فيعرفه النـاس أنـه مـوجـود ضـمـن هـذه الجـماعـة في هـذا العـمـل ، فمـع وجـود الناس يأتي الشيطان ويوسوس له : " هذه هي فرصتك في الشـهـرة " ، فيعطيه الشيطان حب الشهرة ، ويقول له : " تستطيع أن تكون رئـيسـا على المجمـوعة تأمـر وتنهى كما تريد " ، فيعطيه حب الرئاسة ، والرئاسة عمل يريح النفس بأن يجلس الشخص يأمر وينهى أفراد المجموعة .
إن مخاطر العمل الجماعي أكثر من مخاطر العمل الفردي ، نعـم هنـاك مخاطـر من العمـل الفـردي ، مثلا إذا كان الإنسان لوحده لا يراه أحد قد يتكاسل في صلاته ، وهذا خطر على نفسه ، ولكن في العـمـل الجمـاعي يكون الخطـر على المجتمـع ، فيأتي الشيطان من بـاب حب الشـهرة أو حب الرئاسـة أو الطعن في الآخـرين ، فإذا برز الإنسـان فمـن الممكن أن يطعـن بمن حوله ، مثـلا يقـول : " إن عملنـا أفضـل من عمل كل الجماعات الأخرى " ، فيحاول أن يبـرز عمـل جماعتـه ويطعـن في عمل الجماعات الأخرى ، أو من باب حب المدح ، فيريد أن يسمع مدح الآخرين له ، فيقال عنه مثلا : " إنه مسؤول عن العمل الإسلامي في بلده " ، ويستغل هذه المسؤولية لإبراز عضلاته على غيره ، فيأمر هذا بعمل وينهى ذاك عن عمـل آخـر ويرفـع صوتـه على الثـالث ويصـرخ على الرابع ، أو من باب حب السـيطرة على السـاحة ، فيريـد أن تكون جماعته هي المسـيطرة على الساحة ولا يريد أي جماعة أخرى ، وهكذا تأتي مخاطر كثيرة من العمل الجماعي .
وترون بأنه لا يكفي أن نقول إن العمل الجماعي أفضل من العمل الفردي ، نعم هو أفضل من حيث النتيجة الخارجية ، ولكن المفروض أن لا نغفل عن المخاطر المترتبة على العمل الجماعي ، والإنسان إذا أراد أن يتحرك فلا بد أن يتحرك على أساس العلم والـمـعـرفـة ، فـإذا قــال إن هـذا العـمـل جـيـد فـلا بـد أن يــسـأل نفـسـه : " لماذا هـو جيـد ؟ " ، أو ليس جيدا فيسأل نفسه : " لماذا هو ليس بجيـد ؟ " ، فلا بـد أن يدرس الواقع حتى يستطيع أن يسـتفيد من هـذه الوسيلـة من أجـل أن يتكامـل فيقتـرب من الله تعالى ولا يتسافل فيبتعد عن الله عز وجل .
ومع هذه المخاطر المترتبة على العمل الجماعي نسأل :
هل يمكن أن نتغلب على هذه المخاطر أو لا ؟
وهل الذي يعمل ضمن جماعة من الجماعات يستطيع أن يتلافى هذه المخاطر أو لا ؟
الجواب :
نعم يستطيع أن يتغلب عليها بأن يرتبط بالله عز وجل ، فيلتفت إلى أن الله لا يحب له أن يكون رئيسا من أجل أن يأمر وينهى ويظهر سيطرته على الآخرين فقط ، وإليك بعض الروايات :
عـن أبـي عبـدالله عـليـه السـلام قـال : " مـن طـلـب الرئـاسـة هلـك " (1) .
وعن عبد الله بن مسكان قال : سمعت أبا عبدالله عليه السلام يقـول : " إياكم وهـؤلاء الرؤسـاء الذين يترأّسون ، فوالله ما خفقت النعال خلف رجل إلا هلك وأهلك " (2) .
قـال أبـو عبـدالله عليه السلام : " ملعـون مـن ترأّس ، ملعـون مـن همّ بها ، ملعون من حدّث بها نفسه " (3) .
وعـن أبي حمـزة الثمـالي قـال : قـال لـي أبـو عبـدالله عليه السلام : " إياك والرئاسة ، . . . " (4) .
إن الله تعالى لا يريد منك أن تحب الرئاسة ، فابتعد عن حب الرئاسة ، بأي حق يصدر هذا الشخص الأوامر للآخرين ؟!
لا بد أن ننظر إلى هذه الروايات الأخلاقية التي تبيّن أخـلاقيات الإنسـان المؤمن ، فالإنسان يجب عليه أن يتعلم حتى يعرف ما هو الإيمان وما هي الشجرة الإيمانية وما هي ثمار هذه الشجرة ، وإذا استطاع أن يعرف الثمار يأتي ثانيا ويطبقها على نفسه ، فيأخذ الثمرة بعد الثمرة ، ويكبح جماح نفسه ، وبعد ذلك يقال له : " الآن حان وقت دخول العمل الجماعي " .
نعم للعمل الجماعي ولكن بشروط ، ومع عدم توفر هذه الشـروط يقـال له : " لا تدخل العمل الجماعي " ، ومن الشروط أن يستفيد من العمل الجماعي للتحرك باتجاه الله تعالى وللتكامل لا للتسافل ، فالإنسان المؤمن الذي يدخل العمل الجماعي المفروض أن لا يركز على النتيجة الخارجية فقط ، فليس المهم أن يبني ألف مسجد في العالم بل المهم أنه بنى ألف مسجد في العالم بأي نية ؟ هل بنية القربى إلى الله أم بنية التقرب إلى الناس ؟
إن الشخص عندما يبني مسجدا مثلا فإما أن يتكامل أو يتسـافل ، وقـد يعمل أعمال خيِّرة كثيرة كأن يتصدق على ألف مسـكين ، ولكن مـا قيمـة هـذا العمل إذا لم تكن النية هي التقرب إلى الله تعالى ؟
إن النتيجة النفسية الداخلية القلبية هي المطلوبة من الأعمـال ، فنعم للعمل الجماعي وثوابه كثير ولكن بهذه الشروط ، فهـو قـد يجعـل نفسـه في موقـع ، ولكنـه لا يكون أهلا لأن يكون في هـذا الموقـع لأنـه لحد الآن لم يستطع أن يسيطر على أمراضه النفسية القلبية ، فدخل في عمل وبدل أن يفيد الناس أو أفادهم فائدة ظاهرية بدل ذلك أضرّ بآخرته ، نعم قد يدخل البعض في العمل الجماعي ويستفيدون منه ولكن هذا الشخص حصل له ضرر بآخرته ، وبدل أن يحصل على الثواب يحصل على العقاب لاشتراكه في عمل تسافل بواسطته بدل أن يتكامل باتجاه الله تعالى .
إن الإنسان لا بـد أولا أن يتغلب على أمراضه الروحية القلبية بأخذ العلاج من هذا الدين الذي وضع العلاج لكل مرض نفسي روحي قلبي ، ويمكن لنا مراجعة أصول الكافي الجزء الثاني لنرى مـن هـو المؤمن حقيقة ، وقد يرى أن كثيرا من صفات المؤمن ليست متوفرة في نفسه ، فقد يقول الشخص إنه مؤمن ولكنه لا يعرف حـدود الإيمـان ، فكثير من الروايات تقول الإيمان هو كذا أو المؤمن يكون كذا ، فبمراجعة هذه الروايات قد يرى أنه يفتقد هذه الصفات ، فإذا كان يفتقدها فلا بد أن يبتعد عن العمل الجماعي ويقتصر على العمل الفردي لأنه لم يبلغ إلى المستوى الذي يؤهّله للدخول في العمل الجماعي .
إن المشـاكل والخلافـات التي تنشـأ بين الجماعات تكون نتيجة لـدخـول شخـص غـيـر مـؤهـل في الـعـمـل الجـمـاعي ، فالأشخاص الذين دخلوا العمل الجماعي ولم يكونوا مؤهلين للوصول إلى هذا الموقع التفتوا إلى النتائج الخارجية فقط ولم يلتفتوا إلى مقدار تأثرهم النفسي بهذا العمل وأن هناك ثوابا أو عقابا مترتبا على النتيجة النفسية ، دخلوا فتسافلوا ، فبدؤوا يغتابون المؤمنين ، وقد يصل بهم الأمر إلى الطعن في العلماء والمراجع ، الجماعات هي المسؤولة عن كل ذلك .
هناك مشاكل واقعة أمامنا ، فلا بد أن نحلل هذه المشاكل تحليلا صحيحا ، وبعد ذلك نحاول أن نعالج ، من الممكن أن تدخل إلى العمل الجماعي ولكن التفت إلى أنك تريد أن تتكامل لا أن تتسافل ، فإذا كان العمـل الجماعي يضرّ آخرتك فابتعد ، ولا تدخل حيـاءً إلى العمـل لأن صديقك يقول لك : " ادخل معي في العمل " ، تستطيع أن تقول بأنك إنسان غير مؤهل ولم تصل إلى المستوى الإيماني المطلوب للدخول في العمل الجماعي لأنك إذا دخلت فإنك تضـرّ نفسك وتضرّ غيرك ، مثلا شخص لا يستطيع أن يوقف نفسه عن التكلم عن الآخرين لا بد أن يعتذر بأنه سيغتاب الآخرين إذا دخل في العمل ، أو أنه سيطعن بالآخرين ، أو أنه يحب أن يكون رئيسا ، أو يحب مدح الآخرين له أو غير ذلك من الأعذار .
إن الشـخص إذا بلـغ المستوى الإيماني المطلوب نقول له ادخل العمل الجماعي ، ذلك الوقت ادخل في مجال وعظ وإرشاد الناس ، لا ترشد الناس وأنت ممتلئ بالأمراض القلبية مع عدم محاولتك علاج نفسـك ، يدخل مثـل هـذا الشـخص لإرشاد الناس مـن أجـل أن يترأّس عليهم ، لذلك يقول العلماء إنه لا ينبغي أن يتقـدّم العالِم لإمامة صلاة الجماعة إلا بعد أن يكون قد كبح جماح نفـسـه وسـيطر عليهـا ، فإذا وقـف أمـام المصـلّين كإمـام ورأى بعـد ذلك أعـداد المصـلّين الغفيـرة خلفـه ودخله العجب فإنه لا يكون مؤهـلا للوقـوف في هذا المكان كإمام لأنه ليس مكانه ، فليترك هذا المكان لمن يكون مؤهلا للوقوف في هذا الموقع ولا يُدْخِل في نفسه الغرور والكبر .
ويُنْقَل عن أحد العلماء أنه كان يصلي وسمع في الخلف شـخصا يقـول : " يا الله يا الله " ؛ لينتظـره قبل أن يقوم من الركوع ، وكان الصـوت من بعيـد فبـدأ الشيطان يوسوس له : " أنت خلفك اليوم كثير من الصفوف " ، وهذا العالم في اليوم التالي لم يأتِ إلى المسجد ، سألوه عن ذلك فأجاب بهذا المعنى : " لست مؤهلا لهذا المقام لأنه قد دخلني العجب من كثرة عدد المصلين ، والمفروض ممّن يقف في هـذا المكان أن لا يدخـل في قلبه العجب ولا غيره من الأمراض " ، فتخلّى عن إمامة الصلاة في المسجد .
ولكن كم مـن الأشـخاص مثـل هذا العالِم مستعد أن يتخلى عن موقعه لأنه ليس مؤهلا لأخذ هذا الموقع ؟
فلو كان الشخص رئيسا على جماعة في أي مكان كانت الجمـاعـة ، قد يكون المكان مسجدا أو حسينية أو مؤسسة أو جمعية أو جماعـة في منطقـة أو . . . إلى آخـر الأمـاكن ، فهل هو مستعد أن يتخلى عن مركزه في هذا المكان لشخص آخر ؟
أقول من الصعب أن يتخلى ، هذا العالِم كان مخلصا لله فـقـال للنـاس إنـه قد دخله العجب ، ولا يهمه أن يبتعد عنه الناس ولا يصلّـون خلفـه ، المهم أنـه التفت إلى نفسه وأن فيه هذا المرض ولا بـد أن يعـالج نفسـه حتى لـو عـرف النـاس بحاله ، ولكنّ كثيرا مـن القياديين لا يعترفون بوجـود أمراض فيهم مع أنه يعرف بوجـودها فيـه ، وإذا نصحتـه لا يقبل منك النصيحة ، فيستهزئ بك ويقول مثلا : " من أنت حتى تنصحني فأنا الرئيس الفلاني وأنت شـخص صغير ؟ " ، فيستهزئ بالآخرين لأنه يرى نفسه فوق الآخـرين ، وقـد يأتي شـاب صـغير ويكون من ناحية إيمانية أفضل مـن هـذا القيـادي ، وقـد يكون هـذا الشـاب المؤمـن مؤهلا لأن يكون في هذا الموقع ، وهذا القيادي الكبير لا يكون كذلك .
ويمكن معرفة الأمراض النفسية وعلاجها بمراجعة الكتب الأخلاقية والروائية مثل الكافي الجزء الثاني .
في رواية عن أبي جعفر عليه السلام قال : " ما أخلص العبد الإيمـان بالله عـز وجل أربعين يوما " ، أو قال : " ما أجمل عبد ذكر الله عز وجل أربعين يوما إلا زهّده الله عز وجل في الدنيا ، وبـصّـره داءهـا ودواءهـا ، فأثـبـت الحـكـمـة في قـلبـه وأنـطـق بهـا لسـانـه " (1) .
وعن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال : " من عرف نفسه فقد عرف ربّه ، ثم عليك من العلم بما لا يصح العمل إلا به ، وهو الإخلاص " (2) .
وعن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال : " آفة العمل ترك الإخلاص " (3) .
وعن الإمام الباقر عليه السلام أنه قال : " لا يكون العبد عابدا لله حق عبـادته حتى ينقـطع عن الخلق كله إليه ، فحينئذ يقول : هذا خالص لي فيتقبله بكرمه " (4) .
إن الإخلاص هـو أن تلتفت إلى أنك تؤدي كل الأعمال قربة لله تعـالى ولا تـلتـفـت إلى شـيء آخـر ، والـذهـب الخـالـص هـو الـذهـب الذي ليس فيـه شائبـة ، والإيمـان الخالص هو الذي ليس فيــه شـائبـة ، فالإخـلاص يـأتي مـن التقـرب بـكل عمـل إلى الله تعـالى ، فأي عمـل يؤديه الإنسان لا بد أن يسأل نفسه قبل أن يقوم به : " ماذا يريد الله عز وجل مني في هذا العمل ؟ هل يريد الله مني أن أتحرك أو أقف أو أرجع أو أترك ؟ " .
وهنا يأتي علم الإنسان بالأحكام الشرعية ، فالمؤمن يحتاج إلى علم ليتحـرك ، ولا يمكن أن يكون عنده بصيرة بلا علم ، فإذا كان يريد أن يخلص الإيمان فلا بد أن يكون عنده العلم الكافي ، والعلم نور يرى به الإنسان الأشياء بصورة أوضح .
إن الطبيب الذي عنده علم أكثر بالأبدان يستطيع أن يشخّص الأمـراض البدنيـة بصورة أفضل ، والإنسان الذي عنده علم أكثر بالقلوب وعنده العلم بالإيمان يستطيع أن يشخّص الأمراض المعنوية النفسية ويعطي العلاج لهذه الأمراض .
إن المؤمن لا بد أن يذكّر نفسه دائما بأن الله عز وجل يراقبه في كل لحظة ، الإنسان يعيش في غفلات ، وقد يعيش طوال عمره في غفلة ، لذلك تأتي الرواية :
عن النبي صلى الله عليه وآله : " الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا " (1) .
إن الإنسان إذا مات استيقظ وانتبه ، وذلك أن الإنسان إذا مـات يرى حقائق الأشيـاء ، وتكون عنده الأشياء بصورة واضحة تمامـا ، يرى الدنيـا ويعـرف القيمـة الحقيقيـة للأمـوال ، ويرى الآخـرة ، وتنفتح بصيرته ، فتصير عنده الحقائق مكشوفة .
الإنسان المؤمن إذا أخلص لله فإنه يرى بنور الله تعالى ، ومعنى ذلك أنه بهذا العلم يستطيع أن يرى المرض ويرى العلاج ، مـثـل الطبيب الذي يدرس عـلم الطب يعرف أن هذا المرض البدني له هذه الأعراض ، كذلك الإنسان المؤمن يعرف أن هذا المرض الروحي له هذه الأعراض ، مثلا إذا أحب المدح فمعنى ذلك أنه عنـده مرض حب المدح ويعرف العلاج من روايات أهل البيت عليهم السلام ، فالله عز وجل يبصّره داءها ودواءها ، الله سبحانه يهيّئ له المقدمات لمعرفة الأشياء بالطرق الطبيعية ، والطريق الغيبي طريق استثنائي لا يأتي إلى الإنسان إلا إذا أخلص لله تعالى .
إذن : العمل الجماعي من ناحية النتيجة الخارجية تأثيره كبير ، ومن ناحية النتيجة النفسية تستطيع أيضا أن تتكامل من خـلال العمل الجماعي بصورة أكبر من العمل الفردي إذا استطعت أن تستفيد من هذه الوسيلة ، فإذا اهتدى من العمل ألف شخص فتستطيع أن تحصل على ثواب بمقدار الألف شخص ، يقول النبي صلى الله عليه وآله للإمام علي عليه السلام :
" ... وأيم الله لئن يهدي الله على يديك رجلا خير لك مما طلعت عليه الشمس وغربت ، . . . " (1) .
هذا بالنسبة لشخص واحد فكيف يكون الثواب بالنسبة لألف شخص ؟
حتما تستطيع أن تحصل على ثواب أكبر إذا استفدت من هذه الوسيلة للتكامل بشرط أنك لا تريد من وراء هذا العمل الجمـاعي إلا الله فقـط وفقط ، لا تريد شيئا غير ذلك ، تدخل العمل وأنت تريد خدمة الدين تقربا إلى الله تعالى ، لا تريد أن يقول لك أحد : " أحسنت " ، حتى هذه الكلمة لا تريدها ، فإذا كانـت هـذه الـكلـمـة هي التي تحـركني فمـعنى ذلك أن عمـلي ليـس لله ، فلو كان عملي لله فلا أنتظر من أحد جزاءً ولا شكورا ، فإذا كنت تلتفت إلى أن الله يراك فما الداعي إذا كان هناك أناس آخرون يرونك أو لا يرونك ؟
الإنسان لا بد أن يصل إلى هذا المستوى وهو ألاَّ يهتم بنظرة الآخـرين ، فقط يرى الله عز وجل ، فإذا التفت إلى هذا الأمر هنا يقال له : " الآن ادخل إلى العمل الجماعي " ، لكن هذه المرتبة تحتاج إلى جهاد وجهد عظيمين حتى يصل الإنسان إليها .
الفرد الذي يريد أن يتحرك ضمن العمل الجماعي لا بد من توفر الصفات الإيمانية فيه ، وهذه الصفات الإيمانية لا يمكن أن يكسبها بكل سهولة ، فيحتاج أولا إلى العلم ، وندور ونرجع مرة أخرى إلى العلم ، الإنسان المؤمن لا يمكن أن يتحرك على أساس الجهـل ، لا بـد أن يتعلم أوّلا حتى يتحرك ، بدون العلم لا يمكن أن يتحرك لأنه سيدخل في مجالات يقف له الشيطان بالمرصاد ويقذف في قلبه بعض الأمور ، فإذا لم يلتفت إلى أن هذه الوساوس من الشيطان فإنـه يظن أنها وحي وإلـهام من الله عز وجل ، فهو حتما سـينحرف عـن الطريق إذا لم يلتفت إلى أن الثمرة التي يحصل عليها هل هي من شجرة الله أو من شجرة الشيطان ، من شجرة الإيمان أو من شجرة الكفر ، فالإنسان لا بد أوّلاً أن يعرف شجرة الإيمـان وثـمارها وشـجرة الكفر وثمارها ثم بعد ذلك يتحرك ، فإذا وجد أمامه ثمرة حتى لو كانت مغطاة بقشرة من شجرة الإيمان فإنـه يعـرف أنهـا من شـجرة الكفـر فيرميها ، فيأخذ من ثمار الإيمان ويترك ثمار الكفر ، وبدون التعلم لا يمكن أن يتحرك الإنسان تحركا صحيحا ، فالذي يدخل العمل الجماعي لا بد أن يعرف الله أولا ثم يتحرك ، لا بد أن يتعلم حتى يعرف الأمراض النفسـية التي يمكن أن يصاب بها العامل في العمل الجماعي ويعرف العلاج ، مثـلا بمجـرد مـا يـأتي إليه الشيطان ويقول له : " قد مدحـك النـاس " ؛ فيدخل في قلبه السرور ، المفروض أن يلتفت إلى أنه قد بدأ الآن فيه مرض لا بد من علاجه ، وهذا الانتباه يكون على مـدار الساعة وفي كل لحظة ، فيوجد عنده جرس داخلي يقول لـه : " انتبـه الآن " ، مثـل الجرس الموجود في السيارة والذي يصدر صوتا إذا تعدت السرعة 120 كيلومترا ، فبمجرد ما يصادف شيئا من شجرة الكفر يكون عنده جرس داخلي يدق ويقول له : " انتبه الآن ! لقد دخلت مرحلة الخطر ، خرجت خارج الحدود أو أنك تسافلت ، انتبه وارجع إلى الطريق مرة أخرى " ، فيعالج نفسه ويتقدم ، ويستفيد من الأعمال ويتكامل من خلال هذه الأعمال ، يقول تعالى عن المؤمنين المتقين :
" إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ " (1) .
الـخـلاصـة :
إذا قلنا بأن شيئا أفضل من شيء فلا بد من وجود ميزان ومقياس ، وهذا المقياس هو أن نلتفت إلى أن لكل عمل توجد ثلاث نتائج : النتيجة الأولى هي النتيجة الخارجية ونرى هذه النتيجة في الخارج ، والنتيجة الثانية هي النتيجة النفسية القلبية وهي مقدار تأثر الإنسان بالعمل إما إيجابا وإما سلبا ، والنتيجة الثالثة هي النتيجـة الأخروية المترتبة على النتيجة النفسية القلبية لا على النتيجة الخارجية ، والنتيجة الخارجية سبب للنتيجة النفسية ، والنتيجـة النفسـية سبب للنتيجة الأخروية ، ثم طبقنا ذلك على العمـل الجماعي والعمـل الفردي ، فمن حيث النتيجة الخارجية العمل الجماعي أفضل من العمل الفردي ، ومن حيث النتيجة النفسية قد يكون العمـل الفـردي لمؤمـن من المؤمنين هو الأفضل ، وقد يكون العمل الجماعي لمؤمن آخر هو الأفضل ، والنتيجة الأخروية تترتب على النتيجة النفسية المترتبة على العمل الفردي أو على العمل الجماعي ، وقلنا توجد مخاطر كثيرة تنتج من العمل الجماعي ، والمؤمـن لا بـد أن يلتفت إلى هذه المخاطر حتى يستطيع أن يدخل إلى العمل الجماعي ويستفيد منها في تكامله باتجاه الله تعالى .
والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا أبي القاسم محمد وآله الطيبين الطاهرين .
مـن عـلامـات الإيمـان (1)
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا أبي القاسم محمد وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين .
شخص يولد من أبوين شيعيين ، هذا الإنسان يكبر ، يأخذ بعض الأشيـاء من أبويـه ، يبدأ يصلي على أساس مذهب أهل البيت عليهم السلام ، يؤدي العبادات وفقا لما يقوله أبوه ، ويكبر فيصل إلى البلـوغ ومـا بعـد البلـوغ ، فهـو يدّعي أنـه مؤمن ويقول بلسانه إنه شيعي مؤمن ، ولكن لا بـد أن يقف وقفـة ليسأل ويعرف نفسه : هل أنا مؤمن حقيقة ؟
هذا السؤال لا بد أن يطرحه كل إنسان مؤمن ، فيقف هذه الوقفـة ، ذاك الإنسـان الذي يدّعي أنه مهندس نسأله : ما هو الدليـل على أنك مهـندس ؟ ، فيذكر دليلـه فيقول مثلا إنه درس في الجامعة الفلانية وأخذ الشهادة منها ، فيثبت أنه مهندس فعلا ، وذاك الطبيب أيضا يثبت نفسه بنفس الطريقة ، وهذا الشخص يدعي أنه مؤمن ، فيحتاج إلى شهادة يثبت بها لنفسه أنه مؤمن حقيقـة ، فلا بـد من وجود ميزان ومقياس أعرف من خلاله وأثبت لنفسي أوّلا قبل أن أثبت للآخرين أنني فعلا مؤمن أو لا .
نحن نؤدي كثيرا من الأعمال العبادية ، مثلا شخص يذهب في كل سنة إلى الحج ويؤدي الصلاة مع النوافل ويؤدي الصيام الواجب والمستحب ، ولكن هل مجرد أداء هذه الأعمال العبادية تدل على أن هـذا الإنـسـان مؤمـن فعـلا ؟ ، فأحتـاج أن أعرف لنفسي أنني مؤمن حقّـا أو لا ، فهـذا المؤمـن نسأله ما هو الدليل على إيمانك ؟
يقول مثلا إنني أؤمن بأهل البيت عليهم السلام وأؤمن بوجود أئمـة اثني عشـر ، فهـذا دليـل على إيماني ، ونسأل ما هو الدليل على إيمانك بالأئمة الاثني عشر ؟ ، فيجيب مثلا أنه ورد في الروايات أنهم أئمة والروايات تذكر أسماءهم ، وأنا تبعا للروايات أؤمن بهم ، إذن فأنا مؤمن ، ولكن ما نريده هو أكثر من ذلك ، نريد شواهـد مـن خلالها أستطيع أن أعرف أنني مؤمن فعلا ، بمعنى أنه توجد عندي قائمة بالأشياء التي تبيّن أن المؤمن يفعل الأمـر الأول والأمر الثاني والأمر الثالث إلى آخر الأشياء التي لا بد أن يفعلها المؤمن ، والمؤمن يترك الأمر الأول والأمر الثاني والأمر الثـالث إلى آخـر الأشيـاء التي لا بـد أن يتركـها المؤمن ، فالمؤمن يفعـل مجموعة من الأمور ، ويترك مجموعة أخرى من الأشياء ، وهذا المؤمن ذكر أمرا واحدا ودليلا واحدا فقط وهو أنه يؤمن بالإمامة ، إذن فهو مؤمن .
والنتيجة هي أنه نحتاج إلى ميزان ومقياس لكي يقيس الإنسـان نفسَـه بنفسِه ، ويرى من خلال هذا الميزان أنه مؤمن أو لا ويكتشف أنه فعلا مؤمن أو لا ، مثل ذاك الشخص الذي يقول عن نفـسـه إنـه مسـيـحي أو يـهـودي أو كافـر فإنـه يحتـاج إلى مـيزان يعـرف مـن خـلالـه أنـه كـما يدّعي أو لا ، الكلام في حد ذاته لا يعكس شيئا ، الإنسان يستطيع أن يدّعي ما يشاء ، فكل إنسان يسـتطيع أن يـدّعي أنــه يعتـقـد باعـتقـاد مـعيّـن ، ولكن المطلـوب منـه أن يعـرف الدلـيـل على هـذا الاعـتـقاد ، مـا الـذي يثـبت لي أنني فـعـلا مؤمن ؟
الجواب :
يمكن معرفة ذلك عن طريق الرجوع إلى الآيات الكريمة والروايات الشريفة ، توجد آيات وروايات كثيرة تتحدث عن صفات المؤمنين ، فالكلام بحد ذاته لا يعبر عن شيء ، بل لا بد أن تتوفر في الشخص صفات المؤمنين حتى يقول عن نفسه إنه مؤمن .
وقد روي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال :
" لو كان الإيمان كلامًا لم ينـزل فيه صوم ولا صلاة ولا حلال ولا حرام " (1) .
إن الإيمان ليس عبارة عن كلمات تقال ، بل نحتاج إلى أن نعرف أوّلا ما هي العلامات التي تدل على أن هذا الإنسان مؤمن فعلا ، تقول أنك تؤمن بأهل البيت عليهم السلام ، فنسأل : ماذا قال أهل البيت عليهم السلام في الإيمان ؟
قد يجيب هذا الشخص : " لا أدري " ، قوله إنه لا يدري مـا يقولـه أهـل البيت عليهم السلام عن هذا الأمر المهم يدلّ على شيء ، فهو يدعي أنه مؤمن ولا يعرف في نفس الوقت ما هي علامات الإيمـان ، فاعتقـاده بأهـل البيـت عليهم السلام اعتقاد نظري وليس اعتـقـادا فعليـا ، اعتقـاد قـولي لا اعتقـاد عمـلي ، فالمؤمن قبل أن يقول عن نفسه إنه مؤمن لا بد أن يعرف ما هي علامات الإيمان وكيف يكون الإنسان مؤمنا ، وبالتالي على أساس هذا الميزان والمقياس يستطيع أن يقول : " أنا مؤمن " أو " لست بمؤمن " .
نأتي إلى مـن يقول : " أنا مؤمن " ؛ نقول إن الهدف ليس هو مراقبة الآخرين بل الهدف أن يعرف كل شخص نفسه ، أسأل نفـسي السؤال السابق فهل أستطيع أن أجيب على السؤال بيني وبين نفسي أو لا أستطيع ؟
معظم الناس قد يجيبون : " لا ندري ماذا يريد أهل البيت عليهم السلام مـن المؤمن " ، يريد أهل البيت عليهم السلام أن تؤمن بالله عز وجل ، ولكن ما هي علامات الإيمان بالله تعالى ؟ كيف يكون الإنسان مؤمنا بأصل التوحيد ؟ ، هناك متطلبات تترتب على هذا الاعتقـاد ، هل تعرف الأشياء التي تترتب على الاعتقاد بأصل التوحيد ؟
إن كثيرا من المؤمنين قد يقولون : " لا ندري " ، وهم لا يدرون لأنهم لم يراجعوا روايات أهل البيت عليهم السلام حتى يعرفوا هـذه العلامـات ، يقرؤون القرآن ولكنهم لا يتأمّلون في الآيات الشـريفـة ، يحاول أن ينتهي أحدهم من ختمة في شهر رمضان بقراءة سريعة ، والقراءة السريعة لا تعطي المؤمن معرفة آيات القرآن الكريم ، لو أن المؤمن عرف آية واحدة حق معرفتها أفضل من أن يقرأ كل القرآن بلقلقة اللسان دون أن يعرف معاني الآيات .
إذن : لا بد أن نعرف أوّلا علامات الإيمان ، ونرجع إلى مـصـادر العلم الذين نعتقد بإمامتهم ، فهم عليهم السلام الذين يبيّنون لنا هذه العلامات ، والإنسان الذي تتوفر فيه هذه الصفات يستطيع أن يقول عن نفسه إنه مؤمن ، والإنسان الذي تتوفر فيه صفات معيّنـة يستطيع أن يقول عـن نفسه إنه متّقي ، والإنسان الذي تتوفر فيه صفات معيّنة يستطيع أن يقول عن نفسه إنه عادل ، وهكذا ، فكل صفة من الصفات لها علامات معيّنة ، والإنسان بمعرفة هذه العلامات يستطيع أن يعرف مقدار إيمانه ومرتبة إيمانه .
إن كل مرتبة من الإيمان لها علامات معيّنة ، وأهل البيت عليهم السلام بيّنوا أن هناك درجات للإيمان وأن كل درجة إيمانية لها مواصفات معيّنة بحيث يستطيع الشخص إذا توفرت فيه هذه المواصفات أن يقـول إنـه الآن في الدرجـة الأولى أو في الدرجـة الثانيـة أو في الدرجة الثالثة أو في الدرجة . . . وهكذا ، فلا بد أن يعرف المؤمن الآيـات والروايات التي تتحدث عن الإيمان ومن هو المؤمن ، قد يشتغل الشخص على مثل هذا البحث مدة خمس سنوات ولا ينتهي منـه ، نريـد أن تتكون عندنا صورة كاملة عن الإنسان المؤمن من هو ، والهدف من البحث هو تجسيد هذه الصفات في نفسي ، وبالتـالي أسـتطيع أن أقول بكل يقين : " إنني مؤمن " ، وأما مجرد الادعاء بأنني مؤمن فهذا مجرد كلام لا يوصل الإنسان إلى شيء ، فالإيمان لـه شروط معيّنة ، ومع توفر الشروط يستطيع الشخص أن يقول عن نفسه إنه مؤمن ، وبدون توفر هذه الشروط يكون الإيمان إيمـانا لسـانيا لا يعبّـر عـن شيء ، فهي كلمـات تقال ، والكلام سهل لا يوجد فيه أي جهد أو تعب .
نحتاج إلى معرفة علامات الإيمان ، ونقرأ بعض الروايات التي مـن خلالها نستطيع أن نقف على بعض الأمور التي تبيّن اعتقـاد الإنسـان كيف يكون ، هـذا الاعتقاد الذي يجب أن يكون عند الإنـسـان عـن اقتنـاع ، لا يكفـي أن يـرث الإنسان هذه العقائد من أبيه ويقول : " أنا أعتقد بالإمامة " ، تسأله : " ما هو الدليل على الإمامـة ؟ " ؛ فيجيب : " لا أدري " ، فهـو اعتقد بشيء لا دليل عليـه ، والاعتقـاد بشـيء بلا دليـل يكـون اعتقادا ركيكا يمكن أن يـزول بكل سهولة إلا أن يكون عن تعصّب ، فيتمسك بالاعتقاد عن تعصّب لا عـن دليـل ، وأمـا الاعتقـاد الذي يكـون عن اقتناع فإنه يكـون اعتقادا راسخا لا يمكن أن يتزلزل ولا يزول عن نفس هذا الإنسان ، ولكن المشكلة أن معظم عقائدنا تكون على سطح الماء ، وما يكون على سطح الماء يكون متحركا ، ولكن إذا كان له أصل ثابت تحت المـاء بمرساة مثلا فلا يتحرك ويظل ثابتا في مكانه ، نـريد أن نثبِّت هـذه العقائد بمرساة بحيث لا تزول بسهولة ، ونعتقد بكل الاعتقـادات عـن دليـل ، فعـنـدما أقـول : " إنـني مؤمـن " ؛ فـلا بـد أن أدرك مـعنى الإيمـان ، وعندمـا أقـول : " إنني شيعي " ؛ فـلا بد أن أدرك معنى التشيّع ، التشيّع ليس قولا فقط ، وعندما أقول : " إنني أوالي أهل البيت عليهم السلام " ؛ فلا بد أن أعرف بدقة معنى القول بولايتهم عليهم السلام .
في رواية يقول الراوي : قلت لأبي عبدالله عليه السلام : أوقفني على حـدود الإيـمـان ! فـقـال عليه السلام : " شهـادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، والإقرار بما جاء به من عند الله ، وصلاة الخمـس وأداء الزكاة وصـوم شهـر رمضان وحج البيت ، وولاية وليّنا وعداوة عدوّنا والدخول مع الصّادقين " (1) .
هـذه رواية من الروايات التي تبيّن حدود الإيمان ، الحدّ هو مـا يفصـل بين أمـرين ، في جانب يقع الإيمان ، وفي الجانب الآخر يقع اللاإيمـان وعدم الإيمان ، في الجانب الذي يقع فيه الإيمان توجـد الشهـادة بأصـل التوحيد ، والشهادة بالنبوة ، والإقرار بكل ما جـاء به النبي صلى الله عليه وآله من عند الله تعالى ، ثم يذكر بعض الأمثلة منها الصلاة الخمس والزكاة والصوم والحج ، ثم الاعتقاد بأصـل الإمامة ، ثم ذكر فرعا من فروع الدين وهو تولّي أهل البيت عليهم السلام والتبرّي مـن أعدائهم ، وهذه الرواية تحتاج إلى شرح يأتي في وقت آخر إن شاء الله تعالى .
كل المسلمين يشهدون بأن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، والمؤمنـون يضيفـون الشهادة لعلي عليه السلام بأنه ولي الله ، وكلهـم يصلّـون ويصومـون ويحجّون ، وكثير من المؤمنين يذهبون في كل سنة إلى الحج والعمرة ، ولكن هذا أخذ بظاهر الرواية ، هذه المظاهر العبادية بحدّ ذاتها لا تعبّر عن الإيمان ، فالإنسان الذي يؤدي حركات ويتلفّـظ ببعض الأقـوال حركاته وألفاظه بحد ذاتها لا تعبّر عن الإيمان ، الحركات والأقوال إذا كانت تعبّر عن عقيدة موجـودة عنـد الإنسـان فهذا يكون دليلا على الإيمان ، ففي الواقع هـو رجـوع إلى جـذر العبـادة ، الإنسان يتّجه إلى عبادة الله لأنه يؤمـن بالله حـقّ الإيمـان ، ليـس فقـط تحرّكا لسـانيّا وتحرّكا جـوارحيّا ، عندما يقول : " إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ " (1) ؛ يلتفت إلى معاني هذه الكلمات ليس فقط لقلقة لسان للآيات القرآنية .
نريد أن نأخذ من الرواية هذه العبارة : " ولاية وليّنا وعداوة عدوّنـا " ، نقـول : " أشهـد أن عليّا وليّ الله " ، ونؤمن بأصل الإمامة ، معنى ذلك أن هذا الشخص عنده تولّي وتبرّي ، يتولّى أوليـاء الله ويتبرّأ مـن أعـداء الله ، نأتي إلى حياة هذا الإنسان الذي يقول إنه مؤمن وأن عنده من فروع الدين التولّي والتبرّي ، المفروض أن حياة هـذا الشخص تعبّر عن هذا الاعتقاد ، فإذا كانت طريقة الحياة والمعيشة لا تعبّر عن هذه العقيدة فمعنى ذلك أن هذه العقيدة ليست متجذّرة في نفس هذا الشخص ، بل يكون قولـه مجرّد ادعاء ، فهو يؤمن بأصل الإمامة ، ولكن في نفس الوقت هذه الحياة التي يعيشها هي حياة تعبّر عن حياة الإنسان الغربي بطريقـة المعيشة التي يعيشها ، من ناحية القول يقول إن عنـده تـولّي وتـبرّي ، ولكن مـن نـاحيـة الفعـل لا يوجـد عنده هذا الأمر ، في الواقع هو يتولّى أهل البيت عليهم السلام من ناحية القول ، ولكن مـن ناحيـة العمـل حياته لا تعبّر عن هذا التولّي ، بل حياته تعبّر عن ولاية أخرى يعيشها ، وعن إمامة أخرى يعيشها ، وهي إمامة الغرب له ، بمعنى إمامة أئمة الكفر له بطريقة الحياة التي يعيشها ، فهو يعيش إمامتين ، إمامة لسانية وهي إمامة أهل البيت عليهم السلام ، ولكن في واقعه هناك إمامة أخرى يعيشها .
إن هذا الإعجاب الذي يوجد عند البعض بدول الغرب إلى حـدّ أنهـم ينبهرون باختراعات الغربيين ، هذا الإعجاب والانبهار لماذا يحدث عند هؤلاء ؟ ، هذه الكلمات الأجنبية التي ينطق بها الشباب بلا التفـات إلى معانيهـا هي أمثلـة بسـيطة ، ولكن لمـاذا ننطـق ببعض الكلمات الأجنبية ؟ هل لوجود نقص في لغتنا ؟ هل لنقصان في لغة القرآن الكريم ؟
نريد أن نعيش حياتنا كما يعيش الإنسان الغربي ، ونفكر بالوظيفة والبيت والسيارة والبيجر والنقال والمخترعات الأخرى ، لو أن أهـل البيت عليهم السلام كانوا في هذا الزمان هل يكون تفكيرهم كما نفكر الآن ؟ ، هـم أئمـة ونحن مأمومـون ، هل سيعيشون عليهم السلام كما نعيش الآن ؟
نحن نقـول إننـا مأمومون وهـم عليهم السلام أئمـة لنا ، والمأموم لا بد أن يتبع الإمام ، اجعل هذا المعاش الشهري في يد الإمام عليه السلام ، كيف يصرف الإمـام عليه السلام هـذا المبلغ الذي قد يصل إلى ألف دينار شهريا ؟ ، وهذا المؤمن إلى آخر الشهر بل إلى نصف الشهر ليس بيده دينار من هذا المبلغ ، في أي شيء صرفه ؟!
إذن : من حيث الادّعاء نحن ندّعي أننا مؤمنون ، ولكن طريقة معيشتنا لا تعبّر عن هذا الإيمان ، بل عندنا إمامة أخرى تدخـل وتزيح الإمامة التي يجب أن تكون عندنا ، فنتمنى حياة كحيـاة الغربيين ، نريـد أن نحصل على الوسائل التي يتمنّاها الإنسان الكافر ، أسأل : ما هو الخير عند الكثيرين ؟
هو أن يحصل على وظيفة جيدة ومعاش جيد وبيت جيد ، ولكن نسأل : ما هو الخير عند أهل البيت عليهم السلام ؟
لنراجع الروايات لنرى معنى الخير عند أهل البيت عليهم السلام :
في رواية سئل أمير المؤمنين عليه السلام عن الخير ما هو ؟ فقال : " ليس الخيـر أن يكثـر مـالك وولدك ، ولكن الخير أن يكثر علمك ، ويعظم حلمك ، وأن تباهي الناس بعبادة ربك ، فإن أحسنت حمدت الله ، وإن أسأت استغفرت الله ، ولا خير في الدنيا إلا لرجلين : رجـل أذنب ذنوبا فهـو يتداركها بالتوبـة ، ورجل يسارع في الخيرات ، ولا يقل عمل مع التقوى وكيف يقلّ ما يتقبّل ؟ " (1) .
إن أهل البيت عليهم السلام يطرحون مقاييس أخرى للخير ، فإذا كنّا لا نعرف هذه المقاييس التي يريدها أهل البيت عليهم السلام بحيث نجعلها ميزانا لنا ويمكن لنا من خلالها أن نعرف أننا مؤمنون أو لا ، من ناحية نظرية قد نقول شيئا ، ولكن من ناحية عملية قد نعيش بطريقة أخرى .
كان رسول الله صلى الله عليه وآله يعيش الزهد ، وكان أهل البيت عليهم السلام يعيشون الزهد ، فهل يوجد الآن عندنا إنسان زاهد ؟ ، وطبعا تأتي المفاهيم الخاطئة في الزهد ، منها أن الزهد هو أن تملـك كل شيء ولا يملكك أي شيء ، ولنأت إلى التطبيق ، نجد أن هذا الشخص بهذا المفهوم الخاطئ يسعى للحصول على كل شيء دنـيـوي ، ويقـول : " أنـا بيـدي كل شيء وأستطيع أن أتركه بكل سهولة " ، إذن لماذا لا تترك بعض هذه الأشياء الدنيوية ؟!
نحن نعيش المفاهيم الخاطئة ، المفروض أن لا نأخذ رواية واحـدة فقـط ونحاول أن نفسّرها ، هناك روايات كثيرة تتحدث عن نفـس الموضـوع ، شخص يأتي إلى روايـة واحدة ويفسّرها كما هو يريد لا كما يريد أهل البيت عليهم السلام ، الآيات القرآنية تفسّر بعضها بعضا ، والروايات أيضا تفسّر بعضها بعضا ، تفسير الرواية وتوضيحها موجود في الروايات الأخرى .
إن أهـل البيـت عليهم السلام كانوا يأخذون من الدنيا ما يحتاجون ، وهكذا ربّوا شيعتهم الحقيقيين ، سلمان المحمدي رضوان الله عليه مـثـال الإنسـان المؤمن وهـو ذو مرتبـة عاليـة من الإيمان ، هو مثلنا إنسان عادي ولكنه وصل إلى هذه المرتبة العالية ، تقول إن الإمام عليه السلام معصوم لا نستطيع الوصول إلى مرتبته وطريقة معيشته ، أقـول نرجع إلى أصحاب الأئمة عليهم السلام والمقرَّبين لهم كيف كانوا يعيشون ؟
هؤلاء يمكن أن نصل إلى مرتبتهم الإيمانية ، سلمان المحـمـدي رضوان الله عليه يدخـلـون عـليـه وهـو يـبكي بكـاء شـديدا ويقـول : " أسـتحي أن أقابل رسـول الله صلى الله عليـه وآله بهـذا المتاع الكثير الموجود في بيتي " ، مـاذا كـان في بيت سلمـان ؟ ، الراوي يقـول كان في بيته " مـطـهـرة " أي إبـريـق للتطـهيـر ، و" جـفنـة " أي ماعـون للأكـل ، و" إجّانة " أي طشت لتطهير الملابس ، ففي بيته هذه الأشياء الثلاثة ، ويقول إنه يستحي أن يقابل رسول الله صلى الله عليه وآله بهذا المتاع الكثير ، هذا سلمان المحمدي المؤمن الذي وصل إلى هذه المرتبة الإيمانية العالية ، هذه هي المقاييس الصحيحة .
وروي أن سعد بن أبي وقاص دخل على سلمان يعوده فبكى سلمان ، فقال له سعد : ما يبكيك يا أبا عبدالله ؟ توفي رسول الله وهـو عنـك راض وتـرد عليـه الحوض . فقال سلمان : أما إني لا أبكي جزعـا مـن الموت ولا حرصـا على الدنيا ، ولكن رسول الله صلى الله عليه وآله عهد إلينا فقال : " ليكن بلغة أحدكم كزاد الراكب " ، وحولي هذه الأوساد . وإنما حوله إجانة وجفنة ومطهرة (1) .
المفروض أن لا نفسر الروايات كما نشتهي ، لا بد أن نعيش كما كان يعيش الأئمة عليهم السلام ، لا أقول تماما لأن الإمام علي عليه السلام يقول : " ألا وإن إمامكم قد اكتفى من دنياه بطمريه ومن طعمـه بقرصيه ، ألا وإنكم لا تقـدرون على ذلك ، ولكن أعينوني بورع واجتهاد وعفة وسداد " (2) .
وهذه الأمور الأربعة ممكنة لنا ، لنراجع حياة أهل البيت عليهم السلام ونراجع الروايات ، بيّنوا عليهم السلام معنى الإيمان وكيف يكون الإنسان المؤمن ، بهذه الطريقة نكون فعلا من المؤمنين .
عرفنـا أن المؤمن لا يعيش إمامة قولية ونظرية فقط ، نريد أن تتحوّل هـذه الإمامـة النظرية إلى عمل وفعل ، فيتأسّى المؤمن بأهل البيت عليهم السلام ، ويتخذ رسول الله صلى الله عليه وآله أسوة حسنة ، يقول الله تعالى : " لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً " (1) .
إن من يرجو الله واليوم الآخر لا بد أن يحوّل هذا الرجاء إلى عمـل ، فيتأسّى برسـول الله صلى الله عليه وآله ، واتخاذه قـدوة هو أمر عملي لا نظري ، هذا الرجاء يكون رجاءً يؤدي إلى عمل .
لنقرأ بعض الروايات الأخرى التي نستطيع من خلالها أن نفهم هذه المعاني أيضا :
عن الإمام أبي عبدالله الصادق عليه السلام قال : " والإيمان دعـوى لا يجـوز إلا ببيّنـة ، وبيّنتـه عمله ونيّته ، فإذا اتّفقا فالعبد عنـد الله مؤمـن ، والكفر موجـود بكل جهة من هذه الجهات الثلاث من نيّة أو قول أو عمل ، والأحكام تجري على القول والعمل ، فما أكثـر مـن يشهـد له المؤمنون بالإيمان ويجري عليه أحكام المؤمنين وهو عند الله كافر ، وقد أصاب من أجرى عليه أحكام المؤمنين بظاهر قوله وعمله " (2) .
إن البيّنة في الفقه الشاهدان العادلان ، وهنا أيضا نحتاج إلى شـاهـدين على الإيمان ، وهما العمل والنيّة ، النيّة تعبّر عن وجود عقيدة راسخة عند الإنسان ، فعندما يقوم بالعمل متقرّبا إلى الله عز وجل فمعنى ذلك أنه ملتفت إلى أصل التوحيد ، فإذا اتفق العمل والنية فهذا الإنسان يكون عند الله مؤمنا لأن العمل يعبّر عن عقيـدة هـذا الإنسـان أي العقيـدة بأصل التوحيد ، فيتقرّب بهذا العمل إلى الله تعالى ، فيتوافق العمل مع النيّة .
نعم المهم لدينا الحكم الظاهري من القول والعمل ، نأخذ الناس بظاهرهم من القول والعمل فنحكم عليهم بأنهم مؤمنون ، ولكن مقاييسنا ليسـت مـن أجـل قياس الآخرين ، بل كل شخص يأخذ هـذه المقاييس ليقيس نفسه بهـا لأن كل شخص يعلم ما يوجد في نفسه ، يقول تعالى : " بَلِ الإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ " (1) .
إن المقياس يكون لقياس نفسي لا لقياس الآخرين ، فلا نتعلم الروايات من أجل التطبيق على الآخرين ، فنقول إن فلانا زاهد وفلانا ليس بزاهد ، فلانا مؤمن وفلانا كافر ، بل إن هذه المقاييس والروايات من أجل أن أعرف نفسي أنني مؤمن أو لست بمؤمن ، وكل شخص أيضا مسؤوليته أن يعرف أنه مؤمن أو ليس بمؤمن ، فكثير ممن يحكم المؤمنون عليهم بالإيمان وتجري عليه أحكام المؤمنين هم في الواقع عند الله من الكافرين .
نعم والصحيح أن تجري على الناس الأحكام على ظواهرهم من القـول والعمل ، ولكن كل شخص يعرف نيّته هو أنها موافقة لعمله أو لا ، ونيّة الشخص المقابل لا تعرفها ، فتراه يصلّي ، ولكنك لا تعرف أنـه يصـلّي قربـة لله أو يصلّي ريـاء ، لا نسـتطيع الحكم عليـه ، ولكن عندمـا أقف وأصلّي أمـام الناس أعلم ما هي نيّتي ؟ هـل هي لله أو لهـؤلاء الناس ؟ ، فأنا عندي بصيرة على نفسي ، فأنا أعلم بنيّتي ، والإنسان يعلم بأحوال وشؤون نفسه ، فالمؤمن الحقيقي يتّفق عنـده النيّة مع العمل ، فيؤدي العمل بنيّة التقرّب إلى الله عـز وجـل ، فيـقـف للـصـلاة وهـو يقـول : " أصـلّي قربـة لله تعـالى " ، هو يعلم أنه يصلّي فعلا قربة لله تعالى ، أي سواء كان يوجد حوله ناس أم لم يوجد أحد فهو يصلّي قربة لله تعالى ، فتتوافق النية مع العمل .
ليراجع الإنـسـان نفسـه لأن الإيمـان عليه دليل وشاهد من نية وعمل ، فيرى نيته هل هو يتقرب بهذه الأعمال إلى الله أو لا يتقرب ، وهـو يعرف نيته ، ويرى عمله مع وجود النية هل عمله يجري على أحكام الله تعالى أو هذا العمل اخترعه من جيبه ، فالإنسـان لا يخـترع صلاة من عنده ، بل هناك صلاة مفروضة ، وهو يؤديها بنية التقرب إلى الله عز وجل ، فالشاهدان هما النية والعمـل .
نحتاج إلى أن نراجع مثل هذه الروايات ونحاول أن نربط بين هذه الروايات وواقعنا العملي الفعلي ، كيف نحن نعيش ؟ هل نعيش فعـلا كمـا يريـد أهـل البيت عليهم السلام أو أننـا نريد أن نعيش كما يعيش ذلك الإنسان الكافر في الغرب ؟
نريد بيتا كبيت الإنسان الكافر ، ونريد سيارة كسيارة الإنسان الكافر ، ونريد طريقة الحياة كما يعيش الإنسان الكافر ، وهكذا نربي أولادنا كمـا هم يربّون أولادهم ، ونلبس أولادنا ملابس كما هم يلبسون أولادهم ، هذه البنت المسلمة تلبس كما تلبس تلك البنت في الغرب ، وهـذه تقول إنها مسلمة تؤمن بالله عز وجل ، وتلك تقـول إنها كافـرة بالله سبحانه ، الآن كثير من البنات اللاتي يدّعين التشيع إما أنهنّ سافرات وإما يلبسن حجابات غير شرعية ، هذه البنت تكبر وهي تقول : " أنا شيعية شيعية شيعية " ، وتذهب في محرم إلى الحسينيات ، وتظل تقول إنها شيعية وهي سافرة ، وعندمـا تذهب إلى الحسينية تلبس العباءة وتدخل الحسينية ، وعندما تخرج من الحسينية تنـزع العباءة ، وتعتبر نفسها شيعية .
عن الإمام أبي جعفر الباقر عليه السلام قال : " . . . فوالله ما شيعتنا إلا من اتقى الله وأطاعه ، . . . " (1) .
يعني الإنسان الشيعي هو فقط الإنسان المتقي المطيع لله ، وغير المتقي وغير المطيع لله لا يكون شيعيا ولا يكون مؤمنا .
ولنأخـذ رواية أخرى تبيّن بعض علامات الإيمان ، عن الإمام أبي عبدالله الصادق عليه السلام قال : " الإيمان أن يطاع الله فلا يعصى " (1) .
والإنسان يعرف نفسـه أنه مطيع لله أو ليس بمطيع ، إذا كان مطيـعـا ولا يـعـصي الله فـهـذا يستحق أن يلقّب باسم المؤمـن ، وأمـا ذلك الإنسان الذي يؤخر صلاته من غير عذر ويصلي بتكاسل كيف يصدق عليه أنه مؤمن ؟!
المفروض أن يكون روّاد المساجد والحسينيات هم القمّة وهم القدوة للناس ، تدخل بيوت كثير منهم فترى أنها لا تعبّر عن الإيمان ، تريد أن تدخل بيتا لمؤمن بحيث يعبّر بيته عن إيمانه ، ولكن أين تجد مثل هذا المؤمن ؟!
هناك أصل من أصول الدين هو المعاد ، وأولادنا يحفظون أصول الدين الخمسة ، ولكنهم لا يدركون معاني هذه الأصول الخمسة ، ونحن الكبار نحفظ أيضا هذه الأصول الخمسة ، ولكن لا نعرف معانيها ، الاعتقاد بالمعاد ماذا يعني ؟
الاعتقاد بالمعاد يعني أنك تعتقد بوجود يوم للحساب ، وتعتقد بوجود جنة ونار ، وتعتقد بوجود اليوم الذي يُحاسَب فيه الإنسان على كل شيء ، فإذا كان الإنسان يعتقد بوجود حاكم يُحاسِبُهُ على كل شيء فكيف يكون سلوكه وتصرفاته ؟ هل يعيش بنفـس الطريقـة التي يعيشهـا ذلك الإنسان الذي لا يعتقد بأصل المعاد ؟
والآن لا يوجد فرق بين حياتنا وحياة الكفار في طريقة المعيشـة ، نأكل كمـا يأكلون ، ونعيش كما يعيشون ، فأين ذهب أصل التوحيـد ؟ وأين أصـل النبـوة ؟ وأين أصـل الإمامة ؟ وأين أصل المعـاد ؟
إذا كان الإنسان يعتقد بالموت وأنه في يوم ما سينـزل إلى القبـر ويُحاسَب على كل شيء ، وفي الروايـة عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال : " كفى بالموت واعظا " (1) ، فهل سيتصرف كما يتصرف الآن ويسلك كما يسلك الآن ويعيش كما يعيش الآن ؟
اعط شخصا مائة دينار وقل له : " بعد شهر سأحاسبك على هـذه المائـة دينـار كل فلـس منها أين تصرفه ؟ " ، ألا يصير هـذا الإنسـان حـذرا ؟ ، وتقول له : " إذا صرفت هذا المبلغ في أعمـال الخير فأنا أعطيك مقابل كل دينار ألف دينار ، وإذا صرفت المبلغ في المعاصي فسأنزل عليك أنواع العذاب " ، هذا الإنسان كيف سيكون تصرفه بهذا المبلغ ؟
إذا كان فـعـلا يؤمـن بأن هـذا المعـطي إنسان قوي يستطيع أن ينفّذ ما يقول ألن يجعل لنفسه قائمة بمصاريف هذا المبلغ ؟ ، وبعـد ذلك يقـدّم هـذه القائمـة إلى المعطي المحاسب ليقبض مقابل كل دينار ألف دينار ، وهكذا يقول الله عز وجل : " مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ " (1) .
فيوجد ثواب في كل حبة من السنبلة ، وهذا عمل خير فيه ثواب بهذا القدر ، وفي مقابل كل معصية كذا من العقاب ، هناك حيّات وعقارب تأتي في القبر ، هذه الحيّات تعبّر عن عمل الإنسان .
روي أنه فيما كتب أمير المؤمنين عليه السلام لمحمد بن أبي بكر : " واعلموا أن المعيشة الضّنك التي قال الله سبحانه : " فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا " (2) ، هي عـذاب القبـر ، وأنـه يُسَلَّطُ على الكافـر في قبره حيّات تسـعة وتسعين تنّينا عظام ينهش لحمه حتى يُبْعَث ، لو أن تنّينا منها نفخ في الأرض ما أنبتت الزرع ريعها أبدا " (1) .
نسمع مثل هذه الروايات ونمرّ عليها مرور الكرام لا تؤثر بأنفسنا شيئـا ، ونرجـع إلى حياتنـا العاديّة كأننا لم نسمع شيئا ، فإذا كنـا نعتقـد أن هنـاك إلهـا موجـودا ، وهذا الإله سوف نرجع إليـه ، وقد بيّن لنا الطريق ، يقول تعالى : " وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ " (2) ، فلا بدّ أن نأخذ حذرنا .
بيّن الله تعالى أن الطريق الأول يؤدي بك إلى الجنة ، والطريق الثاني يؤدي بك إلى النار ، ووضع علامات في الطريق بحيث يعلم الإنسان أنه يمشي في طريق الجنة أو في طريق النار ، وهذا الإنسان يمشي متعمدا في طريق النار ويعلم علما نظريا أنه يمشي إلى جهنم ، ومع هذا يمشي في هذا الطريق ويدّعي في نفس الوقت أنـه مؤمـن وأنـه شيعي ، تجده فاسقا منحرفا شاربا للخمر ومع ذلك يقول إنه شيعي ، ولكن المشكلة ليست فقط في المنحرفين ، بل المشكلة فينا نحن روّاد المساجد والحسينيات ، المشكلة أننا لم نطّلع على روايات أهل البيت عليهم السلام ، ونقرأ القرآن فقط حركات لسان ونمرّ على الآيات مرور من لا يبالي بخاتمته ، في رواية عن الإمـام الصـادق عليه السلام أنـه قـال : " . . . وإذا مررت بآية فيها ذكر الجنة فقف عندها وسل الله الجنة ، وإذا مررت بآية فيها ذكر النار فقف عندها وتعوّذ بالله من النار " (1) .
نعم تدعـو الله أن يرزقك الجنـة ، ولكن تعمل في نفس الوقـت حتى تحصل على الجنة ، ولكن هناك شيء أكبر من الجنة ، وهو رضا الله تعالى ، وهو الفوز العظيم ، يقول تعالى : " وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَـاتِ جَنَّـاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ " (2) .
علينا أوّلا أن نعلم مـا هي علامات الإيمان ، والروايات كثيرة تبيّن هـذه العلامـات ، ولكن المطلـوب مـن الإخوة المؤمنين الذين يظهـر عليهـم الإيمـان أن يراجعـوا هـذه الروايات ، والمشكلة هي عدم القراءة ، فلا الكبار ولا الصغار يقرؤون ، فنحن إيماننا نظري غير مُتَجَذِّر ، وإذا كان متجذّرا فهو متجذّر بشكل مصطنع لا بشـكل واقعي حقيقي ، لا يوجد عندنا اطلاع على روايات أهل البيت عليهم السلام ، فالمطلـوب أن نطّلـع على رواياتهم عليهم السلام ، ونقرأ الآيات والروايـات بتـدبّر وتمعّن ، خـذ آية واحدة ورواية واحدة يوميا وتمعّن وتدبّر بهـا وحـاول أن ترسّخ هذه العلامة في نفسك حتى تستطيع أن تقول : " أنا مؤمن شيعي حقيقي " ، لا بـد أن نطّلع على الآيات والروايات التي تتحدث عن الإيمان وعن علامات الإنسان المؤمن .
في رواية قال الراوي سأل رجل أبا عبدالله عليه السلام عن الإسـلام والإيمان مـا الفرق بينهما ؟ ، فلم يجبه ، ثم سأله فلم يجبه ، ثم التقيا في الطريق وقد أزف من الرجل الرحيل ، فقال له أبـو عبـدالله عليه السلام : " كأنه قد أزف منك رحيل " . فقـال : نعم . فقـال : " فالقني في البيت " . فلقيـه فسـأله عـن الإسـلام والإيمان ما الفـرق بينهما ؟ فقال : " الإسلام هو الظاهر الذي عليه الناس شهـادة أن لا إلـه إلا الله وحـده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسـوله وإقـام الصـلاة وإيتـاء الزكاة وحج البيت وصيام شهر رمضـان ، فهذا هو الإسلام " . وقـال : " الإيمان معرفة هذا الأمر مـع هـذا ، فـإن أقـرّ بهـا ولـم يعـرف هـذا الأمر كان مسلما وكان ضالا " (1) .
معرفة هذا الأمر أي معرفة الإمامة ، فعندنا أصل الإمامة ، وقـد تنطبق الروايـة علينا إذا كنا نؤمن بالإمامة باللسان فقط ، ولكن حين الفعـل والعمـل نتّخـذ إمامـة أئمـة الكفر ، عندما نُعْجَب بهم ، وعندما نحاول أن نعيش كما يعيشون ، ونرتّب حياتنا كما يريـدون ، ونصـيـر أنـاسـا دنيويين كمـا هـم دنيويـون ، فعقائدنـا عقـائـد نظريـة لم تؤثّـر في أنفسنا أيّ تأثيـر ، ونقـرأ عن حياة رسول الله صلى الله عليه وآله كأمور نظرية من أجل المعلومات فقط لا من أجل التطبيق لأن التطبيق صعب وهذا الدين متين ، والقابـض على دينـه كالقابـض على الجمر .
إذا كنت تريد أن تشعر بالمعاناة من الدين فهكذا يكون الإنسـان المتديّن ، لا بـد أن يشعر المؤمن بالمعاناة في حياته ، إذا لم يشعر بالمعاناة ويحمد الله على أن حياته سهلة ولا توجد عنده أي مشكلة في حياته ، هذا القول ماذا يعني ؟
معناه أن هذا الإنسان فعلا وواقعا ليس بمتديّن ، لو كان متديّنـا لشعـر بالمعانـاة ، من تكون حياته سهلة يسيرة فحياته الدنيويـة سـهلـة ، ومقيـاسـه هـو الدنيـا ، مـن كان عنـده دين فلا بدّ أن يشعـر بالمعانـاة ، فالظلـم منتشـر في العالم ، لمجرد أن حياته سهلـة لا يهمه من كان مظلوما في العالم ، كم من المسلمين اليوم مظلومون في العالم ؟ كم من الشيعة مظلومون اليوم في العالم ؟
نرى صور المظلومين على التلفاز ولكن قلوبنا لا تتحرك تجاهـهـم بشيء ، نشـعر بحـزن وأسـى قليـلين تجـاههم ثم يـزولان بعـد فتـرة وجيزة ، ولكن ألم تفكر بأن جزءا من معاشك الشهري فيه حق للآخرين ؟ ، في رواية عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال لأصحابه : " مـا آمـن بالله واليـوم الآخـر من بات شبعانا وجاره جائع ، . . . " (1) .
إن الإيمان أن لا يكون الإنسان شبعانا وجاره جائع ، وهو يرى في التلفاز أن هناك كثيرا من المسلمين المظلومين في العالم يعيشون الفقر ، وفي نفس الوقت هذا الإنسان الذي يدّعي التشيع يذهب لمدة أسبوعين أو شهر في الصيف في سفر للترفيه عن نفسه ، ويصـرف آلاف الدنانيـر في هـذه السـفرة ، فإذا كان يعيش الإيمـان فلمـاذا لا يفكر بهـؤلاء الجائعـين ؟ ، إذا كان نظـره أن يعيـش مرفَّها في حـيـاتـه وأن يــدخـل الـسـرور في قـلــوب أولاده فـقـط ، هـل هـذا فعلا إنسان مؤمن ؟ هل الإنسان المؤمن يعيش لنفسه فقط ؟
يقول تعالى عن المؤمنين : " وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ " (2) .
كم من الأشخاص يتأمل في هذه الآية الكريمة ويعمل بها ؟ ، مـن عـلامـات الإيمـان ومـن صـفـات المؤمـن أنـه إذا كان يـعـيـش الفقـر
الشـديد فإنـه يُقَدِّم غيـره على نفسـه ، وهذا إيمان من الدرجة العاليـة ، وهـذه الدرجـة يحـاول أن يصـل إليهـا المؤمن ، لماذا نقول أبـو ذر وسلمان والمقداد وعمار رضوان الله عليهم ؟ ألا تريد أن تصل إلى تلك المرتبـة ؟ ، تقـول نعم أريـد أن أصل ، فـإذا قـلـت نعـم ؛ فإن هـذا يتطلّب منك عمـلا ، لـو كنت في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله ألا تريد أن تكون أبا ذر أو سلمان أو المقداد أو عمار ؟
بالتأكيد تريـد ذلـك حتى تكون فارقـا بين الحق والباطل حيث تقتلك الفئة الباغية ، عمار كان مقياسا من مقاييس الحق ، وأنت تستطيع في هذا الزمان أن تكون مقياسا للحق ، وذلك بأن تكون متأسـيا فعـلا برسـول الله صلى الله عليه وآله ، وتعيـش أصل الإمامة في حيـاتك في هـذا الـزمـان ، أصـل الإمامة لم يكن فقط لذاك الزمان ، بل لهـذا الزمـان أيـضا ، إمام زمانـك عجل الله فرجه موجود ولكـنـه غـائب ، ونحن نعتقـد بهذه العقيدة ، ونعتقد أن أعمالنا تُعْرَض عليه على أقل التقادير في ليلة القدر .
هناك روايات تقول بعرض الأعمال على الأئمة عليهم السلام ، منهـا مـا عـن الإمـام الرضـا عليه السلام أنه قال : " أما علمت أنّا معاشر الأئمة تُعْرَض علينا أعمال شيعتنا صباحا ومساءً ؟ " (1) .
إن أعمالك تُعْرَض خلال اليوم على إمامك عجل الله فرجه ، ألا تحب أن يكون إمامـك راضيا عنك ؟ ، رضاه عجل الله فرجه هو رضا الله تعـالى ، نحن اليـوم نعيـش هـذا الإيمان بشكل نظري ، وواقعنا العملي قد لا يعبّر عن هذا الإيمان .
علينا أوّلا أن يكون عندنا علم ومعرفة بما يريده أهل البيت عليهم السلام ، ويكونون هم فعـلا الأئمـة لنـا ، ونحوّل هذا العلم إلى عمـل ، بهذه الطريقة نكون من المتأسّين برسول الله صلى الله عليه وآله ، وبهذه الطريقة نكون مأمومين ويكونون أئمة لنا ونكون تابعين لهم ونسـير خلفهم ونعيش بنفس الطريقة التي كانوا يعيشون ، لا نقول كُلْ كسرة خبز مع الملح واجعلها في جراب مغلق ، بل نقول اقتصر على مـا هـو حدّ الضرورة ، على الحاجة التي تحتاجها فعلا ، كم من الأشياء الموجودة في بيوتنا نستطيع أن نستغني عنها ؟
قد تصل إلى سبعين بالمائة من الأشياء ، نحن نجعل أشياء كثيـرة في بيوتنا دون حاجـة فعلية لها ، كم من التحف يجعلها الذي يدّعي التشـيع في بيتـه ؟ ، وكثير من الأشياء الزينية يجعلها في بيته حتى شعار " يا قائم آل محمد " صار زينة ، ويخطه البعض بماء من ذهب ، هل الإمام عليه السلام يرضى عن ذلك ؟
يجعـل المؤمن آية قرآنية زينة في بيته ، اسأله عن هذه الآية مـا هي ؟ ، يقـول : " لا أدري " ؛ مع أنـه يرى هـذه الآية كل يوم لمـدة خمســة عـشـر عـامـا ـــ مثـلا ـــ أمامـه ، جعل القرآن زينة ، وجعل " يا قائم آل محمد " زينة ، مجرد زينة ، كما أن الكفار يزيّنون بيوتهم بأشياء ، نحن المسلمين نزيّن أيضا بيوتنا بأشياء ، ولكن الفـرق أن أشياءنـا تـدل على الديـن ، وأشياءهم تدل على الدنيـا ، التحف تباع حتى في أسواقنا ، ولكن يجعلون فيها آيات قرآنية أو روايات شريفة أو اسم النبي صلى الله عليه وآله أو أسماء أهل البيت عليهم السلام ، وكلها زينة ، أشياء زائدة لا نحتاجها في البيت .
نعم تجعل آية قرآنية في بيتك وفي كل يوم تقف أمام هذه الآية وتقرؤها وتتأمل في معناها ، هذا هو المطلوب ، فما الفرق بين الزينـة التي يجعلهـا الكفـار في بيوتهم والزينة التي يضعها المؤمنون في بيوتهم ؟
لا فرق ، هذا زينة وذاك زينة ، مال يصرف على شيء لا قيمـة لـه عنـد هذا الإنسان حتى لو كانت آية قرآنية ، مجرد زخرفة فقط ، وآيات قرآنية متداخلة لا تعرف كيف تقرؤها ، ولا تستطيع تمييـز الحـرف الأول من الثاني ، ولا تعرف أين تبدأ الآية وأين تنتهي ، ومع ذلك نقول إن هذا يعبّر عن التديّن ، هكذا هي مقاييسنا ، كلها مقاييس خاطئة .
نفهم الإيمان كما نحن نريد لا كما يريد أهل البيت عليهم السلام ، نحن لدينـا مقاييـس كثيـرة خاطئـة عن الإيمان ، هذه المقاييس تحتاج إلى ثورة حتى نصل إلى فهم المقاييس الصحيحة ، وبعد فهم المقاييس الصحيحة والعلم بها نستطيع أن نقول بكل قوة إننـا فعـلا مؤمنـون ، إننـا فعلا نعيش الإيمان كعقيدة أوّلا وكعمل ثانيـا ، فنعتقـد ونقتنع ، وهذه العقيدة تتحوّل إلى عمل ، نؤمن بأصول الدين وفروعه وندرك العمل الذي يترتب على العقيدة ، والعقيدة لا تظل في القلب بدون أن يترتب عليها أثر عملي .
فنرجع إلى روايات أهل البيت عليهم السلام وندرس هذه الروايات حتى بالتالي نصير من المؤمنين الحقيقيين .
والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا أبي القاسم محمد وآله الطيبين الطاهرين .
مـحـتويات الـكتاب
الاحتفال بأعياد الميلاد . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . 5
مفهوم العيد . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . 28
الحجاب الإيماني . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . 48
العمل الفردي والعمل الجماعي . . . . . . . . . . . . . . . . 72
من علامات الإيمان . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . 101
(1) ألقي هذا الموضوع في لقاء مع الأهل في منطقة العدان بتاريخ 15 من شهر رمضان 1420 هـ الموافق 24 / 12 / 1999 م بمناسبة مولد الإمام الحسن عليه السلام .
(1) بحار الأنوار للعلامة المجلسي قدس سره ج 43 ص 238 ح 3 .
(1) بحار الأنوار ج 71 ص 343 ح 2 .
(1) النور : 39 .
(1) الإسراء : 19 .
(1) بحار الأنوار ج 73 ص 176 ح 10 .
(2) المصدر السابق ج 65 ص 130 ح 62 .
(1) بحار الأنوار ج 74 ص 382 ح 9 .
(1) بحار الأنوار ج 74 ص 73 ح 3 ، آجال : أعمار .
(1) بحار الأنوار ج 75 ص 160 ح 20 .
(1) الكافي للشيخ الكليني قدس سره ج 2 ص 78 ح 10 .
(1) بحار الأنوار ج 43 ص 84 ح 7 .
(1) ألقي هـذا الموضـوع في خطبـة الجمعة في منطقة مبارك الكبير بتاريخ 29 رمضان 1420 هـ الموافق 7 / 1 / 2000 م .
(1) بحار الأنوار ج 44 ص 245 ح 45 .
(1) الحجرات : 10 .
(2) المعارج : 24 - 25 .
(3) الكافي ج 3 ص 498 ح 8 .
(1) الكافي ج 2 ص 472 ح 1 .
(2) بحار الأنوار ج 90 ص 382 ح 10 .
(1) سنن النبي صلى الله عليه وآله للعلامة السيد محمد حسين الطباطبائي قدس سره - صاحب الميزان في تفسير القرآن - ص 226 ح 1 .
(1) نهج البلاغة لخطب الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام جمع الشريف الرضي قدس سره .
(1) بحار الأنوار ج 88 ص 136 ح 5 .
(1) وسائل الشيعة للشيخ الحر العاملي قدس سره ج 11 ص 376 ح 5 .
(2) بحار الأنوار ج 88 ص 135 ح 3 .
(1) بحار الأنوار ج 72 ص 217 ح 18 .
(1) الكافي ج 2 ص 242 ح 4 .
(1) ألقي هذا الموضوع في محاضرة في منطقة الرميثية بتاريخ 19 ربيع الثاني 1419 هـ الموافق 11 / 8 / 1998 م .
(2) الأحزاب : 59 .
(1) إبراهيم : 24 - 26 .
(1) لسان العرب لابن منظور تحت كلمة " حجب " .
(1) الانشقاق : 6 .
(1) البقرة : 85 .
(1) بحار الأنوار ج 74 ص 159 ح 158 .
(1) بحار الأنوار ج 67 ص 298 ح 3 .
(1) مصباح المتهجّد للشيخ الطوسي قدس سره ص 730 .
(1) الكافي ج 2 ص 173 ح 10 .
(2) المصدر السابق ح 11 .
(1) ألقي هذا الموضوع في محاضرة في منطقة الأحمدي بتاريخ 17 جمادى الأولى 1419 هـ الموافق 8 / 9 / 1998م .
(1) الانشقاق : 6 .
(1) نور البراهين للسيد نعمة الله الجزائري قدس سره ج 1 ص 313 .
(2) الأمالي للشيخ الصدوق قدس سره ص 289 .
(3) تحف العقول لابن شعبة الحراني قدس سره ص 377 .
(4) الشعراء : 89 .
(5) الكافي ج 2 ص 16 ح 5 .
(1) في هامش مستمسك العروة الوثقى للسيد محسن الحكيم قدس سره ج 5 ص 511 : في رواية الشيخ قدس سره في المصباح عن معاوية بن عمار قال : كان لأبي عبدالله عليـه السلام خريطة ديبـاج صفراء فيها تربة أبي عبدالله عليه السـلام ، فكان إذا حضرته الصلاة صبّه على سجادته وسجد عليه ، ثم قال عليه السلام : " إن السجود على تربة أبي عبدالله عليه السلام تخرق الحجب السبع " ، ونحوه مرسل الطبرسي قدس سره في مكارم الأخلاق ، وفي مرسل الفقيه عن الصادق عليه السلام : " السجود على طين قبر الحسين عليه السلام ينوّر إلى الأرضين السبع " .
(2) نور البراهين للسيد نعمة الله الجزائري قدس سره ج 1 ص 79 .
(1) الكافي ج 2 ص 297 ح 2 .
(2) المصدر السابق ح 3 .
(3) المصدر السابق ص 298 ح 4 .
(4) المصدر السابق ح 5 .
(1) الكافي ج 2 ص 16 ح 6 .
(2) بحار الأنوار ج 2 ص 32 ح 22 .
(3) ميزان الحكمة - الشيخ محمد الريشهري ج 1 ص 85 .
(4) المصدر السابق ج 3 ص 1805 .
(1) بحار الأنوار ج 50 ص 134 .
(1) بحار الأنوار ج 21 ص 361 ح 3 .
(1) الأعراف : 201 .
(1) ألقي هذا الموضوع في محاضرة في منطقة مبارك الكبير بتاريخ 18 شوال 1420 هـ الموافق 25 / 1 / 2000 م .
(1) الكافي ج 2 ص 33 ح 2 .
(1) الكافي ج 2 ص 18 ح 2 .
(1) الفاتحة : 5 .
(1) بحار الأنوار ج 6 ص 38 ح 62 .
(1) بحار الأنوار ج 22 ص 381 ح 14 .
(2) المصدر السابق ج 33 ص 473 ح 686 .
(1) الأحزاب : 21 .
(2) الكافي ج 2 ص 39 ح 8 .
(1) القيامة : 14 .
(1) الكافي ج 2 ص 74 ح 3 .
(1) الكافي ج 2 ص 33 ح 3 .
(1) ميزان الحكمة ج 4 ص 3576 .
(1) البقرة : 261 .
(2) طه : 124 .
(1) مستدرك سفينة البحار للشيخ علي النمازي ج 1 ص 491 .
(2) البلد : 10 .
(1) وسائل الشيعة ج 4 ص 862 ح 4 .
(2) التوبة : 72 .
(1) الكافي ج 2 ص 24 ح 4 .
(1) ميزان الحكمة ج 1 ص 488 .
(2) الحشر : 9 .
(1) بحار الأنوار ج 49 ص 98 ح 13 .