المؤلفات » مقالات إيمانية الجزء الثالث


Text Box: هذا الكتاب يُهْدَى ولا يُبَاع

 

 

 

 


 

مَـقَالاَت إِيمَـانِيَّة

الجزء الثالث

 

 

* التزام المؤمن بالأحكام الشرعية *

* الصّداقة الإيمانية *

* مولد أمير المؤمنين عليه السلام *

* المعجزة الكبرى للنبي صلى الله عليه وآله *

* الاستعداد لشهر رمضان *

* التقوى ثمرة الصيام *

 

 

الشيخ محمد أشكناني

 

 

 

الطبعة الأولى

1423 هـ  ـ 2003 م

 

 

 

Text Box: هذا الكتاب يُهْدَى ولا يُباع

 

 

 

 

 

 

 

 

 


 

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ

اللَّهُمَّ كُنْ لِوَلِيِّكَ الحُجَّةِ ابْنِ الحَسَنِ صَلَوَاتُكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آبَائِهِ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ وَفِي كُلِّ سَاعَةِ وَلِيًّا وَحَافِظًا وَقَائِدًا وَنَاصِرًا وَدَلِيلاً وَعَيْنًا حَتَّى تُسْكِنَهُ أَرْضَكَ طَوْعًا وَتُمَتِّعَهُ فِيهَا طَوِيلاً

بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ

اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ

 

 

موقع ديوانية الشيخ محمد أشكناني :

 

www.alashkanani.com

 

عنوان المراسلة :

محمد حسين أشكناني

بيان ـ ص . ب 66691

دولة الكويت 43757

Mohammad H. Ashkanani

 

BAYANP.O.BOX 66691

 

 STATE OF KUWAIT  43757

 

البريد الإلكتروني للمؤلف :

mohashk14@hotmail.com

 

البريد الإلكتروني للديوانية ولجانها :

mail@alashkanani.com

 

 

 

التزام المـؤمـن بالأحـكـام الشـرعـيّة (1)

 

الحمد لله ربّ العالمين وصلّى الله على سيّدنا أبي القاسم محمّد وعلى أهل بيته الطيّبين الطّاهرين .

قـال الله تعــالى في كتابـه الكريم : " فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى  يُحَكِّمُوكَ فِيمَــا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجـدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًـا مِمَّـا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا " (2) .

مقدمـة :

إن الإنسـان المؤمن هــو الـذي ينقـاد إلى طاعـة الله عز وجـل في كل مــا يريده الله تعـالى ، فإذا أمره الله بشيء أخذ به وإن لم يقتنع به ، ففي تعاملنا مع الله عز وجل ومع رسوله صلى الله عليه وآله  ومع أئمة الهدى عليهم السلام لا نقول إن هذا الأمر اقتنعت به وذاك الأمـر لم أقتنع بـه ، فأوّلا يجب على المؤمن طاعة الله تعالى ثم ثانيـا يتفكر في هـذا الشيء الذي أمـره الله عـز وجل به ليرى ما هي الفوائد المترتبة على هذا الأمـر ، قد يصل إلى بعض الفوائد ، وقـــد لا يصــل إلـى أي فـائــدة ، نعــم في الواقــع توجـــد أسبــاب وعلـل لأحكام الله تعالى ، هذه الأسباب والعلل تسمى " ملاكات الأحكام " ، فالله عز وجل عندما أصدر هذا الحكم جعل له مصلحـة أو مفسـدة ، وتوجـد أيضـا غايـات وفوائـد ونتائج تترتب على هـذه الأحكام ، هذه الغايات تسمى " حِكَم الأحكام " أي الحكمة منها .

إذن : الملاك هو العلة والسبب ، والحكمة هي النتيجة والفائدة .

قـد يصـل المؤمن مـن خـلال التفـكر إلى المـلاك والحكمة مـن وراء حُكْم الله أو قـد لا يصـل إلى شيء ، وعـدم الوصـول إليهما لا يزعزع عنده الطاعة ، فالطاعة عند المؤمن تظل ثابتة حتى لـو لم يعـرف الملاك والحكمة من الأحكام الإلهية ، ويكفي أن تكون هناك فائدة واحدة من أوامر الله تعالى ، وهذه الفائدة هي تمييز المطيع من غير المطيع ، ولا نحتاج إلى أي فائدة أخرى .

 

وأضرب مثـالا للفوائد المترتبة على أعمال الحج ، فقد يسأل شخص ما هي الفوائد المترتبة على أعمال الحج كالطواف حول الكعبة والسعي بين الصفا والمروة والوقوف على عرفات والإفاضة إلى المشعر الحرام ورمي الجمرات والمبيت في منى ؟

فالجواب على ذلك أنه لو لم توجد إلا الفائدة الوحيدة التي هي تمييز الإنسان المطيع لله تعالى من غير المطيع لكانت كافية ، إن الله سبحانه في الآية السابقة يقول : " فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُـونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَـا شَجَـرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِـدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا " (1) .

هـذه الآية الكريمة تربط بين الإيمان والتسليم ، فالمؤمن هو الذي يسلِّم بحكم رسول الله صلى الله عليه وآله تسليما مطلقا ، وتذكر الآية الكريمة نوعين من التسليم :

النوع الأول : التسليم الظاهري :

وهـو التسـليم الذي يستفـاد من قوله تعالى : "  يُحَكِّمُوكَ فِيمَـا شَجَرَ بَيْنَهُمْ  " ، فحين المشـاجرة والمنـازعة يتّجـه المتخاصمـان إلى رسـول الله صلى الله عليه وآله ليحكم بينهما ، وهذا أمر ظاهري خارجي .

 

النوع الثاني : التسليم الباطني :

وهـو التسـليم الذي يسـتفـاد مـن قـولـه تعـالى : " ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ "، أي حينما يحكم رسول الله صلى الله عليه وآله بينهما لا يجد المتخاصمان في أنفسهما ضيقا من حكم رسول الله صلى الله عليه وآله حينما يخـالف الحكم هواهمـا ومشتهياتهما ورغباتهما ، مثلا إذا ذهب الإنسان في قضية إلى المحكمة وحكم القاضي بخلاف مـا يريد فإنـه يخـرج إلى خـارج المحكمة ويتكلم عـن القـاضي بأنـه لا يفهم في القضاء وأنه من المفروض أن يحكم بحكم آخـر لأن الحق إلى جانبه ، مع أنه قد يكون حكم القاضي هـو حكـم الشـرع ولكن الحـكم خـالف مـا كان يحب ويشـتهي أن يكون ، فهذا الشخص لم يسلِّم تسليما باطنيا نفسيّا بالحكم وإن كان عنده تسليم ظاهري حينما ذهب إلى المحكمة .

 

إذن : يوجد في الآية نوعان من التسليم : التسليم الظاهري والتسليم الباطني ، والتسليم الباطني هو المهم لأن التسليم الظاهري يكون ناتجا من التسليم الباطني .

لنرجع مرة أخرى إلى مثال الحج ، إن الذي يبحث عن الفوائد المترتبة على أوامر الله تعالى كالحج وغيره من العبادات والمعاملات إنما يبحث عن الفوائد الدنيوية ، ويكون سؤاله بهذا الشكل : ما هي الفائدة الدنيوية لأعمال الحج ؟ وما هي الفائدة الدنيوية للوضوء ؟ وما هي الفائدة الدنيوية للصلاة ؟ وهكذا ، فتفكيره يصب في نطاق الدنيا حتى يقتنع بالتالي بأن هذه هي الفائـدة المرجوَّة لهـذه العبادة أو المعاملة ، فإذا لم يصل إلى فائدة دنيوية معيَّنة من أي حكم فإنه يشعر بالضيق من تشريع هذه العبادة ، ويتساءل : إذن لماذا شرَّع الله هذه العبادة ؟ ولماذا لا نصلي بدون وضـوء ؟ ومـا الفـرق بين الصـلاة بوضـوء أو بدون وضـوء ؟ ، فيبذل قصارى جهده ليصل إلى أي فائدة ولو كانت بعيـدة جـدا ، فمثـلا يقـول إن هـدف الوضـوء هـو النظافـة ، فيقـال له : إن الغسل أفضل من الوضوء على مقياسك ، ويتساءل : لماذا صلاة الصبح ركعتان وصلاة الظهر أربع ركعات ؟

نعم يحاول المؤمن أن يتفكر ، ولكن قد لا يصل إلى أي نتيجـة ، مثـلا لماذا تمسح القدمين في الوضوء ؟ ، فعلى مقياس ذاك الشخص يكون غسل القدمين أفضل من مسحهما لأن الغسل يتم بـه النظافـة بخـلاف المســح ، فقـد يقـول الشـخص : " يا ليت لـو أن الله شـرَّع هـذه العبـادة بطـريقة أخرى لكان أفضل وأتم وأكمل " ، وقـد يسأل سؤالا عن أضحية يوم العيد : لماذا يتم ذبح ملايين الأضاحي سنـويا ثم ترمى كلها بدون الاستفادة منها ؟ ولمـاذا لا يذبح الحـاج بعـد رجوعه إلى بلده ويوزّع اللحم على الفقراء بدل أن يذبح في منى ؟ ، وهذا السؤال يخطر في الذهن عنـدما يرى هـذه الأضاحي لأنه يرى أن هذه الأموال الكثيرة تُهدر بلا فـائدة ، وهذا ما حدث فعلا مع أحد المسلمين الغربيين عندما رفض أن يذبح الأضحية ، وقال بأنه سيرجع إلى بلده ويذبحها هنـاك ويوزّع لحمـهـا على الفقــراء بـدل أن ترمـى هـكذا بـلا استفـادة ، وهـكذا يكون تفكيـره بـدل أن يـقـول بأن هـذا حـكم شرعي ، فنقول له : أوّلا أطع الله وطبِّق الحكم الشرعي لوجود ملاك وحكمة يعلمها الله وحده ، ثم أيها المسلم أنت أهدرت هذه اللحـوم لا الله عـز وجل ، لماذا لا تفكر بطـريقة معيـنـة للاستفادة من هذه اللحـوم بـدل أن ترمى بـدون فائـدة ؟ ، فـدورك هو التفكير في كيفية الاستفادة من هذه اللحوم كبناء مصنع لتعليب اللحم .

إذن : هكذا يحاول أن يصل بعقله إلى الفوائد الدنيوية لأحكام الله عز وجل ، وإذا لم يصل إلى فائدة معينة تحصل عنده حـالة مـن التردد النفسي من قبول هذا الحكم ، وقد يأتي بالحكم ولكن تظل عنده حالة التردّد والضّيق لأنه يظل يتساءل : لماذا فرض الله هذه العبادة ؟ ، فيأتي بها بدون اقتناع ، ومعنى ذلك أنـه يسـلِّم التسـليم الظـاهري ولكنـه لا يسلِّم التسليم الباطني ، وقلنا من خلال الآية الكريمة إن المؤمن لا بد أن يحصل عنده التسـليمان الظـاهري والباطني ، وفي الواقع مثل هذا الإنسان الذي تحـصـل عنـده حالة التردّد لم يسلِّم تسليما كاملا لأن التسليم مركَّب مـن جزأين وهـو قـد أتى بجزء واحد فقط ولم يأت بالجزء الثاني ، ومعنى ذلك أنه لم يأت بالتسليم أصلا .

إذن : المؤمـن يسـلِّم أولا تسليما باطنيا ، والتسليم الظاهري يأتي كنتيجة طبيعية لهذا التسليم الباطني .

مثال آخر : نسمع بعض النساء يقلن : " أنا غير مقتنعة بالحجاب " ، فإمّا أنها لا تلبس الحجاب أصلا وإمّا أن تلبس حجـابا غيـر شرعي كما هذه الحجابات المنتشرة اليوم والتي لا تستر جسـم المرأة ، بل على العكس من ذلك فإنها تبرز مفاتنها ، مثل هذه المرأة تقول إن الإيمان في القلب والمهم أن تكون النية صافية ، هذه المرأة لم تسلِّم تسليما لهذا الحكم الشرعي ، فأصلا لا يوجــد عنــدها إيمــان لأن الإيمــان يترتب عـليــه التســليم ، فإذا لا يوجـد تسـليم فمعنـاه أنه لا يوجد إيمان لأن التسليم لازم للإيمـان ، فهـذه الـمرأة غيـر مقتنعـة بالحـكم الشرعي فغير مسلِّمة بـه فغير مؤمنة به فغير مؤمنة بمن صدر منه وهو الله عز وجل ، فالحكم الشرعي لا يكون قائما على الاقتناع وعدم الاقتناع ، بل يجب الإتيان بالحكم الشرعي حتى لو لم يكن هناك اقتناع به .

في رواية ذكرها الشيخ الكليني أعلى الله مقامه بإسناده عن عبدالله الكاهلي قــال : قـال أبو عبدالله عليه السلام : " لو أن قوما عبـدوا الله وحده لا شريك له وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وحجوا البيت وصاموا شهر رمضان ثم قالوا لشيء صنعه الله وصنع رسوله صلى الله عليه وآله : لم صنع هكذا وكذا ؟ ولو صنع خلاف الذي صنع ( أي يتمنّون أن لو فعل الله هذا الشيء بطريقة أخرى غير الطريقة المفروضة لكان أفضل ) أو وجدوا ذلك في قلوبهم لكانوا بذلك مشركين ( أي يحصل في قلوبهم حالة التردد ) ، ثم تلا هذه الآية : " فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُــونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَــا شَجَـرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّــا قَضَيْتَ وَيُسَــلِّمُوا تَسْلِيمًـا " (1) " . ثم قـال أبـو عبـدالله عليه السلام : " عليكم بالتسليم " (2) .

إذن : أولا الْتَزِمْ بالحكم الشرعي واقْتَنِعْ به وسَلِّمْ ، ثم ثانيا إذا كنت تريد أن تفكّر ففكّر ، فقد تصل إلى بعض الفوائد ، ولكن مـا تصـل إليـه مـن خلال تفكيرك ليس حجة في دين الله تعالى ، فعليك أن تسلِّم بالحكم الإلهي حتى لو لم تصل إلى فائدة معينة .

 

التزام المؤمن بالأحكام الشرعية :

إن المؤمن يقيم حيـاته على الالتـزام بما يريده الله عز وجـل ، فإذا أراد الله شيئـا فعلـه المؤمـن بكل رضا ومع التسليم التام ، وإذا كره الله شيئا تركه المؤمن كذلك .

في رواية عن الإمام الصادق عليه السلام قال : " إنّا لا نعدّ الرجـل مؤمنا حتى يكون بجميع أمرنا مُتَّبعًا مُرِيدًا ، . . . " (1) .

من هذه الرواية يتضح أن المؤمن هو الذي يتَّبع جميع أوامـر الأئمـة عليهم السلام ، وأما من لا يتّبع جميع أوامرهم أو يتّبع بعض أوامرهم ويترك البعض الآخر فلا يكون مؤمنا ، فالمؤمن الحقيقي ليس فقـط مـن يقول إنه مؤمن ، بل هو من يتّبع أهل البيت عليهم السلام في كل ما يريدون .

ومن الالتزام بما يريده الله عز وجل الالتزام بالأحكام الشرعية ، وهو نوع من الالتزام المطلوب من المؤمن ، فالمؤمن هو من يلتزم بكل مسألة من المسائل الشرعية ، فإذا علم أن هذا الشيء واجب أو مستحب فإنه يعمل به ، وإذا علم أنه حرام أو مكروه فإنـه يتركه ، وأما المباح فأمام المؤمن طريقان : فالمباح الـذي لا نفـع فيـه والذي يكون عبثـا ولهـوا ولغـوا يتـركـه لأن المؤمـن لا يدخـل فيما لا فـائدة منـه ومـا لا ينفـع آخـرته بل قـد يضرّ بآخرتـه لأنـه لهـو وعبث ، وأمـا المبـاح الذي فيــه نفــع وفـائدة فيأخذه ، ويمكن تحويل المباح من النوع الثاني إلى مستحب ، ففي بعض الموارد يمكن تحويل المباح إلى مستحب إذا كان يوجد له فائدة وغرض وهـدف أخـروي ، مثـلا شــرب الـمـاء والأكل عمل مبـاح ، ولكن لـو أن المؤمــن يـأكل ويشــرب ليتقـوّى بهمـا عـلى العبـادة مـع وجـود نيـة التقرّب إلى الله عـز وجـل ، فهذا العمل المباح يتحول إلى عمـل مسـتحب ، فهنـاك بعض المباحات يمكن تحويلهـا إلى مسـتحبات ، ولكن التحويل ليس بمزاج الشخص ، بل لا بـد مـن وجود دليـل شرعي على أن هذا المباح يمكن تحويله إلى مستحب ، فالمباحات التي فيها نفع للآخرة يمكن تحويلها إلى مستحبات ، وينقل عن بعض العلماء أنه لم يفعل مباحا في حياته كلها لأنه ترك ما لا ينفع آخرته وحوَّل ما ينفع آخرته إلى مستحبات .

 

إذن : المباح يمكن تقسيمه إلى قسمين : قسم يمكن تحويلـه إلى مستحب لوجـود نفـع أخـروي فيـه فيعمله المؤمن قربة إلى الله عـز وجـل انطـلاقا مـن إيمانه ، وقسم آخر يعتبر عبثا ولغوا فيتركه المؤمن قربة إلى الله انطلاقا من إيمانه أيضا .

 

في رواية عن الإمام أبي الحسن الرضا عليه السلام  قال : " إن الصّبيان قالوا ليحيى عليه السلام : اذهب بنا لنلعب . فقال : ما لِلَّعِبِ خُلِقْنَا " (1) .

فليس هدف الإنسان أن يلعب في هذه الدنيا ، بل هناك هدف من خلق الإنسان ، يقول الله تعالى : " وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ " (2) .

 

فمـن خـلال المباح الذي لا فائدة فيه لا يكون الإنسان عـابدا لله تعـالى ، والمؤمن يحـاول في كل لحظة أن يكون عابدا لله عز وجـل ، ولكي يكون عابدا لله تعالى في كل لحظة فإن الإنسان المؤمـن يقيم حيـاته على أساس الأحكام الشرعية ، والإنسان لا يكون مؤمنا إلا بالالتزام بالأحكام الشرعية التي تحركه إلى الله تعالى ، لذلك يجب علينا أن نؤسس حياتنا على أساس الأحكام الإلهية .

بالطبع إن كل ما نقوم به لا بد أن يكون منطلقا من إيماننـا بالله تعالى وبرسوله صلى الله عليه وآله وبأهل بيته عليهم السلام ، هم مقياس الحق والباطل والصواب والخطأ والصحيح والخاطئ وما ينبغي فعله وما ينبغي تركه ، فهم مصادر الأحكام والأوامر ، وطاعتهم والتسليم لهم من الإيمان ، وبدون التسليم لا يكون الإنسان مؤمنا حق الإيمان .

في رواية عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال : " الإيمان له أركان أربعة : التوكل على الله ، وتفويض الأمر إلى الله ، والرضا بقضاء الله ، والتسليم لأمر الله عز وجل " (1) .

فمـن أركان الإيـمـان التسـليم لأوامر الله تعالى ، وبدون هذا الركن لا يوجد إيمان مثل البناء الذي يقوم على أربعة أعمدة إذا أزلت منه عمودا فإن البناء سينهدم ولن يصمد على الأعمدة الأخرى .

دور الأحكام الشرعية في حياة المؤمن :

يقول الله تعالى : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ " (1) ، إن مـن يريد أن يتقرّب إلى الله تعالى لا بد أن يأخـذ بالوسـائل التي تُقَرِّبُهُ إليه سبحانه ، فالله عز وجل جعل بعض الوسائل التي من خلالها يستطيع المؤمن أن يتحرك إليه تعـالى ، كالسـائر على الطـريق يحتـاج إلى وسيلة تحركه حتى يقترب إلى المكان الذي يريد أن يصل إليه مثل السيارة التي هي عبارة عن وسيلة نقل يأخذ بها الإنسان ليصل إلى هدفه .

ومن وسائل التحرّك والتقرّب إلى الله عز وجل الأحكام الشـرعية ، فهي تـحرك المؤمـن إلى الأمـام على صراط الله عز وجل الذي هو الصراط المستقيم ، وبدون الالتزام بالأحكام الشرعيـة لا يتقـدم المؤمـن بل يتراجع في حركته على الصراط ويبتعــد عـن الله تعــالى ، ولا يتـوهّم الشـخص أنه سـيكون مـرتـاحا في قبـره وأنـه سـيدخل الجنة بلا حساب لمجرد أنه يعتبر نفسه شيعيا ، فإن كلمة " شيعي " لوحدها لا تكفي وليست كلمة سحرية لدخول المدَّعي إلى الجنة ، فالمرأة السافرة أو التي تلبس حجابا غيـر شـرعي لا تظـن أنهـا ستدخل الجنة بلا حساب ، بل إن حسـابها سيكون أشـدّ مـن غيـرهـا لأنها نسبت نفسها لأهل البيت عليهم السلام ، فهي تتوهم أنها ستدخل الجنة بلا حساب ، فليس شيعيا مـن يرتكب المعـاصي والذنـوب وهـو يدَّعـي أنـه شيعي ومن المُوالين لأهل البيت عليهم السلام .

 

وأدخل في ذكر نقطة هنا استطرادا وإن كان يحتاج إلى بحث مستقل ، وهي أن الإنسان المسيحي المشرك والإنسان الكافر همـا بحسـب ظاهرهمـا مشـرك وكافر ، ولكن قد يدخلان الجنة لأن عـدل الله يسعهمـا ، فهـذا الكافـر إذا كان قـد سعى للوصول إلـى الحـق ولـم يصـل بسـبب القصـور فإن عـدل الله يشمـله ، فهـو لـو وصل إلى الحق لآمن به ، وأرجو منكم مراجعة كتاب " العدل الإلهي " للشيخ مرتضى المطهري رضوان الله عليه .

 

إذن : كلمة " الشيعي " ليست كلمة سحرية تفتح أبواب الجنان لمن ينطق بها فيدخل إليها بلا حساب ، فمن يتحدى الله عز وجل بالمعاصي لا يمكن أن يكون شيعيا ، وبالتالي لا يمكن أن يدخل الجنة .

 

في روايـة قيـل للإمام أبي عبدالله الصادق عليه السلام : إن قومـا مـن مَوَالِيكَ ( أي مـن شيعتك ) يَلُمُّون بالمعاصي ويقولون نرجـو ( أي نرجـو دخـول الجنة والحصول على شفاعة أهل البيت عليهم السلام فيكفي أننـــا شيعة لهم ) . فقال عليه السلام : " كذبوا ، ليسوا لنا بمَوَالٍ ، أولئك قوم ترجّحت بهم الأماني ( أي يعيشون الأوهام والأمنيات بدخول الجنة ) ، من رجا شيئا عمل له ، ومن خاف من شيء هرب منه " (1) .

إن دور الأحكام الشرعية في حياة المؤمن هو إنارة دربه حتى يصل إلى لقاء الله عز وجل ، كالإنسان الذي يسير في طريق مظلم فإنه يحتاج إلى إضاءة ونور ليبصر طريقه حتى لا يصطدم بالمعوّقات والعقبات ويضل في الطريق ، وهكذا الأحكام الشرعية فإنها تعطي النور الذي يضيء الطريق للمؤمن في تحركه على الصراط المستقيم باتجاه الله عز وجل .

في روايـة طويلـة عـن أميـر المؤمنـين عليه السلام أقتطـع منهـا هـذا المقطع قال : " . . . فالإيمان منهاجه ( أي منهاج الإسلام ) ، والصالحات مناره ، والفقه مصابيحه ( الفقـه بمعـنى فهـم الإسـلام ولا يقصد به خصوص الأحكام الشرعية ، فالفقه ينير درب المؤمن وطريقه ) ، والدنيا مضماره ( أي ساحة السباق ) ، والموت غايته ، والقيامة حلبته ، والجنة سَبْقَتُهُ ، والنار نقمته ، والتقوى عدَّته ، والمحسنون ( وفي نسخة والمؤمنون ) فرسانه ، فبالإيمان يُستدل على الصالحات ، وبالصالحات يُعَمَّرُ الفقه ، وبالفقه يُرْهَبُ الموت ( أي أن من يفهم الدين يخاف من الموت ) ، وبالموت تُخْتَمُ الدنيا ، وبالدنيا تجوز ( وفي نسخة تحوز ) القيامة ، وبالقيامة تُزْلَفُ الجنة ، والجنة حسرة أهل النار ، والنار موعظة المتقين ، والتقوى سنخ الإيمان " (1) .

 

إن الفقـه هـو فهـم الديـن ، ومِـنْ فَهْمِ الدّين معرفة الأحكام الشرعية لأن من تعلّمها فإنه يفهم الدين بشكل أكبر ، فإذا التزم بهذه الأحكام فإنه سيتحرك على الصراط المستقيم ، وأما من لا يلتزم بها فإنه لا يتحرك على الصراط .

 

الخلاصـة :

1- المؤمن هـو الذي يطيع أوامر الله عز وجل ويبتعد عن نواهيه حتى لو لم يقتنع بها .

2- طـاعة الله عز وجل في أحكامه الشرعية مطلوبة أوّلا ثم المطلوب ثانيا التفكر في هذه الأحكام .

3- الهدف مـن أحكام الله تعالى هو معرفة المطيع من غير المطيع ، وهذا الهدف لوحده كاف في تشريع الأحكام .

4- يوجد نوعان من التسليم : الظاهري والباطني ، والتسليم الظاهري يترتب على التسليم الباطني ونتيجة وثمرة له .

5- المؤمن يلتزم بالأحكام الشرعية في حياته .

6- الأحكام الشـرعية تعتبر من الوسائل التي تُحَرِّكُ المؤمن باتجاه الله تعالى .

7-المؤمن هو الذي يتعلم الأحكام الشرعية أولا ثم يعمل بها ، وبدون التعلم والعمل لا يستطيع الإنسان أن يطلق على نفسه لقب " المؤمن " .

والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا أبي القاسم محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الصـداقـة الإيمـانية (1)

 

الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا أبي القاسم محمد وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين .

قـال الله تعـالى في كتـابه الكريم : " هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ السَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُمْ بَغْتَـةً وَهُـمْ لاَ يَشْعُـرُونَ الأَخِـلاَّءُ يَوْمَئِـذٍ بَعْضُهُـمْ لِبَعْـضٍ عَـدُوٌّ إِلاَّ المُتَّقِـينَ " (2) .

مقدمـة :

قلنا سابقا إن هناك ما يسمى بـ " شجرة الإيمان " في مقـابل " شجـرة الكفر " ، والشجرة الإيمانية لها ثمار مختلفة ، وهي الشجـرة الثـابتة في الأرض والتي تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ، وأما شجرة الكفر فليس لها قرار ولها ثمار خياليّة وهميّة وثـمـار فاسـدة ، وهاتان الشجرتان لا بد أن نعرفهما حتى نأخذ ثمار شجرة الإيمان ونترك ثمار شجرة الكفر ، وسنبدأ باقتطاف ثمار شجرة الإيمان ، ونبدأ بثمرة " الصداقة الإيمانية " ، كيف يكون الأصدقاء المؤمنون فيما بين بعضهم البعض ؟

     نسأل في البداية :

هل يوجد للإسلام رأي ونظرة في الصداقة ؟

 

الجـواب :

نعم بالتأكيد لأن ديننا لم يترك أمرًا من الأمور إلا وبيَّن رأيه فيه ، فلو خطر في ذهن المؤمن أي فكرة ورجع إلى الروايات لوجـد جوابـا عمّـا فكّر فيـه ، فروايـات أهل البيت عليهم السلام شاملة لكل شيء ، وتـرى في الروايـات نظرة الدين في كل أمر ، وتتعجب من بعض الأشياء الصغيرة التي يشير إليها الأئمة عليهم السلام ، وما تجده من أشياء في رواياتنا لا تجدها في روايات المذاهب الأخرى ، وذلك لأن عصـر النـص الشرعي عندهم ينتهي باستشهاد رسول الله صلى الله عليه وآله ، وأما عندنا نحن الشيعة الإمامية الاثني عشرية فيستمر عصر النص إلى الغيبة الكبرى للإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف .

إن الإنسان في حياته الدنيوية لا يستطيع أن يستغني عن النـاس تماما لأنـه اجتماعي بطبعه ، فهو يحتاج إلى الآخرين كما أن الآخرين يحتاجون إليه ، فالحاجة متبادلة بينهم ، فهو يحتاج إلى من يعينه في أموره الدنيوية ، وكذلك يحتاج إلى من يعينه في أموره الأخروية ، فيحتاج في الدنيا إلى قضاء أموره المادية والتي يحصل عليها من الآخرين ، فيساعده الآخرون على قضاء هذه الحـوائج ، وكذلك يحتـاج المؤمـن في طـريق الـهـدى إلى شـخص يعينـه في حركتـه إلى الله عـز وجـل ، وهـذا هو المهم للإنسان المؤمـن .

إن القضـايـا المـاديـة يمكـن أن تُقضى ، ولكن من الصعب أن يحصل على شخص مؤمن أمين يساعده على هذا التحرك في طـريـق الهـدى ، فلـو وجــد المؤمـن شـخصا بهـذه المواصفات لكان نِعْمَ المغنم في هـذه الحيـاة الدنيـا ، ولظفـر بكنـز ثـمين لا يُقَـدَّر بثمـن ، فالصـديق الصـالح هـو مـن خيـرات الدنيـا وأفضـل مـن الدنيـا ومـا فيهـا ، وكذلك الزوجـة الصالحة خير من الدنيا وما فيهـا ، فإذا وجـد المؤمـن الزوجـة الصالحـة والصـديق الصـالح فهو لا يحتاج إلى أي شخص آخر في حياته ، ولنبدأ الموضوع ضمن النقاط التالية :

النقطة الأولى : ما هي الصداقة ؟

إن الصداقة هي أن تتّخذ شخصا ما صديقا وعونا ، ولنأخذ كلمة الصداقة حيث نجد أنها مشتقة من " الصِّدْق " ، وهذا يعني أن علاقة الصداقة قائمة على الصدق المتبادل بين الطرفين ، إن العلاقات القائمة على الكذب لا يمكن أن تستمر ، فبمجرد أن يكتشف الشخص أن الطرف الآخر قد كذب ولو كذبة واحدة فلا يمكن أن يثق به مرة أخرى ، فيقوم بقطع علاقته به .

إن المطلوب في الصداقة أن تكون الثقة متبادلة بين الطرفين وأن تكون العلاقة قائمة على الصدق حتى تستمر هذه العلاقة ، وكل طرف لا بد أن يكون حريصا على استمرار العلاقة وإلا فإنها ستنقطع بكل سهولة ، فالصديق هو من صَدَقَكَ أي من يكون صـادقا معـك دائما لا مـن صَدَّقَكَ فقط ، إذن المطلوب في الصداقة أن تكون قائمة على الصدق المتبادل بين الطرفين .

النقطة الثانية : كيف تختار الصديق ؟

في رواية عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال : " وتَحَفَّظ من خليلك إلا الأمين فإن الأمين في الناس لا يعادله شيء ( أي لا يساويه شيء بمعنى أنه لا يقدر بثمن ) " (1) .

فلا بد أن يكون المؤمن حريصا في اختيار الصديق ، فلا يجعل أيَّ شخص صديقا له ، بل لا بد أن يُدَقِّق في أمر هذا الشخـص حتى يكون اختيـاره صحيحـا ، فيختـار الإنسان الأمين الثقة الصادق حتى يُكَوِّن معه علاقة الصداقة .

     وقد يُسْأَل : لماذا هذا التدقيق في اختيار الصديق ؟

فالجواب هـو أن الإنسان يتأثر دائما بمن حوله ، فإذا عاش الإنسان في مكان فإنه يتأثر بالذين يخالطهم ويعاشرهم ، نعم المطلوب أن يكون قويا ، ولكنه إذا عاش في مكان فإنه عادة يجـاري الوضع الموجود ، طبيعة وضعف الإنسان يظهر هنا فيجاري الناس في أمورهم ، فلا بد أن يكون اختياره صحيحا ، فيختار الصديق الصـالح لأن الصـديق يتأثـر بصديقه ، فإذا عاشـر شخصا فإنه يكتسب منه شيئا ولو كان شيئا بسيطا ، المهم أنه يوجد احتمال التأثر به ، فهو سيكتسب من الأصدقاء بعض الصفات الحسـنة وبعض الصفـات السيئة ، والإنسان عادة يتآلف مع من يكون على شاكلته وضمن اتجاهه ، فإذا كان عنده بعض الأفكار فإنـه يتجـه إلى مـن يحملون نفس أفكاره ، فإذا كان الشخص متديّنا فإنك ترى أن أصدقاءه يكونون من المتديّنين ، وإذا كان منحرفا فإن أصدقاءه يكونون مثله ، فيميل الإنسان إلى من يكون على شـاكلتـه ونفسـيتـه واتـجـاهـه ، والطيــور على أشـكالها تقـع ، فكل شخص يبحث عمن يراه مناسبا له من حيث النفسية والشخصية .

في رواية عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال : " المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يُخالِل " (1) .

إذا أردت أن تعرف صفات الشخص فانظر إلى أصدقائه ومن يعرفهم ومن له علاقة بهم ، فتسأل عنهم حتى تعرف صفاتهم ، فإذا تقدم شاب للزواج فإن والد البنت يستطيع أن يذهب إلى هؤلاء الأصدقاء للسؤال عنه وليرى ما هي نوعيّتهم ، ويذهب إلى مكان عمله ليرى الأشخاص المحيطين به ، فمن خلالهـم يسـتطيع أن يعـرف صفـاتـه الحسنـة أو السيئة لأن الأصدقاء عادة يكونون من نفس الاتجاه .

إذن : الإنسان يتأثر دائما بمن حوله من أشخاص ، وكذلك فإن كل مـن الطـرفين يؤثـر بالطـرف الآخـر ، فاعرف صفات الصديق تعرف من هو هذا الشخص الذي تريد أن تسأل عـنـه ، فهمـا عـادة يكونـان مـن نفس الاتجاه والشخصية والاهتمامات .

 

لنرجع مرة أخرى إلى الرواية التي تتحدث عن الصديق الأمين لأنه لا يعادله شيء ، فهو سيكون أمينا معك دائما ، ولن يخونك أبدا حتى في غيبتك ، فمن تتوفر فيه صفة الأمانة من المستحيل أن يضرّك بشيء ، فهو دائما يكون خيرا لك سواء كنت حاضـرا أم غائبا ، وإذا بُحْتَ له بسرّ من الأسرار فإنه سيحفظه ولا ينشر ما يعرفه عنك من أسرار ، وهذا هو الصديق الذي يجب أن تبحث عنه بين الناس حتى تظفر به ، والذي سيكون خير عون لك لدنياك وآخرتك ، إن كلمة " الخليل " مشتقة من الخلّة بمعنى الحاجة ، فالخليل هو الذي يقضي حاجة صديقه سواء كانت الحاجة دنيوية أم أخروية .

 

إذن : عليك أن تبحث عن الصديق الأمين الثقة صاحب الدين الذي يكون إنسانا صالحا لتسايره في حياتك .

 

النقطة الثالثة : ما هي حقوق وواجبات الصديق ؟

في رواية عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام أنه قـال : " لا يكون الصـديق صديقـا حتى يحفـظ أخاه في ثلاث : في نكبته ( أي مصيبته ) وغيبته ووفاته " (1) .

توجد بين الأصدقاء واجبات وحقوق متبادلة من أجل أن تستمر هذه العلاقة بينهم ، وهذه الرواية ذكرت بعض الأمثلة من حقوق الصديق ، وهناك بعض الأمور الأخرى التي يحتاج إليها الشخص في صداقته ، وحقوق الصديق تعتبر واجبات على الطرف الآخـر لأن لكل حـق واجبا يقابله ، فإذا أردت أن تعطي حقّا لشخص فهذا الحق يكون واجبا عليك ، وعلى الشخص أن يعطي حـقـوق الآخـرين قبـل أن يطـالبهم بحقوقـه التي هـي واجبـات عليهـم ، ولكن الإنسان عادة يطالب بحقوقه قبل إعطاء حقوق الآخـرين ، ولا يعطيهـم حقـوقهـم بسـهولـة ، فلـو أن كل إنسـان يعـطي حقـوق الآخـرين قبـل المطالبة بحقوقه لما كانت هناك حاجة للمحـاكم ولمـا حدثت مشـاكل بين الناس ، والحياة قائمة على العطاء والأخذ ، فلا يصح أن يأخذ الشخص من الناس دون أن يعطيهم شيئا ، وإذا كانت طريقته الأخذ فقط فإن مثل هذا الشخص لن يكون له أصدقاء طوال حياته ، فكل من يريد أن يكتسب صداقته يرى أنه إنسـان أناني يحب نفسـه فقط ، لذلك لا يستمر معه .

إذن : ينبـغي عـلى الإنسـان أولا أن يـؤدي واجباته ثم ثانيا يطالب الآخرين بأداء واجباتهم .

إن الروايـة السابقة ذكرت أن الصديق تعرفه في وقت النكبـة والمصيبـة ، ويوجد مثل يقول " الصّديق وقت الضّيق " ، وهذا المثل صحيح ، فإذا احتجت إلى حاجة وذهبت إلى أصدقائك فإنك ستجد أن البعض منهم يعتذر ، قد تحتاج إليه في قضية ماديـة على سـبيل الدَّيْن ولو كان المبلغ المطلوب قليلا فإنهم يعتـذرون إلـيـك بأن عـليهـم أقسـاط سيـارة أو قسـيمة يريـدون بنـاءها ، ويأتي بأعـذار واهيـة مـع أن المبلغ الذي تريده قليل يستطيع أن يعطيه إيّاك بلا مقابل ، وستجد أن البعض منهم مسـتعد أن يعـطيك مـا تريد حتى لـو كانت حيـاته تتأثـر بهـذا العطـاء ، ولكــن عـليـك بالمقـابـل أن تكـون أنت أيضـا مـمـن يســاهم في قضاء حوائج أصدقائك لا أن تطلب منهم فقط ، فالصديق يسـاعـد صـديقـه في مصيبتـه سـواء كانت المسـاعـدة مـادية أم معنـوية ، وهذا هو المثال الأول وهو " في نكبته " .

والمثال الثاني هو " في غيبته " ، فإذا غاب الإنسان عن صديقـه فلا يتكلم عنه وهو غائب ، فقد يكون بمجرد ما أن يغيب صديقـه فإنه يبدأ بالتكلم عنه وإظهار عيوبه ، إن مثل هذا الشخص لا ينفع أن يكون من الأصدقاء الصالحين ، بل عليه أن يدافع عنه إذا أراد أحد أن يغتابه .

والمثال الثالث هو " في وفاته " ، فإذا مات الصديق فإن الصديق لا ينسـاه ، فيقـوم ببعـض الأعمـال ويعطي الصدقات للفقـراء ويقرأ القرآن الكريم وقد يجعل له صدقة جارية ويجعـل الثواب له ، وهذا هو الصديق الصالح الذي لا ينسى صديقه حتى بعـد مماته ، فهذه العلاقة تظل مستمرة حتى لـو مـات أحـد الطـرفـين ، فيقـف مع أهلـه حـين وفاتـه ويدعـو له بعد مماته ولا ينساه بأعمال الخير .

النقطة الرابعة : ما هي فوائد الصداقة ؟

للصديق عدة فوائد دنيوية منها قضاء الحوائج المادية ، فإذا احتجت حاجة معينة فإنك تبحث عن صديق من أصدقائك ليقضي لك هذه الحاجة ، وأحيانا قد تحتاج إلى شخص تتحدث إليـه فقـط حتى ترتاح نفسيّا ، فتلجأ إلى صديقك الذي يستمع إليك ويريحك من همومك ، وكذلك هناك عدة فوائد أخروية ، فالمؤمن يلجـأ إلى مـن يعينه في قضاء حوائجه الدنيوية ، ولكن الأهم مـن ذلك الحوائج الأخروية فيحتاج إلى من يساعده عليها ، وتوجد عدة فوائد للصديق ، منها :

الفائدة الأولى :

     من الفوائد الأخروية هو قول رسول الله صلى الله عليه وآله :

" المؤمن مرآة لأخيه المؤمن " (1) .

     فكما أن المرآة تعكس لك صورتك الخارجية ، كذلك فإن الصديق مرآة تعكس لك صورتك الداخلية أي صفاتك النفسية ، فإذا انفتح بينهمـا بـاب المصـارحة وعدم حصول الضيق من التصارح فإن الصديق يستطيع أن يدلّك على عيوبك وعلى كيفية إصلاحها ، وهـذا هـو الصـديق الصـالح الأمين الذي يبيّن لك عيوبك وصفـاتك السيئـة مـن أجـل إصـلاحهـا لا من أجل تعييرك بها ، ويدلك على طريق الخير والصلاح والفلاح ، فعليك اختيار الصديق الصالح الصادق الذي يكون مرآة صافية تظهر عيوبك ومحاسنك كما هي بلا زيادة أو نقصان ، فإذا ارتكبت خطأ فهو سيوضِّح لك خطأك وكيف يمكن إصلاحه ، فيعينك على قضاء حوائجك الأخروية كما يساعدك على قضاء حوائجك الدنيوية ، فإذا نقـدك شـخص بشيء فتَقَبَّل منـه هذا النّقد ، فنِعْمَ الصديق هـو الذي ينقـدك ويوجّهك ويبيّن لك الصفات السيئة حتى تتخلص منها وتقترب إلى الله عز وجل تدريجيا أي تحصل عندك حالة الكمـال ، وكمـا مـرّ سابقا أن الصديق يختار صديقه عادة إذا كان مـن نفـس اتجـاهـه أي يختـار مـن يتآلف معه ، ومن يتآلف معه يكون على نفس شاكلته ، فصديقك يريك من أنت ، فإذا ارتكبت خطـأ فهـو الذي يقول لك إنك مخـطئ في هـذا الأمر ، لذلك لا بدّ أن تكون علاقة الصداقة قائمة على المصارحة وعدم الضيق من المصارحة من الطرفين ، يقول الله تعالى :

" وَالمُؤْمِنُونَ وَالمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ " (1) .

إن العلاقة بين المؤمنين تكون قائمة على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وبهذا الطريق يكون المؤمن مرآة أخيه المؤمن ، فإذا اتّبع الأصدقاء فيمـا بينهم هـذا الطـريق في التناصح والمصارحة فإن النتيجة التي يصلون إليها تكون حصول المؤمن تدريجيا على حالة الكمال ، فيتكامل المؤمن تدريجيا ويصعد إلى الدرجـات العليـا على سـلّم التكامـل ويقتـرب إلى الله عـز وجل خطوة بعد خطوة ، فيزداد في الدنيا إيمانا وصلاحا وفي الآخرة يحصل على درجات الجنة العالية .

فهنيئا للمؤمن الذي يحصل على الصديق المخلص الأمين الثقـة الـذي يوجّهـه ويعينـه في طـريق الله عـز وجل ، ولكن وجود مثـل هـذا الصـديق كالكبريت الأحمـر ، فنـادرا مـا تحصـل عـلى مثلـه ، فعلى المؤمن أن يبحث عنه بين الناس بحثا دقيقا حتى يحصل على مثل هذا الإنسان الصالح .

إذن : الفائدة الأولى هي أن الصديق مرآة لصديقه .

 

الفائدة الثانية :

 

إن المؤمن يحتاج إلى شخص أمين يستشيره في أموره ومشاكله ، ولا يخلو أي إنسان من المشاكل والهموم ، فيحتاج إلى استشـارة الآخـريـن للوصول إلى الحل الناجع لمشكلته وإلى ما يكون فيـه الصـلاح لـه ، فإذا احتـاج إلى الاستشارة فإنه يستطيع أن يرجع إلى هذا الصديق الأمين الذي لن يبخل عليه بالمشورة الصادقة وإعطاء الرأي المناسب والحل الناجع ، ويشترط في الصـديـق المشـيــر الذي يريـد أن يعـطي الحلـول النـاجعـة أن يكون ذا عقـل راجـح ليسـتفـاد مـن آرائه ، ولا يرجع إلى من لا يعرف مصلحة نفسه فضلا عن مصالح الآخرين .

 

في رواية عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال : " . . . ولا ندم من استشار . . . " (1) .

وعـن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال : " أعقل الناس من أطاع العقلاء " (1) .

وعن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال : " فأوّلها ( أي أول المـشـاورة ) أن يكون الـذي تشـاوره عاقـلا ، والثانية أن يكون حرا متديّنا ، والثالثة أن يكون صديقا مؤاخيا . . . " (2) .

ذكر الإمام الصادق عليه السلام هنا ثلاث صفات لمن تشاوره ، فإذا استطعت أن تحصـل على الصديق العاقل المتديّن فاستشره فإنـه لـن يبخـل عليـك بالـرأي ، فإذا شـاورت أشخاصا بهذه الصفـات فإنك بلا شـك ستصـل إلى الـرأي الأصوب والحل الأفضل لقضيتك وإلى مـا فيـه مصـلحتك في حـل مشـكلتك ، فالصديق صادق في نصيحته لك ويريد مصلحتك في جميع أمورك .

النقطة الخامسة : انتهاء الصداقات يوم القيامة إلا بين المتقين :

إن جميـع العلاقات الموجودة في الدنيا تنقطع في يوم القيامة ويذهب كل شخص في طريقه إلا العلاقات القائمة بين المؤمنين إن كانت لوجه الله تعالى ، فالعلاقة التي تكون لله عز وجل تبقى ولا تفنى ، " وما كانت لغير الله فإنها تكون إعانة على الشـقـاء الـدائـم والعـذاب الخـالـد " كمـا يقـول العـلامة السيد الطبـاطبائي قدس سره في كتابه " الميزان في تفسير القرآن " .

إن علاقة الصداقة تنتهي يوم القيامة بين الناس إلا بين المتقين ، يقول الله تعالى : " الأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ المُتَّقِينَ " (1) .

فهذه العلاقة تنقطع يوم القيامة وتبقى فقط علاقات المتقين لأن علاقاتهم قائمة قربـة إلى الله تعالى ، فما كان لله يبقى ، وما كان لغير الله يفنى ، فإذا لم تكن علاقة الصداقة قائمة على الإيمان والتقوى فإنها تؤدي إلى الشقاء والعذاب ، فأصدقاء السوء كل منهم يدل الآخر على طريق الفسق والفساد والضـلال والانحـراف والفجـور ، وأمـا علاقة المؤمنين فتكون بطريقة أخرى فيها المناصحة على الخير والصلاح وفيها الهداية والحق والفلاح .

     يقول الله تعالى حكاية عن الظالمين يوم القيامة : " يا وَيلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاَنًا خَلِيلاً لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذ جَاءني" (2) .

فهـذا يقــول يـا ليتني لم أتخــذ هذا الشخص صديقا وخليلا لي لأنـه أدخـلني في الضـلال ، فكـان الصديق سببا في ضلالة وانحراف صديقه .

 

ويقول الله تعالى حكاية عنهم أيضا : " فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ وَلاَ صَدِيقٍ حَمِيمٍ " (1) .

 

فهذا الإنسان وإن كانت له علاقات صداقة مع أصدقاء السـوء في الدنيـا إلا أنـه في يـوم القيـامـة كل شـخص يتبـرأ من الآخـر ، فيبـحث عـن الصـديق الحـميـم ولكنـه لا يجـده في ذلـك اليوم ، لذلك لا بد أن نكون حريصين في اختيار الصديق الصالح الذي يعيننا على أمور الدنيا وينفعنا في الآخرة ، ونبتعد عن الصديق الفاسـد الـذي لا ينفعنـا في الدنيا ويكون لنا شقاءً في الآخرة .

 

عـن رســول الله صلى الله عليه وآله أنـه قـال : " إذا كان يـوم القيامـة انقطعت الأرحام وقلَّت الأنساب وذهبت الأخوة إلا الأخوة في الله " (2) .

وفي الختام أقرأ على مسامعكم ما قاله أمير المؤمنين عليه السلام : " كان لي فيما مضى أخٌ في الله ، وكان يُعْظِمُهُ في عيني صِغَرُ الدنيـا في عينـه ، وكان خارجـا من سلطان بطنه ، فلا يشتهي ما لا يَجِدُ ، ولا يُكْثِرُ إذا وجد ، وكان أكثر دهره صامتا ، فإن قال بَدَّ القائلين ( أي كفَّهم عن القول ) ، ونَقَعَ غليلَ السّائلين ( أي أزال عطشهم ) ، وكان ضعيفا مستضعفا ، فإن جاء الجِدُّ فهو ليثُ غابٍ وصِلُّ وادٍ ( أي ثعبان الوادي ) ، ولا يُدْلِي بحجة حتى يأتي قاضيا ، وكان لا يلوم أحدًا على ما يجد العذر في مثله حتى يسمع اعتذاره ، وكان لا يشكو وَجَعًا إلا عند بُرْئِه ، وكان يفعل ما يقول ، ولا يقول ما لا يفعـل ، وكان إذا غُلِبَ على الكلام لـم يُغْلَب على السكوت ، وكان على ما يسمع أَحْرَصَ منه على أن يتكلم ، وكان إذا بَدَهَهُ أمران ( أي فاجأه أو باغته أمران ) نظر أيُّهما أقرب إلى الهوى فخالفه ، فعليكم بهذه الخلائق فالزمـوها وتنـافسوا فيهـا ، فإن لـم تسـتطيعوها فاعلموا أن أخذ القليل خير من ترك الكثير " (1) .

     وفقنا الله تعالى جميعا إلى ما فيه خير الدنيا والآخرة .

والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا أبي القاسم محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين .

 

 

 

مـولـد أمـير المـؤمـنين عـليه السـلام (1)

 

الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا أبي القاسم محمد وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين .

 

قال الله تعالى في كتابه الكريم : " أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَ يَهِدِّي إِلاَّ أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ " (2) .

 

نعيش هـذه الأيـام مولد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام ، مـولــد الإمـام والخـليـفـة بعـد رسول الله صلى الله عليه وآله ، مولد منبع النور والهداية ، يَكِلُّ اللسان ويعجز البيان عن الإحاطة بكل جوانب حياة أمير المؤمنين عليه السلام وبكل جوانب شخصيته ، ولا يعرف المرء كيف يبدأ ؟ ومن أين يبدأ بالحديث عنه عليه السلام ؟

ولكن يمكن أن نبـدأ كما بدأت حياته عليه السلام ، فلنبدأ بمولده ، بل يمكن أن نبدأ قبل مولده منذ أن كان في بطن أمه .

 

فقـد رُوِيَ أن أبـا طـالب عليه السلام قـال لفاطمة بنت أسد رضوان الله عليها وكان علي عليه السلام صَبيًّا : " رأيتـه يكـسـر الأصنـام فخفت أن يعلم بذلك كبار قريش " .

 

فقالت : " يا عجبًا ، أخبرك بأعجب من هذا ، إني اجتزت بالموضع الذي كانت أصنامهم فيه منصوبة وعَلِيٌّ في بطني ، فوضع رجـليـه في جـوفي شـديدًا لا يتـركـني أن أقْرُبَ مـن ذلـك الموضـع الـذي فيه ، وإنما كنت أطوف بالبيت لعبادة الله لا للأصنام " (1) .

 

هذا هو الإمام الذي يكون في بطن أمه ويعلم بما يقع في الخارج ، بل يمكن أن نبدأ قبل ذلك بفترة طويلة ، ففي رواية عن الإمام أبي عبدالله الصادق عليه السلام أنه قال :

" إن فـاطمة بنت أسـد جاءت إلى أبي طالب لتبشّره بمولد النبي صلى الله عليه وآله ، فقال أبو طالب : اصبري سَبْتًا آتيكِ أُبَشِّرُكِ بمثله إلا النبوة " (2) .

بل يمكن أن نبدأ قبل ذلك بقرون طويلة ، فقد كانت بدايتـه مـع رسـول الله صلى الله عليه وآله وسلم  قبل خلق سيدنا وأبينا آدم عليه السلام ، ففي رواية عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال :

" كنت وعَلِيٌّ نورًا قبـل أن يُخْلَقَ آدم ، فجعلنا اللهُ في صُلْبــهِ ، وانتقل النور في أصلاب طاهرة وأرحام مطهَّرة نَسْلاً عن نَسْل حتى وصـل صُلْب عبدالمطلب ، فانقسـم النور قسـمين : قسـم في صلب عبدالله وَوُجِدْتُ منـه ، وقسـم آخر في صلب أبي طالب فخرج وَصِيِّي علي عليه السلام منه " (1) .

وعـن الإمـام علي بن الحسـين زين العابدين عليهما السلام أنه قال :

" إن الله خلق محمدًا وعليًّا والطيبين من ذريتهما من نور عظمته ، وأقامهم أشباحًا قبل المخلوقات " (2) .

ولكن حديثنـا لن يكـون عـن الزمـان الـذي كان قبل مولده عليه السلام ، فهـذا لـه محـل آخـر ، بل سـأتكلم عن مولد الإمام الأول بعد رسول الله صلى الله عليه وآله ، فلنبدأ بقصته التي رويت عن كيفية ولادته ثم نحاول أن نستفيد من هذه القصة .

عن يزيد بن قعنب قال : كنت جالسًا مع العبّاس ابن عبدالمطلب وفريق مـن عبـدالعزى بإزاء بيت الله الحرام إذ أقبلت فاطمة بنت أسد أم أمير المؤمنين عليه السلام وكانت حاملة به لتسعة أشهر وقد أخذها الطّلق ، فقالت : ربِّ إني مؤمنة بك وبما جاء من عندك من رسـل وكتب ، وإنـي مُصَدِّقَةٌ بكلام جدّي إبراهيم الخليل وأنه بنى البيت العتيـق ، فبحق الذي بنى هـذا البيت وبحـق المولـود الـذي في بطني لـمَّا يَسَّرْتَ عَلَيَّ ولادتي .

قـال يزيـد بن قعـنب : فرأينـا البيـت وقـد انفتـح عن ظهره ، ودخلت فاطمة فيه وغابت عن أبصارنا والتزق الحائط ، فَرُمْنَا أن ينفتـح لنـا قفـل البـاب فـلم ينفتـح ، فعلمنا أن ذلك أمر من أمر الله عـز وجـل ، ثم خـرجـت بعـد الرابـع وبيدها أمير المؤمنين عليه السلام ثم قالت : إني فُضِّلْتُ على من تقدّمني من النساء لأن آسية بنت مزاحم عبدت الله عز وجل سِرًّا في موضع لا يحب أن يُعْبَدَ الله فيه إلا اضطرارًا ( لأنها كانت في بيت فرعون ) ، وإن مريـم بنت عمران هزّت النخلة اليابسة بيدها حتى أكلت منها رُطَبًا جَنِيًّا ، وإني دخلت بيت الله الحرام فأكلت من ثمار الجنة وأوراقها ، فلما أردت أن أخرج هتف بي هاتف : يا فاطمة سَمِّيهِ عَلِيًّا فهو عَلِيٌّ ، والله العليّ الأعلى يقول : " إني شققت اسمه من اسمي ، وأدبته بأدبي ، ووقفته على غامض علمي ، وهـو الذي يكسـر الأصنام في بيتي ، وهو الذي يؤذّن فوق ظهـر بيتي ، ويقدّسـني ويمجّـدني ، فطـوبى لمن أحبّه وأطاعه ، وويل لمن أبغضه وعصاه (1) .

إن مولد أمير المؤمنين عليه السلام اقترن بكرامة من الله عز وجل ، وهذه الكرامة كرامة أيضا لأمه فاطمة بنت أسد رضوان الله عليها إثباتا لإيمانها بالله عز وجل ، وكرامة له عليه السلام ، وهذه الكرامة باقية إلى يـوم القيامة حيث إن الشقّ الموجود في جدار الكعبة ما زال باقيـا إلى هـذا اليـوم ، وسيسـتمر إلى يوم الدين مهما جرت من محاولات لطمس هذا الأثر .

    فلنسأل أنفسنا :

ما هو الهدف من هذه الكرامة ؟ لماذا أراد الله عز وجل أن يجعل الكرامـة في مولـد علي بن أبي طالب عليه السلام دون غيره من الأنبياء والأوصياء عليهم السلام ؟

الجـواب :

إن هـذه الكرامـة وغيرهـا مـن الكرامات كلها تصبّ في اتجاه إثبات إمامة أمير المؤمنين عليه السلام لا لشخصه بل لإثبات شخصيته كإمـام ، وهذا الدليل يكون لمن هو في زمانه عليه السلام ولمن يأتي من بعده إلى يوم القيامة لأن مسألة الإمامة من المسائل المستمرة إلى يوم الدين ، ومن المسائل المهمة جدا لأنها من أصول الدين ، فتحتـاج إلى بعض الشـواهد التي تشـير إليهـا ، هـذه الإمامـة التي تفـرِّق بين الناس في الدنيا والآخرة ، فيكون هذا مؤمنا وذاك ليس بمؤمن ، فالإمام عليه السلام يحتاج إلى بعض الإثباتات والشـواهد التي تشهـد على إمامتـه وتوضحهـا للمؤمـن الذي يؤمن بالإمامة وللمعاند الذي يرفض الإمامة لإقامة الحجة على الجميع ، كما أن الأنبياء عليهم السلام يحتاجون إلى المعاجز التي تشهد بنبوّتهم وتقيم الحجّة على الناس حتى لا يأتي شخص ويدّعي أنه لم يكن على اطّلاع وعلم بنبوّة هذا الشخص أو بإمامة ذاك الإنسان .

ولا بدّ من الالتفات إلى أن قيمة الأنبياء والأئمة عليهم السلام ليست في وجـود هـذه المعاجز والكرامات ، بل إن قيمة النبي تكون في نبوتـه ، وقيمـة الإمـام في إمامتـه ، وبالنسبـة لـولادة الإمام عـلي عليه السلام في الكعبـة فإن الكعبـة لـم تشرِّف الإمام عليه السلام ، وإنما الإمام عليه السلام هو الذي شرَّف الكعبة بولادته فيها لأن مقام الإمام عليه السلام أعظم من مقام الكعبة ، وفي رواية عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال : " المؤمن أعظم حرمة من الكعبة " (1) .

     فكيف بإمام الناس وأمير المؤمنين عليه السلام ؟

إن المعاجـز والكرامـات لا تـدل عـلى النبوة والإمامة ، وقولنا " لا تدل " بمعنى أنه لولا الدليل لما وُجِدَ المدلول أي لولا وجود المعجزة والكرامة لما وُجِدَت النبوة والإمامة ، فلا نعتبر المعجـزات والكرامـات دليـلا لأنـه إذا كان لا يوجد دليل فإنه لا يوجـد مدلول ، وإنما نقول إن المعجزة والكرامة تكشفان عن النبوة والإمامـة ، وهنا لا بد مـن التفرقة بين الدليل والكاشف ، فالدليل إذا لم يوجـد فلا توجـد نبـوة وإمامة ، وأما الكاشف سواء وجد أم لم يوجد فإن النبوة والإمامة موجودتان لا تنتفيان ، فسواء وُجِدَت المعجزة والكرامة أم لم توجد فالنبوة والإمامة ثابتة لهؤلاء الأشخاص ، فسواء علمنا بأن هذا نبي أو ذاك إمام أم لم نعلم بذلك فإن النبوة والإمامة ثابتة لهما ، فعِلْمُنَا ليس له دخالة في ثبوت النبوة والإمامة ، إن علمنا يكشف عن وجود النبي والإمام لا أنـه يـدل على وجـودهما ، فالنبي يظـل نبيـا والإمام يظل إماما سـواء علـم بـه النـاس أم لم يعلمـوا وسواء أتى بالمعجزة أو الكرامة أم لم يَأتِ بها .

إن الهدف من المعجزة والكرامة هو الكشف عن النبوة والإمامة وإقامة الحجة على الناس بأن هذا نبي وذاك إمام ، فيؤمن بهمـا الإنسان عن اقتناع أو يرفضهما عنادا ، فتقوم الحجة على المؤمن والمعاند ، وبذلك لا يمكن لهما إنكار نبوة النبي ولا إمامة الإمام ، لذلك لا يمكن إنكار إمامة أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب عليه السلام لوجود الشواهد الكثيرة التي تشهد بذلك .

    فيأتي هنا السؤال التالي :

وهل هناك شواهد قامت على إمامة علي عليه السلام بحيث تكون حجـة على المؤمـن والمعانـد فيؤمن من يؤمن عن بيِّنة ويكفر من يكفر عن بيِّنة ؟

الجـواب :

نعم قطعا ، فلا بد من إقامة الحجة على جميع الناس حتى يمكن لله عز وجل فيما بعد أن يحاسبهم ، يقول الله تعالى :

" وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً " (1) .

     إن الهـدف من بعث الرسل عليهم السلام هو إقامة الحجة على العبـاد ، فيهتـدي مـن يهتـدي ويضـلّ من يضلّ بعد إقامة الحجة عليه ، يقول الله تعالى :

"  لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ " (2) .

إذن : لا بدّ من وجود شواهد واضحة على نبوة النبي وإمامـة الإمام عليهما السلام ، فمن يريـد أن يهتدي يستطيع أن يأخذ بهذه الشواهد التي تكشف عن النبوة والإمامة ، فيؤمن بها أو يرفضها بعد إقامة الحجة عليه .

إن الكتب مملوءة بهذه الشواهد على إمامة علي عليه السلام سـواء عـن طـريق الشيعـة أم عن طريق السنة ، ففي كتب أهل السنة يوجد كثير من الشواهد التي تكشف عن إمامته وخلافته ووصـايته عليه السلام رغــم وجـود كثيـر مـن المحـاولات للقضـاء على كل ما يمت للإمام علي عليه السلام بصلة حتى أن الرجل كان يُقْتَل على تهمـة أنـه من شيعة علي عليه السلام حتى لو لم يكن فعلا مـن الشيعة ، إلى هذه الدرجة كان الشيعة يُحارَبون ، وبهذه الطريقة كانوا يُعامَلـون ، ولقـد حورب أهل البيت عليهم السلام وشيعتهم محاربة لا هوادة فيها بمختلف الطرق سواء بالقتل أم التعذيب أم النفي أم التشريد ، ولكن على الرغم من هذه السنوات الطويلة من الظلام فإن هـذا النور شعَّ وانتشر التشيع وازداد أتباع أهل البيت عليهم السلام في مختلف بقـاع الأرض في الشـرق والغرب ، وهذا يدل على قوة هـذا الدين لأن مذهب أهـل البيت عليهم السلام يسيـر وفق عقل الإنسان ولا يخالف القضايا العقلية القطعية بخلاف الأديان والمذاهب الأخـرى التي تشتمل على بعض القضايا التي يرفضها العقل القطعي ، والدين والمذهب هنـا بنفس المعنى لأن مذهب أهل البيت عليهم السلام هو الدين الإسلامي الحقيقي ، وأما الأديان والمذاهب الأخـرى فهي بعيـدة عـن دين الـحق لأنهـا لا تأخذ من منبع الهدى ومن المصدر الحقيقي للإسلام ، والمصدر الوحيد للدين هو أهل البيت عليهم السلام .

 

إذن : هناك شواهد كثيرة جدًّا لا تعدّ ولا تحصى على إمامـة علي عليه السلام وأنـه الوصي والإمـام والخليفـة والوارث والولي بعد رسول الله صلى الله عليه وآله بدءاً بحديث الدار (1) وانتهاء بحديث الغدير (2) ، وتوجد كلمات وتعابير مختلفة في هذه الروايات والشـواهـد تثبت إمامـة أميـر المؤمنين علي بن أبي طـالب عليه السلام وأنه الحجة على جميع الناس .

 

وبـعـد أن عرفنا الآن أن الإمامة ثابتة لعلي بن أبي طالب عليه السلام نسأل السؤال التالي :

ما هو دور الإمام عليه السلام تجاه دين الله عز وجل ؟

الجـواب :

إن دور الإمـام عليه السلام هو حفظ الدين ونشره ، وكلما أتيحت الفرصة للأئمة عليهم السلام فإنهم يستغلونها لنشر الدين ، إن الوقت الذي كان فيـه الانتقال من الدولة الأموية إلى الدولة العباسية خفَّ فيه الضغط على شيعة أهل البيت عليهم السلام فاستغل الإمامان الباقر والصادق عليهما السلام تلك الفترة من أجل نشر هذا المذهب ، فيأتي ألف راوٍ يقولون سمعنا من الصادق عليه السلام ، ولو تراجعون كتب الروايات لرأيتم أن أكثر الروايات عن الإمام أبي عبدالله الصادق عليه السلام لأن هذه الفترة كانت مناسبة لنشر هذا المذهب الذي يمثِّل دين الحق والهدى ، فيحفظ الأئمة عليهم السلام هذا الدين حتى لو استلزم التضحية بالدم كما فعل الإمام الحسين عليه السلام ، والهدف مـن حفـظ ونشـر الدين هو هداية الناس إلى الله عز وجل وإيصالهم إلى المطلوب بأمر الله تعالى ، إن الإمام الحسين عليه السلام قدّم نفسه ضحية من أجل أن يهدي هؤلاء الناس الذين حاربوه والذين قاتلوه .

وإذا كان دورهم هو الهداية فلا بد أن تتوفر في الإمام مواصفات معينة حتى يستطيع أن يهدي الناس إلى الحق ، فلا بدّ أن يكون هو أوّلا مهتديا حتى يمكن له القيام بهداية الآخرين ، يقول الله تعالى :

 

           " أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لاَ يَهِدِّي إِلاَّ أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ " (1) .

إذن : دور الإمام عليه السلام هو حفظ ونشر الدين الإسلامي .

    وإذا كان هـذا هو دور الإمام عليه السلام فهنا يأتي في الذهن السؤال التالي : ما هو دورك أنت أيها الإنسان المؤمن ؟

إن الإمام الحسين عليه السلام قدَّم نفسه ضحية لهذا الدين ، فأنت أيها المؤمن ماذا قدَّمت لهذا الدين ؟ ، هذا الدين سوف يوصلك إلى الجنـة فماذا فعلت من أجل أن تحفظ وتنشر هذا الدين ؟ ، إن المؤمن الذي يقوم بدوره تجاه الدين هو في الواقع يقدِّم لنفسه خيرا حتى يستطيع أن يصل إلى الجنة ، والسؤال هو :

 

ما هو الدور المطلوب من المؤمن تجاه الدين ؟

 

الجـواب :

لنأخذ مقطعا من كلام أمير المؤمنين عليه السلام حتى نعرف دورنا تجاه هذا الدين ، يقول عليه السلام :

" ألا وإن لكل مأموم إماما يقتدي به ويستضيء بنور علمه ، ألا وإن إمامكم قد اكتفى من دنياه بطِمْرَيْهِ ( أي الثوب الخَلِق البالي وهو هنا الإزار والرداء ) ، ومن طُعْمِهِ بقُرْصَيْهِ ( أي قرصين من الخبـز ، وهـمـا اللذان يفطـر بهما ) ، ألا وإنكم لا تقدرون على ذلك ( لأن مسؤولية الإمـام عليه السلام تخـتلف عـن مسؤوليتنا ، ولكن هناك مسـؤولية مطلـوبة منك أيهـا المؤمن ، وهي ما يلي ) ، ولكن أعينوني بورع واجتهاد وعفة وسداد ، فوالله ما كنـزت من دنياكم تِبْرًا ( أي ذهبا ) ، ولا ادخرت من غنائمها وفرا ، ولا أعددت لبالي ثوبي طمرا ( أي لا أملك ثيابا جديدة ) ، ولا حزت من أرضها شبرا ..." (1) .

إن أمير المؤمنين عليه السلام في هذه الدنيا لديه الثوب البالي الخَلِق المكوَّن من الإزار والرداء ، وله قرصان فقط يفطر بهما ، فأنتم أيـهـا المؤمنون لن تستطيعوا أن تعيشوا كما عاش الإمام عليه السلام ، ولكن هناك مسؤولية عليكم هي الورع والاجتهاد والعفة والسداد ، وإذا أردت أن تكون شيعيا من أتباع أهل البيت عليهم السلام فلا بـد أن تتوفـر فيك هذه الصفات ، تستطيعون أن تكونوا ورعين في ديـن الله فتخافـون الله عـز وجـل في السر والعلن ، وتستطيعون أن تكونوا مـن المتقين الـذين يعملـون بتقـواهم ويظهر أثر التقوى على أعمالهـم ، وتستطيعون أن توجدوا فيكم الاجتهاد في دين الله تعــالى ، فتحافظـون على أعمـالكم العبـادية كالصـلاة في أوقاتهـا ، وتستطيعون أن توجـدوا في أنفسـكم العفة بأن تكفّوا أنفسكم وتبتعدوا عن المحرمات التي بيَّنها لكم الله عز وجل ، وتستطيعون أن توجـدوا فيكم السَّداد أي تكونون مستقيمين في دين الله تعالى ، هـذه الصفـات من الورع والاجتهاد والعفة والسّداد لا بـد أن تكون موجـودة في الإنسان حتى يكون مؤمنا حقيقيا تابعا لأهل البيت عليهم السلام ومـن المقتـدين بأميـر المؤمنـين عليه السلام ومـن المستضيئين بنور علمه ، وبدون هذه الصفات فإن هذا الإنسان لا يكون مؤمنـا ولا يكون شيعيـا مـن أتباع أهل البيت عليه السلام ، والإمام علي عليه السلام يقول أعينوني بذلك ، ففيه إعانة للإمام عليه السلام لا لشخصه بل إعانة لهذا الدين ، فالمؤمن المتصف بهذه الصفات سيحفظ هذا الدين وينشره لأنه سيكون من مصاديق الرواية الواردة عن الإمام أبي عبدالله الصادق عليه السلام أنه قال :

" عليك بتقوى الله والورع والاجتهاد وصدق الحديث وأداء الأمانة وحسن الخلق وحسن الجوار ، وكونوا دعاة إلى أنفسكم بغير ألسنتكم ، وكونوا زَيْنًا ولا تكونوا شَيْنًا . . . " (1) .

     وعن أبي عبدالله عليه السلام أنه قال :

" كونوا دعـاة للنـاس بغيـر ألسـنتكم ليروا منكم الورع والاجتهاد والصلاة والخير فإن ذلك داعية " (1) .

إذن : هكذا كان الأئمة عليهم السلام ، وهكذا هم شيعتهم الحقيقيون شيعة القلب والعمل لا شيعة اللسان والقول ، الشيعة الذين هم مستعدون للتضحية بأنفسهم في سبيل الله عز وجل ، لا الشيعـة الذين لا يريدون أن يضحوا بأبسط شيء في سبيل الدين ، جعلنا الله وإياكم من شيعتهم المخلصين المهتدين بهداهم .

والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا أبي القاسم محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المعجـزة الكـبرى للـنبي

صـلى الله عـليه وآلـه وسـلم (1)

 

الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا أبي القاسم محمد وأهل بيته الطيبين الطاهرين .

 

قال الله تعالى في كتابه الكريم : " هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بالهُدَى وَدِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ " (2) .

 

مقدمــــــة :

 

       يوم مولد النبي صلى الله عليه وآله يوم مولد مصباح الهدى وسفينة النجاة ، يوم بداية انتشار الهدى والدين على الأرض ، يوم ظهر فيه الحق وزهق الباطل ، يوم مولد الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله ، نحـاول أن نسـتفيد مـن هـذه المنـاسبـات ، منـاسبات كثيرة تمرّ علينا ، نحاول أن نتقرّب بها إلى الله عز وجل ، فنطرح السؤال التالي :

ماذا نستفيد من هذه المناسبات حينما نأتي إلى المسجد أو الحسينية ونستمـع إلى بعض الكلمات والقصائد والأناشيد والمواعظ ؟ هل تشعر بتغيّر في نفسك حين الخروج من المسجد أو لا ؟

 

نسمع قصصـا كثيـرة عن حياة رسول الله صلى الله عليه وآله أنه فعـل كـذا أو كذا ، ماذا تشعر حينما تسمع هذه القصة أو تلك ؟ هل تشعر بالسرور وتقول إن هذا الرسول عظيم ؟ ، ولكن هل الشعور بالسرور هو المطلوب فقط منك ؟ هل يكفي أن تشعر بالسـرور وتقـول إن رسـولنـا صلى الله عليه وآله هـو عظيم أو أن المطلوب أكثر من ذلك ؟

 

سأجيب عن هذا السؤال فيما بعد وأنه كيف نستفيد من القصـص التي نسمعهـا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وعن الأئمة عليهم السلام ؟

 

ولنبدأ بقصة مولد النبي صلى الله عليه وآله ونحاول الاستفادة من هذه المناسبة ، في رواية عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال :

" . . . وأصبحت الأصنام كلها صبيحة ولد النبي صلى الله عليه وآله ليس منهـا صنم إلا وهو منكبّ على وجهه ، وارتجس في تلك الليلة إيوان كسـرى ، وسقطت منه أربع عشرة شرفة ، وغاضت بحيرة ساوة ، وفـاض وادي السمـاوة ، وخمدت نـيران فـارس ولم تخمـد قبل ذلك بألف عـام ، ورأى المؤبذان في تلك الليلـة في المنـام إبلا صعابا تقود خيـلا عرابا قــد قطعت دجـلـة وانسـربت في بلادهم ، وانقصم طاق الملك كســرى مـن وسطـه ، وانخرقت عليه دجلة العوراء ، وانتشر في تلك الليلة نور من قبل الحجاز ثم استطار حتى بلغ المشرق ، ولم يبق سـرير لملك من ملـوك الدنيـا إلا أصـبح منكوسا ، والملك مُخْرَسًا لا يتكلم يومه ذلك ، وانْتُزِع مُلْكُ الكهنـة وبَطَـلَ سِـحْرُ السّحـرة ، ولم تبق كاهنة في العرب إلا حُجِبَتْ عن صاحبها . . . " (1) .

 

هذه هي المعاجز التي واكبت مولد النبي صلى الله عليه وآله ، انكباب الأصنام على وجوهها ، وتزلزل إيوان كسرى ، ونضوب بحيرة سـاوة ، وفيضـان وادي السـمـاوة ، وخمود نيران المجوس وإلى غير ذلك مـن المعـاجز التي أحاطت بمولد النبي صلى الله عليه وآله ، مـاذا تقولـون عندما تسمعون بمثل هذه المعاجز ؟ ألا تقولون إن هـذه المعاجـز شاهدة على مقام النبي الأكرم صلى الله عليه وآله ؟ ألا تقولون إن هذه المعاجز عظيمة ولا يوجد أعظم منها ؟

ولكن أقـول إنه توجد معجزة أعظم من كل هذه المعاجز ، معجـزة لا تـوجـد فوقهـا معجـزة ، تلك المعاجـز أوجدها الله عز وجل ، ولكن هناك معجـزة أخـرى للنبي صلى الله عليه وآله هي أصعب من تحريك الجبال ، ففي وقتنا الحالي يمكن تحويل مجاري الأنهار ونقـل الصخـور الكبيرة من مكان إلى آخر ، وإزالة الغابات في أيام معـدودة ، ويمكن تخليـة البحـار مـن مياههـا ونقلها إلى أماكن أخرى ، ولكن توجد معجزة أعظم من كل هذه المعاجز ، والآن تسألون ما هي ؟

ولنبـدأ بمقدمـة من قصص المسلمين في عهودهم الأولى ثم أبيّن لكم المعجزة الكبرى للنبي صلى الله عليه وآله استفادة من هذه القصص .

      أولا لنقارن بين حياة الناس قبل الإسلام وبعده ، كثيرا ما تسمعون عن الحالة الاجتماعية للعرب قبل الإسلام وبعده ، كانت القبائل تغير بعضها على بعض ، كان وأد البنات منتشرا ، كان يوجـد سـلب من المستضعفين ، واستضعاف للضعفاء ، ويلخّص جعفر بن أبي طالب رضوان الله عليهما حالتهم التي كانت قبل الإسلام حينما هاجر المسلمون إلى الحبشة :

سـأل النجـاشي المهـاجرين إلى الحبشـة : ما هذا الدين الذي قـد فارقتم فيه قومكم ولم تدخلوا في ديني ولا في دين أحد من هذه الملل ؟

فكان الذي كلّمه جعفر رضوان الله عليه فقال له : " أيها الملك ! كنّا قوما أهل جاهلية ، نعبد الأصنام ونأكل الميتة ونأتي الفواحش ونقطع الأرحام ونسيء الجوار ويأكل القوي منّا الضعيف ، فكنّا على ذلك حتى بعث الله إلينـا رسـولا منّا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه ، فدعانا إلى الله لنوحّده ونعبده ونخلع ما كنّا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان ، وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحسـن الجـوار والكف عـن المحــارم والدماء ، ونهانا عن الفواحش وقول الزور وأكل مال اليتيم وقذف المحصنات ، وأمرنـا أن نعبـد الله وحـده ولا نشـرك به شيئا ، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام - فعدّد عليه أمور الإسلام - ، فصدّقناه وآمنّا بـه واتّبعنـاه على ما جاء به مـن الله ، فعبدنا الله وحده فلم نشرك به شيئـا ، وحرّمنـا مـا حرّم علينـا ، وأحللنـا مـا أحـلّ لنا ، فعدا علينا قومنـا ، فعذّبونا وافتتنونا عن ديننا ليردّونا إلى عبادة الأوثان من عبـادة الله تعـالى وأن نستـحلّ مـا كنّا نسـتحلّ من الخبائث ، فلمّا قهرونـا وظلمونا وضيّقوا علينا وحالوا بيننا وبين ديننا خرجنا إلى بلادك واخترناك على مـن سـواك ورغبنـا في جـوارك ورجـونا أن لا نُظْلَمَ عندك أيها الملك " (1) .

هـذه كانت حالة الناس قبل الإسلام ، جاء النبي صلى الله عليه وآله واستطـاع أن يغيّر هـذه الحالة إلى حالة أفضل ، فخرّج كثيرا مـن النمـاذج التي يُقْتَدَى بها ، استطاع أن يرفع هؤلاء الناس من الحضيض إلى الأعالي ، استطاع أن يغيّر نفوسهم ، فتخرّج على يديه صلى الله عليه وآله بعض النماذج .

لنقـرأ بعـض الروايـات عـن هـؤلاء النمـاذج حـتى نستفيد من هذه المناسبة .

أبو ذر الغفاري :

عن الإمـام الصـادق عليه السلام قـال : قـال رسـول الله صلى الله عليه وآلـه : " إن الله تبـارك وتعالى أمرني بحب أربعة " . قالوا : من هم يا رسـول الله ؟ قـال : " علي بن أبي طـالب منهـم " . ثم سكت ثـم قـال : " إن الله تبـارك وتعـالى أمـرني بحـب أربعة " . قالوا : من هم يا رسول الله ؟ قال : " علي بن أبي طالب والمقداد بن الأسود وأبو  ذر الغفاري وسلمان الفارسي " (1) .

قـال النبي صلى الله عليه وآله : " مـا أظلّت الخضـراء ولا أقلّت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر " (2) .

هـؤلاء نمـاذج مـن الذين خرّجهم النبي صلى الله عليه وآله ، نحن لا نتكلم عـن المعصـومين عليهم السلام ، بل عن هؤلاء الذين هم مثلنا ، لا يختلفون عنا بشيء ، إذا تكلمنا عن المعصومين عليهم السلام قالوا إن هؤلاء معصومون لا نستطيع أن نصل إلى مكانتهم ، فلنتكلم عن النـاس العـاديين الـذين هـم مثلنا واستطاعوا أن يصعدوا إلى درجات الكمال العالية وتقرّبوا إلى الله تعالى بأعمالهم ، فصاروا بمنـزلة قريبة من رسول الله صلى الله عليه وآله ، ولنأخذ بعض النماذج الأخرى .

بلال بن رباح :

كان أمية بن خلف يخرج بلالا إذا حميت الظهيرة ، فيطرحه على ظهره في بطحاء مكة ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره ثم يقول له : " لا والله لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفـر بمحمـد وتعبـد الــلات والعــزّى " . فيقـول وهـو في ذلـك البـلاء : " أحد أحد " (1) .

 

عمار بن ياسر :

عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وآله مرّ بعمّار وأهله وهم يُعَذَّبون في الله فقال : " أبشروا آل عمّار فإن موعدكم الجنّة " (2) .

 

وفي السنة الخامسة من نبوّته صلى الله عليه وآله توفيت سميّة أم عمّـار مولاة أبي حذيفة بن المغيرة ، أسلمت بمكة وكانت ممّن تُعَذَّب لترجـع عـن دينها فلم تفعل ، فمرّ بها أبو جهل فطعنها فماتت وكانت عجوزا كبيرة ، فهي أول شهيدة في الإسلام (3) .

 

قال رسول الله صلى الله عليه وآله : " . . . إن عمّارا مليء إيمانا من قرنه إلى قدمه ، واختلط الإيمان بلحمه ودمه " (4) .

وقـال صلى الله عليه وآله : " ويحك يا ابن سميّة ! تقتلك الفئة الباغية " (5) .

وقال صلى الله عليه وآله : " ويح عمّار ، يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار " (1) .

إذن : عمّـار بن يـاسـر كان فـارقا بين الحق والباطل وعلامة على الحق ومعلما من معالم طريق الهدى .

المقداد بن الأسود :

عن الإمام الصادق عليه السلام قال : " إنما منـزلة المقداد ابن الأسود في هذه الأمة كمنـزلة ألف في القرآن لا يلزق بها شيء " (2) .

صهيب بن سنان :

كان صهيب شيخا كبيرا ذا متاع ، فقال للمشركين : هل لكم إلى خيـر ؟ فقالوا : ما هو ؟ قال : أنا شيخ كبير لا يضركم منكم كنت أو مـن عدوكم ، وقـد تكلمـت بكلام أكـره أن أنـزل عنه ، فهل لكم أن تأخذوا مالي وتذروني وديني ؟ ففعلوا (3) .

وعن الإمام الصادق عليه السلام قال : " . . . الولايةُ للمؤمنين الذين لم يغيِّروا ولم يبدّلوا بعد نبيّهم صلى الله عليه وآله واجبةٌ مثل سلمان الفارسي وأبي ذر الغفاري والمقداد بن الأسود الكندي وعمار بن ياسر وجـابر بن عبـدالله الأنصـاري وحذيفة بن اليمان وأبي الهيثم ابن التيّهان وسهل بن حنيف وأبي أيوب الأنصاري وعبدالله بن الصامت وعبادة بن الصامت وخزيمة بن ثابت ذي الشهادتين وأبي سعيد الخدري ومـن نحا نحوهم وفعل مثل فعلهم ، والولاية لأتباعهم والمقتدين بهم وبهداهم واجبة " (1) .

 

وبعد أن قرأنا هذه القصص والروايات التي سمعناها ، وهناك نماذج كثيرة مثل هذه القصص ، نسأل السؤال التالي :

 

هل تستطيع من هذه القصص أن تستنتج المعجزة الكبرى للنبي صلى الله عليه وآله ؟

 

ليس فقط سقوط إيوان كسرى أو نضوب بحيرة ساوة أو فيضان وادي السماوة ، بل هناك معجزة أعظم من هذه المعاجز ، فما هي هذه المعجزة ؟

 

هذه المعجزة الكبرى هي تغيير النفس البشرية الذي هو من أصعب الأمور ، حاول أن تغيّر نفس إنسان واحد ، وكثيرا ما يحاول بعض الأشخاص أن يقنع الآخرين ببعض القضايا مع أنها قضايا بسيطة فلا يستطيع أن يقنع شخصا واحدا منهم ، ألم تجـرّب أن تغيّر نفـس إنسـان إلى أمر تراه حسنا فلم يتغيّر مع أن ما تطلبه منه أمر بسيط جدّا ؟

إن النبي صلى الله عليه وآله غيّر النفوس من الباطل إلى الحق ، ومن الضلال إلى الهدى ، وهداية الآخرين صعبة جدّا ، الهداية ليست من الأمور السهلة البسيطة ، حاول أن تهدي شخصا ما ، بالكاد تسـتطـيع أن تحـصـل على واحـد بالمليـون يمكن أن يقتنع بفكرة واحدة من أفكارك ، أليست هداية شخص أصعب من كل تلك المعاجز ؟

كيف تحمّل المسلمون الأوائل كل تلك المصاعب والآلام في سبيل نصرة هذا الدين ؟

لقد تحمّلوا كل ذلك لأن النبي صلى الله عليه وآله أحدث ثورة ومعجزة في نفوسهم ، واستطاع أن يغيّر نفوسهم من الضعف إلى القوة ، العبيد والمستضعفون الذين كانوا في ذلك الزمان صاروا أقوياء واستطاعوا أن ينتصروا في غزوات النبي صلى الله عليه وآله ، أعداد قليلة جدّا واجهوا المشركين الأقوياء المدجّجين بمختلف الأسلحة ، ولكن مـع ذلـك استطـاعوا أن ينتصـروا عليهـم ، استطـاعوا تحمّل كل أنواع العذاب من وضع الحجارة على الصدور ووضعهم فوق الرمال الملتهبة تحت حرارة الشمس الحارقة وغير ذلك .

والآن بعد أن عرفنا المعجزة الكبرى للنبي صلى الله عليه وآله ألا وهي تغيير النفس البشـرية ، نأتي إليـك أيها المؤمن والمؤمنة ، نسمع هذه القصص عن أهل البيت عليهم السلام وعن أصحابهم رضوان الله عليهم ، هم فازوا وهم سيدخلون الجنة ، ولكن أنت أيها المؤمن ! أتكتفي بالسرور حين سماع هذه القصص ؟ هل يكفي أن يشعر المؤمن بالسعادة حينما يسمع القصص عن أهل البيت عليهم السلام ؟

إن الإنسان الكافر لو سمع أن رسول الله صلى الله عليه وآله قام بعمل من أعمال الخير تجاه الضعفاء فإن هذا الكافر سيقول إن هذا العمل عظيم ، فلا يكفي أن يشعر المؤمن بالسعادة فقط ، المطلوب من المؤمن أكثر من ذلك ، ماذا استفدتم من هذه المنـاسبـات ؟ هـل أنتـم مـن الـذين غيّـر النبـي صلى الله عليه وآله نفوسـهم أم أن نفـوسهم ثابتـة لا تتغيّـر ولا تتكامـل ؟ هـل أدخـل النبي صلى الله عليه وآله الهدى إلى قلبك ؟ هل حياتك وطريقة معيشتك اليوم تعبِّر عن الهدى الذي دخل إلى قلبك أو أن الهدى ما زال يترنّح على لسانك ولم يدخل إلى قلبك ؟

أيها المؤمن ! إذا استطعت أن تغيّر نفسك فقد حقّقت في نفسك المعجزة الكبرى ، فيكون لك دور في تحقيق هذه المعجزة ، وإذا استطعت بعد تحقيق الهداية في نفسك أن تسعى إلى تحقيق الهداية في قلوب الآخرين فقد صنعت المعجزة التي هي أصعب من المعاجز الكونية التي رافقت ولادة النبي صلى الله عليه وآله .

وإذا حقّقت الهداية في قلبك فإن الولاية تكون لك واجبة كما في الرواية السابقة ، وتكون من الأتباع والمقتدين بأهل البيت عليهم السلام وبهداهم ، وتكون قد حقّقت الآية السابقة :

" هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدَى وَدِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ " (1) .

فتكون قد حقّقت الهداية في قلبك ، واستطعت أن تنشر الهداية في قلوب الآخرين .

هذه هي الاستفادة التي نستفيدها من هذه المناسبة لا فقط أن نسمع بهذه المعاجز التي رافقت مولد النبي صلى الله عليه وآله ونشعر بالسرور ، تلك المعاجز حدثت وانتهت ، ولكن هذه المعجزة الكبـرى باقيـة إلى يـوم القيـامـة ، فـإذا اسـتفدت هـذه الاستفادة فقد خرجت بشيء من هذه الكلمة ومن هذا الاحتفال وإلا فإن الشخص حضـر بجسده إلى هذا المكان ، ولكن قلبه لم يتحرّك ، ولا شك أننا سنحاول أن نكون من الفئة الأولى التي تغيّر نفوسها .

      وفي الختام وفّقنا الله وإياكم إلى تغيير أنفسنا لأن الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم ، فإذا تغيّرت نفوسنا فإن وضع المؤمنين سيتحسّن إلى الأفضل ولا يظل ثابتا على الوضع الحالي الـذي لا يعبِّر تماما عن الإيمان ، فهو إيمان مخلوط بشوائـب كثيرة ، نسـأل الله إصلاحها إذا نحن تحركنا لحل مشاكلنا الاجتماعية الكثيرة ، ونحاول أن نستفيد من هذه المنـاسبـات لإزالـة هذه الشوائب ، ونكون في حياتنا سائرين على خط أهل البيت عليهم السلام ومهتدين بهداهم ، ونكون مثل سلمان وعمار وأبي ذر والمقداد ، وإذا استطعنا أن نصل إلى هذه المرتبة فإننـا نكـون مـؤهلـين لأن نكون مـن أنصار الإمام المهدي عجل الله فرجه الشريف ، وبدون تحقيق هذا التغيير في النفس لا يستطيع الشخص أن يصل إلى درجة أنصاره عجل الله تعالى فرجه الشريف .

والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا أبي القاسم محمد وأهل بيته الطيبين الطاهرين .

 

 

 

 

 

 

 

الاستعداد لشهر رمضان (1)

 

الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا أبي القاسم محمد وآله الطيبين الطاهرين .

قال الله تعالى في كتابه الكريم : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ " (2) .

       ها قد أقبل شهر رمضان المبارك ، شهر الرحمة والمغفرة ، شهـر السبـاق إلى الجنـات لمـن عرف كيف يستغل هذا الشهر للدخـول إلى جنة الله الواسعة والحصول على رضا الله تعالى ، شهـر لـم يفرضـه الله تعالى للتفكير في الأطعمة المختلفة ، وإنما كان من ورائه هدف معيَّن وهو قوله تعالى : " لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ " ، فالتقـوى والحصـول عليـه هو هدف الشهر المبارك ، والمؤمن هو الذي يعرف كيف يصل إلى حالة التقوى في هذا الشهر الفضيل .

 

تلاحظون في هـذه الأيام وجود الإعلانات الكثيرة التي تدعو إلى الاستعداد لشهر رمضان المبارك ، ولكن كلها تدعو إلى الأسواق الرمضانية والاستعداد بالأطعمة المختلفة والأكلات الخاصة لهذا الشهر الفضيل ، وترى الناس يركضون إلى هذه الأسواق للاستعـداد لهـذا الشهر بالأطعمة المتنوعة ، ولكن هل سمعتم بأحد يدعـو إلى الاستعـداد المطلـوب لهذا الشـهر ؟ فما هو الاستعداد الذي يريده الله عز وجل لهذا الشهر ؟

 

تفكير الناس كلـه يصب في اتجاه الطعام فقط ، ماذا سنعدّ للإفطـار ؟ ومـاذا سنعدّ للسحور ؟ ، أحاديث النساء في هذه الأيام تصب في هذا الاتجاه ، وكمية الأموال التي تصرف في هذا الشهـر لا تصـرف في بقية الأشهر ، فهي أكثر من بقية الأشهر بكثير ، فلمـاذا تُهْدَر هـذه الأمـوال الكثيـرة في الطعـام والشراب فقط ؟ هل الله عز وجل فرض هذا الشهر من أجل الإسراف في الطعام ؟ هل فرضه من أجل أن يصاب الإنسان بالتخمة ولا يستطيع الحركـة بعـد الإفطـار والسحـور بل لا يستطيع أن يتنفّس من كثرة الطعام ؟ ، فيظل الإنسان يأكل زيادة عما تتحمل معدته استعدادا لصيام النهار ، فتفكير الناس في هذا الشهر لا يتعدى الإفطـار والسـحـور والطعـام والشـراب ،  . . . فطـور . . . سحـور . . . فطور . . . سحور ، وهـذا ديدنهـم طـوال اليوم ، فهل هكذا يكون الاستعـداد لشهـر رمضـان الفضيل المبارك الذي هو شهر الله عز وجل ؟

 

لنقرأ شيئا من خطبة النبي صلى الله عليه وآله في استقبال هذا الشهر (1) ، ونحاول أن نستفيد من هذه الخطبة :

 

روى الشيخ الصدوق قدس سره عن الإمام الرضا عليه السلام عن آبائه عن أمير المؤمنين عليهم السلام قال : إن رسول الله صلى الله عليه وآله خطبنا ذات يوم فقال :

 

أُيُّهَـا النَّاسُ ! :

 

هذا الخطاب من رسول الله صلى الله عليه وآله موجّه للناس في المـاضي ومـوجّـه لـكـم أيضـا وموجّـه للنـاس في المسـتقبل ، ولـم يقـل صلى الله عليه وآله أيهـا المؤمنـون ، بل قال أيها الناس ، فهذا الخطاب موجّـه لي ولك ولفـلان ولفـلان ، فانتبهـوا لمـا يقوله صلى الله عليه وآله ونفّذوا ما يريده صلى الله عليه وآله .

 

إِنَّهُ قَدْ أَقْبَلَ إِلَيْكُمْ شَهْـرُ اللَّهِ :

إن هذا الشهر هو شهر الله تعالى ، شهر منسوب إليه ، فكيف يتم التعـامل مـع مـا هـو منسوب إلى الله ؟ ، إن ما ينسب إلى الله يكون عظيمـا كعظـمـة الله ، ولا بـد أن تكون المعاملـة معاملـة خاصـة لمـا ينسـب إلى الله تعـالى لا فقط بالاستعداد بالطعـام ، القـرآن هـو كتـاب الله ، هـو منسـوب إلى الله ، وهو كتاـب عظيـم لأنـه منسـوب إلى العظيـم ، فلا بـد أن تكون لـه معاملـة خاصـة ، ولا يُعـامَل القـرآن معاملة الجريدة أو أي كتاب آخـر ، فهذا الشهر لا بد أن تكون له معاملة خاصة لأنه منسوب إلى الله عـز وجـل ، ونسـأل رسـول الله صلى الله عليه وآله : بماذا أقبل شهر الله ؟ ، فيجيب صلى الله عليه وآله :

 

بِالبَرَكَةِ وَالرَّحْمَةِ وَالمَغْفَرَةِ :

إن الإنسان المؤمن يستطيع الحصول على البركة والرحمة والمغفــرة إذا تعـامـل مــع هـذا الشهـر تعـاملا صحيحـا واتّخـذه وسيلـة إلى هـذه الأمـور الثلاثـة ، وهـذه الأمـور الثلاثة لا تأتي عـن طريـق التفكير والاهتمام بما يدخل البطن فقط دون ما يدخل القلب ، فكِّر بما يدخل في القلب حتى تستطيع أن تستفيد من هذا الشهر المبارك .

 

شَهْرٌ هُوَ عِنْدَ اللَّهِ أَفْضَلُ الشُّهُورِ ، وَأَيَّامُهُ أَفْضَلُ الأَيَّامِ ، وَلَيَالِيهِ أَفْضَلُ اللَّيَالِي ، وَسَاعَاتُهُ أَفْضَلُ السَّاعَاتِ :

      إن هذه الأفضلية هي أفضلية واقعية بمعنى أن هذا الفضل موجـود فعـلا لهـذا الشهر ولأيامه ولياليه وساعاته ، نعم هذا الفضـل مـوجـود في الخارج ، ولكن ليس كل شخص يستطيع أن يحقّق هذه الأفضلية لنفسه ، مثلا موجات المذياع موجودة في الخـارج ، ولكن متى تحصـل على هـذه الموجـات ؟

تحـصـل عليهـا إذا جعـلت مؤشـر المذيـاع على الموجة المناسبة ، فلا بد أن يحرّك المؤمن موجته لتتناسب مع هذه الأفضلية حتى يكتسبها ، فتستطيع أن تحقّق هذه الأفضلية في نفسك ، إن من يهتم بالحصول على حالة التقوى هو الذي يحقّق الأفضلية في نفسه ، وأما من يهتم بالطعام فقط فلن يحقّقها ، والدليل على ذلك أنه يأتي شهر رمضان ويذهب ويأتي رمضان التالي وتأتي رمضانات وتذهب وحال الناس على ما هي عليه لم يتغيّـر شـيء مـن أحـوالهم واهتماماتهم ورغباتهم وأعمالهم ، فيدخل أحدهم إلى شهر رمضان ويخرج منه وهو هو لم يتغيّر ، فلا يحصـل على حـالة التقـوى ، فيمر الشخص في هذا الشهر وهو لم يشعـر لا بالجـوع ولا بالعطـش أصلا ، وقـد يشعـر بالجوع المصطنع ، فالشخص الذي يملأ معدته بالطعام لا يمكن أن يشعر بالجـوع خلال النهار ، وتسمع الكثير من الناس يقولون الحمد لله لم نشعر بالجوع والعطش في هذا الشهر ، فلنسأله لماذا لم تشعر بالجوع والعطش ؟ ماذا أكلت في الفطور والسحور حتى لا تشعر بالجوع والعطش ؟

وستتعجب من الأطعمة والأشربة المختلفة التي دخلت في معدتـه ، فكيف يشعـر بالجوع والعطش ؟! ، ولنسأله ماذا أدّيت من أعمال في هذا الشهر ؟ ، وسيجيبك أنه لم يفعل شيئا زائدا عن بقيـة الأشهـر ، نعم طعام وشراب زائد وعمل ناقص ، إن الشخص الذي يملأ معدته بالطعام سوف يقوم إلى الصلاة متثاقلا .

 

هُوَ شَهْرٌ دُعِيتُمْ فِيهِ إِلَى ضِيَافَةِ اللَّهِ وَجُعِلْتُمْ فِيهِ مِنْ أَهْلِ كَرَامَةِ اللَّهِ :

أنت ضيف عند الله عز وجل في هذا الشهر ، ولكن كيف يتعامل الضيف مع الـمُضيف ؟ وكيف يتصرّف الضيف في بيت المُضيف ؟ ، يتصرّف بتصرّف خاص وبقيود خاصة ، ولا يكون حرّا في حركته في بيت المُضيف ، الله عز وجل يريد منك في هذا الشهر أشياء معيَّنة ، لا فقط طعام وشراب ، الطعام والشراب في هذا الشهر شيء جانبي لا يُهْتَم به ، فلا بد أن تتعامل مع هذا الشهر تعاملا صحيحا لأنك ضيف في ضيافة الله ، وبالتالي تستطيع أن تحصـل على كرامة الله ، هذه الكرامة لا تأتي عن طريق ملء المعدة بالطعام والشراب ، بل تأتي عن طريق " لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ " .

 

أَنْفَاسُكُمْ فِيهِ تَسْبِيحٌ ، وَنَوْمُكُمْ فِيهِ عِبَادَةٌ ، وَعَمَلُكُمْ فِيهِ مَقْبُولٌ ، وَدُعَاؤُكُمْ فِيهِ مُسْتَجَابٌ :

ولكن ليس كل أحد يستطيع أن يحصل على هذه الأمور ، فذاك الذي ملأ بطنه بالطعام حتى أصيب بالتخمة هذا من المسـتحيـل أن تكون أنفـاسـه تسـبيحا ويكون نومه عبادة ، وعمله الذي هو الأكل فقط لا يكون مقبولا لأن لقبول الأعمال شروطا معيَّنـة لا بـد مـن تحقيقهـا ليكون العمل مقبولا ، والدعاء المنطلق مـن المعدة المملوءة حتما لا يكون مستجابا لأن للدعاء شروطا لكي يستجاب ، هو أثناء الدعاء يكون تفكيره في الطعام ولا يكون متوجِّهـا إلى الله تعـالى ، مثل هذا الدعاء لا يكون مستجابا ، الله عـز وجـل يقـول " لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ " ، وهذا يقول " لعلّنا نأكل أكثر " أو " لعلّنا نُتْخَم " .

 

فَسَلُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ بِنِيَّاتٍ صَادِقَةٍ وَقُلُوبٍ طَاهِرَةٍ :

ماذا تريد أن تسأل الله في هذا الشهر العظيم ؟ وعلى مـاذا تريد أن تحصل في هذا الشهر الفضيل ؟ هل تجعل كل طلباتك طلبات دنيوية زائلة أم تجعلها طلبات خالدة باقية ؟ فهل تسأل الله الشيء الزائل أم الشيء الدائم ؟ ، فإذا كان يوجد للشخص دعاء مستجاب فلماذا يجعله في أمر زائل ؟ ، ففي لحظة قـد يكون متوجِّها ومحقِّقا لشروط استجابة الدعاء فمن الممكن أن يطلب سيارة مثلا ، فجعل دعاءه المستجاب في شيء دنيوي زائل بدل أن يجعله في شيء أخروي دائم ، إذن فماذا نسأل الله ربنا ؟

 

أَنْ يُوَفِّقَكُمْ لِصِيَامِهِ وَتِلاَوَةِ كِتَابِهِ :

      نريد التوفيق للصيام الحقيقي الذي نحصل فيه على حالة التقوى لا الصيام الظاهري والجوع الظاهري وانتظار الفطور وانتظار انتهاء الشهر وانتظار انتهاء القيود التي تُفْرَض على الإنسـان حـتى يرجـع إلى حريتـه خـلال النهار ، ونريد التوفيق لتلاوة الكتاب العظيم من الله العظيم في هذا الشهر العظيم لا قراءة كلمات القرآن الكريم فقط ، فالشخص قد يقرأ ألفاظ القـرآن ، ولكن ذهنـه مشغول بأمور أخرى ، وإنما نريد تعلّم ما في القرآن من أجل العمل ، لمعرفة ما يريده الله تعالى من أجل التطبيق على حيـاتك أيـهـا المؤمـن ، هكـذا تكون قراءة القرآن الكريم ، ليس المطلـوب أن تختـم القـرآن بـدون تدبّر ، فالبعض يختم القرآن في هذا الشهر عدة مرات ، ولكن دون تفكّر وتدبّر في معـاني الآيـات ، فلا يسـتفيد من القرآن في تغيير حياته ، وبعد أن تختم القـرآن اسـأل نفسك : ماذا استفدت من القرآن ؟ ، وإذا لم يذكر الشخص ما استفاده من القرآن فهو في الواقع لم يتدبّر في آيـات القـرآن ، والختمة كانت ختمة لسانية لا ختمة قلبية ، والمطلوب من المؤمن أن يختم القرآن ختمة قلبية ، هذا اللسان طريق إلى القلب ، فتحقق القرآن في قلبك حتى تستطيع أن تعمل بعد هذا الشهر بما قرأته من القرآن ، فالكلمات وحركة اللسان لا تحرّك المؤمـن إلى الله تعـالى ، وإنمـا العـلم والعمل والإيمان والتقـوى هـي التي تحـرّك المؤمـن إلى لقـاء الله تعـالى والحصول على رضاه عز وجل ، فقلبك وعملك يحرّكانك إلى الله تعالى ، فاللسـان قـد يلهـج بذكـر الله عـز وجـل ، ولكن مـع غفلة الإنسان عن كلمات الذكر فإنه لا يستفيد منها ، فاللسان لا بد أن يكون معبِّـرا عمّـا في القلـب ، فالمهـم أن يكون القـلب في حالة الذكر حتى لـو لم يتحـرّك اللسـان ، فهـذا يكون ذاكرا لله لا الذي يتحرك لسانه فقط دون قلبه .

 

فِإِنَّ الشَّقِيَّ مَنْ حُرِمَ غُفْرَانَ اللَّهِ فِي هَذَا الشَّهْرِ العَظِيمِ :

إن المغفرة لا يحصل عليها الإنسان بسهولة ، فليس بمجرد دخول الشهر يقول الشخص حصلت على المغفرة ، هناك شروط للمغفـرة ، فمـن شروطها التوبة الصادقة وتغيّر الإنسان ، فالإنسان الذي يتوب يتغيّر ، وإذا لم يتغيّر فمعنى ذلك أنه لم يَتُبْ توبة حقيقية صـادقة ، فنتيجـة التوبـة هـي التغيّـر ، ولا بد من وجود ثمـرة عمليـة مترتّبة على التوبة ، فهناك بعض الأشياء كان يقوم بها الشخص قبل دخول الشهر ، وإذا خرج من الشهر فلا بد أن يتخلّى عن هذه الأشياء ، فإذا كان يعيش نفس الحالة قبل وبعد الشهـر فهـو لم يسـتفد مـن الشهـر ، فلا بد من تحقيق شروط التوبـة والمغفـرة حتى يحصل عليهما ، فالمغفرة من الله يحصل عليهـا الإنسـان إذا تحرك هو إلى الله تعالى ، وأما من يظن أنه إذا صام هذا الشهر بالجوع المصطنع فقط ولم يتغيّر بعد هذا الشهـر وأنه سيحصل على المغفرة فهو إنسان خيالي يعيش في عالم الخيالات والأوهام ، فالمغفرة لها شروط لتحصيلها ، فَحَقِّقْ هذه الشروط في نفسك حتى تحصل على المغفرة من الله تعالى ، فتُبْ إلى الله يتوب الله عليك .

 

وَاذْكُرُوا بِجُوعِكُمْ وَعَطَشِكُمْ فِيهِ جُوعَ يَوْمِ القِيَامَةِ وَعَطَشِهِ :

لا بد أن تشعر بالجوع والعطش ، فقلِّل من أكلك في هذا الشهر ، ولكن الناس يأكلون في هذا الشهر أكثر مما يأكلون في الأشهـر الأخـرى ، وهـذا الجـوع والعطـش له هدف أخروي ، وهذا هـو الـهدف مـن العبـادات ، وهـو ربطـك بالآخـرة أكثر ، فالعبادات لم تُشَرَّع لأهداف دنيوية ، وإنما شُرِّعَتْ كوسائل للتحرك نحو الله عـز وجل ونحو الآخرة ، هذا الجوع والعطش اللذان يحصلان عندك إذا كنت لا تملأ البطن بالطعام والشراب ، المفروض أن يُذَكِّرَك الجـوع بيـوم الحساب ، فإذا شعر بالجوع والعطش فإنه يشعـر بجـوع وعطـش يوم القيامة ، وإذا شعر بجوع يوم القيامة فإنـه سيعمـل حتى يصـل إلى يـوم القيامة سالما ، يوم طويل يقف فيـه الإنسان بين يدي الله للحساب ، يوم طويل يشعر الإنسان فيه بالجـوع والعطـش والتعـب ، جـوع وعطـش لا يقاس بالجوع والعطش في الدنيـا ، فيوجد ربط للإنسان بيوم القيامة عن طريق العبادة ، فاذكروا حسـاب ذلك اليـوم حتى يستعـد المؤمـن له بأعماله الصالحـة فيصـل إليه سالما ، هذا التذكّر الذي يدفع المؤمـن للعمـل والحركـة باتجاه الله لأنه يستفيد من هذه العبادات ، فالتذكر له نتيجة وثمرة عملية ، وإذا تذكر الإنسان الله في كل خطوة فإنـه يستطيع أن يغيّر سلوكه ، فما يريده الله تعـالى يقـوم به الإنسان ، وما يكرهه تعالى يبتعد عنه ، فيتذكر الله تعالى في أعماله .

 

وَتَصَدَّقُوا عَلَى فُقَرَائِكُمْ وَمَسَاكِينِكُمْ :

لا تفكّر بنفسك فقـط وأنك مـاذا تأكل في هـذا الشهر ، فكّر بإخـوانك المؤمنين مـن الفقـراء والمساكين هنا وفي العالم كله ، هناك فقـراء لا يحصـلون عـلى اللقمـة وأنت أمامـك السّفـرة الممـدودة ، هنـاك أنـاس يعيشون حالة الفقر المدقع ولا يحصلون على لقـمـة الإفطـار وهـم إخـوة لك في الديـن ، لا تفكّـر بنفسك فقـط ، المؤمن يهتم بإخوانه وبمن حوله ، ويهتم بالمؤمنين الفقراء في البلـدان الأخـرى ، أنت أيها المؤمن ماذا قدّمت لهؤلاء ؟ ، لا بد أن يعيش المؤمن مشاعرهم ويخدمهم ويقدّم لهم ما يستطيع ، المفروض في الجوع والعطش أن يُذَكِّراك بجوع وعطش الفقراء الذين يعيشون الجوع والعطش طوال السنة ، الإنسان هنا يرمي الطعام في سلة القمامة ومؤمن في مكان آخر لا يحصل على لقمة واحـدة خلال اليوم ، فلو أن الشخص أعطى جزءا مما عنده لحصل على حاجته من الطعام وحصل ذاك على حاجته أيضا ، فهـذا يسلم من التخمة وذاك يسلم من الجوع ، فالمؤمن الحقيقي هو الذي يشعر بالآخرين ، لا يعيش لوحده ، تدعو المؤمنين إلى وليمة ، هذا جيّد ، ولكن فكِّر بالمؤمنين الآخرين الموجودين في البلدان الأخرى والذين لا يحصلون على الطعام والولائم ، لذلك يركِّز رسـول الله صلى الله عليه وآله على هذه الناحية في خطبته وأن الإنـسـان لا يعيـش لوحده ، فكِّر في الآخرين ، إذا كنت تريد أن تكون مؤمنا حقيقيا فكِّر بالفقراء الذين لا تربطك فيهم رابطة إلا الأخـوّة في الدين ، وهـذا قـول إمامـك أمير المؤمنين عليه السلام وهو يقول في نهج البلاغة ( وأنت تستطيع أن تقول نفس هذا القول ) :

 

" ولو شئت لاهتديت الطريق إلى مصفّى هذا العسل ولباب هذا القمح ونسائج هذا القزّ ، ولكن هيهات أن يغلبني هواي ويقودني جشعي إلى تخيّر الأطعمة ، ولعلّ في الحجاز أو باليمامة من لا طمع له في القرص ولا عهد له بالشبع ، أَوَأَبِيتُ مبطانا وحولي بطون غرثى وأكباد حرّى ؟ أو أكون كما قال القائل : وحسبك عارًا أن تبيت ببطنة وحولك أكباد تحنّ إلى القدّ ؟ أأقنع من نفسي بأن يقال هذا أمير المؤمنين ( وأنت تقول أأقنع من نفسي بأن يقال إني مؤمن شيعي على مذهب أهل البيت عليهم السلام ؟ ، وهذا إمامك يتكلم فماذا فعلت لتقتدي به ؟ ) ولا أشاركههم في مكاره الدهر أو أكون أسوة لهم في جشوبة العيش ؟ ، فما خُلِقْتُ ليشغلني أكل الطيّبات كالبهيمة المربوطة همّهـا علفهـا ، أو المرسلة شغلها تقمّمها ، تكترش من أعلافها وتلهو عمّا يراد بها ، أو أترك سدى أو أهمل عابثا أو أجر حبل الضلالة أو أعتسف طريق المتاهة " ( هناك يوم للحساب ، ولا يترك الإنسان كالبهيمة بلا حساب ، تأكل البهيمة ما تريد ، وتفعل ما تشاء ، ولكن أنت أيها الإنسان محاسب ولا يتركك الله عز وجل سدى ، هذه كلمات إمامك أمير المؤمنين عليه السلام ) .

هـذه الخطبـة لرسـول الله صلى الله عليه وآله هي برنامج لك أيها المؤمن لشهر رمضان المبارك ، وراجع تتمة الخطبة في مفاتيح الجـنـان ، نريـد أن نعمل حتى نكون مؤمنين حقيقيين نسير كما يريد منـا رسول الله صلى الله عليه وآله ، فرسموا لنا منهاجا لا بد أن نأخذ به حتى نكون أتباعا حقيقيين لأهل البيت عليهم السلام ، وبذلك نحصل على رضا الله تعالى .

والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا أبي القاسم محمد وآله الطيبين الطاهرين .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

التقوى ثمـرة الصـيام (1)

القسم الأول

 

الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا أبي القاسم محمد وأهل بيته الطيبين الطاهرين .

قال الله تعالى في كتابه الكريم : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ " (2) .

 

شهر رمضان المبارك شهر الله عز وجل ، شهر البركة والرحمة والمغفرة ، شهر هو عند الله أفضل الشهور ، وأيامه أفضل الأيام ، ولياليه أفضل الليالي ، وساعاته أفضل الساعات ، شهر التقرب إلى الله عز وجل والحصول على ثوابه العظيم ، شهر التقوى والخوف من الله تعالى ، شهر فرض الله صيامه على المسلمين كما فرضه على أهل الديانات السابقة ، وليس هو أمرا جديدا مُسْتَحْدَثًا .

في هذا اليوم سأتحدّث عن فقرة من هذه الآية الكريمة وهي قوله تعالى : " لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ " ، حتى نعرف ما هو التقوى ، وبالتالي نستطيع أن نحصل عليه في هذا الشهر المبارك .

إن كلمـة " لعلّ " في اللغة تستعمل للترجّي ، فنفهم من هـذه الآيـة أن هدف الصوم هو الحصول على التقوى ، ففرض الله عز وجل الصيام من أجل أن تحصلوا على التقوى ، ولكن من الملاحـظ أن ليـس كل مـن صـام يصيـر متّقيـا ، والدليـل عـلى ذلك أن الشهر ينتهي وحال المسلمين كما هو لم يتغيّر فيه شيء ، فالصيـام ليـس هـو العلـة التامة والسبب الوحيد لحصول التقوى ، فلـو كان علـة تامة وسببا وحيدا لحصلت حالة التقوى لكل صائم ، ولأنـه ليـس علـة تامـة لذلـك قـال الله تعـالى بمـا معـنى الآية الكريمـة : " صوموا برجاء أن تحصل في نفوسكم حالة التقوى " ، لا بمجرد أنكم تصومون تحصل عندكم حالة التقوى ، فيرجى حصـول حالة التقوى عند الصائم الذي يستفيد من الصيام لتحصيل هذه الحالة والذي يسعى لإيجاد هذه الحالة في نفسه ، فيوجد للتقوى شروط ومقدمات معيَّنة ، فعلى الصائم أن يوفّر شـروط ومقدّمـات التقـوى ليحصـل عليـه ، وبدون توفير هذه الشروط من المستحيل أن يحصل الصائم على حالة التقوى .

في رواية عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال : " كم من صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش " (1) .

كثيرون يصومون ولكن لا يشعرون إلا بالجوع والعطش في هذا الشهر ، همّهم الطعام والشراب فقط ، وكلماتهم لا تتعدّى مـاذا يوجـد في الفطور ؟ وماذا أعددتم للسحور ؟ ، لسان حاله يقــول إنــه يشـعـر بالجـوع والعطـش وإن لم يقـل بلسـانه ذلـك ، لـذلك لا بـد أن نتحـرك لتحصيل هذه الشروط والمقدّمات حتى نكون مـن المتقين ، ومـن الذين يحقّقـون حـالـة التقـوى في نفوسهم في هذا الشهر الفضيل ، ويحدث عندنا تغيّر ملحوظ مع نهاية الشهر المبارك حتى نكون من مصاديق هذه الآية الكريمة .

إن حالة التقوى موجودة في شهر رمضان لمن يريد أن يستفيد من هذا الشهر لتحصيل التقوى ، وإذا حصل عند المؤمن تغيّر ملحوظ في آخر الشهر فهذا المؤمن قد استفاد من الشهر ، بالطبع بينـه وبين نفسـه يرى أن وضعـه قـد تغيّـر ، وحالته قد تغيَّـرت ، وحصّـل على شيء لم يكن قد حصّل عليه قبل دخول الشهـر ، هـذا الإنسـان الذي يشعر بتغيّر ملحوظ في حياته في نهاية الشهر يكون من مصاديق " لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ " عندما يحقّق التقوى في نفسه .

ونتناول الموضوع ضمن النقاط التالية :

النقطة الأولى : تعريف التقوى :

التقوى هو ملكة نفسانية تدعو الإنسان إلى العمل بأوامر الله تعـالى رجـاء ثوابـه والابتعـاد عـن نواهيـه خوفا وخشية من عقابـه ، والإنسان بينه وبين نفسه يستطيع أن يشعر بوجود التقوى عنده أو عدم وجوده ، وسوف نبيِّن أن الإنسان كيف يستطيع أن يحصل على التقوى ويستشعر حالة التقوى في نفسه .

إن الخطـوة الأولى لتحصيل التقوى هي أنه يجب على المؤمن طلب العلم لمعرفة أوامر الله ونواهيه حتى يصل إلى طاعة الله سبحانه ، وبدون العلم والمعرفة بما يريده الله تعالى يظل الإنسـان يتخبّط ولا يعـرف كيف يتحرّك للحصول على التقوى ، بل يتحرّك تحرّكا عشوائيّا ، والتحرّك العشوائي لا يوصل إلى نتيجة .

إذن : أول خطـوة للمؤمن مـن أجـل أن يحصل على التقوى هي أن يطلب العلم بأوامر الله ونواهيه ، فيعلم بالواجبات ليقوم بهـا ، وبالمحرمات ليبتعد عنهـا ، وإذا لم يكن عنده العلم الكافي فقد يخرج من واجب ويدخل في محرّم وهو لا يدرك ذلك لعدم علمه بمواضع الوجوب والحرمة .

 

عن الإمام الصادق عليه السلام قال : " . . . وباب التقوى الخشية ( أي الخوف من الله تعالى ) ، ودليل الخشية التعظيم لله والتمسّك بتخليص طاعتـه وأوامره ، والخوف والحذر والوقوف والورع عـن محارمـه ، ودليلهـا العلم ( ودليل الخشية هو العلم ، فالدخول إلى التقوى يكون عن طريق الخشية والخوف من الله عز وجل ، والخوف مـن الله تعالى لا يحصل عليـه المؤمن إلا عن طريق العلم بأوامر الله تعالى ونواهيه ، وبهذا العلم يمكن له أن يتحرّك ولا يتخبّط في تحرّكه ) ، قال الله تعالى : ( إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ) " (1) .

 

إن العباد العلماء هم فقط الذين يخشون الله تعالى ، وكلمـة " إنمـا " تعتبر من صيغ الحصر ، ومعنى الآية أن المؤمن غير العالم لا يخشى الله ، لذلك يخرج من هذا الشهر كما دخل فيه ، بل قد تكون حالته أسوأ لأنه فقط فكَّر في الأكل والشرب ، فحالته بعـد نهاية الشهر تكون أسوأ لأنه بدل أن يحصل على ملكة التقوى حصل على ملكة التفكير بالطعام والشراب ، فخرج من الشهـر وهو يرغب إلى الطعام بدل أن يوجد عنده حاجز عن طلب الطعام والشراب الكثير ، فهذا الشهر صار عاملا سلبيّا في حياة هـذا المؤمـن مع أنه ينبغي له أن يستفيد منه بطريقة إيجابية حتى يبتعد عن الدنيا ويشعر بتعلّق أقل بالدنيا بعد نهاية الشهر .

     سئل الإمام الصادق عليه السلام عن تفسير التقوى فقال : " أن لا يفقدك الله حيث أمرك ، ولا يراك حيث نهاك " (1) .

إن الله عـز وجل يحب أن يرى المؤمن في مواطن أمره وأن لا يراه في مواطن نهيه ، وهذا التفسير والتعريف للتقوى تعريف بالنتيجة ، فنتيجة التقوى هي العمل بأوامر الله والابتعاد عن نواهيـه ، فالإنسـان الذي تكون عنده حالة التقوى يعمل بأوامر الله تعـالى ويبتعد عن نواهي الله عز وجل ، ويمكن لنا أن نُعَرِّفَ الأشيـاء بنتائجها ، وتـارة يمكن أن نُعَرِّفَ الأشياء بأسبابها ، وهنا نتيجة التقوى هي العمل بالأوامر وترك النواهي ، وقلنا سابقا في تعريف التقوى إنها ملكة نفسانية عند الإنسان تدعوه إلى العمل بأوامر الله والابتعاد عن نواهيه عز وجل .

النقطة الثانية : عاقبة المتقين :

هذا المتّقي على ماذا يحصل ؟ ، فإذا عرفنا ما يحصل عليـه المتّقي فإن ذلك يكون دافعا لنا للسعي إلى ما يحصل عليه ، قد يقال ولماذا التقوى ؟ ألا يكفي أن يكون الإنسان مؤمنا يصلي ويصوم ويحج ويُخَمِّس ويتصدّق ثم يفعل ما يشاء دون أن يرتكب محرّمـا ، فيكتفي بفعـل الواجبات وترك المحرمات وفعل المباحات ، فلماذا يجب أن يكون المؤمن متّقيا ؟ ما هو الداعي للتقوى ؟

 

الجواب :

قبل الإجابة على هذا السؤال لنبيّن أوّلا مكانة المتّقي وجزاءه يوم القيامة حتى نعرف أهمية التقوى ، وبذلك يمكن الجواب على السـؤال السابق ، ولنقـرأ معا بعض الآيات القرآنية التي تبيّن منـزلة المتّقين ومكانتهم يـوم القيامة حتى يعرف المؤمن ما هو الداعي للحصول على حالة التقوى وما هو الجزاء الذي يحصل عليه المتّقي ، يقول تعالى :

" مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوا " (1) .

" إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ادْخُلُوهَا بِسَلاَمٍ آمِنِينَ " (1) .

" جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخلُونَها تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ المَلاَئِكةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلاَمٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ " (2) .

" إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّــاتٍ وَنَهَــرٍ فِي مَقْعَــدِ صـِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ " (3) .

" إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلاَلٍ وَعُيُونٍ وَفَوَاكهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنينَ " (4) .

 

       إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة التي تتحدث عن عاقبة المتقين وأن لـهـم الجـزاء العظيـم والجنات الواسعة ، فهل عرفت الآن مـنـزلة المتقين ومكانتهم يـوم القيامة ؟ ألا ترغب بالحصول على هذه المكانة يوم القيامة ؟ ألا تجعل هذه الآيات دافعا لك للتحرك من أجل الحصول على التقوى في هذا الشهر المبارك ؟ ، وإذا رأى الإنسان الهدف الذي يسعى إليه فإنه سيتحرّك بشكل أكبر ، في المدرسة مثلا توجد جوائز في منتصف السنة فنرى الطالب يسعى للحصول على الجائزة ، هذه الجائزة قيمتها قليلة ومع ذلك يسعى الطالب للوصول إليها ، فكيف بالجنات الواسعة التي لا يسـتطيع الإنسـان أن يتصوّرها ؟ ، فهـذا الهدف يكون محرِّكا ودافعـا للإنسان المؤمن لكي يسعى للحصول على حالة التقوى في شهر رمضان المبارك .

     في رواية عن الإمام أبي عبدالله الصادق عليه السلام أنه قال :

" إن أمير المؤمنين خطب الناس فقال فيها : ألا وإن التقوى مطايـا ذُلُـل ( أي كالحيـوان الذليل الذي يُرْكب ويُسَيِّرُهُ الإنسان كيفما يشاء ) حُمِـلَ عليهـا أهلُهـا وأُعْطُوا أزِمَّتَها ( الأزمّة هي الحبل حــول رقبـة الدابـة ) فَأوْرَدَتْهُمُ الجَنَّـةَ وَفُتِحَتْ لَهُمْ أبوابُها ووجدوا ريحَها وطيبَها وقيل لهم ادخلوها بسلام آمنين " (1) .

وعن الإمام أبي عبدالله الصادق عليه السلام قال : " القيامة عُرْسُ المتقين " (2) .

     إذن : توجد آيات وروايات كثيرة تبيّن جزاء الإنسان المتَّقي ، فهـذه الآيـات والروايـات تشكِّل دافعـا للمؤمن لكي يحصل على التقوى لا فقط في شهر رمضان بل طوال السنة ، ولكن في هذا الشهر يستطيع أن يحصل على التقوى بشكل أكبر بسبب الامتناع عن الأكل والشرب وغيرهما من الأشياء ، إن المؤمن يستطيع أن يجعل هذا الشهر مفتاحا للجنة إذا حصل على حالة التقوى .

النقطة الثالثة :خير الزاد التقوى :

إذا سئل أي شخص ما هو أفضل شيء يمكن للإنسان الحصول عليه في الدنيا ؟ ، فإن الجواب يأتي سريعا بأنه هو المال الكثير الذي يحل عقد الدنيا ومصاعبها ، المال والبيت الواسع والسيارة الفخمة وغير ذلك من الأشياء الدنيوية .

إن مثل هذا الجواب نتوقعه من الإنسان الكافر الذي لا يؤمن بوجـود الآخرة ، ولكن نسمعه أيضا من بعض المؤمنين بالإيمان الظاهري ، هـذا المؤمـن بالإيمـان الظاهري يكون غافلا عـن الآخـرة ، ويكون الاعتقـاد عنده ضعيفا ، ويكون اعتقاده بالآخـرة مجـرد حركة لسانية لا تعبّر عن اعتقاده الحقيقي ، فلو كان معتقـدا حقيقة بالآخرة لكان جوابه يختلف عن هذا الجواب ، لـو كان يعتقـد بالإمـامـة حـق الاعتـقـاد لكان جـوابه يختلف عن جواب الكافر ، من يعتقد بإمامة أهل البيت عليهم السلام فإنه يأخذ الجواب منهم عليهم السلام لا أن يأتي بالجواب من اعتقاداته الخاصة ومن اعتقادات الكافرين ، فمن يعتقد بإمامة أهل البيت عليهم السلام فإنـه ينتظر الجواب منهم ولا يتعجّل بالإجابة على الأسئلة إن كان لا يعرف جوابهم ، فلنتوجّه بهذا السؤال إليهم عليهم السلام : ما هو أفضل زاد في هذه الدنيا ؟ ، ويأتي الجواب منهم عليهم السلام كما يلي :

عن رسول الله صلى الله عليه وآله قال : " . . . وخير الغنى غنى النفس ، وخير الزاد التقوى ، . . . " (1) .

وعن أحد الأئمة عليهم السلام قال : " . . . تزوّد من الدنيا فإن خير ما تزوّدت منها التقوى " (2) .

       إذا أردت أن تكون شيعيّا حقيقيا فلا بد أن تأخذ الجواب مـن أهل البيت عليهم السلام وتقتنع بهذا الجواب ، لا فقط بلسانه يقول الشخص " التقوى " ، وفي نفس الوقت يكون قلبه مملوءا بحب الدنيـا ، بل لا بد أن ينبض القلب بالتقوى والخوف والخشية من الله تعالى ، وتكون كلمة " التقوى " من الكلمات التي ينطق بها القلب ويعمل بها الجوارح .

ولْنَأخَذ الجواب من أهل القبور عن خير زاد الدنيا ، إن الإنسـان عندمـا يمـوت فإنـه تنكشـف لـه حقـائق الدنيـا ويعلم بها ، إن الإنسـان عندمـا يكون في الدنيا يكون غافلا عن كثير من الأشيـاء ، ولكنـه يستيقـظ عنـد الممات ويعلم بها ويطّلع على حقائقها ، ولكن ماذا ينفع الاستيقاظ والانتباه بعد الموت وفوات الأوان ؟ ، لذلك يحاول المؤمن أن يكون منتبها مستيقظا في الدنيا لكي لا يأتي يوم القيامة وهو من الغافلين ، فعن أمير المؤمنين عليه السلام قال : " الناس نيام ، فإذا ماتوا انتبهوا " (1) .

     وإليكم ما يقوله أهل القبور الذين انكشفت لهم الحقائق :

عن أمير المؤمنين عليه السلام حينما رجع من صفّين فأشرف على القبور بظاهر الكوفة قال : " يا أهل الدّيار الموحِشة ، والمحال المقفِرة والقبـور المظلمة ، يا أهل التربة ، يا أهل الغربة ، يا أهل الوحـدة ، يا أهـل الوحشـة ، أنتـم لنـا فـرط سـابق ، ونحن لكم تبع لاحق ، أما الدور فقد سُكِنَتْ ( يتعب الإنسان في بناء بيته ثم يأتي الورثة ويبيعـون البيت ويتقاسمون المـال بينهم ، فلماذا هذا التعب في بناء البيت وغيـره سيسكن فيـه أو يبيعـه ؟ ، نعـم يبني المؤمن البيت الذي يكون بقـدر حاجتـه ولا يصرف الأموال الكثيرة على أشياء لا يحتاجها واقعا في بيته ) ، وأما الأزواج فقد نُكِحَتْ ، وأما الأموال فقد قُسِّمَتْ ( فالشخص يتعب في جمع المال ولا يقوم بعمل شيء له في حياته من أجل آخرته ويترك المال لأولاده من بعده ، وأولاده قد يذكرونه وقد لا يذكرونه بعد مماته ، بدل أن يستفيد مـن المـال لعمـل خيرات له تبقى صدقة جارية له بعد مماته ) ، هذا خبر ما عندنا فما خبر ما عندكم ؟

ثم التفت إلى أصحابه فقال : أمَا لو أُذِنَ لهم في الكلام لأخبروكم أن خير الزّاد التقوى " (1) .

        إذن : خير الزّاد في الدنيا هو التقوى ، وأفضل ما يحصل عليه المؤمن من الدنيا هو التقوى لأنه بالتقوى يعيش مرتاحا في الدنيـا وفي الآخـرة ، فالمؤمن المتّقي يشعر بالراحة لأنه يرضى بقضاء الله في الدنيا ويصبر على بلائها ، بل ويتقرّب بذلك إلى الله ، فيعطيه الله بالمقابل راحـة الدنيا والآخرة ، وأما الإنسان الذي يسعى للحصول على المال وعلى ملذّات الدنيا وعلى الحياة الدنيويـة المرفّهة فقـط أتظن أنـه مرتـاح في حياتـه ؟! ، من المسـتحيـل أن يكون مرتاحـا في دنيـاه ، فالإنسـان الذي لا يرتبط بالله لا يشعر بالراحة في الدنيا ، وتكون عاقبته وخيمة في الآخرة .

      في رواية عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال : " . . . ويَعْلَم أن التمسّك بالقناعة والتقوى يورث له راحة الدّارين ، . . . " (1) .

وهكذا المؤمن يشعر بالراحة في الدنيا لأنه لا يهمّه شيء ، كان فقيرا أو غنيّا ، حصـل على المـال الكثير أو لم يحصل ، حصل على بيـت واسـع أو لا ، فالمؤمـن يسـكن في أي مكان طـالما أن الله عز وجل يكون راضيا عنه ، وهو يسعى لرضا الله تعالى .

 

والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا أبي القاسم محمد وآله الطيبين الطاهرين .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

التقوى ثمـرة الصـيام (1)

القسم الثاني

 

الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا أبي القاسم محمد وأهل بيته الطيبين الطاهرين .

قال الله تعالى في كتابه الكريم : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ  تَتَّقُونَ " (2) .

نكمل في هذا اليوم موضوع الأسبوع الماضي وأن التقوى ثمـرة الصيام من خلال الفقرة التي تقول " لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ " ، وخلاصة ما قلته في الأسبوع الماضي إن كلمة " لعلّ " تستعمل للترجّي ، فيرجى من الصيام حصول حالة التقوى عند الإنسان المؤمن ، هـذه الحالة مطلوبة من الصيام ، ولكن الملاحظ أن ليس كل إنسـان يصـوم يحصـل على التقـوى ، والدليـل علـى ذلك أن حالته قبل الدخول إلى الشهر تكون نفس حالته بعد خروجه من الشهر ، فحالته لا تتغيّر ، فعدم التغيّر دليل على عدم حصول التقـوى عنـد هـذا الإنـسـان ، ثم قلنا إن تعريف التقوى هو أن التقوى ملكة نفسانية تدعو الإنسان إلى العمل بأوامر الله والابتعاد عن نواهيه ، ثم ذكرنا بعض الآيات القرآنية التي تبيّن عاقبة المتقين ، وهـذه الآيات تكون دافعا للمؤمن للحصول على التقوى في هذا الشهر ، وذكرنا أيضا بعض الروايات الشريفة ، وذكرنا أن خيـر الزّاد في هذه الدنيا هو التقوى ، وأفضل ما يحصل عليه المؤمن في الدنيا هو التقوى .

والآن ندخل في تتمة الموضوع :

النقطة الرابعة : أولياء الله ورسوله :

      من هم أولياء الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله ؟ ، إن المؤمن يسعى لأن يكون وليّا لله عز وجل ولرسوله صلى الله عليه وآله ، ومن يكون وليّا لهما فسينجو يوم القيامة ، والمتقون هم فقط أولياء الله ورسوله ، وغير المتقين لا يمكن لهم تحصيل مكانة أولياء الله ورسوله صلى الله عليه وآله .

     يقـول تعـالى :

" وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ " (1) .

 

هذه الصيغة " إن أولياؤه إلا المتقون " صيغة للحصر ، فيكون المعنى هـو لـيـس أوليـاؤه إلا المتقين ، فالمتقـون هـم فقط أولياء المسجد الحرام وهو بيت الله تعالى ، وغير المتقين ليسوا أوليـاء بيت الله عـز وجـل ، ومـن يكون وليـا لبـيت الله عـز وجل فإنه يكون وليا لله تعالى .

 

إن الذي يدخل إلى شهر رمضان ولا يحصل على التقوى فبعـد نهايـة الشهـر لا يحصـل عـلى مكانـة أولياء الله تعالى ولا يدخل في دائرة أولياء الله عز وجل .

 

إن الإنسان في كل لحظة من حياته لا بد أن يكون متّقيا ، ولكن في شـهـر رمضـان هذه الصفة لا بد أن تكون بارزة واضحة لأنه يمتنع عن الطعام والشراب وغير ذلك من الأشياء باختياره طاعـة للأمر الإلهي ، والحالة التي تكون عن طريق الاختيار تؤهله لأن يمتنع عن كل المحرّمات .

     يقول تعالى :

" ألاَ إِنَّ أوْلِيَاءَ اللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ " (1) .

 

      هذه الآية الكريمة تبيِّن أن أولياء الله هم المؤمنون المتقون ، ولهم جزاء وهو أنه لا خوف عليهم ولا هم يحزنون في الدنيا والآخرة ، وأن هذا هو الفوز العظيم الذي لا فوز بعده ، فيحصل المؤمن المتّقي على الأمان في الدنيا والآخرة ، وأفضل ما يحصل عليه الإنسان هو الأمان والعيش باطمئنان .

 

عن أبي عبيدة الحذاء قال : سمعت أبا عبدالله عليه السلام يقول : " لما فتح رسول الله صلى الله عليه وآله مكة قام على الصفا فقال : يا بني هاشم يا بني عبدالمطلب ! إني رسول الله إليكم ، وإني شفيق عليكم ، لا تقولوا إن محمدا منا ، فوالله ما أوليائي منكم ولا من غيركم إلا المتقون ، ألا فلا أعرفكم تأتوني يوم القيامة تحملون الدنيا على رقابكم ويأتي الناس يحملون الآخرة ، . . . " (2) .

       ودليلنا من الرواية قوله صلى الله عليه وآله : " ما أوليائي منكم ولا مـن غيركـم إلا المتقـون " ، إن أولـيـاء رسـول الله صلى الله عليه وآله ليسوا من شعب معيَّن ، قـد يكونون من العرب أو من غير العرب ، فمن يريـد أن يكون وليّـا لله تعـالى ولرسوله صلى الله عليه وآله فلا بد أن يكون من المتقين ، وليس مهمّا ما هي جنسيته وإلى أي قومية ينتمي ، المهـم أن يكـون الولي مـن المتقـين ، لذلك فإنـه ليـس بمجـرد ما يقول الشخص إنه " شيعي " فمعنى ذلك أنه ولي من أولياء الله ورسوله ، نعم إذا كان متّقيا فإنه يحصل على هذه المنـزلة .

       وهكذا إذا أردت أن تكون وليّا لله ورسوله فأمام الإنسان طريق واحـد ، وهو طريق التقوى والحصول على حالة التقوى ، ولا يوجـد طريـق آخـر للوصـول إلى مرتبة أولياء الله تعالى ومكانة أولياء رسول الله صلى الله عليه وآله ومنـزلة أولياء أهل البيت عليهم السلام ودرجة أنصار الحجة عجل الله تعالى فرجه الشريف .

 

النقطة الخامسة : التقوى شرط قبول الأعمال :

       إن المسلم يقوم بكثير من الأعمال العبادية وغير العبادية ، ولكن يوجد لقبول كل هذه الأعمال من الله شرط وهو التقوى ، وبدون وجود التقوى عند الإنسان لا يقبل الله تعالى أعماله لأن المتقي يؤدي كل أعماله تقرّبا إلى الله تعالى ولا يعمله بنيّة أخرى ولا يشرك بعبـادة ربّه أحـدا كالرياء أو للوصول إلى أمر دنيوي من وراء أعمالـه كأن يعرفـه الناس ويشتهر بينهم ، فلا يلتفت إلى وجود الناس حين أداء العمل ، فمن يصلي رياءً فإنه يكون قد أشرك بهذه الصلاة شريكا مع الله ، فصلاته لا تكون مقبولة .

 

      وإذا أراد الشخص أن يعرف أنه متّقي فإنه إذا كان يصلي لوحده في غرفة وكان يصلي أمام الناس ، فإذا كان اهتمامه بصلاته أمام الناس أكثر من اهتمامه بها حينما يصلي لوحده فمعنى ذلك أنـه يهتم بأن يراه النـاس وهو يعبد الله حتى يمدحوه ويشتهر بأنه إنسان عابد ، وصلاة المتقي أمام الناس أو حينما يكون لـوحـده لا تتغيّر لأنه ملتفت إلى الله فقط ولا يلتفت إلى الناس حتى لا يجعل شريكا مع الله سبحانه ، وبدون توفّر هذا الشـرط لا يقبل الله أعمال الإنسان مهما كانت جسامتها وعظمتها حتى لو صرف على مشروع ملايين الدنانير ليحصل على السمعة وعلى الاسـم اللامـع أمـام النـاس ، فإذا جعـل هذا العمل خالصا لله فإن الله يتقبل هذا العمل سواء كان العمل صغيرا كالتصدق بخاتم لا قيمـة ماديـة له كما حصل لأمير المؤمنين عليه السلام ، ولكن نيّة التقرب إلى الله جعلت هذا العمل الصغير عظيما ، أم كان العمـل كبيـرا يقـدّر بمـلايين الدنانير ، فالمؤمن المتّقي ملتفت إلى الله ، ولأنـه ملتفت فحينمـا يـؤدي أي عمل سواء كان عملا عبـاديا أو غير عبادي فإنه يتقرّب بهذه الأعمال إلى الله ، ولا تكون عنده نيّة أخرى ، فيتقبل الله تعالى عمله ، إن المؤمن يسعى لأن يقبـل الله كل أعماله التي يقـوم بها ، ولكن قبل أداء الأعمال لا بد أن يحصل على التقوى ليصل إلى قبول الله لأعماله .

 

والـدليـل على أن قبـول الأعمـال مشـروط بالتقوى قوله تعالى : " وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ " (1) .

 

إن صيغة " إنما يتقبّل الله من المتقين " صيغة حصر مثل " لا يتقبّل الله إلا من المتقين " ، فمعناهما واحد وهو يتقبّل الله من المتقين فقط وفقط ، ولا يتقبّل من غير المتقين .

 

وعن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال : " . . . لأن الله لا يتقبّل إلا من المتقين " (2) .

إذن : إذا كان التقوى شرطا لقبول الأعمال فلماذا لا يسعى المؤمن للحصول على حالة التقوى وإيجادها في نفسه لأنه بهـذه الدرجة من الأهمية ؟ ، فإذا حصل على الشرط فإنه يحصل على المشروط ، وإذا لا يحصل على الشرط فإنه لا يحصل على المشروط .

 

     إن الإنسان في وظيفته الدنيوية يسعى لأن يحصل على رضا رئيسه حتى يصعد في الدرجات الوظيفية ، كذلك عليه أن يسعى للحصـول علـى رضـا مـولاه عـز وجل حتى يصعد في درجات الجنة مع وجود الفارق الكبير بين الدنيا والآخرة حيث لا يمكن قياس الدنيـا إلى الآخـرة ، فأين الدنيا من الآخرة ؟ وأين الثرى من الثّريّا ؟ ، فالقياس قياس مع الفارق ، ولكن من باب تقريب الصـورة ، فالإنسـان يهتـم بوظيفته اهتماما كبيرا لأنه يدرّ عليه المـال ، ولكنـه إذا أتى الصـلاة يأتي إليها بتكاسل مع أنها لا تستغرق إلا دقائق معدودة ، فتأتي إلى ذهنه أفكار كثيرة ، وينتقل مـن فكـرة إلى أخـرى كما ينتقل الطير من غصن إلى غصن آخر ، وفي نهايـة الصـلاة يكـون الشـخص قد فكّر في أثناء صلاته في ثلاثين أو أربعين موضوعا من المواضيع الدنيوية .

 

     إن الإنسان يهتم بهذه الدنيا الزائلة بهذا المقدار الكبير ، ولا يهتم بفقـد الآخرة الدائمة والجنات الواسعة ، إن الإنسان إذا قدمت لـه هدية بسيطة فإنه يفرح ويدخل السرور إلى قلبه ، ولكن حينمـا يقال له جنة عرضها السماوات والأرض نراه غير مهتم وكأنـه لن يفقـد شيئـا أو يهتـم اهتمـاما بسـيطا ، وعندمـا يقـال له نـار جهنــم نـراه لا يبـالي بـذلـك وكأن الخطـاب ليـس مُوَجَّهـا إليـه ، وكأنـه قـد ضمـن الجنـة وأن أبـواب الجنان مفتوحة له حينما يدعي أنه مؤمن شيعي على خط أهل البيت عليهم السلام ، إن كلمة " مسلم " أو " مؤمن " أو " شيعي " لوحدها لا تكفي لدخول الإنسان إلى الجنـة ، فهناك مسؤوليات مترتبة على النطق بهذه الكلمات ، تريد أن تكون مؤمـنـا شيعيـا فـلا بـد أن تحصـل على حالة التقوى ، وتكون مؤمنـا متّقيـا فتحصـل على الجنـة ، وأما في الهوية فالمكتوب هو " مسلم " أو " شيعي " ويعاملك الناس على هذا الأساس ، فالفاسق المنحرف يعامله الناس على أنه مسلم مع أنه بعيد عن تعاليم الإسلام .

    عن رسول الله صلى الله عليه وآله قال : " معاشر الناس ! ( الخطاب موجّه لجميع الناس بما فيهم نحن ) التقوى التقوى ( أي خذوا بالتقوى وتمسّكوا به ) ، احذروا الساعة " (1) .

في هذه الرواية ربط رسول الله صلى الله عليه وآله بين التقوى والحـذر مـن يـوم القيامـة لأن مـن يخـاف من يوم القيامة فإنه يصير متّقيا خائفا من الله لأن الله شديد العقاب ونار جهنم عذابها شـديد لا يمكن تحمّله ، فعذاب جهنم لا يقاس بأي عذاب دنيوي ، إن الإنسان لو وُضِعَ عود كبريت على يده لضجّ بالصراخ ولأحـس بالألم عدة أيام ، فكيف لا يخاف إذا سمع بنار جهنم ؟ وكيف يمكن أن يصبر على عذاب جهنم ؟

       وإليك روايـة تبيّن كيف يكون عذاب النار ، عن الإمام علي عليه السلام أن النبي صلى الله عليه وآله قال : " والذي نفس محمد بيده ( هذا قسم مـن رسـول الله صلى الله عليه وآله ، وقسمه صلى الله عليه وآله لا يكون كقسم أي شخص آخر ) لو أن قطرة من الزّقّوم قطرت على جبال الأرض لساخت إلى أسفـل سبع أرضين ولَمَا أطاقته ( أي لَمَا تحمّلته ) ، فكيف بمن هو شرابه ؟ ، والذي نفسي بيده لو أن مقماعا واحدا مما ذكره الله في كتابه وضع على جبال الأرض لساخت إلى أسفل سبع أرضين ولَمَا أطاقته ، فكيف بمن يقع عليه يوم القيامة في النار ؟ "(1) .

لا يمكن أن نتصور كيف أن قطرة من الزقوم تخترق الأرض ، فالمفروض أن المؤمن بمجرد ما يسمع هذه الكلمات أن يلتفت إلى نفسه ويخاف ، فستون أو سبعون سنة هي عمر الإنسان وبعـد ذلـك يذهـب إلى مسـتقرّه ، هذه رواية واحدة قرأناها ، وهناك الكثير من الآيات والروايات التي تتحدّث عن نعيم الجنة وعذاب النـار ، ولعلّنـا نُوَفَّق في أسبـوع من الأسابيع القادمة لقراءة بعض هذه الروايات ، منها الرواية التالية :

عن أبي بصير عن أبي عبدالله عليه السلام قال : قلت له : يا ابن رسـول الله ! خَوِّفْنِي فإن قلبـي قـد قسـا . فقال : " يا أبا محـمـد ! اسـتـعـد للحيـاة الطويـلـة ، فـإن جبرئيل جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وهو قاطب وقد كان قبل ذلك يجيء وهو متبسم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : يا جبرئيل ! جئتني اليوم قاطبا . فقال : يا محمد ! قد وُضِعَتْ منافخ النار . فقال : وما منافخ النار يا جبرئيل ؟ فقال : يا محمـد ! إن الله عـز وجـل أمـر بالنار فنفخ عليها ألف عام حتى ابيضّت ، ثم نفخ عليهـا ألف عـام حتى احمرّت ، ثم نفخ عليها ألف عام حتى اسودّت فهي سوداء مظلمة ، لو أن قطرة من الضريع قطرت في شراب أهـل الدنيـا لمات أهلهـا مـن نتنها ، ولو أن حلقة واحدة من السلسلـة التي طولهـا سـبعون ذراعـا وضـعت على الدنيا لذابت الدنيا من حرّها ، ولو أن سـربـالا مـن سـرابيـل أهـل النار علق بين السماء والأرض لـمـات أهـل الـدنيــا مــن ريــحـه . قــال : فـبكى رســول الله صلى الله عليه وآله وبـكـى جبرئيـل ، فـبعـث الله إليـهمـا ملكـا فقـال لهمـا : إن ربكما يـقـرؤكمـا السـلام ويقـول : قـد أمـنتكما أن تذنبـا ذنبـا أعـذبكما عـليه . فقال أبو عبدالله عليه السلام : فما رأى رسول الله صلى الله عليه وآله جبرئيـل متبسّما بعـد ذلك . ثم قال : إن أهل النار يعظمون النار ، وإن أهل الجنة يعظمون الجنة والنعيم ، وإن جهنم إذا دخلوها هووا فيها مسيرة سبعين عاما ، فإذا بلغوا أعلاها قمعوا بمقامع الحديد وأعيدوا في دركها فهذه حالهم ، وهو قول الله عز وجل : " كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ " (1) ، ثم تُبّدَّل جلودهـم غيـر الجلود التي كانت عليهم " . قال أبو عبدالله عليه السلام : " حسبك ؟ " قلت : حسبي حسبي (2) .

نرجع إلى شرط قبول الأعمال ، في رواية عن الإمام الصـادق عليه السلام قـال : " . . . إن قليـل العمل مع التقوى خير من كثير بلا تقوى . . . " (3) .

هذه الرواية تبيّن أن مدار القبول ليس على كثرة العمل أو قلّته ، وإنمـا المدار على التقوى ، فقليل العمل مع التقوى خير من كثير بلا تقوى ، ومعنى ذلك أن كثير العمل مع التقوى مطلوب أيضا لأن المدار مـدار التقوى سواء كان العمل قليلا أم كثيرا ، إن كل عمل ليس قائما على التقوى ونيّة التقرّب إلى الله تعالى فهو غيـر مقبـول عنـده عـز وجـل ، وسيكون هباءً منثورا يوم القيامة حتى لـو صـرف الإنسان كل عمره على هذا العمل لأنه إذا لم يتقـرّب بعملـه إلى الله تعـالى فإن الله عـز وجـل لـن يقبل هذا العمـل ، وقـد يتصـدّق مؤمـن بشـق تمرة فيحصل على الجنة وما فيهـا ، والمؤمـن المتّقي يكون ملتفتـا دائمـا إلى نيـة التقرب إلى الله في الأعمـال التي يؤديـهـا ، لذلك فإنها تكون مقبولة ، ولا يرفض الله تعـالى عمـلا تقـرّب العبد به إليه عز وجل وكانت نيته خالصة له وحده لا شريك له .

 

والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا أبي القاسم محمد وآله الطيبين الطاهرين .

 

 

 

 

 

 

 

محتويات الكتاب

 

التزام المؤمن بالأحكام الشرعية . . . . . . . . . . . 5

 

الصداقة الإيمانية . . . . . . . . . . . . . . . . . 22

 

مولد أمير المؤمنين عليه السلام . . . . . . . . . . . .  39

 

المعجزة الكبرى للنبي صلى الله عليه وآله وسلّم  . . . . . .  54

 

الاستعداد لشهر رمضان . . . . . . . . . . . . . . 68

 

التقوى ثمرة الصيام - القسم الأول . . . . . . . .  82

 

التقوى ثمرة الصيام - القسم الثاني . . . . . . .   96


 

(1) ألقي هـذا الموضـوع في خطبـة الجمعة في منطقة مبارك الكبير بتاريخ 16 جمادى الأولى 1420 هـ الموافق 27 / 8 / 1999 م .

(2) النسـاء : 65 ، شَجَرَ : اختلط ومنه التّشاجر والمشاجرة ، حَرَجًا : ضَيِّقًـا .

(1) النساء : 65 .

(1) النساء : 65 .

(2) الكافي ج 1 ص 390 ح 2 .

(1) الكافي ج 2 ص 78 ح 13 .

(1) مجمع البيان للشيخ الطبرسي قدس سره ج 6 ص 408 .

(2) الذاريات : 56 .

(1) الكافي ج 2 ص 47 ح 2 .

(1) المائدة : 35 .

(1) الكافي ج 2 ص 68 ح 6 .

(1) الكافي ج 2 ص 49 ح 1 . السِّنخ : الأصل والأساس .

(1) ألقي هـذا الموضـوع في خطبـة الجمعة في منطقة مبارك الكبير بتاريخ 23 جمادى الأولى 1420 هـ الموافق 3 / 9 / 1999 م .

(2) الزخرف : 66 67 .

(1) نهج البلاغة بشرح ابن أبي الحديد ج 12 ص 10 .

(1) بحار الأنوار ج 71 ص 192 ح 12 .

(1) بحار الأنوار ج 71 ص 163 ح 28 .

(1) بحار الأنوار ج 71 ص 233 ح 29 .

(1) التوبة : 71 .

(1) أمالي الشيخ الطوسي قدس سره ص 136 .

(1) عيون الحكم والمواعظ لعلي بن محمد الليثي الواسطي ص 117 .

(2) بحار الأنوار ج 88 ص 253 ح 4 .

(1) الزخرف : 66 67 .

(2) الفرقان : 28 29 .

(1) الشعراء : 100 101 .

(2) تفسير الميزان للعلامة السيد الطباطبائي قدس سره ج 18 ص 121 .

(1) بحار الأنوار ج 64 ص 314 ح 49 .

(1) ألقي هـذا الموضـوع في خطبـة الجمعة في منطقة مبارك الكبير بتـاريخ 13 رجب 1420 هـ الموافق 22 / 10 / 1999 م .

(2) يونس : 35 .

(1) بحار الأنوار ج 42 ص 18 ح 5 .

(2) المصدر السابق ج 35 ص 6 ح 5 . السَّبْت ثلاثون سنة ، وكان بين الرسول صلى الله عليه وآله وأمير المؤمنين عليه السلام ثلاثون سنة .

(1) مناقب ابن المغازلي الشافعي ص 88 89 .

(2) بحار الأنوار ج 57 ص 336 ح 24 .

(1) بحار الأنوار ج 35 ص 8 ح 11 .

(1) بحار الأنوار ج 64 ص 71 ح 35 .

(1) الإسراء : 15 .

(2) الأنفال : 42 .

(1) راجع مسند أحمد بن حنبل ج 1 ص 111 و 159 ، وتاريخ الطبري ج 2 ص 63 64 ، والكامل لابن الأثير ج 2 ص 24 ، وتاريخ أبي الفداء عماد الدين الدمشقي ج 3 ص 40 ، وتفسير علاء الدين البغدادي ص 390 .

(2) راجع كتاب الغدير للعلامة الأميني قدس سره ج 1 ص 152 157 .

(1) يونس : 35 .

(1) نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج 16 ص 205 .

(1) بحار الأنوار ج 67 ص 299 ح 9 .

(1) بحار الأنوار ج 67 ص 303 ح 13 .

(1) ألقي هذا الموضوع في مسجد الإمام المهدي عجل الله فرجه في منطقة الرقعي بتـاريخ 17 ربيع الأول 1421 هـ الموافق 19 / 6 / 2000 م  بمناسبة مولد النبي صلى الله عليه وآله .

(2) التوبة : 33 .

(1) بحـار الأنوار ج 15 ص 257 ح 9 . ارتجس : اضطرب وتزلزل حتى سمع منـه الصوت الشديد . غـاض الماء : قلّ ونضب . ساوة : منطقة في إيران تبعـد 55 كم عـن قم المقدّسة . السمـاوة : موضع بين الكوفة والشام . المؤبذان : فقيه الفرس وحاكم المجوس . انسرب : دخل . دجلة العـوراء : كان كسرى قد أغلق جزءا من دجلة وبنى عليها بناء فسميت العوراء .

(1) سيرة ابن هشام ج 1 ص 149 - 150 .

(1) بحار الأنوار ج 22 ص 321 ح 10 .

(2) المصدر السابق ج 23 ص 111 ح 19 .

(1) سيرة ابن هشام ج 1 ص 140 .

(2) بحار الأنوار ج 18 ص 210 ح 38 .

(3) المصدر السابق ج 18 ص 241 .

(4) المصدر السابق ج 19 ص 35 .

(5) المصدر السابق ج 22 ص 354 ح 85 .

(1) بحار الأنوار ج 33 ص 22 ح 378 .

(2) المصدر السابق ج 22 ص 439 ح 6 .

(3) المصدر السابق ج 22 ص 353 ح 84 .

(1) بحار الأنوار ج 10 ص 227 ح 1 .

(1) التوبة : 33 .

(1) ألقي هذا الموضوع في خطبة الجمعة في منطقة مبارك الكبير في 24 شعبان 1420 هـ الموافق 3 / 12 / 1999 م .

(2) البقرة : 183 .

(1) راجع مفاتيح الجنان للشيخ عباس القمي قدس سره .

(1) ألقي هذا الموضوع في خطبة الجمعة في منطقة مبارك الكبير بتاريخ غرة شهر رمضان 1420 هـ الموافق 10 / 12 / 1999 م .

(2) البقرة : 183 .

(1) بحار الأنوار ج 96 ص 294 ح 24 .

(1) بحار الأنوار ج 70 ص 68 ح 14 .

(1) بحار الأنوار ج 70 ص 285 ح 8 .

(1) الرعد : 35 .

(1) الحجر : 45 - 46 .

(2) النحل : 31 - 32 .

(3) القمر : 54 - 55 .

(4) المرسلات : 41 - 44 .

(1) بحار الأنوار ج 8 ص 183 ح 145 .

(2) المصدر السابق ج 7 ص 176 ح 7 .

(1) بحار الأنوار ج 21 ص 210 ح 2 .

(2) المصدر السابق ج 10 ص 106 ح 1 .

(1) بحار الأنوار ج 4 ص 42 ح 18 .

(1) بحار الأنوار ج 32 ص 619 ح 488 .

(1) بحار الأنوار ج 80 ص 165 ح 5 .

(1) ألقي هـذا الموضـوع في خطبـة الجمعة في منطقة مبارك الكبير بتاريخ 8 من شهر رمضان 1420 هـ الموافق 17 / 12 / 1999 م .

(2) البقرة : 183 .

(1) الأنفال : 34 .

(1) يونس : 62 - 63 .

(2) بحار الأنوار ج 8 ص 359 ح 25 .

(1) المائدة : 27 .

(2) بحار الأنوار ج 9 ص 335 ح 20 .

(1) بحار الأنوار ج 70 ص 275 .

(1) بحار الأنوار ج 8 ص 302 ح 61 .

(1) الحج : 22 .

(2) بحار الأنوار ج 8 ص 280 ح 1 .

(3) المصدر السابق ج 70 ص 104 ح 7 .