
مَـقَالاَت إِيمَـانِيَّة
الجزء الأول
* التزام المؤمن بدين الله *
* الرسول صلى الله عليه وآله أسوة حسنة *
* شجرة الإيمان وشجرة الكفر *
* الارتباط بين حب الله واتباع الرسول صلى الله عليه وآله *
* الحاجة إلى الإمامة *
الشيخ محمد أشكناني
الطبعة الثانية
1428 هـ ـ 2007 م

- 2 -
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ
اللَّهُمَّ كُنْ لِوَلِيِّكَ الحُجَّةِ ابْنِ الحَسَنِ صَلَوَاتُكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آبَائِهِ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ وَفِي كُلِّ سَاعَةِ وَلِيًّا وَحَافِظًا وَقَائِدًا وَنَاصِرًا وَدَلِيلاً وَعَيْنًا حَتَّى تُسْكِنَهُ أَرْضَكَ طَوْعًا وَتُمَتِّعَهُ فِيهَا طَوِيلاً
بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ
اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ
- 3 -
موقع ديوانية الشيخ محمد أشكناني :
www.alashkanani.com
عنوان المراسلة :
محمد حسين أشكناني
بيان ـ ص . ب 66691
دولة الكويت 43757
Mohammad H. Ashkanani
BAYAN – P.O.BOX 66691
STATE OF KUWAIT 43757
البريد الإلكتروني للمؤلف :
mohashk14@hotmail.com
البريد الإلكتروني للديوانية ولجانها :
mail@alashkanani.com
- 4 -
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
مـقـدمـــة
الحمـد لله رب العـالمين وصلى الله على سيدنا أبي القاسم محمد وأهل بيته الطيبين الطاهرين .
إن هذه المقالات عبـارة عن الخطب والكلمات التي ألقيتها في مناسبات مختلفة أحببت أن أجمعها في كتاب لعل الله عز وجل يهدي شخصا بواسطتها إلى معرفة الحق ، فأكون بذلك من الفائزين حيث يقـول رسـول الله صـلى الله عليه وآله لأمير المؤمنين عليه السلام : " وأيم الله لئن يهدي الله على يديك رجلا خير لك مما طلعت عليه الشمس وغربت " (1) .
وقد أجريت عليها بعض التعديلات لتناسب الأسلوب الكتابي ، ولكن قبل أن تبدأ بقراءة هذه المقالات أرجو منك أن تقرأ الملاحظات التالية بإمعـان وتفكّر :
المـلاحـظـة الأولى :
إن هـذه المواضيـع مـوجَّهـة إليك ، فأنت فقـط وهـذه المواضيـع ،
6 . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . مقدمـة
فـفـي هـذه الـمـواضـيع لا أريـد مـن الـسـامـع أو الـقـارىء الـعـزيـز أن يراقب الآخرين ويطبّق ما يسمعـه أو يقرأه عليهم ، بل إن المواضيع نطرحها لك لتراقب نفسك ، لا تقل إن فلانا لا يفعل هذا الأمر أو ذاك الأمر وإن فلانا غير زاهد وفلانا عنده بيت فخم وفلانا عـنده سـيارة فارهـة وفلانا عـنده كـذا ، فهـذا ليس هـو الهدف من هذه المواضيع ، فليس الهدف مراقبـة الآخرين ، بل الهدف أن تراقب وتحاسب نفسك أيها المؤمن ، فراقب نفسك لـتـرى هـل تطـبّـق مـا تـقـرأه ومـا تـسمعـه عـلى نفسـك أم لا ؟ ، فـلا تقـل مثلا فلان ليس زاهدا ، بل اسأل نفسك وأجب عن سؤالك لنفسك : هل أنت زاهد أم لا ؟
مـن خلال هذه المواضيع أريد أن أنبِّه الإنسان المؤمن إلى بعض القضايا الإيمانية ، نريد أن نعيش حياة إيمانية ، ونساعد الآخـرين عـلى التحرك في اتجاه الإيمـان ، فهـدف هذه المواضيع هو أن يراقب كل مؤمن نفسه ويحاسبها بينه وبين الله عز وجل ولا يراقب الآخرين ، فالمؤمن ينظر إلى عيوبه ليصلحها ، ويحاول أن يسـاعـد إخـوانـه المـؤمـنين عـلى إصلاح أنـفسـهم لا أن يـنشـغـل بعيوب الآخرين ويغفل عن عيوبـه فيضيع عمره في مراقبة الناس ، ويكـون بالـتـالي مـن الخـاسـريـن الـذيـن يضـيعـون أعمـارهـم فـيمـا لا
مقدمـة . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . 7
ينفع ، فيخسرون الدنيا لانشغالهم بعيوب الآخرين ويخسرون الآخرة لعدم إصلاح عيوبهم .
الملاحظة الثانية :
إن المواضيع التي أطرحها تمس واقعنا المعاصر من جهة ، ومن جهة أخرى نحاول أن ننظر إلى الأمور نظرة صحيحة كما يريدها الله عـز وجـل ورسوله صلى الله عليه وآله وأهل بيته عـليهم السلام حـسب فـهمي القاصـر مـن الآيات والروايات ، وأرجو من القارئ العزيز أن لا يقبل الأفكار المكتوبة في هذه المقالات على أنها أشياء بديهية لا تحتاج إلى نقاش ، بل اقرأ وتفكَّر فيما تقرأ ، فإذا اقتنعت بها بعد التفكير فالفكرة تصير فكرتك ، وأما إذا لم تقتنع بها فلا تتبناها ولا تدافع عن فكرة أنت لست مقتنعا بها .
الملاحظة الثالثة :
أحـاول أن أطرح في هذه المقـالات بعض المواضيع المهمـة التي تتعلـق بمسألـة إيمـان الإنسـان ، من خلال هذه المواضيع نحـاول أن نستكشف حقيقة الإيمان ، نريد أن نصل إلى معرفة أن الإنسـان المؤمن كيف يجب أن يكون ، إن الإيمان ليس عبارة عـن كلمات تقـال ، وإنما توجد للإيمان حقيقة لا بدّ أن نصل إليهـا حتى نقـول
8 . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . مقدمـة
إننـا فعلا مؤمنون حق الإيمان ، وحقيقة الإيمان نحاول أن نعرفها من خلال الآيات القرآنية الكريمة والروايات الشـريفة ، فانطلاقـنا سيكون من خلال الكـتاب الكريم والسنة الشريفة حتى نصل إلى لبِّ الإيمان ، وبالتالي نستطيع أن نقول إننـا واقعا مؤمنون بالله تعالى ، فكل مواضيعنا ستصب في هذا المجرى مجرى الإيمان للوصول إلى حقيقة الإيمان .
المـلاحـظـة الرابعة :
إن دراسـة الإيمان لا بدّ أن تكون بطريقة مترابطة ، لذلك فإن المواضيـع التي أطرحها في كل مقالـة مرتبطة بالمواضيع في المقالات الأخرى ، وكل مقالة تكمل المقالة الأخرى لأن كل جوانب الإيمـان لا يمكـن توضيحها في مقالة واحدة ، بل ندرس الإيمـان بطـريقة متجزّئـة في كل مقالـة ، فندرس في كل مقالـة جزءا وجانبا من الإيمان حتى نصل تدريجيا إلى الصورة الكاملة للإيمان ، وبعد معرفة الجوانب المختلفة للإيمان نطبقهـا جميعـا على أنفسنا حتى نحصل تدريجيـا على الإيمان الكامل ، ففي كل مقالـة نتناول جانبا من جوانب الإيمان ، وإذا اتَّضح هذا الجانب نسـتطيع أن ننتقل إلى الجوانب الأخرى ، ودوري أن أؤسس أساسا وهو توضيح حقيقة الإيـمــان لـلـنــاس مـن جـهــة ، ومـن جـهـة أخـرى ربـطـهـم بـالإمـامـة
مقدمـة . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . 9
الحقيقية حتى يرتبطـوا بها ارتباطـا حقيقيا لا مجرد ادعـاء ولقلقة لسان ، وبعد بناء هذا الأساس أستطيع أن أصعد بالبناء إلى الأعلى وأوضح البناءات الفرعية القائمة عليه من العقائد والفقه والأخلاق وغير ذلك ، وبذلك أستطيع أن أبيّن ثمار الإيمان من خلال الكتاب الكريم والسنة الشريفة ، فكل المواضيع ستكون مواضيع إيمانيـة مأخوذة من الكتاب والسنة ، وبهذه الطريقة نسير في طريق الإيمان .
الملاحظة الخامسة :
إن الهدف من هذه المواضيع هو الوصول إلى معرفة أن الإنسـان المؤمن كـيف يكون مـلتزما بديـن الله التزاما كاملا ، ولكن هذا الالتزام الديني لا بدّ أن يكون ناتجا مـن الإيمان الراسخ في النفس ، فالإيمان إذا كان راسخا في القلب فإن النتيجة هي أنه بمجرّد ما أن يسمع المؤمن أن هذا الشيء من ثمار الإيمان فإنه يأخـذ به بشكل طبيعي جدّا لا تكلّف فيه ولا يحتاج إلى أن يتصنّع ، فهدفـنا الوصول إلى مواضيع تتحدث عن الإيمان ، ومـن خلال هذه المواضيع نحاول أن نغيّر حياتنـا لأن حياتـنا التي نعيشـها اليـوم لا تعبِّر عـن حقيقـة الإيمان تماما ، فقـد يكون الشـخـص غـافـلا فـيحتـاج إلى تـذكـير أو قـد يكون جاهـلا لا يعرف
10 . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . مـقـدمـة
أن هذا الشيء له علاقة بإيمانه فيحتاج إلى تعليم ، ولا نريد أن يضيّع المؤمن حياته في فعل المباحات ، بل يجعل الدنيا دار ممر والآخرة دار مقر واستقرار ، فهدفنا أن نصل إلى المواضيع التي تصبّ في مجرى الإيمان من أجل الوصول إلى حقيقة الإيمان .
الملاحظة السادسة :
إن هذه المواضيع هي حصيلة عمر ونتاج تفكير ، فأرجـو من القارئ العزيز أن لا يقرأها قراءة الجرائـد ، بل لا بـدّ أن يقرأها قراءة تفكّر وتدبّر وتمعّن ، ويحاول مناقشتها وإبداء الرأي فيها ، ولا يأخذها أخـذ المسلَّمات لأن كل فكرة قابلة للنقاش والأخذ والردّ ، ومـا تمّ في هذه المقالات هو فهم الدين الإسلامي من خلال الكتاب الكريم والسنة الشريفة ، ولا أدّعي أن كل فكرة طرحتها هي فكرة معصومة ، بل هي أفكار سمعتها من العلماء وأخذتها مـن كتبهم وتفكّرت بها فأخذت بما اقتنعت به بالدليل ، وتركت ما لم أقتنع به ، وأضفت إليها ما فهمت حسب فهمي الخاص القاصر اعتمادا على الأسس التي درستها في الحوزة العلمية حفظها الله تعالى من نوائب الدهر .
والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا أبي القاسم محمد وآله الطيبين الطاهرين .
التزام المؤمـن بدين اللـه
القسم الأول (1)
الحمـد لله رب العـالمين وصلى الله على سيدنا أبي القاسم محمد وأهل بيته الطيبين الطاهرين .
مـقـدمـــة :
نحتاج أوَّلا إلى مقدمـة ثم ننطلق إلى بعض جوانب الإيمان ، إن الإنسان عندمـا يريد أن يعتقـد بشيء فلا بـدّ له أوَّلا مـن معرفة هـذا الشيء معرفة دقيقـة حتى يعتقد بـه عن علم ، فالاعتقاد لا بدّ أن يكون مبنيًّا على العلم والمعرفة ، وبعـد أن يعتقد بهذا الشيء عن علم لا بدّ أن يلتزم بما يترتّب على هذا الاعتقاد من أمور ، وهذا الالتزام يأتي إذا كان الاعتقاد عن قناعة ، فالاعتقاد عن قـناعـة يجـعـل هـذا الاعتـقـاد راسـخـا في النفـس بحيـث لا يمكـن أن يـزول بـسـهـولــة ، والإنـسـان إذا آمـن بـشـيء فـإن إيـمـانـه لـه ثـلاثــة
12 . . . . . . . . . . . . . . . التزام المؤمـن بدين الله ـــ القسـم الأول
رؤوس : الاعتقاد القلبي ، والتلفّظ بهذا الاعتقاد ، والعمل بمتطلّبات هذا الاعتقاد ، وهذا ما يفهم من قول الإمام جعفر الصادق عليه السلام : " الإيمان هو الإقرار باللسان وعقد في القلب وعمل بالأركان " (1) .
إذن : الإيمان بشيء يلزم منه ثلاثة التزامات : الالتزام القلبي ، والالتزام اللّفظي ، والالتزام العملي ، وفي الواقع الالتزامان اللّفـظي والعـملي قائمان على الالتزام القلبي ، فالالتزام القلبي هو المهم لأن الالتزامين الآخرين مترتبان على الالتزام القلبي بشكل طبيعي وكنتيجـة طبيعية ، يقول الإمام الصادق عليه السلام : " إن الإيمان ما وَقَرَ في القلوب " (2) .
النتيجـة : المؤمن الحقيقي هو من يكون الإيمـان مستقرًّا في قلبـه ، وتكـون أقوالـه وأفعاله ناتجة من هذا الإيمان المستقر الثابت الراسخ في قلبه ، وتكون أقواله وأفعاله ثمارا لهذا الإيمان .
قد يقال : إننـا نرى كثيرا من الناس يقولون إنهم يعتقدون ويؤمنون بشيء ومع ذلك نجد أنهم عمليا يخالفون ما يعتقدون ، فما هو تفسير ذلك ؟
التزام المؤمـن بدين الله ـــ القسـم الأول . . . . . . . . . . . . . . . 13
الجـواب :
إن مخالفتهم العملية لاعتقادهم دليل على أن هذا الاعتقاد ليس مترسِّخا في نفوسـهم ، وحديثـهم عـن إيمانهم هو لقلقة لسـان فقط ولا يعبِّر تعبيرا حقيقيا عن واقعهم ، فهم إما أنهم لا يؤمنون فعلا بهذا الشيء وإما أن إيمـانهم ضعيف غير راسخ بحيث يـزول بسرعة مع أقل رغبة بالشيء المخالف .
الخـلاصـة :
علينا أن نحاول جعل الإيمان راسخا رسوخا قويا في النفس ، والإيمان الراسخ له ثلاثة جوانب : الالتزام القلبي وهو المهم ، والالتزامان القولي والعملي مترتبان على الالتزام القلبي إذا كان راسخا في النفس ، فمهمة المؤمن ترسيخ الاعتقاد القلبي .
حقيقـة المـؤمـن باللـه عـز وجـل :
بهـذا الإيمـان الحقيقي كيف تكون حقيقة المؤمن الذي يقول إنه مؤمن بالله تعالى ومؤمن برسوله ومؤمن بالأئمة المعصومين عليهم السلام ومؤمن بالعقائد الأخرى ؟
قبل الإجابة عن هذا السؤال لا بدّ من معرفة الفرق بين المسلم إسلاما ظاهريا والمؤمن إيمانا حقيقيا ، ومعرفة الفرق بين الإسـلام الظاهـري والإيمـان الحقيقي المترسّخ في النفس ، وهذا ما
14 . . . . . . . . . . . . . . . التـزام المؤمـن بدين الله ـــ القسم الأول
نحاول أن نكتشفه من الروايات الشريفة .
في رواية عن حمران بن أعين عن الإمام أبي جعفر الباقر عليه السلام قـال : سمعته يقـول : " الإيمان ما استقرَّ في القلب وأفضى بـه إلى الله عز وجل وصَدَّقَه العمل بالطاعة لله والتسليم لأمره ، والإسلام ما ظهر من قول أو فعل ، وهـو الذي عليه جماعة الناس من الفرق كلها ، وبه حُقِنَتِ الدماء وعليه جرت المواريث وجـاز النكاح واجتمعوا على الصلاة والزكاة والصوم والحج ، فخرجـوا بذلك مـن الكفر وأُضيفوا إلى الإيمان ، والإسـلام لا يشـرك الإيمـان ، والإيمـان يشرك الإسلام ، وهما فـي القـول والفعل يجتمعان ، كما صارت الكعبة في المسجـد ، والمسجـد ليـس في الكعبة ، وكذلك الإيمان يشرك الإسـلام ، والإسـلام لا يشرك الإيمان ، وقــد قال الله عز وجـل : ﴿ قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ﴾ ، . . . " (1) .
وفي رواية أخرى عن سماعة قال : قلت لأبي عبدالله عليه السلام : أخبرني عـن الإسلام والإيمان أهما مخـتلفان ؟ فقـال : " إن الإيمان يشارك الإسلام ، والإسـلام لا يشارك الإيمـان " .
فقـلـت : فـصفـهمـا لي . فـقـال : " الإسـلام شهادة أن لا إلـه إلا الله
التزام المؤمن بديـن الله ـــ القسـم الأول . . . . . . . . . . . . . . . 15
والـتـصـديـق بـرسـول الله صـلـى الله عـلـيـه وآلـه ، بـه حُقِنَتِ الدمـاء وعليه جرت المناكح والمواريث ، وعلى ظاهـره جماعة الناس ، والإيمان الهدى وما يثبت في القلوب من صفة الإسلام وما ظهـر من العمـل به ، والإيمان أرفع من الإسلام بدرجـة ، إن الإيمـان يشارك الإسلام في الظاهـر ، والإسلام لا يشـارك الإيمان في البـاطن وإن اجتمعـا في القـول والصفة " (1) .
من خلال الروايتين السابقتين يتبيَّن الفرق بين الإسلام والإيمان ، فالمسـلم بالإسـلام الظاهري هو من يتشهد الشهادتين ويـؤدي مظاهـر الأعـمـال العبـاديـة فيـصلي ويصـوم ويحج وغير ذلـك ، فهو يضـاف إلى الإيمان فيقـال عـنه إنـه مؤمـن ، أما المؤمـن الحقيقي فهـو الذي يكون مهتديا ويكون الإيمان ثابتا راسـخا في قلبـه ، ونتيجـة إيمانه هي الأقوال والأفعال التي يأتي بها ، ويـؤدي العبـادات كـنتيجة طبيعيـة لإيمانه ، فالإسلام والإيمان من حيث الظاهر لهما نفـس المظاهر ، ولكن من حيث الباطن يختلفان ، وذلك لأن المؤمن الحقيقي يتأثر بما يؤديه من أعمال ، أمـا المؤمـن الظاهـري فهو يـؤدي الأعمال دون أن يتأثر بها ، والدليـل على ذلـك أن كثـيرا مـن النـاس يـؤدّون كثـيرا مـن الأعمـال
16 . . . . . . . . . . . . . . . التزام المؤمن بديـن الله ـــ القسـم الأول
العبادية من الحج والعمرة والزيارة في كل سنة وحضور الـمساجـد والحسينيـات ، ولكن مع ذلك تـرى مـن خـلال معاشـرتك لأحـدهم مدة عشر أو عشرين سنة أن هذا الشخص هو هو خلال هذه السنوات ، فحياته وأفكاره هي هي لم تتغير أبدا مع أنه خلال هذه السنوات الطويلة أدّى فيها الأعمال الكثيرة ، والمفروض أن يتغير ويظهر تأثيرها على حياته التي يعيشها ، ولا بـدّ أن يظـهـر هـذا التـأثير ونـراه في أفكاره وأقـواله وأفعـاله وسـلوكه ، ولكن تجد أن أفكاره وأقواله وأفعاله وحياته ثابتة لا تتغير خلال هذه السنوات الطويلة ، وهذا معناه أن هذه العبادات التي يؤديها هي عبادات ظاهرية لم تنفذ إلى أعماقه ولم تدخل إلى قلبـه ، وطالما أن قلبـه لم يتأثر فمن الطبيعي أن أفكاره وحياته لا تتغيـر ، فهو يأتي بظاهر العبادات ولا يدرك أن حقيقة العبـادة وهدفـها إنما هي الوصول إلى تغيير صورة النفـس ، وبـدون التـأثر بالعبادات لا تتغير الصورة الداخلية للإنسان ، فليـس الهـدف من العبادات الإتيان بمظاهرها من الأقوال والأفعـال فقط ، بل الهدف هو الوصول إلى لبِّ العبادة وحقيقتها والتأثّر بها ، وقد فرض الله الصلاة من أجل أن يربطك به سبحانـه خمـس مرات في اليوم فتتـأثـر ويـبـقى هـذا الأثـر مسـتمـرا إلى آخـر يـومـك ، ويـأتـي الـيـوم
التزام المؤمـن بدين الله ـــ القسـم الأول . . . . . . . . . . . . . . . 17
الثاني وتؤدي هذه العبادة أيضا وتتأثر خـلال يومـك ، فـلبُّ العبادة هو تغيير النفس ، فالإنسان مـن خـلال الـعـبـادة يجـب أن يـغـيّر نفـسـه ، والمفـروض أنـه في هـذا اليوم يكون شخصا مختلفا عن الشخص الذي كان بالأمس ، فيتقدم في إيمانـه يوما بعد يوم ، فإذا كان الإنسان يتقرّب إلى الله عز وجل عن طريق هذه العبادات فيقول : " أصلي قربة إلى الله تعالى وأصوم قربة إلى الله تعالى وأخمِّس قربة إلى الله تعـالى وأتصدَّق قربة إلى الله تعالى " ؛ فالمفروض أن يتقرّب إلى الله أي يقترب من الله تعالى أكثر ، فليس الهدف فقط لقلقة اللسان ، فالألفاظ بحدّ ذاتها ليس لها قيمة ، إنما قيمتها إذا كانت نابعة من القلب ، فيقـول الإنسان : " أصلي قربة إلى الله تعالى فقط ولا أريد أهدافا أخرى " ، فإذا كان يقترب إلى الله من خلال هذه العبادات يوما بعد يوم فالمفروض أن حياته تتغير وأن يظهر أثر هذه العبادات على نفسه وعلى أقواله وأفعاله ، ولكن بعـد هذه السنوات الطويلة من العبادات التي قد تَقْرُبُ من ثلاثين أو أربعين سنة نرى أن حياته لم تتغير ، ونرى الأغلب منهم منكبَّا على الدنيا ، والمفـروض أنـه بعد هذه السنوات الطويلة من التقرب إلى الله عز وجـل أن يكـون إنسـانا أخـرويًّا عـارفـا بـالله ولا سـيّمـا مـع تقدّمه في
18 . . . . . . . . . . . . . . . التزام المؤمن بديـن الله ـــ القسـم الأول
العمر ومع تَقَوُّلِهِ بأنه يتقرّب إلى الله بهذه الأعمال ، ولكن مع ذلك تجد أنه مع تقدّمه في العمـر وبلوغـه سـتين سنة مثلا تجده ما زال يفكر بجمع المال وبــنـاء بـيـتـه وغـير ذلـك مـن الأمــور الـدنـيــويـة مـع أنــه لم يـبـق لـه إلا خطـوات معدودة إلى القبر ، فالإنسـان إذا وصـل إلى الخمـسين مـن عمـره فليستعد وليودّع الدنيا ، فمن بلغ الستين أو السبعين فمعنى ذلك أنه وصل إلى القبر ، فالمفروض أن يُمَهِّد قبره بدل أن يشـغل تفكيره بالأمـور الدنيويـة ، ومعنى تفكيره بالأمور الدنيويـة أنه ما زال متعلِّقا بهذه الدنيا الفانية .
في روايـة عـن أمير المؤمنين عـليه السلام قـال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : " ما بين الستين إلى السبعين معترك المنايا " (1) .
وفي رواية أخرى عـن أمير المؤمنين عليه السلام قـال : " مـن أتت عليه الأربعون من السنين قيل له خذ حذرك مـن حلول المقدور فإنك غير معذور ، وليس أبناء الأربعين بأحق بالحذر من أبنـاء الـعـشـرين فإن طالبهـما واحـد وليـس عـن الطـلـب بـراقـد وهـو الـمـوت ،
التزام المؤمن بديـن الله ـــ القسـم الأول . . . . . . . . . . . . . . . 19
فاعمـل لما أمامك ودع عنك زخرف القول " (1) .
وإليـك هـذه الروايـة التي تبيِّن نتيجـة من يعبد الله حق العبادة ، عن الإمام الصادق عليه السلام قال : " في التوراة مكتـوب : يا ابن آدم ! تفـرّغ لعبادتي أملأ قلبك غِنًى ولا أكِلُكَ إلى طـلـبـك وعـلـيَّ أن أسـدّ فاقـتـك وأمـلأ قـلـبـك خـوفـا مـنـي ، وإلا تــفـرّغ لـعـبـادتي ( أي وإن لـم تـتـفـرّغ لـلـعـبادة ) أملأ قــلـبـك شـغـلا بالدنيـا ثم لا أسـدّ فاقتـك وأكِلُـكَ إلى طلبـك " (2) .
طبعا في هذه الرواية العبادة لا تعني فقط الأعمـال العبادية من الصلاة والصيام والحج وغيرها ، بل تعني أن حياة الإنسان كلها يمكن أن تنقلب إلى عبادة ، وأن الإنسـان يستطيع أن يكون في كل أمر من أموره عابدا لله تعالى بأن يعرف ماذا يريد منه الله عز وجل في هذا الأمر وفي ذاك الأمر لأن لله تعالى في كل واقعة حكما معينا ، فيقول تقدَّم في هذا الأمر أو توقَّف في ذاك الأمـر ، وهـذا الأمـر يقـرِّبك إلى الله ، وذاك الأمر يبعدك عن الله ، والأمر الآخر لا يقرِّبك ولا يبعدك كما في المباحات ، فإذا فعـل ما يريده الله في كل أمر من أموره فإنه يكون بذلك عابدا لله
20 . . . . . . . . . . . . . . . التزام المؤمن بديـن الله ـــ القسـم الأول
حـق العبـادة ، فالإنسـان في حياتـه لا بـد أن يتقرب إلى الله تعالى في كل خطـوة يخطـوها ، فيعرف متى يتقدم ومتى يتأخر ، وأن هـذا العمـل عـليه أن يؤدّيـه أم لا ، وهـذا الأمـر يفكـر فيـه أم لا ، فيجـب الالتفـات إلى أن الله تعالى لم يَكِلِ الإنسان إلى نفسه ليفعل ما يحلو له في هذه الحياة الدنيا ، بل خلقه فيها ليحاسبه على كل شيء بعد أن ينتهي من هذه الدنيا وينتقل إلى الحياة الأخـرى ، فلا بدّ أن يلتفت الإنسان إلى أن هناك حسابـا دقيـقـا على كل فعل يفعله ، وعليه أن يستعد بالأجوبة المناسبة قبل أن يحين الوقت ، فيسأل نفسه الآن : " لماذا فعلتُ هذا الأمر أو تركتُه ؟ هـل أريـد أن أتقرّب إلى الله عز وجل أم أن لي هدفا آخر ؟ " ، والجواب لا بد أن يكون جاهزا ، فيستعد بالإجابة عن كل فعـل يؤدّيه في هـذه الدنيا ، ولنضرب أمثلة من حياتك : لماذا اشتريت هذا البيت ؟ ولماذا اخترت هـذه السيارة ؟ ولماذا سافرت في الصيف ؟ ولماذا لم تلتفت إلى تربية أولادك ؟ ولماذا تركت الأمور بيد زوجتك تدير البيت كيفما تشاء مع أنك القيِّم على بيتـك والمسـؤول أمـام الله عز وجل ؟ ولماذا تلبـس زوجتـك أو بناتك حجابا غير شرعي وتخـرج إلى الخارج بـلا أي إحساس بالغـيرة مـن قِبَلِك ؟ ولماذا تـترك زوجتك تقود السيارة ؟ ولماذا . . ولماذا . . ولماذا . . . ؟
التزام المؤمن بديـن الله ـــ القسـم الأول . . . . . . . . . . . . . . . 21
هذه أمور من واقعنا ، وفي كل نقطة من هذه النقاط نحن بحاجة إلى بحث مستقل لمعرفة وجهة النظر الشرعية لا فقط الحلال والحرام لأنك قد تقول إن كل هذه الأمور جائزة إلا ما كان مخالفا للشرع ، ولكن هل يكتفي المؤمن في هذه الدنيا بأداء الواجـب وتـرك الحرام فقـط أو يجهِّـز الأجوبة الدقيقة لكل أمر من هذه الأمور لأن هنـاك حسابا دقيقا على كل شيء يقوم به الإنسان ؟ ، والله تعالى يقول :
﴿ وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا ﴾ (1) .
إن شاهدنا من الآية الكريمة هو ﴿ هذَا الكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا ﴾ ، قـد يفكر الإنسـان بأشياء صغيرة جدّا ، ولكن مع أنها صغيرة فإن الله سيحاسبه عليـها ، فيجب على الإنسـان حينما يفعـل أي شيء أن يلتفت إلى الله عز وجل ، فهناك رقابة دائمة ومستمرة على الإنسان ، فعليه أن يلتفت إلى ما يؤدّيه بدقة وحذر لأن عين الله لا تنام ولا تغفو .
22 . . . . . . . . . . . . . . . التزام المؤمن بديـن الله ـــ القسـم الأول
الخــلاصــة :
إن المؤمن الحقيقي هو الـذي يكون الإيمان مستقرًّا راسخا في قلبه ، وتأتي كل أعمـاله مـن الأقوال والأفعـال وحتى الأفكار كنتيجة طبيعيـة لا تَصَنُّع ولا تَكَلُّف فـيها بسبب هذا الإيمان الراسخ في نفسـه ، فيؤدّي العبادات مثلا بشكل طبيعي ولا يشعر بثقلها على نفسه بل يؤدّيها باشتياق وسعادة ، وإن من يعبد الله عــز وجل حقّ العبادة لا بدّ أن تـترتّـب عـلى عباداته النتائج المذكورة في الآيـات الكريمـة والروايـات الشريفـة ، لذلـك فـإن المؤمن لا يرائي ـــ على سبيل المثال ـــ إذا كان الإيمان راسخـا في قلبه ، ولا يتصنّع ولا يترك أي عـمل لأن الـناس يراقبونه .
والإيمان لـه ثلاثة جوانب : التـزام قلبي وهو المهم ، والتزام عملي والتزام لفظي .
وسنحاول الوصول إلى معرفة أن المؤمـن كيف يكون ملتـزما التزامـا عمليا بإيمانه لأنه من المفروض أن لا تكون حياتنا كما هي الآن حيث نرى أن كثيرا من المؤمنين يحضرون المساجد والحسينيات ، ولكن حـيـاتـهم لا تـعـبِّر عـن الإيـمان ، فيعيشـون مثـل الإنسان المسيحي ومثل الإنسان اليهـودي بل ومثـل الإنسان الكافر ، فحـياتـهم العملـيـة لا تختـلـف عـن حـيـاة هـؤلاء مـع أنـه مؤمـن بـالله
التزام المؤمن بديـن الله ـــ القسـم الأول . . . . . . . . . . . . . . . 23
ومؤمـن برسـول الله صلى الله عـليه وآلـه ومؤمن بالأئمة عليهم السلام ، فحياتهم لا بـدّ أن تكون مختلفـة عـن حـياة هـؤلاء .
إن الـمؤمـن يـؤمـن بـوجـود الآخـرة والكافـر لا يـؤمـن بـوجـود يـوم للحساب ، فالإيمان بالآخرة لا بدّ أن يقدّم لنا شيئا في هذه الـدنيا ويغـيّر حياتـنا حتى نصل إلى يوم القيامة ونحن مؤمنون حق الإيمان ، وحتى لا يحشر الشخص مع اليهود والنصارى والكافـرين بالله تعـالى .
في روايـة عن جابر بن عبدالله الأنصاري قال : سمعت حبيبي رسول الله صلى الله عليـه وآلـه وسلـم يقول : " من أحبّ قوما حُشِرَ معهم ، ومـن أحبّ عمل قوم أُشْرِكَ في عملهم " (1) .
والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا أبي القاسم محمـد وآلـه الطيـبين الطاهـرين .
القسم الثاني (1)
الحمد لله رب العـالمين وصـلى الله على سـيدنا أبي القاسم محـمد وأهل بيته الطيبين الطاهرين .
مـقـدمــة :
قلنا إنـه إذا أراد الإنسان أن يعتقـد بشيء فلا بدّ أن يكون اعتقاده عن علم ومعرفة ، وبعد أن يعتقـد بهذا الشيء لا بدّ أن يلتـزم بما يتطلّبه هذا الشيء المعتقَد به ، فهناك ثلاثة التزامات لا بدّ أن يلتزم بها ، وهي : الالتزام القلبي وهو المهم ، ويترتب على هذا الالتـزام القلبي الالتزامان اللفظي والعملي ، والمؤمن الحقيـقي هـو من يكون الإيمان مستقرا في قلبه ويعمل بما يتطلّبه هذا الالتـزام القلبي والإيمان الراسخ في القلب ، فأقوال المؤمن وأفعـاله تكون نتيجـة طبيعيـة للالتزام القلـبي والإيمان الراسخ ، ثم
التزام المؤمن بدين الله ـــ القسم الثاني . . . . . . . . . . . . . . . 25
فرَّقـنـا بين المسـلم إسـلامـا ظاهريـا والمؤمـن إيمانـا حـقيقيـا مـن خـلال بعـض الروايـات ، فالمسـلم بالإسـلام الظاهري هو من يتلفّـظ ويعمـل فقـط وقـد لا يكون عنده الالتزام القلبي ، أما المؤمـن الحـقيقي فهو مـن يكون عنده الالتزام القلبي ويكون الإيمان راسخا في قلبـه ، ويكون القول والفعل عنـده مترتبين على الالتـزام القلبي ، وذكرنا مثالا لبعض المؤمنين الذين يحضرون المساجـد والحـسينيات لسنوات طويلـة ومع ذلك نرى أن حياتهم لا تتـغيّر أبـدا ، فيعيـش اليـوم كما كان يعيـش قبـل عـشرين سـنة مثـلا ، إن حضـوره للمساجـد والحسينيات شيء جيد ولكن لا بدّ أن يوجد تأثّر من هذا الحضور ، وترى أن بعض المؤمنين يذهبون إلى الحج والعمرة في كل سنة ، ولكن تجد أن حياتهم ثابتـة لا تتغيّر ، ومعنى ذلـك أنهم لم يتأثـروا بالحـج والعمـرة التأثر المطلـوب ، نعم قامـوا بعمـل ظاهـري وتقوَّلـوا ببعـض الألفاظ ، ولكن هذه الأعمال والأقوال لم تنفذ إلى قلوبهم فلم يتأثروا بهذه الأعمال التي قاموا بها ، ثم ذكرنا بعض الروايات التي تبيِّن أن الإنسان الذي يعبـد الله عز وجل يملأ تعالى قـلبه غنى ويسدّ فاقتـه ، فالإنسـان الذي يعبـد الله حـق العبادة لا بدّ أن تترتب عـلى عبـادته النتـائج المذكورة في الروايـات ، والعبادة لا يقصد بها العبادات الخاصة من
26 . . . . . . . . . . . . . . . التزام المؤمن بدين الله ـــ القسم الثاني
الصلاة والصيام والحج ، بل لا بدّ أن تنقلب كل حياة الإنسان إلى عبادة ، ففي كل أمر يفعله الإنسان لا بدّ أن يؤدّيه كما يريده الله عز وجل ، فإذا فعله كما يريده الله فهو يكون عابدا لله حق العبادة ، ثم وصلنا إلى نتيجة وهي أن المؤمن الحقيقي هو من يكون الإيمان مستقرا راسخا في قلبه وأن أعماله تكون نتيجة لهذا الإيمان الراسخ دون تصنّع وتكلّف أي أنه يؤدي الأعمال بشكل طبيعي ولا يشعر بثقلها على نفسه لأنها نتيجة طبيعية للإيمان المستقر في قلبه .
اعتقاد المؤمـن قائم علـى العـلم :
قلنا إن الشخص الذي يؤمن بشيء لا بدّ أن يكون اعتقاده مبنيًّا على العـلم ، فلا بـدّ أن يكون اعتقـاد المؤمن قائما على العلم والمعرفـة ، فالإنسـان الذي يؤمن بالله لا بـدّ أن يكون اعتقاده بالله قائما على معرفته به تعالى ، ومن يؤمن برسول الله صلى الله عليه وآله لا بدّ أن يكون اعتقاده بالرسول قائما على معرفته بالرسـول ، ومـن يعتقد بالإمامة لا بدّ أن يعرف الإمام عليه السلام وأهمية وجـود الإمام .
ويأتي السؤال التالي وهو : كيف يؤمن الإنسان بشيء مجهول لا يعرف عنه شيئا أو قد يعرف عنه شيئا قليلا غير معتدّ به ؟
التزام المؤمن بدين الله ـــ القسم الثاني . . . . . . . . . . . . . . . 27
فإذا قال الشخص إنني أؤمن بشيء فتسأله عن هذا الشيء فيجيب : لا أعرف ، فكيف يكـون مؤمنا به وهو مجهول لديه ؟!
إذن : الإيمان والاعتقاد لا بدّ أن يكون مبنيّا على المعـرفة ، فالمعرفة والعلم يعطي اقتناعا للشخص فيؤمن بالشيء بعـد علم واقتناع ، فيعلم بالشيء بدقة ويقتنع ثم يؤمن به .
وأوجِّـه السـؤال التالي للشيعي الموالي لأهل البيت عليهم السلام : هل اتخذت هذا المذهب نتيجـة للعلم والمعرفة بعد البحث والتفكير فيه والمقارنة بينه وبين المذاهب الأخرى أو اتّخذته عن طـريق الوراثـة من الوالدين أو من الأهل والأقارب أو من الأصدقاء ؟
صحيح أن الإنسان عندمـا يكون صغيرا يقلِّـد والديـه ، ولكنـه عندما يكبر يجب عليه أن يبحث ليصل إلى الحق ، وقد أعطـاه الله تعالى آلـة يميِّز بهـا بين الحق والباطـل ، والآلـة هي العقل ، فبالعقل يستطيع الإنسان أن يصـل إلى الحق ، ولو لم يعطـه الله عز وجل هذه الآلـة لما كان يمكن لـه تعالى أن يحاسب الإنسان على اعتقاداته وأعماله ، فالحساب يأتي من بعـد إقامـة الحجة ، والحجة على الإنسان هو العقل ، فلا بدّ على المؤمن أن يستعمل عقلـه للوصـول إلى الحق بواسطـة الدليل ، وبعد أن يصل إلى الحـق
28 . . . . . . . . . . . . . . . التزام المؤمن بدين الله ـــ القسم الثاني
بالدليل يقتنع بـه ، وبعـد أن يقتنع يؤمن بـه لا فقـط يؤمـن بـه إيمانـا سطحيا بـل إيمانـا راسـخا لا يمكن أن يتزعزع ، بـل يظل ثابتا على هذا الإيمان مهما حصلت له من أمور ومشاكل .
في رواية عن الإمام الصادق عليه السلام قال : " حجة الله على العباد النبي ، والحجة فيما بين العباد وبين الله العقل " (1) .
وفي روايـة أخرى عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام قال : " اعرفـوا العقل وجنده تهتدوا . . . ، وإنما يدرك الحق بمعرفة العقل وجنوده " (2) .
وفي روايـة ثالثـة عـن الإمـام أبي جعفـر الباقـر عليه السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : " لم يُعْبَدِ الله عز وجل بشيء أفضل من العقل ، . . . " (3) .
إن العقـل هو النبي الباطن ، فكما أن هناك نبيّا ظاهرا يوجد أيضا نبي باطن هو العقل ، والإنسان مسؤول عن عقله الذي أودعـه الله عز وجل عنده ، فيجب عليه أن يستعمل عقله ليصل به إلى الحق .
التزام المؤمن بدين الله ـــ القسم الثاني . . . . . . . . . . . . . . . 29
إذن : يبحـث الإنسـان فيعلم فيقتنع فيعتقـد بما عرفه واقتنع به ، فالاعتقـاد يكون مترتّبـا على العلم والاقتناع ، فيؤمن أوَّلا بالله تعالى بعد أن يعرف الله ، ويؤمن بالرسول صلى الله عليه وآله بعد معرفته ، ويؤمن بالإمام عليه السلام بعد معرفته وإدراك أهميـة وجـوده في حـياتـه ، ويؤمـن بهـذا الديـن بعد معرفته ، فيقتنع بهذا الدين وبأهمية وجود الدين في حياة الإنسان في هذه الدنيـا .
وبعـد الاعتقـاد بهـذا الديـن يأتي دور العمل المبنيّ على الاعتقاد ، فكل عمل يؤديه الإنسان لا بدّ أن يكون مترتبا على اعتقاداته ، وبدون العمـل لا يكون للاعتقاد قيمة ، فالاعتقاد بمثابة الشجـرة ، والعمـل بمثابة الثمرة ، وشجر بلا ثمر لا قيمة لـه ، فالاعتقاد بلا عمـل كالشجـر بلا ثمـر .
إذن : المؤمن الحقيـقي هـو الذي اعتقـد عن قناعة ، وثبت هذا الاعتقاد في قلبه ، والتزم بكل ما يترتب على هذا الاعتقاد من التزامات ، فهذه الأعمال التي يقوم بها الإنسان الذي يؤمن بالله تعالى ويؤمن برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويؤمن بأئمة أهـل البيـت عليهـم السـلام تكون نتيجة للاعتقادات التي اعتقد بها .
30 . . . . . . . . . . . . . . . التزام المؤمن بدين الله ـــ القسم الثاني
يقـول تعـالى :
﴿ وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاء الْحُسْنَى ﴾ (1) .
أي أن العمل الصالح مترتّب على الإيمـان ، والجزاء مترتّب على الإيمان والعمل الصالح معا .
التزام المؤمـن بدين الله نتيجـة لاعـتقاده :
إن نتيجـة اعتقـاد الإنسان عن علم واقتنـاع هي الالتزام بكل ديـن الله ، فالمؤمـن الحقيقي هـو الذي اعتقد بالله عز وجل ، وهذا الاعتقـاد يَجُرُّهُ إلى مجموعة من الالتزامات ، فهو يقيم حياته على أساس هذه الالتزامات ، فـإذا أراد الله شيئا فعله ، وإذا كره الله شيئا تركه ، فهـو يلتزم بكل ما يحبّـه الله عز وجل ويبتعد عن كل ما يكرهه الله عز وجل ، فهو يلتزم بكل دين الله المكوَّن من مجموعة من الاعتقادات والأحكام الشرعية والأخلاقيات وغير ذلك ، وهذا التقسيم والتصنيف للدين إلى عقـائد وأخـلاق وفقه وغيرها إنما هو من أجل تسهيل دراسة الدين بمجموعه ، فقد قَسَّم العلماء الدين إلى هذه الأقسام لتسـهيل المطالب على الـدارس ، ولـم يـقـصـدوا أن الإنـسـان إذا درس العقـائـد فقـط فهـو
التزام المؤمن بدين الله ـــ القسم الثاني . . . . . . . . . . . . . . . 31
يسـتطيع الاكتفاء بذلـك أو إذا درس الفقه فقط فإن ذلك يكفيه في تحركه ، بل يجب على الشخص الذي يريد أن يؤمن بهذا الدين أن يَطَّلِع على كل الجوانب التي تمثـِّل ديـن الله تعـالى حتى يكون مؤمنـا حقيقيا لا مؤمنا ظاهريا ومسلما بالإسلام الظاهري فقط .
إن أساس هذه الالتزامات هو طاعة الله عز وجل ، هذه الـطاعـة المبنـيَّـة علـى الاعتقـاد بالله تعـالى ، فـالمؤمـن يطيع الله في كل خطوة يخطوها ولا يعصيه طرفة عين متعمدا ، وبذلك يكون مؤمـنا حقيقيـا ، ففي روايـة عـن الإمـام الصـادق عليـه السـلام قـال : " الإيمان أن يُطاعَ الله فلا يُعْصَى " (1) .
وفي رواية أخرى عن أبي عمرو الزبيري عن الإمام أبي عبدالله الصادق عليه السلام قال : قلت له : أيها العالم أخبرني أي الأعمـال أفضـل عنـد الله ؟ قـال : " مـا لا يَقْبَـلُ الله شيئـا إلا بـه " . قلـت : وما هـو ؟ قال : " الإيمـان بالله الذي لا إلـه إلا هـو ، أعلى الأعمال درجة وأشرفها منـزلة وأسناها حظًّـا " . قـال : قلت : ألا تخبرني عن الإيمان أقول هو وعمل أم قول بلا عمل ؟ فقال : " الإيمان عملٌ كُلُّه ، والقـول بعض ذلـك العمـل ، بفرض مـن الله ،
32 . . . . . . . . . . . . . . . التزام المؤمن بدين الله ـــ القسم الثاني
بيِّـنٌ في كتابـه ، واضحٌ نورُه ، ثابتةٌ حُجَّـتُـهُ ، يشهد له به الكتاب ويدعوه إليه " (1) .
وعن أمـير المؤمـنين علي عليه السلام أنه قـال : " إن المؤمن لم يأخذ دينه عن رأيه ، ولكن أتاه من ربه فأخذه " (2) .
إن هـذا الدين الذي هو دين الله عز وجل يبيِّن ما يريده الله تعالى في كل جوانب حياة الإنسان : في كل قول يقوله ، وكل كلمة يـنـطـق بـهـا ، وفي كـل عـمـل يعـمـلـه ، وكـل سـلـوك يسـلـكـه ، وفي كـل تصرف يقوم به ، وكل اختيار يختاره ، وفي كل طريق يسير فيه ، فقـد بَيَّنَ الديـن رأيــه في كل أمـر مـن أمـور الحيـاة من أبسـط شـيء ككيفيّـة دخـول الحمَّـام أو كيفيّـة الجلـوس أو كيفيّـة المشـي إلى أعقد الأمور كالعلاقات الاجتماعية بين الناس ، أو كيفية التعامل الصحيح مع الدنيا ، أو إدارة بيت الزوجية أو علاقة الزوج بالزوجة حتى لا تصير القيمومة بيد المرأة ، أو المسائل العلمية المستحدثة التي هي في غايـة التعقيد مثل قضية التلقيح الصناعي والاسـتنساخ ، كيف يريـد الله عـز وجـل أن تُحَـلَّ مثـل هـذه المشـاكل ؟
التزام المؤمن بدين الله ـــ القسم الثاني . . . . . . . . . . . . . . . 33
كل هذه الأمور يجب أن نعرف رأي الدين فيها أي معرفة حكم الله عز وجل ، لذلك فإن كيفيّة معيشة الإنسان المؤمن في هذه الحياة الدنيا ليست خارجة عن أحكام الدين ، وكأمثلـة بسيطة على ذلك كيفيّة اختيـار السيارة وبناء البيت وشراء البضـائع من السوق وماهيّة الملبس والمأكل والمشرب ، ألا يوجـد لله عـز وجـل حكم في كل هذه الأمـور ؟
بالطبع يوجـد حكم لأن لله حكما في كل جوانب الحياة ، ومن هذه الجوانب الأمثلة التي ذكرت ، ألا يحتاج المؤمن إلى رأي الدين ؟
إن رأي الدين ليس خارجا عن حياة الإنسان المعيشية التي يعيشها في كل يوم وفي كل لحظة من حياته ، بم تفكر أيها الإنسان المؤمن ؟
إن هذه الأفكار التي تمـر في ذهنك لله عز وجل رأي فيها .
إذن : من يريد أن يكون مؤمنا حقيقيا لا بدّ أن يلتزم بكل أمـور الديـن وبكل حكم مـن أحكام الدين التي تمثل أحكام الله عز وجل في كل خطـوة يخطوها حتى يَصْدُق عليه أنه فعلا مؤمن حقيقي يؤمـن بالله تعالى ويؤمن بالرسول صلى الله عليه وآله ويؤمن بالأئمـة المعصومين عليهم السلام .
34 . . . . . . . . . . . . . . . التزام المؤمن بدين الله ـــ القسم الثاني
يقول الله تعالى : ﴿ آمـَـنَ الرَّسُولُ بِمــا أُنزِلَ إِلَيــهِ مــن رَبِّـهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمـَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِن رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ﴾ (1) .
من هذه الآية الكريمة يتبيَّن أن رسول الله صلى الله عليـه وآله وسلم يؤمن بما أنزل إليه من ربّه ، وكذلك يفعل المؤمنون ، ثم بعد الإيمان يقولون سمعنا وأطعنا ، فيؤمنون بالله ويطيعون الله عز وجل ، وبعد الإيمان والسمع والطاعة يطلبون المغفرة ، فطلـب المغفـرة مترتّب على الطاعة ، إن الإنسان الذي لا يطيع الله كيف يطلـب مغفـرة الله تعالى ؟! ، فإذا كان يؤمن بالله إيمانـا ظاهريا وهو في الواقع يخالف أوامر الله فكيف يجرؤ على طلب المغفرة من الله وهو عاص لله ؟!
إذن : مـن خـلال هـذه الآية الكريمة يكون المطلوب أولا الإيمان ثم الطاعة ثم طلب المغفرة .
إن هذه المغفرة تكون مترتّبة على الاعتقاد والإيمان بالله عز وجل ، لذلك جُعِلَ التوحيد الأصل الأول من أصول الدين ، والأصـول الأخــرى وإن قـلـنــا إنـهــا أصـول ولـكـنـهـا فـي الـواقـع أمـور
التزام المؤمن بدين الله ـــ القسم الثاني . . . . . . . . . . . . . . . 35
متفرّعة على أصل التوحيد ، فمدار الكون هو التوحيد ، إن الله تعالى هو مدار الكون ، والأمور التي تجري في هذا الكون كلها مبنيّة على أصـل التوحيد ، أما الأصول الأخـرى وفروع الدين وما يتفرّع عنهما من أمور كلها متفرّعة على الأصل الأول الذي هـو توحيد الله عز وجـل ، فالعقائـد والأخلاق والفقه وأمـور الدين كلها تكون مترتّبة على الاعتقـاد بالله عز وجل ، فهو سبحانه الذي تنبع منه الاعتقادات الأخرى .
إن الخطـوة الأولى للإنسان أن يرسّـخ هذا الاعتقاد في نفسه ، فإذا ترسخ هـذا الاعتقاد فإن كل الأمور الأخرى تأتي بشكل طبيعي وبلا تصنّع ولا تكلّف ، فالأمور تجري كما يجري النهر إذا اعتقد الإنسان بالله عز وجل .
إذن : نحن نبـدأ من الله عـز وجـل بالطاعة وننتهي إلى الله عز وجل بطلب المغفرة والثواب الجزيل .
يقول الله تعالى : ﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾ (1) .
إن الإنسـان إذا أطـاع الله عـزّ وجـلّ فإنـه بشكل طبيعي يستحقّ
36 . . . . . . . . . . . . . . . التزام المؤمن بدين الله ـــ القسم الثاني
الجنة بطاعته ، إنه هو الـذي يوجد جنته أو ناره ، ولا يظن أنه سيدخل الجنـة لأن اسـمـه شـيعي ومـوالٍ لأهـل البيـت عليهم السـلام ، ففي روايـة عن الإمام أبي جعفر الباقر عليه السلام قـال : " . . فـوالله مـا شـيعتنا إلا من اتّقى الله وأطاعه . . " (1) .
إذن : بدون التقوى والطـاعة فإن هذا الإنسان وإن كان يطلق عليه ظاهريا لقب شيعي وموالٍ ومحبّ لأهل البيت عليهم السلام ولكنـه في الواقع ليس شيعيا ومحبّا ومواليا حقيقة وإن ادّعى بلسـانه ذلك ، فمن يريـد أن يكون شيعيا حقيقيا لا بد أن يُدْخِـل هـذا الدين في كل خطوة يخطوها ، وأن يعمل بكل أمر مـن أوامر الله تعالى ، وأن يبتعـد عن كل نهي من نواهي الله عز وجل .
وفقـنا الله وإياكـم للعمـل بمـا نعـلم حتى يعلّمنا الله تعالى ما لم نعلم وأن نكون من المتّقين والمطيعين لله عز وجل ، وأن يحشرنا مع محمد وآله الأطهار عليهم السلام .
والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا أبي القاسم محمد وآله الطيبين الطاهرين .
الرسول صلى الله عليه وآله أسوة حسنة (1)
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا أبي القاسم محمد وأهل بيته الطيبين الطاهرين .
قـال الله تعالى في كتابه : ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾ (2) .
مـقـدّمــة :
إن الاحتفـال بمولـد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وبمواليـد أهـل البيت عليهم السلام هو مقدّمة للارتباط بهم سـلام الله عـليهم أجمـعـين ومـعـرفـة دورهـم وإدراك دورنا تجاههـم ، وبالتالي معرفة دورنا تجاه ديننا الحنيف وتجاه الحياة الـدنـيــا والآخــرة ، إن الـرســـول الأكــرم صـلـى الله عـلـيـه وآلــه هــو
38 . . . . . . . . . . . . . . . الرسـول صلى الله عليه وآلـه أسـوة حسنـة
الأسوة الحسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا كما ذكرت الآية الكريمة .
وهنا تطرح الأسئلة التالية : ما معنى الأسوة ؟ ومن هم الذين يتأسَّوْنَ برسول الله صلى الله عليه وآله ؟ وكيف يكون الرسول صلى الله عليه وآله أسوة حسنة ؟
هذه الأسئلة بحاجة إلى أجوبة ، وهذه الآية الكريمة تقول إن الرسول صلى الله عليه وآله أسوة حسنة ، وتوضح صفات الذين يتأسَّون برسول الله صلى الله عليه وآله ، وسأجيب عن هذه الأسئلة .
إن الأسـوة معناها القدوة ، ومـن تَتَّبعُه وتَرْضَى به وتريد أن تكون مثله هو الأسوة ، وبهذا المعنى يمكن أن تكون الأسوة حسنة ويمكن أن تكون سيِّئة ، وفي الآية الكريمة رسول الله صلى الله عليه وآله هو الأسوة الحسنـة أي القدوة الحسنـة أي من تريـد أن تقتدي به وتكون مثله ، فهو المثل الأعلى للإنسان المؤمن لأن المؤمن يحاول أن يصل إلى مقام ومكانة رسول الله صلى الله عليه وآله في قوله وفعله وعمله كله ، فإن حياته صلى الله عليه وآله كانت كلـها قربـة إلى الله تعـالى ، فلـم يكـن يتحـرّك إلا بالـوحي الإلـهي ،
الرسـول صلى الله عليه وآلـه أسـوة حسنـة . . . . . . . . . . . . . . . 39
لم يكن يتحرّك برأيه الخاص حتى يقال إنه كان يخالف أوامر الله تعالى أحيانا ، يقول الله تعـالى :
﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى ﴾ (1) .
إذن : رسول الله صلى الله عليه وآله هو قدوة الإنسان المؤمن ، والمؤمن يحاول أن يتـأسَّى ويقتدي به صلوات الله وسلامه عليه وآله الطاهرين .
لم تقل الآية الكريمة إن كل من تسمَّى بالإيمان يكون متأسِّيا بالرسول صلى الله عليه وآله ، وإنما ذكرت صفات معيّنة للذين يتّخذونه قدوة ، وهذه الصفات المعيّنة تنطبق على من كان فيه الإيمان حقيقة لا ظاهرا فقط ، إن المؤمن الظاهري لا يكون متّخذا رسول الله صلى الله عليه وآله قدوة ، وإنما الذي يكون مؤمنا في واقعه وبحسب باطنه هو الذي يتأسَّى به ، فمن وصل إلى حقيقة الإيمان هو الذي يتأسى به صلى الله عليه وآله .
ولقد ذكرت الآية الكريمة ثلاث صفات للمؤمن الحقيقي الذي يتبع رسول الله صلى الله عليه وآله ، وهذه الصفات هي :
40 . . . . . . . . . . . . . . . الرسـول صلى الله عليه وآلـه أسـوة حسنـة
1ـــ من يرجو الله تعالى .
2ـــ من يرجو اليوم الآخر .
3ـــ من يذكر الله كثيرا .
إن من يرجو الله تعالى هو من يتعلَّق قلبه بالله فيؤمن به ، وهذا الإيمان ليس أمرا ظاهريا فقط ، بل هو أمر قلبي باطني ، وهذا التعلق القلبي بالله يدعو إلى العمل ، وهذا العمل يكون منطلقـه التأسِّي برسول الله صلى الله عليه وآله ، فالمؤمن الحقيقي هو الذي يرجو الله ويؤمن بالله عز وجل ، ويقول الله تعالى له :
﴿ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُـوا وَاتَّقُـوا اللَّـهَ إِنَّ اللَّـهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾ (1) .
إن المؤمن يكون مطيعا لله تعالى فيأخذ ما يأتي به الرسول صلى الله عليه وآلــه ويترك ما ينهى عنه ، وهـذا يعني أنه يتّخذه قدوة ، ومثـل هذا المؤمن الذي يأخذ أوامر الرسول صلى الله عليه وآلـه ويترك نواهيه هو المؤمن الحقيقي ، هو الذي يرجو رحمة الله
الرسـول صلى الله عليه وآلـه أسـوة حسنـة . . . . . . . . . . . . . . . 41
تعالى لأن رجاءه قائم على العمل ، ويرجو ثواب الله عز وجل لأنه أدّى ما يطلبه الله تعالى منه ، وما يطلبه الله تعالى منه يكون عن طريق رسوله صلى الله عليه وآله ، فالرسول هو الوسيلة إلى الله تعالى .
إذن : المؤمن الذي يرجو الله هو الذي يتعلَّق قلبه بالله تعالى ، ونتيجة هذا التعلُّق هو التأسِّي برسول الله صلى الله عليه وآله أي يفعل الأوامر ويترك النواهي .
إن من يرجو الآخرة هو من يرجو أن يدخل الجنة ، ومن يرجو أن يدخل الجنة لا بدّ أن يكون قد عمل في الدنيا بما آتاه الرسول صلى الله عليه وآله وابتعد عما نهاه عنه أي اتخذ الرسول قدوة له ، ومثل هذا المؤمن الحقيقي هو الذي يرجو أن يلقى الله ورحمته وثوابه يوم القيامة ، يقول الله تعالى :
﴿ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ﴾ (1) .
ويقـول تعالى :
42 . . . . . . . . . . . . . . . الرسـول صلى الله عليه وآلـه أسـوة حسنـة
﴿ إَنَّ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا وَرَضُواْ بِالْحَياةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّواْ بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمُ النُّارُ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ﴾ (1) .
إن من يرجو الآخرة فإن هذه الحياة الدنيا وما فيها من شهوات ورغبات كلها ليس لها قيمة ، فالمؤمن الحقيقي يكون إنسانا أخرويًّا ويكون نظره إلى الآخرة ويأخذ من الدنيا بما ينفعه في الآخرة ، فتكون بذلك كل أعماله خالصة لوجـه الله تعالى حتى الأعمال الصغيرة التي يؤديها تكون موجَّهة لله عز وجل .
إذن : من يرجو الآخرة يعيش في هذه الدنيا ولكن قلبه يكون متعلِّقا بالله عز وجل وبالملأ الأعلى .
إن ذكر الله تعالى لا يكون باللسان فقط ، فالذكر اللساني هو نوع من الذكر ، ففي رواية عن الإمام الصادق عليه السلام قال : " وكان أبي عليه السلام كثير الذكر ، لقد كنت أمشي معه وإنـه ليذكر الله ، وآكل معه الطعام وإنه ليذكر الله ، ولقد كان يحدِّث
الرسـول صلى الله عليه وآلـه أسـوة حسنـة . . . . . . . . . . . . . . . 43
القوم [ و ] ما يشغله ذلك عن ذكر الله ، وكنت أرى لسانه لازقا بحنكه يقول : لا إله إلا الله " (1) .
إن هذا الذكر اللساني لا يكون لقلقة لسان فقط ، بل يكـون منطلقا من القلب ، فإذا كان القلب ذاكرا لله فإن النتيجة الطبيعية هي أن اللسان يكون ذاكرا لله أيضا ، ولكن العكس ليس صحيحا ، فليس كل من ذكر الله باللسان يكون ذاكرا لله حقيقة ، فكم من شخص يقول : " لا إله إلا الله " ؛ وهـو في نفس الوقت يشرك بعبادة ربّه حينما يطيع شهواته ورغبـاته النفسية ، يقول الله تعالى :
﴿ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ ﴾ (2) .
إن الإيمـان يكون فيه شرك ، فالإيمـان يجتمع مع الشرك ، وهذا الشرك شرك طاعة لا شرك عبادة كما في رواية عن الإمام الباقر عليه السلام (3) ، فالإنسان عندما يطيع شهواته فإنه يكون قد اتخذها إلها له ، وبذلك يكون مشركا بالله شرك طاعة لأنه يطيع الشيطان والشهوات .
44 . . . . . . . . . . . . . . . الرسـول صلى الله عليه وآلـه أسـوة حسنـة
إن الذاكر لله حقيقـة هو الذي يتذكر الله تعالى عند كل فعل يريد أن يفعله ، فإن كان واجبـا فعله ، وإن كان حراما تركه ، وهذا هو الذكر الحقيقي المنطلق من القلب ، ففي رواية عن الإمام الصادق عليه السلام في معنى ذكر الله أنه قال :
" أما إني لا أقـول سبحـان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر وإن كان منه ( أي أن هذا الذكر اللساني نوع من الذكر ) ، ولكن ذِكْر الله عند ما أُحِلَّ له وذِكْر الله عند ما حُرِّمَ عليه " (1) .
إن الذكر الفعلي هو الذكر الحقيقي ، نعم الذكر اللساني نوع من الذكر ، ولكن الذكر الحقيقي يكون عند الفعل عندما يريـد أن يفعل شيئا فيتذكر الله فيُقْدِم على هذا الفعل إذا كان فيه رضا الله أو يقف إذا كان فيه غضب الله ، إن المؤمن الحقيقي هو الذي يذكر الله قولا وفعلا ويحاول أن لا يغفل عن ذكر ربّه طرفة عين ، فالمؤمن الحقيقي هو الذي يعيش إيمانه في كل لحظة يحياها وفي كل خطوة يخطوها ، بل في كل فكرة تخطـر في ذهنه ، فهو لا فقط يبتعد عن المحرمات ، بل أكثر مـن ذلك فهو لا يفكر في فعل الـمحرّمـات ، فكـمـا أن أعـمالـه صـالـحـة كـذلـك فـإن أفـكـاره ونـيّـتـه
الرسـول صلى الله عليه وآلـه أسـوة حسنـة . . . . . . . . . . . . . . . 45
صالحة ، ويصف الله تعالى الذاكرين له بأنهم أولو الألباب وهم العقلاء ، فالذاكرون لله هم العقلاء حسب الآية الكريمة ، يقـول الله تعالى :
﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾ (1) .
ويقول تعالى عن الغافلين : ﴿ وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا ﴾ (2) .
إن الذي يغفل عن ذكر الله يصير متَّبِعًا لهواه ولشهواته لأنه عندما يريد القيام بأي عمل فإنه يغفل عـن أوامر الله ونواهيه ، بل قد يكون عالمـا بالأوامر والنواهي ومع ذلك لا يعمل بها لأنه لا يذكر الله عـز وجل عندمـا يريد أن يؤدي العمل ، بل يَتَّبِع ما تمليه عليه رغباته الخاصة فيكون عابدا لشهواته ورغباته .
46 . . . . . . . . . . . . . . . الرسـول صلى الله عليه وآلـه أسـوة حسنـة
إن التأسِّي به صلى الله عليه وآله يعني اتخاذه قدوة في كل ما تريد أن تقوله وتفعله ، ويمكن معرفة أقواله وأفعاله صلى الله عليه وآله عن طريق الرجوع إلى الآيات الكريمة والروايات الشريفة ، ولكن لا يمكن لكل أحد أن يستنبط الأحكام الشرعية مـن الآيات والروايات ، بل لا بد من الرجوع إلى أهل الاختصاص في الحوزات العلمية ، فكل مؤمن يرجع إلى مرجعـه في التقليـد أو إلى مـن ينقل عنهم ، فيجب الرجوع إلى المرجعية الصالحة والعلمـاء الصالحين في القضايا الشرعيـة ، ولا يعتمد الإنسان على نفسه في فهم واستنباط الأمـور الشرعية من الكتاب الكريم والسنة الشريفة لأن للاستنباط أصولا وقواعد ، وهذه الأصول والقواعد لا يمكن لكل أحد أن يعرفها إلا بعد الدراسة ، وهذه الدراسة تكون في الحوزات العلمية ، لذلك تأتي أهمية الحوزات العلمية وأهمية بقائها واستمرارها ، فالحوزة العلمية معلم من معالم مذهب أهل البيت عليهم السلام ، وهذا المعلم سيبقى إلى ظهـور الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف ، فلا بد من الرجوع في أمورنا الشرعية إلى المختصّين بها في الحوزات العلمية ، والدين الإسلامي لا يمكن الحفاظ عليه إلا عن طريق الحوزات ، ويخطىء
الرسـول صلى الله عليه وآلـه أسـوة حسنـة . . . . . . . . . . . . . . . 47
من يقول إننا لسنا بحاجة إلى الحوزات وإلى العلماء المتخرِّجين منها ، وهذا كمـن يقول إننا لسنا بحاجة إلى كليات الطب ولا إلى الأطباء المتخرجين منها .
إن المؤمن الحقيقي هو الذي يأخذ دينه من الله عز وجل عن طريق الرسـول صلى الله عليه وآله وعن طريق الأئمة عليهم السلام ، وفي عصر الغيبة الكبرى عن طريق العلماء الصالحين الذين هم وكلاء ونواب عن الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه وسهل مخرجه .
إذن : المؤمن يرجع إلى من يُقَلِّده في أخذ المسائل الشرعية ، ولا قيمة لرأي الإنسان الشخصي ولا لتشخيصه ولا لقوله إن هذا هو تكليفي الشرعي إذا لم يكن مُدْعَمًا بفتوى مرجع التقليد ، فلا يجوز للشخص أن يقول إن هذا حلال وهذا حرام وهذا تكليفي الشرعي وهذا تشخيصي إلا بعد الرجوع إلى المرجعية ، فهو يرجع إلى مرجع التقليد ليأخذ الحلية والحرمة والوجوب والاستحباب والكراهة ، ففي رواية عن الإمام الباقر عليه السلام قال : " من أفتى الناس بغير علم ولا هدى من الله لعنته ملائكة الرحمـة وملائكة العذاب ولحقه وزر من عمل بفتياه " (1) .
48 . . . . . . . . . . . . . . . الرسـول صلى الله عليه وآلـه أسـوة حسنـة
وفي روايـة أخرى عن الإمام الصادق عليـه السلام قال : " من أفتى الناس برأيه فقد دان بما لا يعلم ، ومن دان بما لا يعلم فقد ضادَّ الله حيث أحلّ وحرّم فيما لا يعلم " (1) .
إن المؤمـن في تحركه إلى الله عـز وجل يحتاج إلى العلم الذي يعطيه بصيرة في اتجاهه إليه تعالى ، وهو يأخذ علمه من المرجعية الصالحة والعلماء الصالحين ولا يأخذه من رأيه الشخصي الخاص ولا ممن ليس عنده علم بالأمـور الشرعية ؛ لأن الجاهل لا يملك البصيرة في تحركه فكيف يريد أن يوضح الطريق لغيره ؟ !
الخـلاصــة :
الأسوة معناها القدوة ، ورسول الله صلى الله عليه وآله هو قدوة المؤمن ، وليس كل من تسمَّى بالإيمان يكون متأسِّيا برسول الله صلى الله عليه وآله ، بل الذي يكون فيـه ثلاث صفات ، الصفة الأولى أنه يرجو الله عز وجل ، والصفة الثانية أنه يرجو اليوم الآخر ، والصفة الثالثة أنه يذكر الله كثيرا ، ومعنى يرجو الله أن قلبه متعلِّق بالله عز وجل ، ومعنى يرجو اليوم الآخر أن قلـبـه متعلِّـق بالآخـرة ومتخـلٍّ عـن الحيـاة الدنيـا ومـا فيهـا ، ومعـنى
الرسـول صلى الله عليه وآلـه أسـوة حسنـة . . . . . . . . . . . . . . . 49
يذكـر الله كثيرا أنـه لا يغفل عن ذكر الله تعالى في تحركه وأعماله ، ونتيجة هذه الصفات الثلاث هي العمل المبني على العلم الذي يأخذه المؤمن من العلماء الصالحين .
فلنسع جميعا لأن نكون ممن يتخذ رسول الله صلى الله عليه وآله قدوة في حياتنا الدنيا حتى يشفع لنا في الآخرة .
والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا أبي القاسم محمد وآله الطيبين الطاهرين .
شجرة الإيمان وشجرة الكفر *
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا أبي القاسم محمد وأهل بيته الطيبين الطاهرين .
قال الله تعالى في كتابه الكريم :
﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ ﴾ (1) .
مـقـدمــة :
في البداية أسأل هذا السؤال : ما معنى قولنا إن هذا الإنسـان مؤمن ؟
شجرة الإيمان وشجرة الكفر . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . 51
ومن هـذا السؤال تأتي عدة أسئلة إلى أذهاننا ، منها : ما معنى الإيمان ؟ وكيف يكون الإيمان ؟ وبم يؤمن هـذا المؤمـن ؟ وما هي معـالم وعلامات الإيمان ؟ وماذا يترتب على الإيمان ؟
إلى غير ذلك من الأسئلة الكثيرة التي تتفرّع على قولنا : " إن هذا الإنسان مؤمن " .
الإيمـان مترابط الأجـزاء :
إن الإيمان بالله تعالى كلٌّ مترابط لا يتجزَّأ ، فالمؤمن الحقيقي هو الذي ينصاع وينقاد إلى طاعة الله في كل ما يريده الله تعالى ، فإن أمره الله بشيء أخذ به ، وإن نهاه عن شيء تركه ، فهو يطيع الله تعالى في كل أوامره ويبتعد عن كل نواهيه ، وهذا تعبير مختصر عن الإنسان المؤمن ، ولكن يحتاج إلى تفصيل .
حـقيقـة الإيمــان :
إن الإيمـان في واقعه ليس عبارة عن الأعمال الخارجيـة التي يؤديها الإنسان ، فالإنسان يصلي ويصوم ويزكي مثلا ، فهل هذا هو معنى الإيمان أو أن للإيمان معنى آخر ؟
إن حقيقة الإيمان تكون في القلب ، فالإيمان أمر قلبي نفسي باطني داخلي ، والأعمال الخارجية تكون مترتّبة على هذا الأمر النفسي المنطلق من أعمـاق القلـب ، فالمؤمـن يكـون قلبـه أوَّلا مؤمنـا
52 . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . شجرة الإيمان وشجرة الكفر
بالله تعالى ثم ثانيا تأتي هذه الأعمال الخارجية كثمار لهذا الإيمان القلبي ، يقول تعالى :
﴿ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ ﴾ (1) .
إذن : الإيمان موطنه القلب ، والأعمال الخارجية تكون مترتّبة على الإيمان القلبي ومعبِّرة عنه .
تشبيه الإيمان بالشجـرة :
بما أن الأعمال الخارجية تكون ثمارا للإيمان لذلك يمكن تشبيه الإيمان بالشجرة ، ولنطلق عليها شجرة الإيمان أو الشجرة الإيمانية .
ملاحـظـة هـامـة :
إن تشبيه الأمر المعنوي بأمر مادي ـــ أو كما يقـال تشبيه الأمر المعقول بأمر حسِّي ـــ بسبب وجود وجه للشبه بينهما إنما هو من أجل تقريب صورة الإيمان إلى ذهن السامع لأن تصوّر الأمور المادية سهل على الذهن ، والقرآن الكريم اتَّبع هـذا الأسلوب حيث يشبِّه الشيء المعنوي بشيء مادي موجود يعرفه السامع أو القارىء حـتى يجـسِّـد الشـيء المعـنـوي فيمكـن تصـوّره مـن قِبَلِ مـن يسمـع أو
شجرة الإيمان وشجرة الكفر . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . 53
يقرأ القرآن الكريم .
إذن : عندنا شجرة هي شجرة الإيمان في مقابل شجرة الكفر .
لنرجـع مرة أخرى إلى الآية الكرية التي قرأتها في أول الموضوع وهي :
﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ ﴾ .
لنطلق على هذه الشجرة شجرة الإيمان التي نأخذها من التشبيه في قوله تعالى " كشجرة طيبة " ، وفي مقابـل هذه الشجرة توجد شجرة أخرى هي شجرة الكفر ، ونأخذها من التشبيه في قوله تعالى " كشجرة خبيثة " ، ولكل من الشجرتين فروع وثمار إما حقيقية وإما وهمية .
يقول السيد العلامة الطباطبائي رضـوان الله تعالى عليه في تفسيره الميزان : " إن الشجرة الطيبة هي الاعتقـاد الحق الثابت أو شجرة التوحيد ، والقول بالوحدانية والاستقامة عليه هو حق القول
54 . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . شجرة الإيمان وشجرة الكفر
الذي لـه أصـل ثابـت محفـوظ عـن كل تغيُّر وزوال وبطـلان وهـو الله عـز اسمـه ، ولـه فـروع مـن عقائـد حقّـة وأخـلاق زاكيـة وأعمـال صالحة " (1) .
إذن : هذه الشجرة يسميها العلامة الطباطبائي رضوان الله تعالى عليه شجرة التوحيد ، ويمكن أن نطلق عليها شجرة الإيمان بالله تعالى ، وهذه الشجرة لها أصل ثابت وهو الله عز وجل ، ولها فروع تمتـد إلى السماء وتصعـد بالإنسان إلى الأعلى نحو الكمال ، وهذه الفروع لها ثمار هي ثمار الإيمان من العقائد الصحيحة والأخلاق الزاكية والأعمال الصالحة .
إن دور المؤمن أن يعرف هذه الثمار الصالحة حتى يقتطفها ويأخذها ويأكل منها ويجسد آثار الإيمان في حياته ، وبدون الأخذ من ثمار الإيمان لا يمكن للإنسان أن يدَّعي أنه مؤمن بالله تعالى ومؤمن بهذه الشجرة الإيمانية .
شـجـرة الكـفــر :
وفي مقابل هذه الشجرة توجد شجرة أخرى هي شجرة الكفر الـتي تجـمـع كـل رأي وكـل مـذهـب وكـل خـط وكل مدرسـة وكل فكـر
شجرة الإيمان وشجرة الكفر . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . 55
يعارض الإيمان ويحاربه ويعمل ضدّه ، وهذه الشجرة ليس لها قرار واستقرار ، بل هي شجرة مقطوعة ليس لها أصل ولا لها فروع ، ولها ثمار ولكنها ثمار وهميّة خياليّة يتوهّم الإنسان أنها ثمار ، ولكنها في الواقع سراب يصل إليه الإنسان فيجده لا شيء ، يقول الله تعالى :
﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴾ (1) .
إن أعمـال الكافرين كلهـا سراب ، يظنون أنهم وصلوا إلى شيء ، ولكن هذه الأعمال في الواقع كلها لا شيء ، فيأتون يوم القيامة ويجدون أن أعمالهم كلهـا سراب ، فهي عبارة عن أوهام كانوا يعيشونها ، والأوهام لا تنتج إلا وهما ، أما الإنسان المؤمن الذي يأخذ بشجرة الإيمان فإنه يأخذ ثمارا حقيقية واقعية .
ثمـار شجـرة الإيمـان :
إن من يكون الإيمان راسخا وثابتا في قلبه فإن أعماله تكون صالحـة لأنهـا منطلقـة مـن إيمانه ، ولا يمكن أن يُتَوَقَّع من الإنسان
56 . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . شجرة الإيمان وشجرة الكفر
المؤمن أن يأتي بأعمال فاسدة ، بل لا يُتَوَقَّّع منه إلا الأعمال الصالحة التي هي ثمار شجرة الإيمان ، ولا يتوقع منه الأعمال الطالحة التي هي ثمار شجـرة الكفر ، لذلك تأتي الرواية عن أمير المؤمنين عليـه السلام في صفات المتقين قـال : " الخير منه مأمول والشر منه مأمون " (1) .
فالمؤمن لا يُتَوَقَّع منه الشّـرّ ، فكل أعمـاله تكون أعمال خير وصلاح ، وفي رواية عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام قال : " فالمؤمن من يتقلّب في خمسة من النور : مدخله نور ومخرجه نور وعلمه نور وكلامه نور ومصيره يوم القيامة إلى الجنة نور " (2) .
بل أكثر من ذلك نستطيع أن نقول إن المؤمن الحقيقي حياته كلها نور لأنها تكون في سبيل الله عز وجل ، وعمله كله لله ، فبدايته نور ونهايته نور حيث سينتهي إلى الجنة لأن الجنة الأخروية هي انعكاس وتجسيد للحياة الدنيوية لهذا المؤمن ، فالجنة التي يحصل عليها المؤمن هي في واقعها نتيجة للحياة الدنيوية التي عاشها ، فحياته وأعماله تتجسّد هناك ، فدخوله إلى الجنة نتيجة طبيعية لحياته الدنيوية .
شجرة الإيمان وشجرة الكفر . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . 57
إذن : هذه الشجـرة الإيمانيـة التي هـي شجـرة الله يجب على المؤمن أن يعرفهـا ، وأن يسعى إلى تجسيـد ثمارهـا في حياته ، ولا يكون الإنسان مؤمنا إلا أن يعتقـد بهذه الشجرة الإيمانيـة وبثمـارها التي تعطي الأعمال الصالحة في كل حين بإذن ربها لأن هذه الشجرة هي شجرة الله عز وجل ، ولا يأتي من الله إلا كل ما هـو خيـر وصالح ، ولا يمكـن أن نتوقّع أن تثمـر هذه الشجـرة الإيمانيـة الأعمـال الفاسـدة والانحـرافات المختلفـة .
دور المـؤمـن تجـاه شـجـرة الإيمـان :
وبعد ذلك يأتي دورنا بعد أن عرفنا بوجود شجرة تسمى بالشجرة الإيمانية وأن هذه الشجرة لها فروع وثمار، فما هو دورنا تجاه هذه الشجرة ؟
إن من يقول إنه مؤمن عليه أن يراجع نفسه ليرى هل توجد هذه الشجرة الإيمانيـة عنده أم لا ؟ وهل يعتقد بها اعتقادا راسخا أم لا ؟ وهل هو مقتنع بها اقتناعا تاما ؟ وهل أعماله كلّها وحياته كلّها وخطواته كلّها وأفكاره كلّها قائمة على أساس هذه الشجرة أم أن الشجرة التي يعتقد بها في الواقع لا ثمار لها ولا جذور لها لعدم تمكن الإيمان من قلبه ؟ ، فيراجع نفسه ليرى هل حياته قائمـة على أسـاس شجـرة الإيمـان أم على أسـاس شجرة الكفر أم
58 . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . شجرة الإيمان وشجرة الكفر
على أساس خليط من الشجرتين ؟
إن المؤمن قد يعتقد ببعض الاعتقادات التي تكون في واقعها عقائد من شجرة الكفر ، فيخلط بين الشجرتين وهو يدَّعي أنه مؤمن ، إن المؤمن الحقيقي هو الذي يعتقـد بكل شجرة الإيمان ولا يخلط بين الشجرتين ، فإذا أخذ من الشجرتين فيكون من مصاديق قوله تعالى :
﴿ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ (1) .
﴿ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ ﴾ (2) .
إذن : من يريد أن يكون مؤمنا حقيقيّا يجب عليه أن يتمسّك بشجـرة الإيمـان ويأخذ ثمارها ويترك الثمار الوهميّة لشجرة الكفر ، وأوّل ما يجب عليه فعله هو معرفة هاتين الشجرتين وثمارهما ، ثم يأخذ بالثمرة إن كانت من ثمار شجرة الإيمان ، ويتركها إن كانت من ثمار شجرة الكفر .
شجرة الإيمان وشجرة الكفر . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . 59
إن الجواب واضح وهو أنه يمكن أن نعرف ثمار شجرة الإيمان من القرآن الكريم والسنة الشريفة ، فالقرآن الكريم يبيِّن لنـا ثمار شجرة الإيمان ، وكذلك روايات أهل البيت عليهم السلام ، فعلى المؤمن أن يسعى إلى معرفـة الكتاب والسنة معرفة تفصيلية لا مجرد أفكار عامة مجملة ضبابية غير واضحـة حتى يعرف الطريق الذي يريد أن يسلكه ويكون سائـرا على صراط الله المستقيم ، هذا الصراط المتمثِّل برسول الله صلى الله عليه وآله وبأهل بيته عليهم السلام .
إذن : لمعرفة ثمار شجرة الإيمان لا بد من الرجوع إلى الكتاب الكريم والسنة الشريفة .
وقد تسأل بعض المؤمنين : هل تؤمن بشجرة الإيمان ؟
فيقول : نعم .
فتسأله : هل تقرأ القرآن ؟
فيقول : لا .
وتسأله : هل عندك اطلاع على روايات أهل البيت عليهم السلام ؟
فيقول : لا .
60 . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . شجرة الإيمان وشجرة الكفر
وهذه المشكلة نعيشها الآن وهي عدم قراءة المؤمنين للقرآن الكريم قراءة تَدَبُّر ، وعدم اطلاعهم على روايات أهل البيت عليهم السلام اطلاع تَفَكُّر ، بل عدم القراءة أصلا إلا قراءة العناوين الرئيسة في الجرائد ، وهذا لا يعطي علما للمؤمن ، والمفروض أن المؤمن يخصّص جزءا من وقته للاطلاع على دينه ولمعرفة معالم إيمانه ، ومع الأسف أن هذا الأمر مفقود عند الإخوة الأعزاء .
الخـلاصــة :
الإيمان بالله تعالى كُلٌّ مترابط لا يتجزأ ، ويمكن تشبيه الإيمان بالشجرة التي يكون أساسها الله عز وجل ، وتتفرّع عليه العقائد الحقّة والأخلاق الزاكية والأعمال الصّالحة ، وفي مقابل هذه الشجرة توجد شجرة الكفر التي تكون منبع العقائد الباطلة والأخلاق المنحرفة والأعمال الطالحة ، وعلى المؤمن أن يسعى لمعرفة هاتين الشجرتين ومعرفة ثمارهما ليأخذ بالثمار الحقيقية للشجرة الإيمانية الخالصة ويترك الثمار الوهمية لشجرة الكفر ، ولا يخلط بين ثمار هاتين الشجرتين في حياته حتى يكون فعلا مؤمنا حقيقيا ويعيش الإيمان الحقيقي ، ولا يكون الإيمان لَعْقًا على لسـانه ، بـل تكـون حياتـه قائمـة على أسـاس الإيمـان ، وبذلـك
شجرة الإيمان وشجرة الكفر . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . 61
يكون مؤمنا حق الإيمان ، وتكون أقواله متناسبة مع أفعاله وعقائده ، فلا يكفي أن يقول الشخص : " إني أعتقد بهذا الشيء " ، ثم لا يأخذ بالأعمال التي تترتّب على هذا الاعتقاد ، فإذا لم يلتزم بما يترتّب عليه ففي الواقع لا يوجد أصلا اعتقاد عنده بهـذا الشيء أو أن اعتقاده ضعيف يزول بسرعة مع أقل هبة ريح ، وحياة الناس الآن قائمة على خليط من الشجرتين ، فيجب علينا جميعا أن نراجع أفكارنا حتى نرى هل هي نتاج خالص من شجرة الإيمان أو أن كثيرا منها هي نتاج شجرة الكفر دون أن نشعر بذلك ؟
وقـد نكتشف أن كثيرا من العقائد والأقوال والأعمال التي نقوم بها هي من ثمار شجرة الكفر ونحن غير ملتفتين إلى ذلك .
وفقنا الله تعالى وإياكم إلى العمل بما يريده الله عز وجل من الأعمال الصالحة وأن نعلم بثمار شجرة الإيمان وأن نعمل بها ونجسّدها في حياتنا العملية ، فالعلم أولا ثم العمل بتطبيق هذا العلم على حياتنا حتى تكون حياتنا الدنيوية قائمة على أساس شجرة الإيمان وشجرة التوحيد ، وبذلك نكون فعـلا مـن المؤمنين ، وتكون أقوالنا متوافقة مع أعمالنا ، وتكون أعمالنا متوافقة مع أقـوالنـا وعقـائدنا ، ولا تكـون حياتنـا خليـطا مـن ثمـار الشـجرتين ،
62 . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . شجرة الإيمان وشجرة الكفر
فلا نكون من المؤمنين الصالحين المخلصين ، ومن لا يكون مؤمنا خالصا فهو ليس بمؤمن بل يكون مشركا بالله عز وجل شرك طاعة دون أن يدرك ذلك .
والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا أبي القاسم محمد وآله الطيبين الطاهرين .
الارتباط بين حبّ الله واتّباع الرّسول
صلّى اللّه عليه وآله
القسم الأول *
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا أبي القاسم محمد وأهل بيته الطيبين الطاهرين .
قال الله تعالى في كتابه الكريم : ﴿ قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ (1) .
مـقـدمــة :
ما زلنا نتحدث في جوانب الإيمان ، وفي البداية أسأل بعض الأسئلـة تمهيـدا لهـذا الموضـوع : هل نحن فعلا نحب الله عـز وجل ؟ وهل نحن فعلا مُتَّبِعون لرسول الله صلى الله عليه وآله ؟ وهل يحبّنا الله عز وجل ؟
64 . . . . . . . . . الارتباط بين حب الله واتباع الرسول ـــ القسم الأول
مـثـال :
أبدأ الحديث بمثـال واقعي من حياتنا ، ومن خلال هذا المثال أدخـل إلى صلب الموضوع ، لنعط أربع قسـائم لأربعة أشخاص من اتجاهـات مختلفـة : مسلم ومسيحي ويهودي وكافر ، ونطلب من كل واحد منهـم أن يبني قسيمته وأن يفرشـها بالأثاث ، وبعد ذلك ندخل إلى هذه البيوت الأربعة فمـاذا نشاهد ؟
نرى أن البيـوت الأربعة متشابهة في طريقة وكيفية البناء وفي الفـرش والأثـاث مع أنهم من أديـان ومذاهب مختلفـة ، فالأول يقـول إني مسلـم شيعي ومـوالٍ لأهـل البيت عليهم السـلام ، أو إني مسلـم على نهج أهـل السنة ، والثاني يقول إني مسيحي أؤمن بالمسيح عليه السلام ، والثالث يقول إني يهودي أؤمن بموسى عليه السلام ، والرابع يقول إني كافر لا أؤمن بوجود الله ولا بالأنبياء ولا بالمعاد ويوم القيامة .
نأتي إلى الشخص الذي يقول إنه مسلم شيعي ، وسيكون كلامي معه فأسأله : هل تحب الله عز وجل ؟
فيقول : نعم .
وأسأله : هـل تحب رسول الله صلى الله عليه وآله ؟
فيجيب : نعم .
الارتباط بين حب الله واتباع الرسول ـــ القسم الأول . . . . . . . . . 65
وأسألـه : هل تحب أهل البيت عليهم السلام ؟
فيقول : نعم .
وسيضيف قائلا : إن سؤالك غريب ، فكيف تسألني هـذا السؤال وأنت تعلم أنني شيعي ؟
إن المحبّة القلبيـة لأي شيء من الأشياء هي مجرد عاطفة ، فالإنسـان إذا أحب شيئـا فإن هذا الحب يبـقى في حيّز العاطفة ، ولكن الشيء الطبيعي أن الإنسان إذا أحبّ شيئا فإنه يتّجه إليه ويحاول الحصول عليه .
مثلا : إذا أحب طعاما معيَّنا فإنه يسعى إلى طبخه والالتذاذ بأكله أو يذهب إلى المطعم ، ويعطونه قائمة الطعام فيختار الطعام الذي يحبه ، وصديقـه الـذي معه يطلب طعاما آخر ، وذلـك لأن كلا منهمـا يحـاول الحصول على ما يحب .
ومن عادة الإنسان أنه يسعى للحصول على ما يحب ويشتهي ، وبدون هذا السعي يظل هذا الحب في نطاق القلب ولا ينتج ثمرة عملية خارجية ، وهذا الحب الذي يظل في القلب فقط تكون مثل الشجرة الجافة التي لا تثمر ، وهـذا الحب يثمر إذا انتقل من القلـب وتجسَّـد في الخـارج ، مثـل هـذا الشخـص يقـال عنه إنه فعلا
66 . . . . . . . . . الارتباط بين حب الله واتباع الرسول ـــ القسم الأول
يحبّ هذا الطعام بعد أن جسَّده في الخارج .
النتيجــة :
إن الحب الذي يظل في نطاق القلب في الواقع هو حب زائف لا حقيقي ، فوجود هذا الحب كعدمه ، فالحب الحقيقي هو الذي يعطي ثمارا خارجية وينتج حركة خارجية مبنيَّة على أساس هذا الحب .
حـب المـؤمـن للـه تعـالى :
نأتي إلى الآية السابقة : ﴿ قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ ﴾ .
إن الحب الحقيقي لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وآله ولأهل بيته عليهم السلام كيف يكون حبّا حقيقيا حيث إننا ندَّعي أننا نحب الله ورسوله وأهل بيته سلام الله عليهم أجمعين ؟
في الآية الكريمة توجد جملة شرطية هي ﴿ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي ﴾ ، فعل الشرط هو ﴿ كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ ﴾ ، وجزاء الشرط وجوابه هو ﴿ اتَّبِعُونِي ﴾ ، فالشرط هو محبة الله تعالى ، والجزاء المترتب عليه هو اتباع الرسول صلى الله عليه وآله ، فالمعـنى هـو : إذا كـنتم تحبّـون الله عـز وجـل فـيجـب عليـكم اتـبـاع
الارتباط بين حب الله واتباع الرسول ـــ القسم الأول . . . . . . . . . 67
رسـوله صلى الله عليه وآله ، ونفهم من الجملة الشرطية أنه إذا لم تَتَّبِعُـوا الرسول صلى الله عليه وآله فأنتم في الواقع لا تحبّون الله عز وجل .
إذن : حبّ الله إذا كان حبّا حقيقيّا فلا بدّ أن ينتج ثمرة خارجية ، وهي اتباع رسول الله صلى الله عليه وآله .
ونأتي إلى تتمة الآيـة الكريمة : ﴿ َاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ ﴾ ، ﴿ اتَّبِعُونِي ﴾ فعل أمر ، و ﴿ يُحْبِبْكُمُ اللّهُ ﴾ جواب الأمر ، فيكون المعنى هو : إذا اتَّبعتم رسول الله فإن الله يحبُّكم ، فتوجد هنا نتيجة مترتبة على نتيجة الجملة الشرطية ، تحب الله وحبك لله تعالى ينتج اتّباع رسوله صلى الله عليه وآله ، واتّباع الرسول صلى الله عليـه وآله ينتج حب الله لك ومبادلة الحب بحب ، وحب الله لك معناه حصولك على رضاه عز وجل ، وإذا حصل الإنسان على رضا الله فإنه يحصل على ثوابه ، ونتيجة ذلك الدخول إلى جنات الله الواسعة التي تجري من تحتها الأنهار .
فإذا قال الشخص " أنا أحب الله " فعليه أن لا يتوقع بالمقابل أن الله يحبه مباشرة ، فلا يستطيع أن ينتقل مباشرة من حبه لله إلى حب الله لـه ، بل توجد خطوة وسطى هي اتباع الرسول صلى الله عليـه وآله ، فمن يحـبّ الله فـلا بدّ أن يَتَّبِع رسوله ، ومن يَتَّبِع
68 . . . . . . . . . الارتباط بين حب الله واتباع الرسول ـــ القسم الأول
الرسول فإن الله يحبه ويبادله محبة بمحبة ، وهذا هو الحب الحقيقي .
وأما الحب الزائف فهو أن يدَّعي الشخص أنه يحب الله تعالى ويحب الرسول صلى الله عليـه وآله ويحب أهل البيت عليهم السلام ولكن تصرفاته الخارجية لا تدل على هذا الحب ، فهذا حب زائف ادِّعائي فقط لا واقع له ولا ينتج نتائج وثمارا خارجية ، بل يظل في نطاق القلب ولقلقة على اللسان ويكون مجرد ادّعاء ، والحب الادعائي لا ينتج محبة الله تعالى ولا محبـة رسوله صلى الله عليه وآله ولا محبة أهل بيته عليهم السلام ولا محبة صاحب العصر والزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف ولا يجعل المدَّعي من أنصاره وشيعته والمقاتلين تحت لوائه والمستشهدين بين يديه .
إذن : إذا أردنا أن نحصل على محبة الله عز وجل وعلى محبة رسوله صلى الله عليه وآله وعلى محبة أهل البيت عليهم السلام وعلى محبة الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجـه الشريف فلا بدّ أن نكون متَّبعين لرسول الله صلى الله عليه وآله ، وبدون هذا الاتباع نحن في الواقع لا نحبهم وإنما ندَّعي أننـا نحبهم .
والآن أتوجه بهذا السؤال : أيها الشيعي الذي تقول إنك مـن أتبـاع أهل البيت عليهم السلام هل فعلا تحب الله عز وجل وتحب
الارتباط بين حب الله واتباع الرسول ـــ القسم الأول . . . . . . . . . 69
رسوله وأهل بيته حتى يبادلون حبك بحب ؟ هـل أنت فعلا متَّبع لرسول الله صلى الله عليه وآله ؟ وهل الإنسان يدخل الجنة بالحب الزائف الذي لا قيمة له ؟
إذن : لا بدّ أن نسأل أنفسنا الأسئلة التالية : ماذا يريد منا الله عز وجل ؟ وماذا يريد منا رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ وماذا يريد منا أهل البيت عليهم السلام ؟ هل نحن فعلا أتباع أو مدَّعون للحب ؟ وماذا ينتج الحب بدون اتباع ؟
فلا بدّ أولا أن نعرف ماذا يريدون منَّا ثم نطبِّق ما يريدون ، وبعد ذلك نستطيع أن نقول إننا أتباع ومحبُّون لله تعالى ولرسوله صلى الله عليـه وآله ولأهل البيت عليهم السلام .
يقول الله تعالى : ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾ (1) .
ويقول تعالى : ﴿ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ﴾ (2) .
إن مـن يرجـو لقـاء الله لا بـدّ أن يعمـل أعمـالا صالحـة خالصـة
70 . . . . . . . . . الارتباط بين حب الله واتباع الرسول ـــ القسم الأول
لله تعالى ولايشرك بعبادة الله أحدا ، ولا يقصد بالعبادة الصلاة والصيام والحج فقط ، وإنما العبادة تكون في كل أمر يؤدّيه الإنسان متقرِّبا بها إلى الله عز وجل ، وتوجد آيات كثيرة في القرآن الكريم يظهر منها أن الإيمان لوحده لا يدخل الجنة ، فالإيمان الذي يظل في نطاق القلب فقط لا يدخل الجنة ، بل لا بدّ معه من العمل الصالح ، فكثير من الآيات تقول : ﴿ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ ﴾ ، منها :
﴿ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَّهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلاً ﴾ (1) .
﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ ﴾ (2) .
﴿ وَبَشِّرِ الَّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُواْ هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ (3) .
الارتباط بين حب الله واتباع الرسول ـــ القسم الأول . . . . . . . . . 71
قـد يقـال : يقول كثير من الناس إن الإيمان في القلب ، فمثلا المرأة السّافرة تقول : " نعم أنا لا ألبس الحجاب ، ولكن يكفي أن الإيمان موجود في قلبي " .
الجـواب : أقول لهم إذا كان الإيمان موجودا في القلب فلا بدّ أن ينتج ثمارا خارجية ، وبدون الثمار الخارجية في الواقع لا يوجد إيمـان في القلب ، فالمرأة السافرة إذا كان يوجد إيمان في قلبها فالمفروض أن تكون متحجّبة وإلا فلا إيمان في قلبها ، لو كانت تؤمن بالله لأخذت بأوامر الله ، ومن أوامر الله الحجاب ، وسأتحدث إن شاء الله تعالى في موضوع مستقل عن معنى الحجاب الإيماني ، فهل الحجاب المطلوب هو قطعة قماش على الرأس فقط أو أنه أكثر من ذلك ؟
إذن : الإيمان بدون العمل الصالح لا يُدخل الجنة ، ولا يمكن للإنسان أن يطمع في دخول الجنة بدون العمل الصالح ، فإذا كان يوجد في القلب إيمان حقيقي فإن هذه الثمار والأعمال الخارجية تكون نتيجة طبيعية لهذا الإيمان بلا تصنّع أو تكلّف ، وبدون الثمار الخارجية لا يوجد إيمان في القلب أصلا ، فالمرأة السافرة لو كان يوجد في قلبها إيمان بالله تعالى لتحجّبت لأن الحجاب ثمـرة مـن ثمـار الإيمـان ، والمؤمـن يُقْبِـل على هذه الأعمـال بسهـولة
72 . . . . . . . . . الارتباط بين حب الله واتباع الرسول ـــ القسم الأول
ويسر لأنه يؤمن بالله عز وجل .
إن حبّ المؤمن لرسول الله صلى الله عليه وآله يجعله يتّخذ رسول الله قدوة وأسوة ، ورسـول الله صلى الله عليه وآله هو أفضل مُجَسِّد للإسلام ، فهو صلوات الله عليه وآله كان يقوم بأعمال كثيرة ويتكلم بأقوال كثيرة ، فلا بدّ أن نقتدي به صلى الله عليه وآله بكل أعماله وأقواله .
إن الإسلام يتحكّم في أعمال المؤمن وأقواله ، فكل عمل يريد الإنسان أن يقوم به يقول له الدين إن تكليفك في هذا العمل هو كذا ، بل إن الدين يتحكّم حتى في الأفكـار بمعنى أنه يقول لك لا تفكّر في هذا الشيء المحرّم لأنه يؤثر على نفسك ، فالإسلام يشمل جميـع جوانب الحياة ، إن الإنسـان إذا أراد أن يكون مؤمنا حقيقيا فلا بـدّ أن يأخذ بكل ما يجسِّده رسول الله صلى الله عليـه وآله .
إذن : الإسلام يعطي اتجاها معيّنا ، يقول لك إذا أردت أن تتّجه إلى لقاء الله عز وجل فلا بدّ أن تأخذ ما يبيِّنه لك رسوله صلى الله عليه وآله ، فإذا أردت أن تسير على الصراط المستقيم فلا بدّ أن تأخذ بهذه الوسائل التي حدّدها الدين ، وبدون هذه الوسـائل لا يمكن للإنسـان أن يسير في اتجاه صحيح على الصراط
الارتباط بين حب الله واتباع الرسول ـــ القسم الأول . . . . . . . . . 73
المستقيم ، فالإنسان إذا كان يظن أنه سائر على الصراط وهو لا يأخذ بما يريده الله ففي الواقع هو يسير في الاتجـاه الخاطىء ، هو يتوهّم أنه يسير في الطريق الصحيح لأنـه يعيش تصورات خيالية وأوهام لا حقيقة لها ، إن من يريد أن يسير على الصراط فإنه عـن طريق الأوهام لا يتحرّك تحرّكا صحيحـا عليه ، كمن يتخيّل أنه يقود سيـارة فيتحرّك في عالم الخيال والأوهام ، وفي الواقع لا توجد عنده حركة ، والأماني والأوهام لا تدخل الإنسان إلى الجنة ، فيستطيع الإنسـان أن يغمض عينيه ويتخيّل أنه قد دخـل الجنـة وأكل مـن ثمارهـا وشـرب من أنهـارها وعاش في نعيمها ، ولكنه بهذه الخيالات لا يمكن أن يصل إلى أي مكان ، فإذا أراد الجنة فلا بدّ من أن يأخذ بكل ما يريـده الإسلام منه من الإيمان بالله والعمل المترتب على الإيمان .
وفي بعض الروايات أن طريق الجنة محفوفة بالمكاره ، فعن الإمام أبي جعفر الباقر عليه السلام قال : " الجنة محفوفة بالمكاره والصبر ، فمـن صبر على المكاره في الدنيا دخل الجنة ، وجهنم محفوفـة باللـذّات والشهوات ، فمن أعطى نفسه لذّتها وشهواتها دخل النار " (1) .
74 . . . . . . . . . الارتباط بين حب الله واتباع الرسول ـــ القسم الأول
والمكاره معناها الصعوبات أي أن الجنة تحتاج إلى جهد وعمل وتعب حتى يصل إليها الإنسـان ، فالإنسان الذي لا يشـعر بصعوبات في حياته كلها أقول له انتبه إلى نفسك فقد يكون الله مبتليك بهذه النعم الموجودة بين يديك ، فلا بد أن يشعر الإنسان في الحياة الدنيا بمصاعب وابتلاءات وعنـاء ، فإذا لم يكن يشعـر بذلك فعليه أن يراجع إيمانه .
رجوع إلى مثال البيوت الأربعة :
أرجع مرة أخرى إلى مثال البيوت الأربعة بعد تأسيس هذه الأسس وهذا البناء ، أسأل هذا الذي يقول : " أنا شيعي " ، لـو أن رسول الله صلى الله عليه وآله كان يعيش في زماننا الحالي وكانت هذه القسيمة بيده أو بيد الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف كيف كان يبنيها ؟ هل كان يبنيها بهذه الطريقة التي تبنى الآن ويصرف عليها هذه التكاليف الباهظة ؟ وهل يفرشها كما يفرشها الناس الآن ؟
سؤال مهم موجَّه للشخص الذي يدَّعي أنه يقتدي برسول الله صلى الله عليه وآله ، لا بدّ أن يدرك كيفيّة معيشته صلى الله عليه وآله لو كان في زماننا الحاضر ، لو كان الإمـام المهدي عجل الله فرجـه الشـريف موجودا معنا اليوم ونعطيه هذه القسيمة هدية
الارتباط بين حب الله واتباع الرسول ـــ القسم الأول . . . . . . . . . 75
له ونطلب منه أن يبنيها كمـا يريده الدين ، والإمـام هو مجسِّد للإسلام ، فكيف سيبني هذه القسيمة ؟
بالطبع هذا مثـال فقط ، ونطبق هذا الشيء على كل ما يجري في حياتنـا من أمور ، فإذا كان الشخص يحب الرسول صلى الله عليه وآله فلا بـدّ أن يقتدي به في كل شيء ، ومنه طريقة وكيفية البناء والتأثيث مثـلا ، ولا تظنوا أنه أمر سهل لأن الرسول صلى الله عليه وآله كان يعيش بطريقة معينة والمؤمن في هذا الزمان يريـد أن يقتدي برسول الله ويعيش بنفس الطريقة .
قد تقول إن زماننا غير زمان الرسول صلى الله عليه وآلـه ، فأقول لك تخيَّل أنه صلى الله عليه وآله موجود معنا اليوم ، فكيف كان يعيش ؟ وكيف كان يبني بيته ؟ وكيف كان يؤثّثه ؟ وكيف كان يدير حياته كلها ؟
ففي وقتنـا الحاضر نرى أن الشيعي يعيـش كمـا يعيش المسيحي واليهودي والكافر ، وحياته لا تختلف عن حياة الآخرين ، بل إن كثيرا من أفكارنا هي أفكار غربية كافرة ، فلنراجع أفكارنا لنرى كم من الأفكار والعقائد التي نحملها ونقتنع بهـا وندافع عنها ونتحرّك على أساسها هـي عقائد كافرة ؟
مـثـال : شـخـص يـريــد أن يــتـزوج فــأول شـرط عـنـده أن تـكـون
76 . . . . . . . . . الارتباط بين حب الله واتباع الرسول ـــ القسم الأول
زوجته موظفة ، هذه الفكرة من أين أتت ؟
الأب المؤمن الذي يذهب إلى المساجد والحسينيات يشترط على هذا المتقدّم أن يترك ابنته تكمل دراستها وتقود سيارة وتتوظف ، والشاب يوافق على ذلك ، هذا هو واقعنا اليوم ، هل هذه الشروط بهذه الكيفية هي شروط رسول الله صلى الله عليه وآله أو أن هذه الأفكار أفكار غربية كافرة ؟
قبل عدّة أيام عرض في التلفاز مقابلات مع بعض الناس ، وكانوا يسألونهم السؤال التالي : ما هو رأيك لو كانت زوجتك إنسانة مشهورة ؟
فكانت الآراء مختلفة ، كان البعض يقول لا بأس بذلك ، والبعض يقول هذا شيء جيد والرجل يشعر بالفخر بأن زوجته معروفة مشهورة بين الناس ، فهل هذه المقاييس مقاييس إسلامية إيمانية ؟
ويقابلون امرأة متحجّبة حجابا إسلاميا فتجيب لا مانع من أن أكون مشهورة لأننا في زمان مساواة المرأة بالرجل ، فأقول لها قارني بينك وبين فاطمة الزهراء عليها السلام التي تدّعين أنها سيدة نساء العالمين وأنها القدوة لك ، فامرأة شيعية تريد أن تشتهـر في المجتمـع وتكـون قـدوة للنساء ، ولكن ماذا تريد أن تطرح
الارتباط بين حب الله واتباع الرسول ـــ القسم الأول . . . . . . . . . 77
من أفكار للنساء وهي في هذا الموقع ؟!
إذن : إن كنّا من أتباع أهل البيت عليهم السلام فطريقة معيشتنا لا بدّ أن تكون مختلفة عنها عند المسيحي واليهودي والكافر لا في الواقع الخارجي فقط ، بل حتى في أفكارنا ورغباتنا ومشتهياتنا لا بد أن نكون مختلفين عنهم ، لكننا للأسف نرغب كما يرغبون ونشتهي كما يشتهون ، فنتمنى أن نعيش كما يعيش ذلك الإنسان الغربي الكافر بكل وسائله الحديثة ، فبمجرد ما أن ينـزل اختراع جديد في السوق نرى المسلمين يركضون خلف هذه الاختراعات كما يركض الإنسان الكافر كأنهم في ميـدان سباق ، وفي موضوع مستقل سأتناول موضوع الاختراعات والوسائل الحديثة وأربطها بعقيدتنا وبأهل البيت عليهم السلام .
أخاطب الإنسان الذي يؤمن بالله وبرسول الله وبأهل بيته وبالمعاد وبيوم فيه حساب طويل لماذا تعيش في حياتـك كما يعيش الكافر الذي لا يؤمن بما تؤمن ؟ لماذا تفكر كمـا يفكر الكافر الذي لا يعتقد بوجود الآخرة ؟ لماذا تعتقد بهذه الحياة الدنيا كما يعتقد الكافر الذي يعيش الأهداف الدنيوية فقط ؟ لماذا ترغب في الحصول على نفس ما يرغب به الكافر ؟ لماذا توجـد في بيتك نفـس الوسـائل التي توجد عند الكافر ؟ أين إيمانك بالله وبرسوله
78 . . . . . . . . . الارتباط بين حب الله واتباع الرسول ـــ القسم الأول
وبالإمامة والمعاد ؟ ما هو الفرق بين المؤمن والكافر ؟ ماذا قدَّم لك هذا الإيمان ؟ ماذا قدَّم لك هذا الحب الذي تدَّعيه لله ولرسوله ولأهل بيته ؟ ماذا قدم لك اعتقـادك بالإمامة وبأهل البيت عليهم السلام ؟ هل الإنسان يتمنى الدخول إلى الجنة وهو يرغب برغبات الكفار الذين همّهم الوحيد هو الدنيا ؟ أين زهد النبي صلى الله عليه وآله في حياتك ؟ ألا يقدِّم لك زهد النبي صلى الله عليه وآله طريقة معينة في كيفية المعيشة وفي كيفية بنـاء بيتك وفي اختيار سيارتك وملابسك وكل ما يرتبط بهذه الدنيا ؟ هل أنت فعلا سائر على خط أهل البيت عليهم السلام ؟
لا بد أن يكون لهذا الحب انعكاس خارجي عليك ، وبدون الانعكاس الخارجي تأتي الآية الكريمة وتقول لك إذا لم تكن متَّبِعـا لهم ففي الواقع أنت لا تحبهم ، فهذا الاتباع الخارجي يدل على أنك من محبي وأتباع أهل البيت عليهم السلام ، أما الارتباط بهذه الطريقة الحالية بالدنيا ونسيان الآخرة وكأنه لا وجود ليوم الحساب فلا يدل على أن الشخص يحب الله ويحب الرسول وأهـل بيته عليهم السلام .
إن الإنسان مسؤول عن أمواله ، ففي رواية عن رسول الله صـلـى الله عـلـيـه وآلـه قــال : " لا تـزول قـدم عـبـد حـتـى يـســأل عــن
الارتباط بين حب الله واتباع الرسول ـــ القسم الأول . . . . . . . . . 79
\
أربعة : عن عمره فيما أفناه ، وعن شبابه فيما أبلاه ، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه ، وعن حبنا أهل البيت " (1) .
هل الآن لدينا هذه النظرة إلى الأموال ؟ هل نحن نراقب أموالنا في أي شيء نصرفها ؟
لا ، فالمجتمع الآن يعيش حالة الإسراف والتبذير حتى ممن يفترض فيهم الإيمان ، فأين المسؤولية تجاه الأموال ؟ أين هم من قول أمير المؤمنين عليه السلام : " ما من رجل طاب مطعمه ومشربه وملبسه إلا طال وقوفه بين يدي الله عز وجل يوم القيامة ، . . . إن الدنيا في حلالها حساب وفي حرامها عقاب " (2) ؟
لا بد أن يشعر المؤمن بالمسؤولية تجاه الأموال التي جعلها الله عز وجل أمانة في يده ، ولا يظن أنه حرّ يصرفها كيفما يشاء ، بل هناك رقابة عليه في كل فلس يصرفه ، وعليه حساب في كل موضع يضع ماله فيه .
الخـلاصــة :
من خلال الآية الكريمة يتبين أن من يحب الله عز وجل لا بدّ أن يكـون متّـبِعًـا لرسـول الله صـلى الله عليـه وآلـه اتـباعـا حقيقيّـا ،
80 . . . . . . . . . الارتباط بين حب الله واتباع الرسول ـــ القسم الأول
وبدون الاتباع لا يوجد في الواقع حب لله عز وجل ، فإذا أردنا أن يبادلنا الله حبا بحب فلا بدّ أن نجعل خطوة متوسطة بيننا وبينه سبحانه ، وهي رسول الله صلى الله عليه وآله وأهل بيته عليهم السلام عن طريق اتباعهم اتباعا حقيقيـا ، وبدون هذا الاتباع نكون مدَّعين حب الله عز وجل وحب رسوله صلى الله عليه وآلـه وأهل بيته عليهم السلام .
والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا أبي القاسم محمد وآله الطيبين الطاهرين .
الارتباط بين حب الله واتباع الرسول
صلى الله عليه وآله
القسم الثاني *
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا أبي القاسم محمد وأهل بيته الطيبين الطاهرين .
قال الله تعالى في كتابه الكريم : ﴿ قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ (1) .
خـلاصـة القسم الأول :
بدأنا الموضـوع بمثـال عن أربعـة أشخـاص مـن اتجاهات مختلفة : مسلم ومسيحي ويهودي وكافر ، فلو أعطينا كل واحد قسيمة وطلبنا منهم أن يبنوها ويفرشوها ، وبعـد ذلك ندخل البيوت الأربعة فماذا نشاهد ؟
82 . . . . . . . . الارتباط بين حب الله واتباع الرسول ـــ القسم الثاني
نرى أن هناك تشابها بين هـذه البيوت من حيث كيفيـة وطريقة البناء والأثاث ، فنسأل هذا الشيعي الذي يؤمن بالإمامة وبأهل البيت عليهم السلام : كيف تبني كما يبني الإنسان المسيحي واليهودي والكافر مع أن عقائدك تختلف عن عقائدهم ؟ فما هو تأثير اعتقادك بالإمامة وحب أهل البيت عليهم السلام في حياتك ؟
وقلنا بأن الإنسان إذا أحبّ شيئا حبّا حقيقيّا فإنه يسعى بطبيعته للحصول على ما يحبّ ، فإذا أحببت طعاما معيّنا فإنك تسعى للحصول عليه ، فإذا كان الشخص يحب أهل البيت عليهم السلام حبّا حقيقيّا فلا بدّ أن يسعى إلى طاعتهم وتنفيذ ما يريدون ، فالحب الحقيقي هو الذي يعطي ثمرة خارجية للإنسان ، وبدون الثمرة الخارجية يكون الحب حبا زائفا لأهـل البيت عليهم السلام ويكون الشخص مدَّعيا حبّهم ، والادّعاء حركة لسانية لا أكثر ، فمن يحب الله ورسوله وأهل بيته صلوات الله عليهم فلا بدّ أن يظهر أثر هذا الحب على أفعاله .
ثم قلنا إن الإيمان القلبي ـــ أي الإيمان الذي يظلّ في نطاق القلب فقط ولا يكون له ثمرة خارجية ونتاج خارجي ـــ لوحده لا يكفي لدخـول الجنـّة ، والحـبّ القلبي لوحـده لا يحرّك الإنسان ، بل
الارتباط بين حب الله واتباع الرسول ـــ القسم الثاني . . . . . . . . 83
يظل هـذا الإنسـان ثابتـا لا يتغيّر كما هـو واقع كثير من الناس الآن ، فهم خلال سنوات طويلة لا يتغيّرون ، فأفكارهـم وحياتهم ثابتة كأن هذا الذي تراه الآن نسخة منه قبل عشرين سنة ، فنسأل لماذا لا يتغير الشخص مع أنه لسنوات طويلة يمارس عملا معينا ؟
معنى ذلك أنه لم يكن يتأثّر بما يؤدّيه .
إذن : من يريد أن يسير في الاتجاه الصحيح وأن يكون لحبّ أهـل البيت عليهـم السلام انعكاس على حياتـه فلا بدّ أن يعرف تعاليمهم وأن يطبّقها على حياته حتى يكون مـن المحبّين فعلا لأهل البيت عليهم السلام .
كثيـر مـن المؤمنيـن يدعـون في أدعيتهم بهذا الدعاء : " اللهم اجعـل محيـاي محيا محمد وآل محمد ومماتي ممات محمد وآل محمد " (1) ، ولكن هـل يدركون معنى هذا الدعاء ؟ وهل يريدون حقّا أن يعيشوا مثل حياته صلى الله عليه وآله ؟
لنأخذ مثالا واحدا من حيـاة رسـول الله صلى الله عليه وآلـه ، الرسول الذي نقول إننا نتّخذه قدوة وأسوة لنا ، والذي نسير على طريقه ونهجه ، سمعنا كثيـرا عن زهده صلى الله عليه وآلـه ، هل
84 . . . . . . . . الارتباط بين حب الله واتباع الرسول ـــ القسم الثاني
فعلا تريد أن تكون زاهـدا في هـذه الحياة الدنيا ؟
عليك أن تجيب عـن هذا السؤال لنفسك لا للآخرين حتى تعرف نفسك لأن حياتنا الحالية التي نعيشها الآن لا تعبِّر عن زهد رسول الله صلى الله عليه وآله ولا تعبّر عن تخلّي أهل البيت عليهم السلام عن هذه الدنيا .
لو كان النبي صلى الله عليـه وآله في زماننا الحالي ونعطيه هذه القسيمة حتى نرى كيف يبني هذا البيت ، هل يبنيه بالطريقة الموجودة الآن أم أنه سيبنيه بطريقـة أخرى لأنه المجسِّد المثالي للإسلام ؟
ولا أعتقد بأن رسول الله صلى الله عليه وآله سيبني بيته بهذه الطريقة الموجودة الآن ولا بهذه التكاليف الكثيرة ، بل سيكون مجسِّدا للزهد في الحياة الدنيا .
إن مـن يريد أن يكون مؤمنـا حقيقيا لا بـد أن تكون رغباته مختلفة عـن رغبـات الإنسان الكافر الذي لا يؤمن بالمعاد ، فكيف تكون حياتنا الدنيوية كحياة الكافرين ونحن ندَّعي الإيمان بالمعاد حيث يقول الله تعالى : ﴿ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ﴾ (1) ؟
الارتباط بين حب الله واتباع الرسول ـــ القسم الثاني . . . . . . . . 85
لا بدّ أن تكون حياتنا مختلفة عن حياتهم وأن يظهر أثر إيماننا على أفعالنا بحيث إذا دخل شخص إلى بيت المؤمن يقول إن هذا فعلا يؤمن بالله عز وجل وبالمعاد وبيوم الحساب ، فإيمانه له أثر على سلوكه الظاهري الخارجي ، فلا بدّ أن يعيش المؤمن الزّهد في الدنيا وتظهر عنده أثر الرّغبة في الآخرة على أعماله وطريقة معيشته .
إذن : لا بـدّ أن يظهر أثر الإيمان على طريقة الإنسان في بيته ولباسه وسيّارته وكيفية معيشته وحتى في تفكيره ، وبدون ظهور هـذا الأثر الخارجي يتحتَّم على الإنسـان أن يراجع إيمانه ويرى هـل أنه مؤمن فعلا بالله وبرسوله وبأهل بيته وبيوم المعاد ؟
مثال : امرأة تقول إنهـا مؤمنة وتلبس حجابا شرعيّا كاملا ، ولكنك ترى ابنتها إلى جنبها تسير معها وهي سافرة أو تلبس ملابس ضيقـة مع قطعة قماش صغيرة وملوّنة على رأسها وتظهر بعض خصلات الشعر من تحت هذه القطعة .
ومؤمـن يذهب إلى المساجد والحسينيات سنوات طويلة ، تنظر إلى بناتـه فتراهن سافرات أو يلبسن ملابس ضيقة مع قطعة قماش صغيرة ملوّنة يطلقون عليها حجابا وهي ليست بحجاب .
نـسـأل هـذه المؤمنـة وهـذا المؤمـن : هـل تعرفان كيفيّـة الحجـاب
86 . . . . . . . . الارتباط بين حب الله واتباع الرسول ـــ القسم الثاني
الشرعي ؟ هل هذا الحجاب الذي تلبسـه ابنتك هو حجاب سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء عليها السلام ؟
بالطبع لا ، إذن لماذا تترك ابنتك تلبس حجابـا غير شرعي مع أنها تكون قد وصلت إلى سن البلوغ ؟
يجيب إنهـا صغيرة ، فأقول له إن هذه البنت ستكبر وستسير على نفس هذا اللاحجاب ، لذلك ترى أنها تبلغ عشرين أو ثلاثين سنة وهي تلبس حجابا بنفس الطريقة التي كانت تلبسها وهي صغيرة ، فهذه المرأة التي تَلْبَس حجابا شرعيا لماذا لا تُلْبِس ابنتهـا الحجاب بنفس الطريقة الشرعية ؟ لماذا تلبسها لباس الكافرات والفاسقات والفاجرات ؟ هل الحجاب الشرعي للكبار فقط أو أن البنت بمجرد أن تكمل تسع سنوات هجرية قمرية يكون الحجاب الشرعي واجبا عليها ويجب على المسؤول عنها أن يلبسها الحجاب بالطريقة التي رسمها لنـا رسول الله صلى الله عليه وآله لا بالطريقة التي يقدّمها لنا أصحاب دور الأزياء ؟
هذا الأمر لا بدّ من الالتفات إليه لأهمّيّته ولترتب الثّواب والعقاب عليه .
إذا كان هذا الأب المؤمن وهذه الأم المؤمنة يؤمنان فعلا بيوم الـقيـامـة لأن الله سـيحاسـبهما عـلى كيفـيّـة إلـبـاس بنـاتهمـا فـيجـب
الارتباط بين حب الله واتباع الرسول ـــ القسم الثاني . . . . . . . . 87
عليهما القيام بهذا التكليف الشرعي ، فلو كانا يحبّان رسول الله صلى الله عليه وآله لاستَحَيَا منه ، فالشخص الذي يدّعي التّشيّع كيف يكون شيعيّا ومتّبعا لأهـل البيت عليهم السلام وهـو في نفس الوقت يعصي أوامـر الرسول صلى الله عليـه وآلـه وأمير المؤمنين وفاطمة الزهراء والأئمة عليهم السلام ؟
هذا مثال من الأمثلة الواقعية الموجودة اليوم .
وألفت نظركم هنا إلى نقطة هامة ، وهي أن المؤمن والمؤمنة إذا كانا يحبّان أولادهما وبناتهما ويريدان مصلحتهم فلماذا يدخلانهم إلى جهنم ؟!
إذا كان الإنسان يحب أبناءه فالمفروض أن يفكر كيف يدخلهم إلى الجنة لأن الحياة الدائمـة هي هناك والدنيا ستزول ، فهي تدّعي أنها تحب ابنتها ولكن إظهارها لها بدون الحجاب الشرعي يدل على عكس ما تدّعي ، ففي الواقع هي تربِّي ابنتها على ما يدخلها إلى نار جهنم وهي لا تشعر بذلك ، وهذا الحب منها لأبنائها حب زائف لا حب حقيقي .
إن الإنسان المؤمن عليه مسؤولية تربية أبنائه تربية صالحة لأن هذه البنت ستقول يوم القيامة : " يا الله ! يا رسول الله ! يا أمـير المؤمـنين ! يا فـاطـمـة الزهـراء ! أبي وأمي ربّيـاني عـلى هـذه
88 . . . . . . . . الارتباط بين حب الله واتباع الرسول ـــ القسم الثاني
الطريقة ، فحاسبهما قبل أن تحاسبني يا ربي ! " .
سيكون هنـاك حساب للأب والأم على كيفيّة تربية الأبناء ، والمؤمن والمؤمنة لا بدّ أن يشعرا بهذه المسؤولية وأن يربياهم تربية صالحة لا أن مهمتهما تنحصر فقط بالطعام والشراب وتوفير الأمور المادية والحياة المرفهة .
إن الأولاد اليوم لا يشعرون بأي معاناة في حياتهم ، فكلمـا أراد الولد شيئا فالأبوان مستعدّان لتلبية طلبه ، وإذا لم يحصل عليه عن طريق الأب اتجه إلى الأم ، والأم بعاطفتها مستعدّة أن توفّر له كل ما يريده حتى لو يكن بحاجة إليه ، فبمجرّد أن تنـزل لعبة جديدة إلى السوق تجدهما يسرعان لشرائها لولدهما ، إن الطفل لا بدّ أن يشعر بقليل من المعاناة من خلال التربية حتى يعرف أنـه لا يستطيع أن يحصل على كل ما يشتهي ، ومن أسس تربيته أن لا يحصل على كل شيء حتى لا يكون مدلَّلا ، بل يحصل على الشيء الذي فيـه مصلحة لـه لأن هـذا يشكل خطرا على شخصيته إذا كبر ، فمثلا هذا الشاب بمجرّد ما يصل إلى البلوغ يجد أن السيارة الجديدة جاهزة تحت الطلب ، وترون ما يفعل هذا الشاب المستهتر بهذه السيارة لأنه لا يشعر بأي مسؤولية إذ أنه إذا دمَّرها في حـادث فـإن الأب أو الأم على استعـداد لشراء سيارة أخرى له ،
الارتباط بين حب الله واتباع الرسول ـــ القسم الثاني . . . . . . . . 89
فبهذه الطريقة لا يشعر الابن بأي مسؤولية تجاه حياته ولا يمكنه الاعتماد على نفسه مع أنـه قد يكون بلغ مبلغ الرجال ، والبنت بلغت مبلغ النساء .
إن دور الإنسان المؤمن أن يكون مسؤولا عن هذا الدين العالمي ، فنحن نقول بعالمية الدين الإسلامي وبأن رسول الله صلى الله عليه وآله بعث للناس كافّة ، فلا بدّ أن نشعر بهذه المسؤولية وأن نسعى لإقامة ونشر هذا الدين في العالم ، وهذا جزء من مسؤولية المؤمن ، فعلى المؤمن أن يتحمّل حفظ الدين ونشره في العالم ، فيشعر المؤمن بهذه المسؤولية وينقلها إلى أبنائه ، وهم يشعرون بها وينقلونها إلى أبنائهم ، وهكذا تستمر هذه السلسلة إلى ظهور الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف .
إن الإنسان لا بدّ أن يعرف أمرا ، وهو أنه لا يوجد خلود في هذه الحياة الدنيا ، بل سينتقل إلى عالم آخر وحياة أخرى هي الخالدة ، فالحياة الدنيوية يعيش الإنسان فيهـا بشكل مؤقت ثم ينتقل إلى حياة أخرى فيها حساب وجنة ونار ، وهذا الأمر ليس هزلا ، بل هو حقيقة سيراها الإنسان ويتيقن بها ، فإما خلود في الجنة أو النار أو عذاب مؤقت ثم انتقال إلى الجنة ، ولكن هذا العـذاب المؤقّـت قـد يمتـدّ إلى مـلايين السـنوات ، فإذا كان الإنسان
90 . . . . . . . . الارتباط بين حب الله واتباع الرسول ـــ القسم الثاني
يرى أن هـذه الدنيا عبارة عن وسيلة للانتقال إلى حياة أخرى خالـدة فإنه سيتعامل مع هـذه الدنيا تعاملا بشكل آخر ، فالمؤمـن يعيش في الدنيا ولكن قلبه يكون متعلقا بالآخرة ، فمقاييسه تكون مقاييس أخروية لا مقاييس دنيوية ، فبأي وجه يقابل من يدّعي التشيع رسول الله صلى الله عليه وآله وهو يعصي أوامره ويتّبع شهواته الباطلة ويتعلق بهذه الدنيا الزائلة ويتعامل معها وكأنها خالدة باقية ويغفل عن وجود عالم آخر يحيى فيه خالدا ؟!
يقول الله تعالى في كتابه الكريم : ﴿ بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى ﴾ (1) .
ويقـول عز وجل : ﴿ وَمَا أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلا تَعْقِلُونَ ﴾ (2) .
إن الإنسان العاقل هو الذي لا يقدِّم هذه الدنيـا على الآخرة ، فالآية الكريمة تقول كونوا عقلاء واعلموا أن هذه الدنيا لا قيمـة لها ، وإنما هي طريق وجسر إلى الآخرة ، والآخرة هي الباقية الـدائمـة الـخالـدة ، فلـمـاذا تـؤثـرون الحـيـاة الدنيـا وتقدِّمـونها عـلى
الارتباط بين حب الله واتباع الرسول ـــ القسم الثاني . . . . . . . . 91
الحياة الأخروية التي تحصلون فيها على الخلود وعلى النعيم الدائم ؟!
الخـلاصــة :
اتّباع رسول الله صلى الله عليه وآله يكون نتيجة للحبّ الحقيقي ، والحبّ بـدون اتّبـاع يكـون في الواقع حبّا زائفا لا قيمـة له ، وإذا أردنا أن يبادلنا الله عز وجل حبّا بحبّ فلا بدّ أن نأخذ بالخطوة الوسطى بين حبّنا لله وحبّ الله لنا ، وهذه الخطوة الوسطى هي اتّباع الرسول صلى الله عليه وآلـه ، والاتّباع هو أن يجسِّد الإنسان ما أراده الرسول صلى الله عليه وآلـه في الحياة الدنيا حتى يصل إلى يوم القيامة أبيض الوجـه ، والرّغبات الكافـرة والشهوات الباطلـة التي يعيشهـا لا تقرّبـه إلى الله عز وجل ، بل تبعده عنه تعالى .
ونستطيع أن نقارن بين حياتنـا وحياة رسول الله صلى الله عليه وآلـه لنرى إلى أي حدّ نحن نقتـدي به ، فنحن نـريد أن نرتبط بالدين أكثر ، ونريد أن نرتبط برسول الله صلى الله عليه وآله أكثر وأن نتّخـذه قدوة لنا في حياتنـا ، فعلينا أن ندرس حيـاة رسول الله صلى الله عليـه وآلـه حتى نعرف كيف كان يعيش وماذا يريد منّا وما هو اتجاهه حتى نسير على خطاه .
92 . . . . . . . . الارتباط بين حب الله واتباع الرسول ـــ القسم الثاني
وهنا أنقل لكم هذه الرواية التي نستفيـد منها عمليا في حياتنا وهي : جاء شخص إلى أمير المؤمنين عليه السلام وكان يدَّعي أنـه يرجو الله عز وجلّ فردَّ عليه السلام عليه بهذا الرد قـال : " كذب والعظيم ، ما بالُهُ لايُتَبَيَّن رجاؤه في عمله ؟! ، وكل من رجا عُرِف رجاؤه في عمله ( فالذي يرجو ويحب شيئا فإنه يسعى للحصول عليه ويظهر أثر ذلك على سلوكه ) ، ولقد كان في رسول الله صلى الله عليه وآله كافٍ لك في الأسوة ودليلٌ على ذم الدنيا وعيبهـا وكثرة مخازيها ومساويها إذ قُبِضَتْ عنه أطرافُها ووُطِّأَتْ لغيره أكنافُها وفُطِمَ عن رضاعها وزَوَى ( أي ابتعد ) عن زخارفها ، . . . فَتَأَسَّ بنبيِّك الأطيب الأطهـر صلى الله عليه وآله فإن فيه أسوة لمن تأسَّى وعزاءً لمن تَعَزَّى ، وأَحَبُّ العباد إلى الله المتأسِّي بنبيِّه والمقتصّ لأثـره ، قَضَمَ الدنيا قضما ، ولم يُعِرْها طَرْفـا ( أي لم يهتم بالدنيـا طرفـة عين فكان زاهدا فيها زهدا حقيقيا لا ادعائيا ) ، . . . عُرِضَتْ عليـه الدنيـا فأبَى أن يقبلهـا ( ونحن لو عُرِضَتْ علينـا الدنيا نأخذها ولا نرفضها ) ، وعلـم أن الله أبغض شيئا فأبغضه ، وحقَّـر شيئا فأحقره ( والله يحقِّـر الـدنيـا فكـيـف نتـعلّـق بشيء حـقير عـند الله عـز وجل ؟! ) ، وصغَّـر شيئا فصغَّره ، . . . ولقد كان صلى الله عليه وآلـه يأكل على الأرض ويجلـس جلسـة العبـد ويخصـف بيـده نعلـه ويرقع
الارتباط بين حب الله واتباع الرسول ـــ القسم الثاني . . . . . . . . 93
بيده ثوبه ، ويركب الحمار العاري ويُرْدِفُ خلفه ( الحمار أي وسيلة النقل ، والرسول صلى الله عليه وآله كان يركب الحمار العاري ، فقارن بينك وبين رسول الله وكيف أنك ترغب بالحصول على أفخم سيـارة ) ، ويكون السّتر على باب بيته تكون فيه التصاوير فيقـول : يا فلانة ـــ لإحدى أزواجه ـــ غَيِّبِيه عني فإني إذا نظرت إليه ذكرت الدنيا وزخارفها ( والآن انظـر إلى كل ما حولنا ، فإن كل ما في بيوتنا يذكِّرنا بالدنيا ولا يذكِّرنا بالآخرة ، وأكثر من هذا حتى زخارف المساجد والحسينيّات تذكِّرنا بالدنيا ) ، فأعرض عن الدنيا بقلبه وأمات ذكرها من نفسه وأحبّ أن تغيب زينتها عن عينه لكيلا يتّخـذ منها رياشا ، ولا يعتقدهـا قرارا ، ولا يرجو فيها مقامـا ، فأخرجها من النفس وأشخصها عن القلب ( أي أبعدها عنه ) وغيَّبها عن البصر ( فلا يجعل أمامه شيئا ينظر إليه يذكِّره ويربطه بالدنيا ) ، وكذلك مـن أبغض شيئا أبغض أن يَنْظُر إليـه وأن يُذْكـَر عنـده ( وأحاديثنا الآن كلها أحاديث دنيويـة عن القسيمة والبيت والراتب والسيـارة والأثاث وغير ذلك من الأمور الدنيوية ) ، . . . فإن تأسَّى متأسٍّ بنبيِّه واقتصَّ أثره وولج مولجه وإلا فلا يأمـن الهلكـة ( إذا تأسَّى الشخص بالنبي صلى الله عليه وآلـه فإنه سيفوز ، وإذا لم يتأسَّ فلا يأمـن الهـلاك ) فـإن الله جعـل محمـدا صـلى الله
94 . . . . . . . . الارتباط بين حب الله واتباع الرسول ـــ القسم الثاني
عليه وآلـه علَمًا للساعة ومبشّرا بالجنة ومنذرا بالعقوبة ، خرج من الدنيا خميصا ( أي لا بطن له مـن الجوع ) ، وورد الآخرة سليما ، ولم يضع حجرا على حجر (أي لم يبنِ بنيانـا ) حتى مضى لسبيله وأجاب داعي ربـه ، فما أعظم منّـة الله عندنا حين أنعم علينـا به سلفا نتّبعه وقائـدا نطأ عقبه ، والله لقد رقعت مـدرعتي هذه حتى استحييت من راقعها ( ونحن ملابسنا جديدة ومع ذلك فإننـا في كل سنة نغيّرها ) ، ولقد قال لي قائل : ألا تنبذها ؟ فقلت : اغرب عني ! فعند الصباح يَحْمَـدُ القَوْمُ السُّرَى ( أي النهايـة قريبة فلماذا أهتم بتغيير ثوبي ؟ ) (1) .
ولنسأل أنفسنا هذه الأسئلة : هل نحن الآن نعيش حياة رسول الله صلى الله عليه وآله وحياة أمير المؤمنين عليه السلام ونحن نقول إننا أتباعهم ؟ وإلى أي مدى نحن جسَّدنا حياتهم في حياتنا الدّنيويّة الحاليّة ؟
الارتباط بين حب الله واتباع الرسول ـــ القسم الثاني . . . . . . . . 95
نحن نتعامل مع هذه الدنيا وكأننا خالدون فيها وكأنه لا وجود للجنة والنار ، فهل نعتقد أننا سندخل الجنة بلا عمل لمجرّد أننا نقول إننا من شيعة أهل البيت عليـهم السلام ؟
إذا كنا نعتقـد هـذا الاعتقاد فإننـا نعيش الأوهام ، ففي يوم القيامة لا يُسْأَل الإنسـان فقط هل أنت شيعي ؟
فإن قـال : " نعم " ؛ قيل لـه تفضّل ادخل إلى الجنة على الرّحب والسعة ، بل ينظر الله عز وجل إلى عقائد الإنسان الرّاسخة في قلبه ، ثم ينظر إلى أعماله التي ترتّبت على هذه العقائد ، فلا يكفي أن نقول إننا شيعة ونحن عمليّا لا نتأسّى ولا نقتدي برسول الله صلى الله عليه وآله .
الخـلاصــة :
إذا أردنا أن نكون متّبعين لرسول الله صلى الله عليه وآلـه فلا بدّ أن نجسِّد هذا الاتّباع في حياتنا العمليّة في كل أمر نمارسه في حياتـنا الدنيويـة حـتى نحشـر مع رسول الله صلى الله عليه وآله ، وبالتالي نحصل على رضا الله تعالى وعلى الجنات الواسعة التي تجري من تحتها الأنهار ، تلك الجنات التي يحصل عليها الإنسان بالإيمان والعمل ، وبدون العمل لا يمكن أن يصل إلى تلك المرتبة العالية ، بل هو يعيش الأوهام ، ولا يمكن أن يدخل الإنسان
96 . . . . . . . . الارتباط بين حب الله واتباع الرسول ـــ القسم الثاني
الجنة بالأوهام والأماني لأن الأوهام لا توصل الشخص إلا إلى الأوهام .
إذن : لا يوجد حبّ بلا اتباع ، وبدون اتّباع يكون هذا الحبّ حبّا زائفا لا حقيقيّا .
وفي الختام أسأل الله عز وجل أن يجعلنا من السائرين على خط رسول الله صلى الله عليه وآله وأهل بيته عليهم السلام الذين لم يتعلّقوا بهذه الدنيا طرفة عين ، بل عاشوا في هذه الدنيا وقلوبهم معلّقة بالملأ الأعلى ، وأن يجعل في قلوبنا حبّا حقيقيّا لهم صلوات الله عليهم أجمعين .
يقول الله تعالى : ﴿ وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ العَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لا تَشْعُرُونَ أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ بَلَى قَدْ جَاءتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ ﴾ (1) .
الارتباط بين حب الله واتباع الرسول ـــ القسم الثاني . . . . . . . . 97
وعـن الإمام أبي عبدالله الصادق عليه السلام أنه قـال : " إذا تخلّى المؤمن من الدنيا سما ووجد حلاوة حب الله " (1) .
إذن : هناك نتائج مترتبة على التخلّي عن الدنيا ، فإذا تخلّى الإنسان عن الدنيا يسمو ويرتفع حتى يجد حلاوة حبّ الله ، فمن لا يجد حلاوة حبّ الله فهو لم يَسْمُ ولم يَتَخَلَّ عن الدنيا ، فلنلتفت إلى ذلك فالأمور مترابطة والإيمان كلٌّ لا يتجزأ ، فمن يريد أن يكون مؤمنا فعليه أن يأخذ بكل ثمار الإيمان حتى يكون مؤمنا حقيقيا .
والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا أبي القاسم محمد وآله الطيبين الطاهرين .
الحـاجـة إلـى الإمـامـة
القسم الأول *
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا أبي القاسم محمد وأهل بيته الطيبين الطاهرين .
مـقـدمــة :
إن الاجتماع بمناسبات مواليد واستشهاد الأئمة عليهم السلام أمر مستحبّ ، وهو من باب تذاكر أمرهم عليهم السلام وما فعلوه وما قدّموه من تضحيات في سبيل بقاء هذا الدين إلى هذا اليوم ، إن الدين الذي وصل إلينا هـذا اليوم والذي نعيش ثماره الآن إنما هو نتيجة دماء سُفِكَتْ وتضحيات قُدِّمَتْ ، ونحن لا نعيش تلك الأيـام المظلمـة التي كان الشخـص يُقْتَـلُ فيها على التّهمـة بأنـه مـن
الحاجة إلى الإمامة ـــ القسم الأول . . . . . . . . . . . . . . . . . 99
شيعة أهل البيت عليهم السلام .
ولا بدّ من الالتفات إلى أمر مهمّ ، وهو أن الاجتماع بهذه المناسبات لا يعني فقط إلقاء الكلمات وقراءة القصائد والأناشيد ثم الخروج من المسجد أو الحسينية دون أن تنتج هذه الاجتماعات ثمرة عمليّة يبقى أثرها على أنفسنا إلى آخر العمر ، إنّ سماع الكلمات والقصائد ليس هو الهدف بحدّ ذاته ، وإنما هو وسيلة للتفاعل مع هذه المناسبات حتى يثبت هذا الدين في أنفسنا ونرتبـط ارتباطا عمليّا أكبر بأهل البيت عليهم السلام ، وأقول الارتباط العملي لأنه هو المهم ، فالارتباط النظري فقط بزيادة كمّيّة المعلومات في الذهن لا يُحَرِّك الإنسان ، بل لا بدّ أن يتفاعل مع هذه المعلومات تفاعلا عمليّا ويحوِّل الارتباط النظري إلى ارتباط عملي حتى يكون ارتباطه بأهل البيت عليهم السلام ارتباطا حقيقيّا بحيث تظهر نتائج هذه الاجتماعات على تصرّفاته وسلوكه .
إن الأثر المطلوب من هذه الاجتماعات له جانبان :
الجانب الأول : الجانب النفسي :
أي أن الشخص يتأثّر بها تأثّرا نفسيّا .
100 . . . . . . . . . . . . . . . . الحاجة إلى الإمامة ـــ القسم الأول
الجانب الثاني : الجانب العمليّ المترتّب على التأثّر النّفسيّ :
فالإنسان يتفاعل أوّلا مع حدث المناسبة ثم تكون نتيجة هذا التأثر هي الارتباط العملي لا أنه يتأثر نفسيا فقط وبمجرّد أن يخرج من باب المسجد أوالحسينية يزول وينتهي هـذا التأثر ، فلا بدّ أن يستمر هذا الأثر عنده وينتج نتائج عملية ، فالمفروض أنه بعد الدخول إلى المسجد أو الحسينية والخروج منه يكون هذا الشخص قد اكتسب وأضاف إلى نفسه شيئا جديدا لا أنه فقط يقتصر على الحضور دون التأثر ، والثواب يترتب على التأثر النفسي مع القيام بما يترتب على التأثـر النفسي من أعمال ، فالعمل المترتب على التأثر النفسي يَنْتُج بشكل طبيعي ، فالنتيجة الخارجية تترتب بدون تكلّف على النتيجة النفسية الداخلية ، وتكون نتيجة طبيعية مترتّبة على التأثر النفسي بهذه الاجتماعات وبما اكتسبه الشخص من معلومات .
نقـاط البحـث :
في هذه المقالة سأتناول الموضوع ضمن النقاط التالية :
النقطة الأولى : مـا هـو وجـه الحـاجـة إلـى الإمـامـة ؟
إن الاعتقاد بالإمامة عند شيعة أهل البيت عليهم السلام يعتـبر أصـلا مـن أصـول الديـن ، فإذا كان أصلا فإن هذا يعني أن
الحاجة إلى الإمامة ـــ القسم الأول . . . . . . . . . . . . . . . . 101
الدين قائم عليه ، وبدونه لا يكون الدين دينا ، فإذا ألغينا الإمامة من ديننا فإن هذا الدين يكون شيئا آخر ولا يكون دينا إسلاميا ، فكمـا أن البيت يقوم على أساسات ، وبدون الأساسات ينهدم البيت ، كذلك فإن هذا الدين أيضا له أساسات يقوم عليها ، فبدون الإمامة ينهدم الدين وتندكّ أركانه ولا يبقى له أثر ، وبهذا المعنى وردت عدة روايات .
ففي رواية عن الإمام أبي جعفر محمد الباقـر عليه السلام قـال : " بني الإسـلام على خمس : على الصـلاة والـزكاة والصـوم والحج والولايـة ، ولم يُنادَ بشيء كما نودي بالولاية ، فأخـذ الناس بأربـع وتركوا هذه ـــ يعني الولاية ـــ " (1) .
وعن الإمـام أبي عبدالله جعفر الصادق عليـه السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليـه وآله : " . . . لكل شيء أساس ، وأساس الإسلام حبنا أهل البيت " (2) .
إن هـذا الأساس الذي يقـوم عليـه الدين لا بدّ منه ، وبـدون هذا الأساس ينمحي هـذا الدين ، فولاية أهل البيت عليهم السلام هـو الأسـاس ، وبـدون الإمامـة لا وجـود للديـن ، وهـذا مـا يعتقد به
102 . . . . . . . . . . . . . . . . الحاجة إلى الإمامة ـــ القسم الأول
أتباع أهل البيت عليهم السـلام ، بل يعتقد به أيضا أهـل السنة ، ولكن تأتي الإمامة عندهم بعناوين أخرى ، مثلا " قول الصحابي وعمله حجة " ، فنسـأل : على أي أساس يكون حجة ؟
على أساس أنهم يعتبـرون كل الصحابة أئمة ، فهم يعتقـدون بإمامتهم وإن لم يصرِّحوا بأنهم اتخذوهم أئمة لهم ، فهـم يعتقدون بالإمامة كأصل من أصول الدين وإن لم يصرِّحوا بذلك ، فاعتقادهم بحجية قول الصحابي وفعله يدل على أن الإمامـة أصل من أصول مذهبهم ، واعتقادهم بعدالة جميع الصحابة دليل على اعتقادهم بأصل إمامة الصحابة ، ويقولون بأن مـن يطعن بأحـد الصحابة فهو كافـر ، فقولهم يدل على أنهم اتخذوهم أئمة لهم ، فلـو لم تكن الإمامة أصل من أصول الدين وكانت من فروع الدين فلماذا التكفير إذن ؟!
إذن : أتباع أهل البيت عليهم السلام يصرِّحون بأن الإمامة أصل من أصول الدين ، أما أهل السنة فلا يصرّحون بذلك ، لكنهم من ناحية عمليّة يعتقدون بالإمامة وإن جاؤوا بعنوان آخر لها كعدالة جميع الصحابة أو قول الصحابي وعمله حجة ، والاعتقاد بالإمامة كأصل من أصول الدين يعتبر جزءا من الدين ، وبدون هذا الجزء لا يكون هذا الدين دينا إسلاميا .
الحاجة إلى الإمامة ـــ القسم الأول . . . . . . . . . . . . . . . . 103
النتيجـة :
الإمامة أصل من أصول الدين .
النقطة الثانية : هـل اتخـاذ الإمـام أمـر فطـري عند الإنسان ؟
إن الإنسان سواء كان كافرا أم مسلما أم مؤمنا أم بوذيّا هل اتخاذه للإمامة جزء من فطرته أم أن الله فرض الإمامة على الناس كأمر تعبّديّ دون أن يكون فيهم شيء فطري يدعوهم إلى الاعتقاد بالإمامة ؟
لنسأل أي شخص في العالم : من هو مثلك الأعلى ؟ من الذي تحب أن تكون مثله ؟
فيجيب ـــ مثلا ـــ : إن فلانا هو المثل الأعلى لي ، وأحاول أن أكون مثله .
واسأل أي شاب من الشباب : لماذا تقصّ شعرك بهذه الطريقة الغريبة ؟
فيجيبك ـــ مثلا ـــ : إني أقلـد المُغَنِّي الفلاني .
واسأله : لماذا تلبس هذه الملابس الغريبة ؟
فيجيب : إني أقلّـد الممثّل الفلاني .
هذا الجواب معناه أن هذا الشاب اتّخذ هذا المغنّي أو الممثّل إمـامـا لـه في هـذا الـجـانـب أو في ذاك الـجـانـب ، فـالإمـامـة بـشـكـل
104 . . . . . . . . . . . . . . . . الحاجة إلى الإمامة ـــ القسم الأول
فطري موجود عند الإنسان ، ولكنه لا يلتفت إلى أن هذا يُمَثِّل إماما له ، وطالما أنه يحب أن يكون مثل هذا الشخص فمعناه أن هذا الشخص إمام لـه في الجانب الذي يحب أن يقلده فيه .
وهكذا الإنسان دائما لا يخلو من اتخاذ إمام له في حياته ، وتجـد أنه يتخـذ أئمـة مختلفين منذ نعومة أظفاره وإلى أن يكبر .
اسـأل الطفل : مِثْلُ مَنْ تريد أن تكون ؟
فيقـول : مثـل أبي .
معنى ذلك أن الأب يمثل الإمامـة عنـد هذا الطفل ، فهو يُمَثِّـل قدوة ومَثَلاً أعلى وإماما له ، ويكبر الطفل وبعـد أن يبلغ عمرا معيّنـا ويختلط بأناس آخرين اسأله : من تحب أن تكون مثلـه ؟
فقد يجيب : مثل أستاذي .
ويكبر أكثر ويتخذ شخصا آخر مثلا أعلى له كصديقه مثلا ، وهكذا دائما تجد للإنسان مَثَلا أعلى في حياته ، فإما أن يصير شخصا منحرفا فاسقا فيتخذ بعض الفسقة أئمة له ، وإما أن يكون متديّنا يتخذ أهل البيت عليهم السلام قدوة وأئمة له ، فيحـب أن يكـون مثـل هـذا الشخـص المتديّـن أو ذاك العالم الفلاني .
يقول الله تعالى في كتابه الكريم :
الحاجة إلى الإمامة ـــ القسم الأول . . . . . . . . . . . . . . . . 105
﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْـوَةٌ حَسَنَـةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾ (1) .
وعن أمير المؤمنين عليه السلام قال : " . . . ألا وإن لكل مأموم إماما يقتدي به ويستضيء بنور علمه ، . . . " (2) .
بالطبع هذا الذي يتخذ إماما من أئمة الهدى ، أمـا من يتخذ إماما من أئمة الكفر والفسق فلا يوجد عنده نور حتى يستضيء به ، بل لا يوجد عنده علم أصلا ، ومن يتخذ إماما من أئمة الضلال فإن مصيره سيكون إلى الخسران والهلاك .
إذن : الإنسان لا يخلو من إمام في أي لحظة من لحظات حياتـه ، وقـد لا يطلق عليه لقب " الإمام " ، بل يطلـق عليه لقـب " القـدوة " أو " المثل الأعلى " أو " من يحبّ أن يكون مثله " أو " من يريد الوصول إلى منـزلته ومكانته " ، وغيرهـا من العناويـن المختلفـة ، ولكنها كلهـا تعبيرات مختلفة عن " الإمامة " ، فهي ألفاظ مختلفة لمعنى واحد ، فتكون مثل المترادفـات الموجودة في اللغة أي كلمات مختلفة تعطي معنى واحدا .
106 . . . . . . . . . . . . . . . . الحاجة إلى الإمامة ـــ القسم الأول
النتيجــة :
الإمامة أمر فطري يبدأ عند الإنسان من الطفولة ويستمر معه إلى آخر حياته .
النقطـة الثالثـة : مـن هـو إمـامــك ؟
والآن نأتي إليك أيها المؤمن ، فأنت تدّعي أنك شيعي وموالٍ لأهل البيت عليهم السلام ومن أتباعهم ومحبيهم ، فمن هو إمامك ؟ وعلى أي أساس تختار الإمام ؟
وسيكون جواب الشيعي ـــ بالطبع ـــ : " أتّخذ أهل البيت عليهم السلام أئمة لي " ، وهذا جواب متوقّع منه ، ولكن يترتّب على هـذا الجواب بعض الأمور التي سأذكرها في النقطة الرابعة .
إن المؤمن يريد أن يتحرّك باتجاه الله عز وجل ، ولكن يحتاج في تحرّكه في هذا الاتجاه إلى وسائل للحركة وإلى من يوجِّهه بحيث لا ينحرف لا إلى اليمين ولا إلى الشمال فيخرج عن الخط الذي رسمه الله له أي يريد أن يسير على الصراط المستقيم .
يقول الله تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُـواْ اللّهَ وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُواْ فِي سَبِيلـِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ (1) .
الحاجة إلى الإمامة ـــ القسم الأول . . . . . . . . . . . . . . . . 107
إن المؤمـن باعتبار إيمانه يكون مطيعا لله عـز وجل طاعة كاملة ، فهـو لا يحيد طرفة عين عن ذكر الله وطاعته تعالى ، والإنسان في حركته باتجاه الله تعالى يحتاج إلى قائد يوجِّهه الوجهة الصحيحة ، فلا بدّ أن يكون هذا القائد عارفا بمشاكل الطريق ومعوِّقاته وكيفية علاج هذه المشاكل وإزالة هذه المعوِّقات ، لذلك يُشْتَرَط في الإمام أن يكون عالما ومعصوما ، عالما حتى يعرف مشاكل الطريق وحلوله ، ومعصوما حتى لا ينحرف فيقع في الحرام فيتبعه الآخرون في هذا الانحراف ، وهذا القائد بهذه المواصفات لا يمكن لنا معرفته وتحديده ، بل لا بدّ أن يُعَيِّنَه الله عز وجل لنا لأنه عالم بحقائق النّفوس ، وهذا الشخص الذي يعيِّنه الله يأمرنا تعالى بطاعته والسير خلفه واتباعه .
يقول الله تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ ﴾ (1) .
وقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله هو الإمام في عصره ، وبعد استشهاده عيَّن من بعـده أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عـلـيـه الـسـلام لـيكـون قـائـد هـذا الـطـريـق بـاتـجـاه الله عـز وجـل ،
108 . . . . . . . . . . . . . . . . الحاجة إلى الإمامة ـــ القسم الأول
واستمر كل إمام بتعيين الإمام الذي بعده إلى أن وصل الدور إلى الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف ، فهو الإمام الوحيد ولا يوجد إمام آخر غيره ، ففي هذا الزمان الإمام المفترض الطاعة والذي يجب أن نقلّده ونتّبعه ونسير خلفه ونتّخذه قدوة هو الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف ولا إمام آخر لنا في هذا الزمان بأي عنوان آخر ، ولكي يكون الشخص مؤمنا لا بدّ أن يكون المهدي عليه السلام هو إمامه الوحيد الذي لا يشرك بإمامتـه أحدا ولا يتّخذ من دونه وليا ، ولا يكون المؤمن مؤمنا إلا بهذا الأمر ، فالاعتقاد بالإمام المهدي عليه السلام من علامات الإيمان .
إذن : حتى يكون الإنسان مؤمنا حقّ الإيمان لا بدّ أن يكون الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف هو إمامه الوحيد ولا يتّخذ معه إماما آخر .
أما مرجع التقليـد فهـو نائب عن الإمام المهدي عليـه السلام ، فالمرجع يأخذ من أهـل البيت عليهم السلام عن طريق الكتاب الكريم والسنـة الشريفـة ، والمؤمـن يرجع إلى مرجع التقليـد في الفتاوى ، ولا يرجع إليـه في الأفعال الخاصة كأن يمـدّ المرجع رجليـه ، فـلا يجـب على المكلّـف ذلـك ، ففتاوى مرجع التقليد تكون
الحاجة إلى الإمامة ـــ القسم الأول . . . . . . . . . . . . . . . . 109
حجة على المؤمن .
إذن : بعد أن كان اتخاذ الإمام أمرا فطريا عند الناس كان لا بـدّ من الله أن يُحَـدِّد ويُعَيِّن إمام الهدى والحق لهم ، فمتطلّبات الأمر الفطري لا بدّ أن يشبعها الله لنا ، فلا يترك الله عزّ وجل الناس هملا من غير راع يرعاهم وبغير قائد يقودهم ، وقد عيَّنهم الله عز وجل واحدا بعد الآخر ، والشواهد على ذلك كثيرة في كتب الشيعـة والسنـة ، راجع كتاب ينابيـع المودة للقندوزي الحنفي حيث أورد رواية في تعيين أسماء الأئمة عليهم السلام بالترتيب كما هو وارد عنـد مذهب أهـل البيت عليهم السلام إلى غير ذلك من الروايات الكثيرة الواردة في كتب الفريقين ، راجع الكتب التي كتبت في المسائل الخلافيـة حيث تجد فيها الكثير من الشواهد من كتب أهل السنة والتي تشهد بما يقول به أتبـاع أهـل البيت عليهم السلام وتثبت أحقّيّـة هـذا المذهب ، وقد كتبت الكتب الكثيرة بأقلام الذين دخلوا في مذهب التشيع وحكوا رحلتهم وكيفية دخولهم إلى مذهب التشيع والأدلة التي من طريقها آمنوا بمذهب أهل البيت عليهم السلام .
النتيجـة :
قلنـا إن الحاجـة إلى الإمامـة أمر فطري ، فالله عز وجل أشبع
110 . . . . . . . . . . . . . . . . الحاجة إلى الإمامة ـــ القسم الأول
هذه الحاجة فعيَّن الأئمة عليهم السلام استجابة لهذا النّداء الفطري .
والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا أبي القاسم محمد وآله الطيبين الطاهرين .
القسم الثاني
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا أبي القاسم محمد وأهل بيته الطيبين الطاهرين .
خلاصة القسم الأول :
طرحنا في القسم الأول عدة نقاط ووصلنا إلى النتائج التالية ، وهي أن الإمامة أصل من أصول الدين ، وأن الإمامـة أمر فطري عند الإنسان ومستمر معه في كل مراحل حياته ، لذلك فإن الله عز وجل أشبع هذه الحاجة الفطرية وعيَّن الأئمة عليهم السلام حتى لا يتخبّطوا في تعيين وتحديد الأئمة فتنشأ الخلافات بين الناس ، وأكمل الموضوع ضمن النقاط التالية :
النقطة الرابعة : مـا هـو دورنـا تجـاه هـذا الإمـام المعيـَّن ؟
إن الله عز وجل عيَّن الأئمة عليهم السلام ، ونحن قلنا إننا مطيعون لك يا ربّ ، فلنا دور تجاه الإمام عليه السلام ، لن نناقش هنا دور الإمام تجاهنا ، ولكن ما هو دورنا تجاه هذا الإمام المعيَّن من قِبَلِ الله عز وجل ؟
- 111 -
112 . . . . . . . . . . . . . . . . الحاجة إلى الإمامة ـــ القسم الثاني
لِنَأتِ أولا إلى مثال صلاة الجماعة التي يوجد فيها إمام ومأمومون ، ويجب على المأمومين متابعة إمام الجماعة في حركاته وأفعاله ، ويجب عليهم أن لا يتقدّموا عليه في المحل والمكان والموضع ، فالإمام يقف في المقدّمة وهم يقفون خلفه ، والإمام يصلي والمأموم ينسِّق مع إمام الجماعة بحيث لا يتقدّم عليه ولا يسبقه في الحركات ولا يتأخّر عنه تأخُّرا فاحشا ، فإذا ركع الإمام فهم يركعون ، وإذا سجـد يسجدون ، وإذا جلس يجلسون ، وهكذا إلى آخر الصلاة ، فالسّابق عليه والمتأخّر عنه تأخّرا فاحشا تكون صلاته باطلة ، لذلك يجب على المأموم أن ينسِّق مع الإمام .
وهذا الأمر ينطبق على الإمام المعصوم أيضا ، فيجب علينا متابعة إمام الهدى الذي عيَّنه الله عز وجل ، فالله تعالى يعيِّنه ويقول لنا : " تجب عليكم طاعته " ، فإذا أردنا أن نكون مطيعين لله عز وجل حقًّا فيجب علينا طاعة هذا الإمام واتِّباعه والسير خلفه والتنسيق معه في أقواله وأفعاله كما ينسِّق المأموم مع الإمام في صلاة الجماعة ، فما يريده الإمام المعصوم يجب علينا فعله ، وما يكرهه يجب علينا تركه ، فاتِّباع الإمام عليه السلام واجب على كل الناس ، والاعتقاد به واتِّباعه من علامات الإيمان ، فإذا لم يتّبـع الإنسـان الإمـام المعيَّـن مـن قِبَـل الله عز وجل تكون أعماله
الحاجة إلى الإمامة ـــ القسم الثاني . . . . . . . . . . . . . . . . 113
باطلة كما أنه في صلاة الجماعة إذا لم ينسِّق مع الإمام فصلاته تكون باطلة ، وكذلك من لا ينسِّق مع إمام الهدى تكون كل أعماله باطلة .
في رواية عن الإمام الباقر عليه السلام أنه قال : " ذروة الأمر وسنامه ومفتاحه وباب الأشياء ورضا الرحمن الطاعة للإمام بعـد معرفته ، إن الله عـز وجل يقول : ﴿ مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ وَمَن تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا ﴾ (1) ، أَمَا لو أن رجلا قام ليله وصام نهاره وتصدَّق بجميع ماله وحجَّ جميع دهـره ولم يعرف ولايـة ولي الله فيواليه ويكون جميع أعماله بدلالته إليه ما كان له على الله عز وجل حق في ثوابه ، ولا كان من أهل الإيمان " . ثم قـال : " أولئك المحسن منهم يدخله الله الجنة بفضل رحمته " (2) .
إذن : إذا لم يأخذ الإنسان العبادات والأقوال والأفعال من إمام الهدى المعيَّن من قِبَلِ الله تعالى فكل أعمـاله التي يقوم بها بدون الولاية تكون باطلة ، لذلك أتت الروايات بأن الولاية أساس الدين ، والدين قائم على الولاية .
114 . . . . . . . . . . . . . . . . الحاجة إلى الإمامة ـــ القسم الثاني
النتيجـة :
يجب على المؤمن أن يتَّبعِ الإمام عليه السلام .
ما معنى أن الإنسان المؤمن يكون متَّبِعا لإمامه عليه السلام ؟
إن الاتّباع يعني السّير خلف الإمام والتنسيق معه ، فإذا اعتقد الإنسان بالإمام عليه السلام وأخذ أقواله وأفعاله وعمل بها وطبَّقها على حياته يكون متَّبِعا له ، وبالتالي يكون مأموما ، أما إذا لم تقم حياة الشخص على أساس أقوالهم وأفعالهم فهو ليس متَّبِعا لهم ولا مأموما وإن ادَّعى بلسانه أنه متّبع لهم ، فحركة اللسان لا قيمة لها وتكون الكلمات جوفاء إذا لم يتبعها عمل وتنسيق مع الإمام عليه السلام ، فمـن لم يَبْنِ كلّ حياته على تعاليم الإمام عليه السلام فهو فعلا ليس بمؤمن به ، فقول الشخص إنه مؤمن بشيء لا بدّ أن تستتبعه ثمرة ونتيجة ، فالإيمان بدون ثمرة كلاإيمان ، فالإيمـان ليس قولا فقط ، بل الإيمان اعتقاد وقول وعمل .
فإذا قامت حيـاة الإنسان على أساس أقـوال وأفعال الإمام المعصوم عليه السلام وسارت حياته كما يريدها الإمام فهـو يكون مأمـومـا ومؤمـنـا حـقيقيّـا ، أمـا إذا كان يـأخـذ مـن الإمـام المعصـوم
الحاجة إلى الإمامة ـــ القسم الثاني . . . . . . . . . . . . . . . . 115
ومـن غيره فهو لا يكون واقعا مؤمنا بالإمامة ، بل يكون قد أشرك في الإمامة ، ومن يشرك في إمامته عليـه السـلام ففي هذه الحالـة يكون له إمامان : إمام الهدى ، والإمام الآخر يكون إمام ضلالة ، وإذا لم يكن دينه قائما بتمامه على الإمامة فلا يكون مؤمنا بالإمامة إيمانا تامـا كاملا ، بل يوجد عنده انحراف عن خط الإمامـة ، ويكون مؤمنا بلسـانه فقط ، والإيمان بالقول فقط لا يكفي لكي يكون الشخص مؤمنا حقيقة وواقعا وفعلا .
إذن : لا بدّ أن تقوم حياة المؤمن على أساس الإمامة ، فينسِّق مع الإمام المعصوم عليه السلام ، ولا يكفي أن يقول الشخص بلسانه إنني مؤمن بالإمامة وإن الإمامـة أصل من أصول الدين ، بل عليه أن يراجع حياته ليرى هل هي قائمة فعلا على أساس الإمامة أم لا ، في كل حياته لا فقط في صلاته وصيامه وحجّه ، بل ينظر إلى كل حركة يتحركها وفي كل خطوة يخطوها في حياته ، فهل كل شيء فيها قائمة على أساس الإمامة أم لا ؟
ويجب على كل شخص أن يراقب نفسه ولا يراقب الآخرين ، بـل عليه أن يرى أن حياته هو قائمة على هذا الأساس أم لا .
ومن باب المثال اختياره للسيـارة وبناء بيتـه وتعامله مع زوجته وأولاده ، حـتى في اخـتيـار الأشياء البسيطة عندما يذهب إلى شراء
116 . . . . . . . . . . . . . . . . الحاجة إلى الإمامة ـــ القسم الثاني
الطعام ، فهل يختار الأطعمـة على أساس إيمانه بالإمامـة أو على أساس ما يشتهي ؟
إن الإنسان كثيـرا ما يتّبع شهـواته ، فهنا لا بدّ أن يكون دقيقا في كل خطوة يخطوها ، فهل هـو يتحرّك على هذا الأساس أم لا ؟ وهل يتحرّك على أساس الأحكام التي قـال بها الإمـام عليه السلام لأن كل شيء يقوم به الإنسان لا يخلو من إحدى الأحكام الخمسـة : الواجب والمستحب والمباح والمكروه والحرام ؟
فالذي لا يبني حياته على أساس الإمامة فهو في الواقع لا يكون مؤمنا بالإمامة حقًّا ، بل يكون عنده حركة لسان فقط ، فمن يقول إنني مؤمن بالإمامة فلا بدّ أن تكون هناك ثمرة عملية ونتيجة خارجيّة تثبت أنه مؤمن ، فالكلام بحدّ ذاته لا يدلّ على شيء ، فالإيمان له ثلاثة جوانب : جانب قولي ، وجانب قلبي ، وجانب عملي ، وهذه الثلاثة لا بدّ أن تكون متطابقة .
في رواية عن الإمام الصادق عليه السلام قـال : " الإيمان هو الإقرار باللسان وعقد في القلب وعمل بالأركان " (1) .
وعن الإمام أبي جعفر الباقر عليه السلام قال : " قيل لأمـيرالمؤمنين عـليـه السـلام : مـن شهـد أن لا إلـه إلا الله وأن محمـدا
الحاجة إلى الإمامة ـــ القسم الثاني . . . . . . . . . . . . . . . . 117
رسـول الله صـلى الله عليـه وآلـه كـان مؤمنـا ؟ قال : فأين فرائض الله ؟ " (1) .
والفرائض ليست فقط الصلوات اليومية ، بل كل ما فرضه الله من أمور أي كل الواجبات ، فلا بدّ أن يكون هناك عمل ونتيجة خارجيّة مترتّبة على الإيمان القلبي بالإمامة وعلى القول بالإمامة ، فلا بدّ أن توجد ثمرة عملية مترتبة على الاعتقاد القلبي .
إذن : إذا قامت حياة الإنسان على تطبيق ما يريده الإمام المعصوم عليه السلام فهذا يكون مؤمنا متَّبِعا له ، أما من يقول بلسانه فقط إنه معتقد بالإمامة فهذا لا يكون مؤمنا واقعا ، والإيمان درجات والمؤمن يحاول الوصول إلى الدرجات العليا ، فإذا كان مطيعا لإمامه في كل شيء فإنه يكون قد بلغ الدرجة العليا ، والمؤمن بهذه الصفة يكون مؤهلا لأن يكون من أنصار الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف ، أما إذا اتخذ شريكا في طاعة الإمام فلن يصل إلى مرتبة الأنصار ، بل قد يظهر الإمام عليـه السلام ويكون من المحاربين له مع أنه يقول بلسانه إنه مؤمن
118 . . . . . . . . . . . . . . . . الحاجة إلى الإمامة ـــ القسم الثاني
ويدعو في دعائه : " اللهم اجعلني من أنصاره وأعوانه والمجاهدين تحت لوائه والمستشهدين بين يديه " ، فلا يكفي أن يقول الشخص إنني مؤمن ، بل لا بـدّ أن يكون هناك إقرار باللسان واعتقاد في القلب وعمل بالأركان .
النتيجـة :
يجب على المؤمن أن ينسِّق مع الإمام عليه السلام .
إن من يريد أن يبني حياته على أساس الاعتقاد بالإمامة وعلى الطريقة التي يريدها الإمام المعصوم عليه السلام فلا بدّ أن يكون عارفا عالما بما يريده الإمام ، فبدون العلم لا يستطيع المؤمن أن يتحرّك في هذا الطريق ، فإذا كنت تعتقد بالإمامة فلا بدّ أن تكون عالما بما يريده إمامك ، وهنا يأتي دور وجوب طلب العلم ، ففي رواية عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قـال : " طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة " (1) .
وهذا لا يعني أن كل علم واجب على المؤمن ، بل هناك علوم لا بدّ أن يطلبها المؤمن حتى تكون حركته صحيحة في الطريق الذي يؤدي إلى الله عز وجل .
الحاجة إلى الإمامة ـــ القسم الثاني . . . . . . . . . . . . . . . . 119
في رواية عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال : " اطلبوا العلم من المهد إلى اللحد " (1) .
فالمؤمن يجب عليه أن يطلب ما يريده إمامه منه لأنـه في كل لحظة من لحظات حياته يحتاج إلى معرفـة تكليفـه الشرعي ، فقبل أن يتحرّك لا بدّ أن يعرف هذا التكليف وما يريده الإمام منه في هـذه الخطوة ، هل يريد منه التّقدّم أو التّوقّف أو له حرّيّة الاختيار ؟ ، لذلك يجب عليه أن يطلب العلم من بداية حياته إلى آخرها .
إن المؤمن يحتاج في كل مرحلة من مراحل حياته إلى العلم ، لذلك يجب على المؤمـن طلب العلم بالمقدار المعتدّ به حتى يساعده هذا العلم على التحـرّك الصحيح باتجاه الله عز وجل ، فهناك حدّ أدنى من العلم مطلوب من كل مؤمن ، ومن يريد أن يتوسّع أكثر فهذا راجع إليه ويزداد بذلك بصيرة أكثر ، فالمطلوب هو مقدار معيَّن يجب أن يطلبه كل مؤمن ، أما أن يأتي الإنسان فيقول إنه مؤمن بالإمامة ، فتسأله عن الأئمة عليهم السلام وعن كلماتهم ومواعظهم فيقـول لا أعـرف عنهم شيئـا ، أو تسأله مسألـة
120 . . . . . . . . . . . . . . . . الحاجة إلى الإمامة ـــ القسم الثاني
شرعيـة بسيطة فيجيب لا أعلم ، فصلاته قد لا تكون بشكل صحيح ، ووضوؤه كذلك ، فمجرّد قوله إنه مؤمن بالإمامة من غير أن ينسِّق أعماله مع الإمام يؤدّي إلى بطلان أعماله ، فإذا كان وضوؤه غير صحيح فصلاته بالتالي ستكون باطلة ، وكذلك بقيّة أعماله ، فمثلا قد يأخذ أحكام الحج من المذاهب الأخرى ويذهب إلى الحج ويطبّق هذه الأحكام ، فيكون حجّه باطلا حتى لو حجّ جميع دهره وطوال عمره .
إذن : ذلك الإنسان الذي يدَّعي الإيمان وذلك الذي لا يؤمن بالإمامة أصلا كلاهما سيَّان لأن كليهما لا يأخذان من الإمام عليـه السلام الأحكام الشرعية والمسائل الدينية ولا يقيمان حياتهما على أساس أقوال الأئمـة عليهم السلام ، فمن ناحية عمليـة كلاهما يعيشـان بنفس الطريقـة ولهما نفس الرغبات الدنيوية ، فماذا قـدَّم الإيمان لمن يدَّعي الإيمان ؟ وماذا أضاف الإيمان على حياته ؟ وكيف يقول إنـه مؤمن بالإمامـة مع أن إيمانه لم يقدِّم له شيئا إضافيا على ما يفعله غير المؤمن بالإمامة ؟
ولنقارن بين الإنسان المؤمن والإنسان الكافر ، اسأل الإنسان الكافر : مـا هي رغباتك ومـا الذي تحـبّ أن تحصل عليـه في الدنيا ؟
الحاجة إلى الإمامة ـــ القسم الثاني . . . . . . . . . . . . . . . . 121
فيقول ـــ مثلا ـــ : " أحبّ أن أحصل على منـزل وسيارة وراتب جيّد وزوجة جميلة وأن أعيش حياتي بسعادة وراحة ورخاء " .
وتسأل الإنسان الذي يقول إنه مؤمن نفس الأسئلة ويجيب بنفس الأجوبة .
فأسأل ـــ إذن ـــ : ما هو الفرق بين المؤمن والكافر ؟ ما الذي أعطى الإيمان لهذا الشخص الذي يقول إنه مؤمن ؟ ما الذي استفاده من الإيمان والاعتقاد بالإمامة ؟ كيف تكون رغبات المؤمن والكافر واحدة في الحياة الدنيا ؟ ألا تكشف وحدة الرغبات عن أن الإيمان عنده عبارة عن كلمات ينطق بها فقط وأنه لم يدخل إلى قلبه حتى ينعكس من قلبه على أفعاله فيكون له ثمار عملية خارجية ؟
إذن : إذا لم تكن حياة المؤمن قائمة على الإمامة كأصل من أصـول الدين فهو يعتقد بدين ، ولكن ليس هـو الدين الذي يريده الله عز وجل ، بل هو دين منحرف عن خط الإمامة ، إن هذا الإنسـان اعتقاده بالإمامة لم يقدِّم له شيئا ، وفي الواقع هـو ليس معتقدا بالإمامة أو أن اعتقاده ضعيف يزول بسرعة ، فلو كان اعتقاده بالإمامة قويّا لارتبط بها ارتباطا قويّا ولظهر أثر هذا الارتباط على حياته العملية في هذه الدنيا .
122 . . . . . . . . . . . . . . . . الحاجة إلى الإمامة ـــ القسم الثاني
الخـلاصــة :
إن الاجتماع في المناسبات لا بدّ أن تكون له ثمرة عملية تظهر على حياة المؤمن ، والدين قائم على أساس الإمامة ، فبدون الاعتقاد بالإمامة لا يوجد دين إسلامي ، والاعتقـاد بـالإمـامـة أمــر فـطـري عـنــد كـل إنـســان ســواء أتــى بـهــا بــلــفـظ " الإمامة " أو بألفاظ أخرى ، ودور الإمام عليه السلام هو قيادة الناس في طريق الهدى باتجاه الله عز وجل ، لذلك لا بدّ أن يكون عالما ومعصوما ، والنبي صلى الله عليه وآله كان هو الإمام والقائـد في زمانه ثم انتقلت القيادة إلى الأئمة الاثني عشر عليهم السلام واحدا بعد الآخر حتى تصل إلى الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف ، ودورنا تجاه الإمام عليه السلام هو الاعتقاد به والطاعة والاتباع العملي لا فقط القول النظري بحيث إن حياتنا تقوم على أساس هذا الاعتقاد والاتباع العملي .
جعلنا الله وإياكم من المتّبعين والسائرين على طريق أهل البيت عليهم السلام ، وحشرنا الله وإياكم مع محمد وآل محمد الطيبين الطاهرين .
يقول الله تعالى حكاية عن لسان المؤمنين :
الحاجة إلى الإمامة ـــ القسم الثاني . . . . . . . . . . . . . . . . 123
﴿ رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنزَلَتْ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ ﴾ (1) .
والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا أبي القاسم محمد وآله الطيبين الطاهرين .
مقدمة . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . 5
التزام المؤمن بدين الله ـــ القسم الأول . . . . . . . . . . . 11
التزام المؤمن بدين الله ـــ القسم الثاني . . . . . . . . . . . 24
الرسول صلى الله عليه وآله أسوة حسنة . . . . . . . . . . 37
شجرة الإيمان وشجرة الكفر . . . . . . . . . . . . . . . . 50
الارتباط بين حب الله واتباع الرسول ـــ القسم الأول . . . . . 63
الارتباط بين حب الله واتباع الرسول ـــ القسم الثاني . . . . 81
الحاجة إلى الإمامة ـــ القسم الأول . . . . . . . . . . . . . 98
الحاجة إلى الإمامة ـــ القسم الثاني . . . . . . . . . . . . 111
(1) ألقي هـذا الموضـوع في خطبة الجمعة في منطقة مبارك الكبير بتاريخ 10 ربيع الثاني 1420 هـ الموافق 23 / 7 / 1999 م .
- 11 -
(1) الكافي ج 2 ص 27 ح 1 .
(2) المصدر السابق ج 2 ص 26 ح 3 . وَقَرَ : ثَبَتَ وسَكَنَ .
(1) الكافي ج 2 ص 26 ح 5 ، الآية الحجرات : 14 .
(1) الكافي ج 2 ص 25 ح 1 .
(1) بحار الأنوار ج 6 ص 119 ح 2 .
(1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج 20 ص 268 ح 105 .
(2) الكافي ج 2 ص 83 ح 1 .
(1) الكهف : 49 .
(1) بحار الأنوار ج 98 ص 196 ح 31 .
(1) ألقي هـذا الموضـوع في خطبة الجمعة في منطقة مبارك الكبير بتاريخ 17 ربيع الثاني 1420 هـ الموافق 30 / 7 / 1999 م .
- 24 -
(1) الكافي ج 1 ص 25 ح 22 .
(2) علل الشرائع للشيخ الصدوق ج 1 ص 113 ح 10 .
(3) بحار الأنوار ج 1 ص 108 ح 4 .
(1) الكهف : 88 .
(1) الكافي ج 2 ص 33 ح 3 .
(1) الكافي ج 2 ص 33 ح 1 .
(2) المصدر السابق ج 2 ص 45 ح 1 .
(1) البقرة : 285 .
(1) النساء : 13 .
(1) بحار الأنوار ج 67 ص 97 ح 4 .
(1) ألقي هـذا الموضـوع في مسجد الإمـام المهـدي عجل الله فرجه بتـاريخ 17 ربيع الأول 1420 هـ الموافق 1 / 7 / 1999 م بمناسبة مولـد الرسول صلى الله عليه وآله .
(1) النجم : 3 – 5 .
(1) الحشر : 7 .
(1) الكهف : 110 .
(1) يونس : 7 – 9 .
(1) الكافي ج 2 ص 498 ح 1 .
(2) يوسف : 106 .
(3) البحار ج 9 ص 214 ح 93 .
(1) بحار الأنوار ج 72 ص 35 ح 30 .
(1) آل عمران : 190 – 191 .
(2) الكهف : 28 .
(1) بحار الأنوار ج 2 ص 118 ح 23 .
(1) بحار الأنوار ج 2 ص 299 ح 25 .
* ألقي هـذا الموضوع في خطبة الجمعـة في منطقـة مبارك الكبير بتـاريخ 9 جمادى الأولى 1420 هـ الموافق 20 / 8 / 1999 م .
(1) إبراهيم : 24 – 26 .
- 50 -
(1) الحجرات : 7 .
(1) تفسير الميزان ج 12 ص 51 .
(1) النور : 39 .
(1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج 10 ص 148 باب 186 .
(2) بحار الأنوار ج 4 ص 17 ح 5 .
(1) البقرة : 85 .
(2) يوسف : 106 .
* ألقي هـذا الموضـوع في خطبـة الجمعة في منطقة مبارك الكبير بتاريخ 24 ربيع الثاني 1420 هـ الموافق 6 / 8 / 1999 م .
(1) آل عمران : 31 .
- 63 -
(1) الأحزاب : 21 .
(2) الكهف : 110 .
(1) النساء : 57 .
(2) الجاثية : 30 .
(3) البقرة : 25 .
(1) بحار الأنوار ج 68 ص 72 ح 4 .
(1) بحار الأنوار ج 27 ص 311 ح 1 .
(2) المصدر السابق ج 42 ص 276 ح 58 .
* ألقي هـذا الموضـوع في خطبـة الجمعـة في منطقـة مبارك الكبير بتاريخ 2 جمادى الأولى 1420 هـ الموافق 13 / 8 / 1999 م .
(1) آل عمران : 31 .
- 81 -
(1) مصباح المتهجّد للشيخ الطوسي قدس سره ص 775 .
(1) البقرة : 212 .
(1) الأعلى : 16 – 17 .
(2) القصص : 60 .
(1) مكارم الأخلاق للشيخ رضي الدين الطبرسي ص 8 – 10 .
يقول الشيخ محمد عبده : " والمثل معناه إذا أصبح النائمون وقد رأوا السّارين واصلين إلى مقاصدهم حمدوا سراهم وندموا على نوم أنفسهم ، أو إذا أصبح السّارون وقد وصلوا إلى ما ساروا إليه حمدوا سراهم وإن كان شاقّا حيث أبلغهم إلى ما قصدوا ، والسُّرى – بضم ففتح – السّير ليلا " . شرح نهج البلاغة ج 2 ص 61 .
(1) الزمر : 55 – 59 .
(1) الكافي ج 2 ص 130 ح 10 .
* ألقي هـذا الموضوع في خطبـة الجمعـة في منطقة مبارك الكبير بتاريخ 3 ربيع الثاني 1420 هـ الموافق 16 / 7 / 1999 م بمناسبة مولد الإمام الحسن العسكري عليه السلام في الثامن من ربيع الثاني سنة 232 هـ .
- 98 -
(1) الكافي ج 2 ص 18 ح 3 .
(2) الكافي ج 2 ص 46 ح 2 .
(1) الأحزاب : 21 .
(2) نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج 16 ص 205 باب 45 .
(1) المائدة : 35 .
(1) النساء : 59 .
(1) النساء : 80 .
(2) الكافي ج 2 ص 18 ح 5 .
(1) الكافي ج 2 ص 27 ح 1 .
(1) الكافي ج 2 ص 33 ح 2 .
(1) بحار الأنوار ج 105 ص 15 .
(1) الأمثل في تفسير كتاب الله المنـزل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي ج 3 ص 504 .
(1) آل عمران : 53 .